تصفح



العودة   منتديات عالم الرومانسية > منتديات عامة > منتديات اسلامية > منتدى الأديان والمذاهب المعاصرة

منتدى الأديان والمذاهب المعاصرة منتدى الاديان والمذاهب المعاصرة في العهد السابق والحالي نتحدث عنها بموضوعية وأدلة ثابتة ويمنع وضع مواضيع بدول دليل قاطع.

الائمة الاثنى عشر

الإمام الأول : أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) إن الإمام علي بن أبي طالب أشهر من أن يعرف ، ولقد قام لفيف من

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-25-2006, 04:34 PM   #1 (permalink)
شيعية وكلي فخر
عضو موقوف
 

الائمة الاثنى عشر




الإمام الأول : أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام )

إن الإمام علي بن أبي طالب أشهر من أن يعرف ، ولقد قام لفيف من السنة والشيعة بتأليف كتب وموسوعات عن حياته ، ومناقبه ، وفضائله ، وجهاده ، وعلومه ، وخطبه ، وقصار كلماته ، وسياسته ، وحروبه مع الناكثين والقاسطين والمارقين ، فالأولى لنا الاكتفاء بالميسور في هذا المجال ، وإحالة القارئ إلى تلك الموسوعات ، بيد أننا نكتفي هنا بذكر أوصافه الواردة في السنة فنقول :
هو أمير المؤمنين ، وسيد المسلمين ، وقائد الغر المحجلين ، وخاتم الوصيين ، وأول القوم إيمانا ، وأوفاهم بعهد الله ، وأعظمهم مزية ، وأقومهم بأمر الله ، وأعلمهم بالقضية ، وراية الهدى ، ومنار الإيمان ، وباب الحكمة ، والممسوس في ذات الله ، خليفة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، الهاشمي ، وليد الكعبة المشرفة ، ومطهرها من كل صنم ووثن ، الشهيد في البيت الإلهي ( مسجد الكوفة ) في محرابه حال الصلاة سنة 40 ه‍ . وكل جملة من هذه الجمل ، وعبارة من هذه العبارات ، كلمة قدسية نبوية أخرجها الحفاظ من أهل السنة ( 1 ) .

( 1 ) راجع مسند أحمد 1 : 331 و 5 : 182 - 189 ، حلية الأولياء 1 : 62 - 68 ، الغدير 2 : 33 .

مكونات الشخصية الإنسانية

تعود شخصية كل إنسان - حسب ما يرى علماء النفس - إلى ثلاثة عوامل هامة لكل منها نصيب وافر في تكوين الشخصية وأثر عميق في بناء كيانها . وكأن الشخصية الإنسانية لدى كل إنسان أشبه بمثلث يتألف من اتصال هذه الأضلاع الثلاثة بعضها ببعض ، وهذه العوامل الثلاثة هي :
1 - الوراثة .
2 - التعليم والثقافة .
3 - البيئة والمحيط .
إن كل ما يتصف به المرء من صفات حسنة أو قبيحة ، عالية أو وضيعة تنتقل إلى الإنسان عبر هذه القنوات الثلاث ، وتنمو فيه من خلال هذه الطرق .

وإن الأبناء لا يرثون منا المال والثروة والأوصاف الظاهرية فقط كملامح الوجه ولون العيون وكيفيات الجسم ، بل يرثون كل ما يتمتع به الآباء من خصائص روحية وصفات أخلاقية عن طريق الوراثة كذلك . فالأبوان - بانفصال جزئي " الحويمن " و " البويضة " المكونين للطفل منهما - إنما ينقلان - في الحقيقة - صفاتهما ملخصة إلى الخلية الأولى المكونة من ذينك الجزأين ، تلك الخلية الجنينية التي تنمو مع ما تحمل من الصفات والخصوصيات الموروثة .

ويشكل تأثير الثقافة والمحيط ، الضلعين الآخرين في مثلث الشخصية الإنسانية ، فإن لهذين الأمرين أثرا مهما وعميقا في تنمية السجايا الرفيعة المودعة في باطن كل إنسان بصورة فطرية جبلية أو الموجودة في كيانه بسبب الوراثة من الأبوين .

فإن في مقدور كل معلم أن يرسم مصير الطفل ومستقبله من خلال ما يلقي إليه من تعليمات وتوصيات وما يعطيه من سيرة وسلوك ومن آراء وأفكار ، فكم من بيئة حولت أفرادا صالحين إلى فاسدين ، أو فاسدين إلى صالحين .

وإن تأثير هذين العاملين المهمين من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى المزيد من البيان والتوضيح . على أننا يجب أن لا ننسى دور إرادة الإنسان نفسه وراء هذه العوامل الثلاثة . مكونات شخصية الإمام علي ( عليه السلام ) لم يكن الإمام علي ( عليه السلام ) بصفته بشرا بمستثنى من هذه القاعدة ، فقد ورث الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) جانبا كبيرا من شخصيته النفسية والروحية والأخلاقية من هذه العوامل والطرق الثلاثة ، وإليك تفصيل ذلك :

1 - الإمام علي ( عليه السلام ) والوراثة من الأبوين :

لقد انحدر الإمام علي من صلب والد عظيم الشأن ، رفيع الشخصية هو أبو طالب ، ولقد كان أبو طالب زعيم مكة ، وسيد البطحاء ، ورئيس بني هاشم ، وهو إلى جانب ذلك ، كان معروفا بالسماحة والبذل والجود والعطاء والعطف والمحبة والفداء والتضحية في سبيل الهدف المقدس ، والعقيدة التوحيدية المباركة .

فهو الذي تكفل رسول الله منذ توفي جده وكفيله الأول عبد المطلب وهو آنذاك في الثامنة من عمره ، وتولى العناية به والقيام بشؤونه ، وحفظه وحراسته في السفر والحضر ، بإخلاص كبير واندفاع وحرص لا نظير لهما ، بل وبقي يدافع عن رسالة التوحيد ، والدين الحق الذي جاء به النبي الكريم ( صلى الله عليه وآله ) ويقوم في سبيل إرساء قواعده ونشر تعاليمه بكل تضحية وفداء ، ويتحمل لتحقيق هذه الأهداف العليا كل تعب ونصب وعناء.

وقد انعكست هذه الحقيقة وتجلى موقفه هذا في كثير من أشعاره وأبياته المجموعة في ديوانه بصورة كاملة مثل قوله :

ليعلم خيار الناس أن محمدا * نبي كموسى والمسيح ابن مريم
وقوله :
ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا * رسولا كموسى خط في أول الكتب ( 1 )

إن من المستحيل أن تصدر أمثال هذه التضحيات التي كان أبرزها محاصرة بني هاشم جميعا في الشعب ، ومقاطعتهم القاسية ، من دافع غير الإيمان العميق بالهدف والشغف الكبير بالمعنوية ، الذي كان يتصف به أبو طالب ، إذ لا تستطيع مجرد الوشائج العشائرية ، وروابط القربى ، أن توجد في الإنسان مثل هذه الروح التضحوية .

إن الدلائل على إيمان أبي طالب بدين ابن أخيه تبلغ من الوفرة والكثرة بحيث استقطبت اهتمام كل المحققين المنصفين والمحايدين ، ولكن بعض المتعصبين توقف في إيمان تلك الشخصية المتفانية العظيمة ، بالدعوة المحمدية ، بينما تجاوز فريق هذا الحد إلى ما هو أبعد من ذلك ، حيث قالوا بأنه مات غير مؤمن . ولو صحت عشر هذه الدلائل الدالة على إيمان أبي طالب الثابتة في كتب التاريخ والحديث في حق رجل آخر لما شك أحد في إيمانه فضلا عن إسلامه ، ولكن لا يعلم الإنسان لماذا لا تستطيع كل هذه الأدلة إقناع هذه الزمرة ، وإنارة الحقيقة لهم ؟ !

( 1 ) مجمع البيان 4 : 37

هذا عن والد الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .

وأما أمه فهي فاطمة بنت أسد بن هاشم وهي من السابقات إلى الإسلام والإيمان برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وقد كانت قبل ذلك تتبع ملة إبراهيم .
إنها المرأة الطاهرة التي لجأت - عند المخاض - إلى المسجد الحرام ، وألصقت نفسها بجدار الكعبة وأخذت تقول : " يا رب إني مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسل وكتب ، وإني مصدقة بكلام جدي إبراهيم وإنه بنى البيت العتيق ، فبحق الذي بنى هذا البيت و ( بحق ) المولود الذي في بطني إلا ما يسرت علي ولادتي " . فدخلت فاطمة بنت أسد الكعبة ووضعت عليا هناك ( 1 ) .

تلك فضيلة نقلها قاطبة المؤرخين والمحدثين الشيعة ، وكذا علماء الأنساب في مصنفاتهم ، كما نقلها ثلة كبيرة من علماء السنة وصرحوا بها في كتبهم ، واعتبروها حادثة فريدة ، وواقعة عظيمة لم يسبق لها مثيل ( 2 ) .

وقال الحاكم النيسابوري : وقد تواترت الأخبار أن فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في جوف الكعبة ( 3 ) .

وقال شهاب الدين أبو الثناء السيد محمود الآلوسي : " وكون الأمير كرم الله وجهه ، ولد في البيت ، أمر مشهور في الدنيا ولم يشتهر وضع غيره كرم الله وجهه ، كما اشتهر وضعه " ( 4 )

( 1 ) كشف الغمة 1 : 60 .
( 2 ) مروج الذهب 2 : 349 ، شرح الشفاء للقاضي عياض 1 : 151 وغيرهما ، وقد أفرد العلامة الأردوبادي رسالة في هذه المنقبة وسماها : علي وليد الكعبة .
( 3 ) شرح عينية عبد الباقي العمري : 15 .
( 4 ) الغدير 6 : 22 .



شيعية وكلي فخر غير متصل  
قديم 11-25-2006, 04:38 PM   #2 (permalink)
شيعية وكلي فخر
عضو موقوف
 
الإمام علي وتربيته في حجر النبي ( صلى الله عليه وآله ) :

وأما التربية الروحية والفكرية والأخلاقية فقد تلقاها علي ( عليه السلام ) في حجر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وهي الضلع الثاني من أضلاع شخصيته الثلاثة .

ولو أننا قسمنا مجموعة سنوات عمر الإمام ( عليه السلام ) إلى خمسة أقسام لوجدنا القسم الأول من هذه الأقسام الخمسة من حياته الشريفة ، يؤلف السنوات التي قضاها ( عليه السلام ) قبل بعثة النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) .

وإن هذا القسم من حياته الشريفة لا يتجاوز عشر سنوات ، لأن اللحظة التي ولد فيها علي ( عليه السلام ) لم يكن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد تجاوز الثلاثين من عمره المبارك ، هذا مع العلم بأنه ( صلى الله عليه وآله ) قد بعث بالرسالة في سن الأربعين . وعلى هذا الأساس لم يكن الإمام علي ( عليه السلام ) قد تجاوز السنة العاشرة من عمره يوم بعث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بالرسالة ، وتوج بالنبوة .

إن أبرز الحوادث في حياة الإمام علي ( عليه السلام ) هو تكوين الشخصية العلوية ، وتحقق الضلع الثاني من المثلث الذي أسلفناه بواسطة النبي الأكرم ، وفي ظل ما أعطاه ( صلى الله عليه وآله ) لعلي ( عليه السلام ) من أخلاق وأفكار ، لأن هذا القسم في حياة كل إنسان وهذه الفترة من عمره هي من اللحظات الخطيرة ، والقيمة جدا ، فشخصية الطفل في هذه الفترة تشبه صفحة بيضاء نقية تقبل كل لون ، وهي مستعدة لأن ينطبع عليها كل صورة مهما كانت ، وهذه الفترة من العمر تعتبر - بالتالي - خير فرصة لأن ينمي المربون والمعلمون فيها كلما أودعت يد الخالق في كيان الطفل من سجايا طيبة وصفات كريمة ، وفضائل أخلاقية نبيلة ، ويوقفوا الطفل - عن طريق التربية - على القيم الأخلاقية والقواعد الإنسانية وطريقة الحياة السعيدة ، وتحقيقا لهذا الهدف السامي تولى النبي الكريم ( صلى الله عليه وآله ) بنفسه تربية علي ( عليه السلام ) بعد ولادته ، وذلك عندما أتت فاطمة بنت أسد بوليدها علي ( عليه السلام ) إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فلقيت من رسول الله حبا شديدا لعلي حتى أنه قال لها : " اجعلي مهده بقرب فراشي " وكان ( صلى الله عليه وآله ) يطهر عليا في وقت غسله ، ويوجره اللبن عند شربه ، ويحرك مهده عند نومه ، ويناغيه في يقظته ، ويلاحظه ويقول : " هذا أخي ، ووليي ، وناصري ، وصفيي ، وذخري ، وكهفي ، وصهري ، ووصيي ، وزوج كريمتي ، وأميني على وصيتي ، وخليفتي " ( 1 ) .

ولقد كانت الغاية من هذه العناية هي أن يتم توفير الضلع الثاني في مثلث الشخصية ( وهو التربية ) بواسطته ( صلى الله عليه وآله ) ، وأن لا يكون لأحد غير النبي ( صلى الله عليه وآله ) دخل في تكوين الشخصية العلوية الكريمة .

وقد ذكر الإمام علي ( عليه السلام ) ما أسداه الرسول الكريم إليه وما قام به تجاهه في تلكم الفترة إذ قال : " وقد علمتم موضعي من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بالقرابة القريبة ، والمنزلة الخصيصة ، وضعني في حجره وأنا وليد ، يضمني إلى صدره ، ويكنفني في فراشه ، ويمسني جسده ، ويشمني عرفه ، وكان يمضغ الشئ ثم يلقمنيه " ( 2 ) .

النبي يأخذ عليا إلى بيته :

وإذ كان الله تعالى يريد لولي دينه أن ينشأ نشأة صالحة وأن يأخذ النبي عليا إلى بيته وأن يقع منذ نعومة أظفاره تحت تربية النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) ، ألفت نظر نبيه إلى ذلك .

قد ذكر المؤرخون أنه أصابت مكة - ذات سنة - أزمة مهلكة وسنة مجدبة منهكة ، وكان أبو طالب - رضي الله عنه - ذا مال يسير وعيال كثير فأصابه ما أصاب قريشا من العدم والضائقة والجهد والفاقة ، فعند ذلك دعا رسول الله عمه

( 1 ) كشف الغمة 1 : 60 .
( 2 ) نهج البلاغة ، الخطبة ( 192 ) المسماة بالخطبة القاصعة

العباس إلى أن يتكفل كل واحد منهما واحدا من أبناء أبي طالب وكان العباس ذا مال وثروة وجدة فوافقه العباس على ذلك ، أخذ النبي عليا ، وأخذ العباس جعفرا وتكفل أمره ، وتولى شؤونه ( 1 ) .

هكذا وللمرة الأخرى أصبح علي ( عليه السلام ) في حوزة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بصورة كاملة ، واستطاع بهذه المرافقة الكاملة أن يقتطف من ثمار أخلاقه العالية وسجاياه النبيلة ، الشئ الكثير ، وأن يصل تحت رعاية النبي وعنايته وبتوجيهه وقيادته ، إلى أعلى ذروة من ذرى الكمال الروحي . وهذا هو الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يشير إلى تلك الأيام القيمة وإلى تلك الرعاية النبوية المباركة المستمرة إذ يقول : " ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه ، يرفع لي كل يوم من أخلاقه علما ويأمرني بالاقتداء به " ( 2 ) .

علي في غار حراء

كان النبي - حتى قبل أن يبعث بالرسالة والنبوة - يعتكف ويتعبد في غار حراء شهرا من كل سنة ، فإذا انقضى الشهر وقضى جواره من حراء انحدر من الجبل ، وتوجه إلى المسجد الحرام رأسا وطاف بالبيت سبعا ، ثم عاد إلى منزله .

وهنا يطرح سؤال : ماذا كان شأن علي ( عليه السلام ) في تلك الأيام التي كان يتعبد ويعتكف فيها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في ذلك المكان مع ما عرفناه من حب الرسول الأكرم له ؟ هل كان يأخذ ( صلى الله عليه وآله ) عليا معه إلى ذلك المكان العجيب أم كان يتركه ويفارقه ؟ إن القرائن الكثيرة تدل على أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) منذ أن أخذ عليا لم يفارقه يوما أبدا ،

( 1 ) بحار الأنوار 35 : 44 ، وسيرة ابن هشام 1 : 246 .
( 2 ) نهج البلاغة - شرح عبده - 2 : 182 .
فهاهم المؤرخون يقولون : كان علي يرافق النبي دائما ولا يفارقه أبدا ، حتى أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كان إذا خرج إلى الصحراء أو الجبل أخذ عليا معه ( 1 ) .

يقول ابن أبي الحديد : وقد ذكر علي ( عليه السلام ) هذا الأمر في الخطبة القاصعة إذ قال : " ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء ، فأراه ولا يراه غيري " ( 2 ) .
إن هذه العبارة وإن كانت محتملة في مرافقته للنبي في حراء بعد البعثة الشريفة إلا أن القرائن السابقة وكون مجاورة النبي بحراء كانت في الأغلب قبل البعثة ، تؤيد أن هذه الجملة ، يمكن أن تكون إشارة إلى صحبة علي للنبي في حراء قبل البعثة .

إن طهارة النفسية العلوية ، ونقاوة الروح التي كان علي ( عليه السلام ) يتحلى بها ، والتربية المستمرة التي كان يحظى بها في حجر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، كل ذلك كان سببا في أن يتصف علي ( عليه السلام ) - ومنذ نعومة أظفاره - ببصيرة نفاذة وقلب مستنير ، وأذن سميعة واعية تمكنه من أن يرى أشياء ويسمع أمواجا تخفى على الناس العاديين ، ويتعذر عليهم سماعها ورؤيتها ، كما يصرح نفسه بذلك إذ يقول : " أرى نور الوحي والرسالة ، وأشم ريح النبوة " ( 3 ) .

يقول الإمام الصادق ( عليه السلام ) : " كان علي ( عليه السلام ) يرى مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قبل الرسالة الضوء ، ويسمع الصوت " .
وقد قال له النبي ( صلى الله عليه وآله ) : لولا أني خاتم الأنبياء لكنت شريكا في النبوة ، فإن لا تكن نبيا فإنك وصي نبي ووارثه ، بل أنت سيد الأوصياء وإمام الأتقياء " ( 4 ) .

ويقول الإمام علي ( عليه السلام ) : " لقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه ( صلى الله عليه وآله )

( 1 ) ابن أبي الحديد شرح نهج البلاغة 13 : 208 .
( 2 ) نهج البلاغة : الخطبة القاصعة الرقم 187 .
( 3 ) المصدر نفسه .
( 4 ) ابن أبي الحديد شرح نهج البلاغة 13 : 310

فقلت : يا رسول الله ما هذه الرنة ؟ فقال : هذا الشيطان أيس من عبادته ، ثم قال له : " إنك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلا أنك لست بنبي ولكنك وزير " ( 1 ) .
هذا هو الرافد الثاني الذي كان يرفد الشخصية العلوية بالأخلاق والسجايا الرفيعة

( 1 ) نهج البلاغة : الخطبة القاصعة الرقم 187 .
شيعية وكلي فخر غير متصل  
قديم 11-25-2006, 04:41 PM   #3 (permalink)
شيعية وكلي فخر
عضو موقوف
 
الإمام الثاني : أبو محمد الحسن بن علي المجتبى ( عليه السلام )




هو ثاني أئمة أهل البيت الطاهر ، وأول السبطين ، وأحد سيدي شباب أهل الجنة ، وريحانة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وأحد الخمسة من أصحاب الكساء ، أمه فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) سيدة نساء العالمين .

ولادته : ولد في المدينة ليلة النصف من شهر رمضان سنة ثلاث أو اثنتين من الهجرة ، وهو أول أولاد علي وفاطمة ( عليهما السلام ) .

نسب كان عليه من شمس الضحى * نور ومن فلق الصباح عمودا

وروي عن أنس بن مالك قال : لم يكن أحد أشبه برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من الحسن بن علي ( عليهما السلام ) ( 1 ) .

( 1 ) ابن الصباغ المالكي ( المتوفى عام 855 ه× ) : الفصول المهمة : 152 .


فلما ولد الحسن قالت فاطمة لعلي : سمه ، فقال : " ما كنت لأسبق باسمه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) " ، فجاء النبي ( صلى الله عليه وآله ) فأخرج إليه فقال : " اللهم إني أعيذه بك وولده من الشيطان الرجيم ، وأذن في أذنه اليمني وأقام في اليسرى .

ألقابه ( عليه السلام ) أشهرها : التقي والزكي والسبط .

علمه ( عليه السلام ) : يكفي أنه كان يجلس في مسجد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ويجتمع الناس حوله فيتكلم بما يشفي غليل السائل ويقطع حجج المجادلين .
من ذلك ما رواه الإمام أبو الحسن علي ابن أحمد الواحدي في تفسير الوسيط : أن رجلا دخل إلى مسجد المدينة فوجد شخصا يحدث عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) والناس حوله مجتمعون فجاء إليه الرجل ، قال : أخبرني عن { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } ( 1 ) ؟ فقال : " نعم ، أما الشاهد فيوم الجمعة والمشهود فيوم عرفة " .

فتجاوزه إلى آخر غيره يحدث في المسجد ، فسأله عن { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } قال : " أما الشاهد فيوم الجمعة ، وأما المشهود يوم النحر " . قال : فتجاوزه إلى ثالث ، غلام كأن وجهه الدينار ، وهو يحدث في المسجد ، فسأله عن شاهد ومشهود ، فقال : " نعم ، أما الشاهد فرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأما المشهود فيوم القيامة ، أما سمعته عز وجل يقول : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا

( 1 ) البروج : 3

وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا } ( 1 ) ، وقال تعالى : { ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ } " ( 2 ) .
فسأل عن الأول ، فقالوا : ابن عباس ، وسأل عن الثاني ، فقالوا : ابن عمر ، وسأل عن الثالث ، فقالوا : الحسن بن علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ( 3 ) .

زهده ( عليه السلام ) : يكفي في ذلك ما نقله الحافظ أبو نعيم في حليته بسنده أنه ( عليه السلام ) قال : " إني لأستحيي من ربي أن ألقاه ولم أمش إلى بيته " فمشى عشرين مرة من المدينة إلى مكة على قدميه .

وروي عن الحافظ أبي نعيم في حليته أيضا : أنه ( عليه السلام ) خرج من ماله مرتين ، وقاسم الله تعالى ثلاث مرات ماله وتصدق به . وكان ( عليه السلام ) من أزهد الناس في الدنيا ولذاتها ، عارفا بغرورها وآفاتها ، وكثيرا ما كان ( عليه السلام ) يتمثل بهذا البيت شعرا :

يا أهل لذات دنيا لا بقاء لها * إن اغترارا بظل زائل حمق ( 4 )

حلمه ( عليه السلام ) : روى ابن خلكان عن ابن عائشة : أن رجلا من أهل الشام قال : دخلت

( 1 ) الأحزاب : 45 .
( 2 ) هود : 103 .
( 3 ) بحار الأنوار 1 : 13 .
( 4 ) ابن الصباغ المالكي ، الفصول المهمة : 154 .

المدينة - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام - فرأيت رجلا راكبا على بغلة لم أر أحسن وجها ولا سمتا ولا ثوبا ولا دابة منه ، فمال قلبي إليه ، فسألت عنه فقيل : هذا الحسن بن علي بن أبي طالب ، فامتلأ قلبي له بغضا وحسدت عليا أن يكون له ابن مثله ، فصرت إليه وقلت له : أأنت ابن علي بن أبي طالب ؟ قال : " أنا ابنه " ، قلت : فعل بك وبأبيك ، أسبهما ، فلما انقضى كلامي قال لي : " أحسبك غريبا " ؟ قلت : أجل ، قال : " مل بنا ، فإن احتجت إلى منزل أنزلناك ، أو إلى مال آتيناك ، أو إلى حاجة عاوناك " قال : فانصرفت عنه وما على الأرض أحب إلي منه ، وما فكرت فيما صنع وصنعت إلا شكرته وخزيت نفسي ( 1 ) .

إمامته ( عليه السلام ) : يكفي في ذلك ما صرح به النبي ( صلى الله عليه وآله ) من قوله : " هذان ابناي إمامان قاما أو قعدا . . . " .

وروت الشيعة بطرقهم عن سليم بن قيس الهلالي قال : شهدت أمير المؤمنين ( عليه السلام ) حين أوصى إلى ابنه الحسن ( عليه السلام ) وأشهد على وصيته الحسين ( عليه السلام ) ومحمدا وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته ، ثم دفع إليه الكتاب والسلاح وقال له : " يا بني إنه أمرني رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أن أوصي إليك ، وأدفع إليك كتبي وسلاحي ، كما أوصى إلي ودفع إلي كتبه وسلاحه ، وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين ، ثم أقبل على ابنه الحسين ( عليه السلام ) فقال : وأمرك رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أن تدفعها إلى ابنك هذا ، ثم أخذ بيد علي بن الحسين وقال : وأمرك رسول الله أن تدفعها إلى ابنك محمد بن علي فاقرأه من رسول الله

( 1 ) ابن خلكان ، وفيات الأعيان 2 : 68 .

ومني السلام " ( 1 ) .

روى أبو الفرج الأصفهاني : أنه خطب الحسن بن علي بعد وفاة أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) وقال : " قد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون بعمل ، ولا يدركه الآخرون بعمل ، ولقد كان يجاهد مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فيقيه بنفسه ، ولقد كان يوجهه برايته فيكتنفه جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره ، فلا يرجع حتى يفتح الله عليه ، ولقد توفي في هذه الليلة التي عرج فيها بعيسى بن مريم ، ولقد توفي فيها يوشع بن نون وصي موسى ، وما خلف صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم بقية من عطائه أراد أن يبتاع بها خادما لأهله " .
ثم خنقته العبرة فبكى وبكى الناس معه .
ثم قال : " أيها الناس من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، أنا ابن البشير ، أنا ابن النذير ، أنا ابن الداعي إلى الله عز وجل بإذنه ، وأنا ابن السراج المنير ، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، والذين افترض الله مودتهم في كتابه إذ يقول : { وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا } ( 2 ) فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت " .

قال أبو مخنف عن رجاله : ثم قام ابن عباس بين يديه فدعا الناس إلى بيعته فاستجابوا له وقالوا : ما أحبه إلينا وأحقه بالخلافة ، فبايعوه ( 3 ) .

وقال المفيد : كانت بيعته يوم الجمعة الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة ، فرتب العمال وأمر الأمراء ، وأنفذ عبد الله بن العباس إلى

( 1 ) الشيخ الطبرسي ، إعلام الورى بأعلام الهدى 1 : 405 تحقيق مؤسسة آل البيت ( عليهم السلام ) ، ومن أراد الوقوف على نصوص إمامته فعليه أن يرجع إلى الكافي 1 : 297 ، وإثبات الهداة 2 : 543 - 568 فقد نقل خمسة نصوص في المقام .
( 2 ) الشورى : 23 . ( 3 ) مقاتل الطالبيين : 52 . ( * )


البصرة ، ونظر في الأمور ( 1 ) .

وقال أبو الفرج الأصفهاني : وكان أول شئ أحدثه الحسن [ ( عليه السلام ) ] أنه زاد في المقاتلة مائة مائة ، وقد كان علي فعل ذلك يوم الجمل ، وهو فعله يوم الاستخلاف ، فتبعه الخلفاء بعد ذلك ( 2 ) .

قال المفيد : فلما بلغ معاوية وفاة أمير المؤمنين وبيعة الناس ابنه الحسن ، دس رجلا من حمير إلى الكوفة ، ورجلا من بني القين إلى البصرة ليكتبا إليه بالأخبار ويفسدا على الحسن الأمور ، فعرف ذلك الحسن ، فأمر باستخراج الحميري من عند لحام في الكوفة فأخرج وأمر بضرب عنقه ، وكتب إلى البصرة باستخراج القيني من بني سليم ، فأخرج وضربت عنقه ( 3 ) .

صلحه ( عليه السلام ) مع معاوية : ثم إنه استمرت المراسلات ( 4 ) بين الحسن ومعاوية وانجرت إلى حوادث مريرة إلى أن أدت إلى الصلح واضطر إلى التنازل عن الخلافة لصالح معاوية ، فعقدا صلحا وإليك صورته : بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما صالح عليه الحسن بن علي بن أبي طالب معاوية بن أبي

( 1 ) المفيد : الإرشاد : 188 .
( 2 ) مقاتل الطالبيين : 55 . ( 3 ) الإرشاد للمفيد : 188 ، مقاتل الطالبيين : 52 .
( 4 ) ومن أراد الوقوف عليها فليرجع إلى مقاتل الطالبيين : 53 - 72 وبالإمعان فيها وما أظهر أصحابه من التخاذل ، يتضح سر صلح الإمام وتنازله عن الخلافة ، فلم يطاع إلا أنه أتم الحجة عليهم ، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى صلح الحسن للشيخ راضي آل ياسين . ( * )


سفيان ، صالحه على أن يسلم إليه ولاية المسلمين على أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنة رسول الله ، وليس لمعاوية أن يعهد إلى أحد من بعده عهدا ، على أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله تعالى في شامهم ويمنهم وعراقهم وحجازهم . على أن أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم حيث كانوا ، وعلى معاوية بذلك عهد الله وميثاقه . على أن لا يبغي للحسن بن علي ولا لأخيه الحسين ولا لأحد من أهل بيت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) غائلة سوء سرا وجهرا ، ولا يخيف أحدا في أفق من الآفاق . شهد عليه بذلك فلان وفلان ، وكفى بالله شهيدا ( 1 ) .

ولما تم الصلح صعد معاوية المنبر وقال في خطبته : إني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ، ولا لتحجوا ولا لتزكوا ، إنكم لتفعلون ذلك ، ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم ، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون . ألا وإني كنت منيت الحسن وأعطيته أشياء وجميعها تحت قدمي هاتين لا أفي بشئ منها له ( 2 ) .

شهادته ودفنه ( عليه السلام ) : لما نقض معاوية عهده مع الإمام الحسن ( عليه السلام ) ، وما كان ذلك بغريب على رجل أبوه أبو سفيان ، وأمه هند ، وهو طليق ابن طلقاء عمد إلى أخذ البيعة ليزيد ولده المشهور بمجونه وتهتكه وزندقته ، وما كان شئ أثقل عليه من أمر الحسن بن علي ( عليهما السلام ) ، فدس إليه السم ، فمات بسببه .

( 1 ) ابن صباغ المالكي ، الفصول المهمة : 163 .
( 2 ) الإرشاد للمفيد : 191 .

فقد روي : أن معاوية أرسل إلى ابنة الأشعث - وكانت تحت الحسن ( عليه السلام ) - : إني مزوجك بيزيد ابني على أن تسمي الحسن بن علي .
وبعث إليها بمائة ألف درهم ، فقبلت وسمت الحسن ، فسوغها المال ولم يزوجها منه ( 1 ) .

فلما دنا موته أوصى لأخيه الحسين ( عليه السلام ) وقال : " إذا قضيت نحبي غسلني وكفني واحملني على سريري إلى قبر جدي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ثم ردني إلى قبر جدتي فاطمة بنت أسد فادفني هناك ، وبالله أقسم عليك أن تهريق في أمري محجمة دم " .
فلما حملوه إلى روضة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لم يشك مروان ومن معه من بني أمية أنهم سيدفنونه عند جده رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فتجمعوا له ولبسوا السلاح ، ولحقتهم عائشة على بغل وهي تقول : ما لي ولكم تريدون أن تدخلوا بيتي من لا أحب ! ! وجعل مروان يقول : يا رب هيجاء هي خير من دعة ، أيدفن عثمان في أقصى المدينة ويدفن الحسن مع النبي ؟ ! وكادت الفتنة تقع بين بني هاشم وبني أمية . ولأجل وصية الحسن مضوا به إلى البقيع ودفنوه عند جدته فاطمة بنت أسد ( 2 ) .

وتوفي الحسن وله من العمر ( 47 ) عاما وكانت سنة وفاته سنة ( 50 ) من الهجرة النبوية .

والعجيب أن مروان بن الحكم حمل سريره إلى البقيع فقال له الحسين : " أتحمل سريره ؟ ! أما والله لقد كنت تجرعه الغيظ " فقال مروان : إني كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال ( 3 ) .

فرح معاوية بموته : ولما بلغ معاوية موت الحسن ( عليه السلام ) سجد وسجد من حوله وكبر وكبروا معه .

( 1 ) مقاتل الطالبيين : 73 .
( 2 ) الإرشاد : 193 ، كشف الغمة 1 : 209 ، مقاتل الطالبيين : 74 - 75 .
( 3 ) مقاتل الطالبيين : 76 .

ذكره الزمخشري في ربيع الأبرار وابن عبد البر في الإستيعاب وغيرهما . فقال بعض الشعراء :

أصبح اليوم ابن هند شامتا * ظاهر النخوة إذ مات الحسن
يا ابن هند إن تذق كأس الردى * تك في الدهر كشئ لم يكن
لست بالباقي فلا تشمت به * كل حي للمنايا مرتهن ( 1 )

هذه لمحة عن حياة الحسن المشحونة بالحوادث المريرة .
وتركنا الكثير مما يرجع إلى جوانب حياته ، خصوصا ما نقل عنه من الخطب والرسائل والكلم القصار ، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى تحف العقول ( 2 ) فقد ذكر قسما كبيرا من كلماته .

( 1 ) الأمين العاملي ، في رحاب أئمة أهل البيت : 43 .
( 2 ) الحراني الحسن بن شعبة ، تحف العقول : 225 - 236
شيعية وكلي فخر غير متصل  
قديم 11-25-2006, 04:47 PM   #4 (permalink)
شيعية وكلي فخر
عضو موقوف
 
الإمام الثالث : أبو عبد الله الحسين بن علي سيد الشهداء ( عليه السلام )


هو ثالث أئمة أهل البيت الطاهر ، وثاني السبطين ، وسيدي شباب أهل الجنة ، وريحانتي المصطفى ( صلى الله عليه وآله ) ، وأحد الخمسة أصحاب الكساء ، وسيد الشهداء ، وأمه فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .

ولادته ( عليه السلام ) : ولد في المدينة المنورة في الثالث من شعبان سنة ثلاث أو أربع من الهجرة ، ولما ولد جئ به إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فاستبشر به ، وأذن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى ، فلما كان اليوم السابع سماه حسينا ، وعق عنه بكبش ، وأمر أمه أن تحلق رأسه وتتصدق بوزن شعره فضة ، كما فعلت بأخيه الحسن ، فامتثلت ( عليها السلام ) ما أمرها به .

خصائصه ( عليه السلام ) : إن حياة الإمام الحسين من ولادته إلى شهادته حافلة بالأحداث ،
والإشارة - فضلا عن الإحاطة - إلى كل ما يرجع إليه يحتاج إلى تأليف مفرد ، وقد أغنانا في ذلك ما كتبه المؤلفون والباحثون عن جوانب حياته ( عليه السلام ) ، حيث تحدثوا في مؤلفاتهم المختلفة عن النصوص الواردة من جده وأبيه في حقه ، وعن علمه ومناظراته ، وخطبه وكتبه وقصار كلمه ، وفصاحته وبلاغته ، ومكارم أخلاقه ، وكرمه وجوده ، وزهده وعبادته ، ورأفته بالفقراء والمساكين ، وعن أصحابه والرواة عنه ، والجيل الذي تربى على يديه . وذلك في مؤلفات قيمة لا تعد ولا تحصى .

كفاحه وجهاده الرسالي : غير إن للحسين ( عليه السلام ) وراء ذلك ، خصيصة أخرى وهي كفاحه وجهاده الرسالي والسياسي الذي عرف به ، والذي أصبح مدرسة سياسية دينية ، لعلها أصبحت الطابع المميز له ( عليه السلام ) والصبغة التي اصطبغت حياته الشريفة بها ، وأسوة وقدوة مدى أجيال وقرون ، ولم يزل منهجه يؤثر في ضمير الأمة ووعيها ، ويحرك العقول المتفتحة ، والقلوب المستنيرة إلى التحرك والثورة ، ومواجهة طواغيت الزمان بالعنف والشدة . وها نحن نقدم إليك نموذجا من غرر كلماته في ذلك المجال حتى تقف على كفاحه وجهاده أمام التيارات الإلحادية والانهيار الخلقي .

إباؤه للضيم ومعاندة الجور : لما توفي أخوه الحسن في السنة الخمسين من الهجرة أوصى إليه بالإمامة فاجتمعت الشيعة حوله ، يرجعون إليه في حلهم وترحالهم ، وكان لمعاوية عيون في المدينة يكتبون إليه ما يكون من الأحداث المهمة التي لا توافق هوى السلطة الأموية المنحرفة ، والتي قد تؤلف خطرا جديا على وجودها غير المشروع ، ولقد كان هم هذه السلطة هو الإمام الحسين ( عليه السلام ) لما يعرفونه عنه من موقف لا يلين ولا يهادن في الحق ، ومن هنا فقد كتب مروان بن الحكم - وكان عامل معاوية على المدينة - : إن رجالا من أهل العراق ووجوه أهل الحجاز يختلفون إلى الحسين بن علي وأنه لا يأمن وثوبه ، ولقد بحثت عن ذلك فبلغني أنه لا يريد الخلاف يومه هذا ، ولست آمن أن يكون هذا أيضا لما بعده . ولما بلغ الكتاب إلى معاوية كتب رسالة إلى الحسين وهذا نصها : أما بعد ، فقد انتهت إلي أمور عنك إن كانت حقا فإني أرغب بك عنها ، ولعمر الله إن من أعطى الله عهده وميثاقه لجدير بالوفاء ، وإن أحق الناس بالوفاء من كان في خطرك وشرفك ومنزلتك التي أنزلك الله لها . . . ( 1 ) .

ولما وصل الكتاب إلى الحسين بن علي ، كتب إليه رسالة مفصلة ذكر فيها جرائمه ونقضه ميثاقه وعهده ، نقتبس منها ما يلي : " ألست قاتل حجر بن عدي أخا كندة وأصحابه المصلين ، العابدين ، الذين ينكرون الظلم ، ويستفظعون البدع ، ويأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، ولا يخافون في الله لومة لائم ، ثم قتلتهم ظلما وعدوانا من بعد ما أعطيتهم الأيمان المغلظة والمواثيق المؤكدة ، ولا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم ، جرأة على الله واستخفافا بعهده ؟ أولست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله ، العبد الصالح الذي أبلته العبادة فنحل جسمه واصفر لونه ، فقتلته بعد ما أمنته وأعطيته العهود ما لو فهمته العصم لنزلت من شعف الجبال ( 2 ) .

( 1 ) الإمامة والسياسة 1 : 163 .
( 2 ) أي قممها وأعاليها

أولست المدعي زياد بن سمية المولود على فراش عبيد بن ثقيف فزعمت أنه ابن أبيك ، وقد قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : " الولد للفراش وللعاهر الحجر " ، فتركت سنة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) تعمدا وتبعت هواك بغير هدي من الله ، ثم سلطته على أهل الإسلام يقتلهم ، ويقطع أيديهم وأرجلهم ، ويسمل أعينهم ، ويصلبهم على جذوع النخل ، كأنك لست من هذه الأمة وليسوا منك .
أولست صاحب الحضرميين الذين كتب فيهم ابن سمية أنهم على دين علي - صلوات الله عليه - فكتبت إليه : أن اقتل كل من كان على دين علي ، فقتلهم ومثل بهم بأمرك ، ودين علي هو دين ابن عمه ( صلى الله عليه وآله ) الذي كان يضرب عليه أباك ويضربك ، وبه جلست مجلسك الذي أنت فيه ، ولولا ذلك لكان شرفك وشرف آبائك تجشم الرحلتين رحلة الشتاء والصيف " ( 1 ) .

هذا هو الحسين ، وهذا هو إباؤه للضيم ودفاعه عن الحق ونصرته للمظلومين في عصر معاوية . وذكرنا هذه المقتطفات كنموذج من سائر خطبه ورسائله التي ضبطها التاريخ .

( 1 ) الإمامة والسياسة 1 : 164 .


الإمام الحسين ( عليه السلام ) وكربلاء رفضه البيعة ليزيد : لما هلك معاوية في منتصف رجب سنة 60 هجرية كتب يزيد إلى الوليد بن عتبة والي المدينة أن يأخذ الحسين ( عليه السلام ) بالبيعة له ، فأنفذ الوليد إلى الحسين ( عليه السلام ) فاستدعاه ، فعرف الحسين ما أراد ، فدعا جماعة من مواليه وأمرهم بحمل السلاح وقال : " اجلسوا على الباب فإذا سمعتم صوتي قد علا فادخلوا عليه ولا تخافوا علي " .
وصار ( عليه السلام ) إلى الوليد فنعى الوليد إليه معاوية ، فاسترجع الحسين ( عليه السلام ) ثم قرأ عليه كتاب يزيد بن معاوية ، فقال الحسين ( عليه السلام ) : " إني لا أراك تقنع ببيعتي ليزيد سرا حتى أبايعه جهرا فيعرف ذلك الناس " ، فقال له الوليد : أجل ، فقال الحسين ( عليه السلام ) : " فتصبح وترى رأيك في ذلك " فقال الوليد : انصرف على اسم الله تعالى ، فقال مروان : والله لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبدا حتى يكثر القتلى بينكم وبينه ، احبس الرجل فلا يخرج من عندك حتى يبايع أو تضرب عنقه ، فوثب عند ذلك الحسين ( عليه السلام ) وقال : " أنت يا بن الزرقاء تقتلني أو هو ؟ كذبت والله وأثمت " ثم خرج ( 1 ) .

وأصبح الحسين من غده يستمع الأخبار ، فإذا هو بمروان بن الحكم قد عارضه في طريقه فقال : أبا عبد الله إني لك ناصح فأطعني ترشد وتسدد ، فقال : " وما ذاك قل أسمع " فقال : إني أرشدك لبيعة يزيد ، فإنها خير لك في دينك وفي

( 1 ) الإرشاد : 200

دنياك ! ! فاسترجع الحسين وقال : " إنا لله وإنا إليه راجعون وعلى الإسلام السلام إذا بليت الأمة براع مثل يزيد ، ثم قال : يا مروان أترشدني لبيعة يزيد ! ! ويزيد رجل فاسق ، لقد قلت شططا من القول وزللا ، ولا ألومك ، فإنك اللعين الذي لعنك رسول الله وأنت في صلب أبيك الحكم بن العاص ، ومن لعنه رسول الله فلا ينكر منه أن يدعو لبيعة يزيد ، إليك عني يا عدو الله ، فإنا أهل بيت رسول الله الحق فينا ينطق على ألسنتنا ، وقد سمعت جدي رسول الله يقول : الخلافة محرمة على آل أبي سفيان الطلقاء وأبناء الطلقاء ، فإذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا بطنه . ولقد رآه أهل المدينة على منبر رسول الله فلم يفعلوا به ما أمروا فابتلاهم بابنه يزيد " ( 1 ) .

خروجه من مكة ومكاتبة أهل الكوفة له : ثم إن الحسين غادر المدينة إلى مكة ، ولما بلغ أهل الكوفة هلاك معاوية اجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد فاتفقوا أن يكتبوا إلى الحسين رسائل وينفذوا رسلا طالبين منه القدوم إليهم في الكوفة ، لأن القوم قد بايعوه ونبذوا بيعة الأمويين ، وألحوا في ذلك الأمر أيما إلحاح ، مبينين للإمام ( عليه السلام ) أن السبل ميسرة والظروف مهيأة لقدومه ، حيث كتب له وجهاؤهم من جملة ما كتبوه : " أما بعد ، فقد اخضر الجناب وأينعت الثمار ، فإذا شئت فأقبل على جند لك مجندة " .
ولما جاءت رسائل أهل الكوفة تترى على الحسين ( عليه السلام ) أرسل ابن عمه مسلم ابن عقيل - رضوان الله عليه - إلى الكوفة ممثلا عنه لأخذ البيعة له منهم ، وللتحقق

( 1 ) الخوارزمي ، مقتل الحسين 1 : 184 - 185


من جدية هذا الأمر ، ثم كتب إليهم : " أما بعد ، فإن هانئا وسعيدا قدما علي بكتبكم ، وكانا آخر من قدم علي من رسلكم ، وقد فهمت كل الذي اقتصصتم وذكرتم ، ومقالة جلكم أنه ليس علينا إمام فاقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الحق والهدى ، وإني باعث إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل ، فإن كتب إلي : أنه قد اجتمع رأي ملئكم وذوي الحجى والفضل منكم على مثل ما قدمت علي به رسلكم ، وقرأته في كتبكم ، فإني أقدم عليكم وشيكا إن شاء الله ، فلعمري ما الإمام إلا الحاكم بالكتاب ، القائم بالقسط ، الدائن بدين الحق ، الحابس نفسه على ذات الله " ( 1 ) .

ثم خرج الإمام من مكة متوجها إلى الكوفة يوم التروية أو يوما قبله مع أهل بيته وجماعة من أصحابه وشيعته ، وكان كتاب من مسلم بن عقيل قد وصل إليه يخبره ببيعة ثمانية عشر ألفا من أهل الكوفة ، وذلك قبل أن تنقلب الأمور على مجاريها بشكل لا تصدقه العقول ، حيث استطاع عبيد الله بن زياد بخبثه ودهائه ، وإفراطه في القتل ، أن يثبط همم أهل الكوفة ، وأن تنكث بيعة الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، ويقتل سفيره بشكل وحشي بشع .

ولما أخذ الإمام ( عليه السلام ) يقترب من الكوفة استقبله الحر بن يزيد الرياحي بألف فارس مبعوثا من الوالي عبيد الله بن زياد لاستقدامه وإكراهه على إعطاء البيعة ليزيد ، وإرساله قهرا إلى الكوفة ، فعند ذلك قام الإمام وخطب بأصحابه وأصحاب الحر بقوله : " أيها الناس إن رسول الله قال : من رأى سلطانا جائرا مستحلا حرم الله ناكثا لعهد الله ، مخالفا لسنة رسول الله ، يعمل في عباده بالإثم والعدوان ، فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقا على الله أن يدخله مدخله ، ألا

( 1 ) المفيد ، الإرشاد : 204 .

وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن ، وأظهروا الفساد ، وعطلوا الحدود ، واستأثروا بالفئ ، وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله ، وأنا أحق من غير " ( 1 ) .

الدافع الواقعي للهجرة إلى العراق : رغم أن الدافع الظاهري لهجرته ( عليه السلام ) إلى العراق كانت رسائل أهل الكوفة ورسلهم حتى أن الإمام احتج بها عندما واجه الحر بن يزيد الرياحي وعمر بن سعد عندما سألاه عن سر مجيئه إلى العراق فقال : " كتب إلي أهل مصركم هذا أن أقدم " ( 2 ) .

إلا أن السر الحقيقي لهجرته ( عليه السلام ) رغم إدراكه الواضح لما سيترتب عليها من نتائج خطرة ستودي بحياته الشريفة - وهو ما وطن نفسه ( عليه السلام ) عليه - يمكن إدراكه من خلال الاستقراء الشامل لمسيرة حياته ، وكيفية تعامله مع مجريات الأحداث .
إن الأمر الذي لا مناص من الذهاب إليه هو إدراك الإمام ( عليه السلام ) ما ينتجه الإذعان والتسليم لتولي يزيد بن معاوية خلافة المسلمين رغم ما عرف عنه من تهتك ومجون وانحراف واضح عن أبسط المعايير الإسلامية ، وفي هذا مؤشر خطر على عظم الانحراف الذي أصاب مفهوم الخلافة الإسلامية ، وابتعادها الرهيب عن مضمونها الشرعي . ومن هنا فكان لا بد من وقفة شجاعة تعيد للأمة جانبا من رشدها المضاع وتفكيرها المسلوب .

إن الإمام الحسين ( عليه السلام ) قد أعلنها صراحة بقوله لما طالبه مروان بن الحكم بالبيعة ليزيد ، حيث قال : " فعلى الإسلام السلام إذا بليت الأمة

( 1 ) الطبري ، التاريخ 4 : 304 حوادث سنة 61 ه× ،ولمعرفة ما جرى على الإمام وأهل بيته حتى نزل أرض كربلاء راجع المقاتل
( 2 ) الإرشاد : 224 - 228 .


براع مثل يزيد " كما عرفت سابقا . نعم إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : " صنفان من أمتي إذا صلحا صلحت أمتي ، وإذا فسدا فسدت أمتي ، قيل : يا رسول الله ومن هما ؟ فقال : الفقهاء والأمراء " ( 1 ) ، فإذا كان صلاح الأمة وفسادها رهن صلاح الخلافة وفسادها ، فقيادة مثل يزيد لا تزيد الأمر إلا عيثا وفسادا .

إن القيادة الإسلامية بين التنصيص والشورى ، ولم يملك يزيد السلطة لا بتنصيص من الله سبحانه ولا بشورى من الأمة ، وهذا ما أدركه المسلمون آنذاك حيث كتبوا إلى الحسين ( عليه السلام ) رسالة جاء فيها : أما بعد فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد الذي انتزى على هذه الأمة فابتزها أمرها وغصبها فيئها وتأمر عليها بغير رضى منها ، ثم قتل خيارها واستبقى شرارها ( 2 ) .

ولم يكن الولد ( يزيد ) فريدا في غصب حق الأمة ، بل سبقه والده معاوية إلى ذلك كما هو معروف ، وليس بخاف على أحد ، وإلى تلك الحقيقة المرة يشير الإمام علي ( عليه السلام ) في كتاب له إلى معاوية ، حيث يقول : " فقد آن لك أن تنتفع باللمح الباصر من عيان الأمور ، فقد سلكت مدارج أسلافك بادعائك الأباطيل واقتحامك غرور المين والأكاذيب ، وبانتحالك ما قد علا عنك ، وابتزازك لما قد اختزن دونك فرارا من الحق وجحودا لما هو ألزم لك من لحمك ودمك مما قد وعاه سمعك ، وملئ به صدرك ، فماذا بعد الحق إلا الضلال المبين " ( 3 ) .

هذا ونظائره المذكورة في التاريخ ما دفع الحسين إلى الثورة ، وتقديم نفسه

( 1 ) القمي ، سفينة البحار 2 : 30 مادة أمر .
( 2 ) ابن الأثير ، الكامل 2 : 266 - 267 ، الإرشاد : 203 .
( 3 ) نهج البلاغة / الكتاب 65 .

وأهل بيته قرابين طاهرة من أجل نصرة هذا الدين العظيم ، مع علمه بأنه وفقا لما تحت يديه من الإمكانات المادية لن يستطيع أن يواجه دولة كبيرة تمتلك القدرات المادية الضخمة ما يمكنها من القضاء على أي ثورة فتية ، نعم إن الإمام الحسين ( عليه السلام ) كان يدرك قطعا هذه الحقيقة ، إلا أنه أراد أن يسقي بدمائه الطاهرة المقدسة شجرة الإسلام الوارفة التي يريد الأمويون اقتلاعها من جذورها .

كما أن الإمام ( عليه السلام ) أراد أن يكسر حاجز الخوف الذي أصاب الأمة فجعلها حائرة مترددة أمام طغيان الجبابرة وحكام الجور ، وأن تصبح ثورته مدرسة تتعلم منها الأجيال معنى البطولة والتضحية من أجل المبادئ والعقائد ، وكان كل ذلك بعد استشهاد الإمام ( عليه السلام ) ، والتاريخ خير شاهد على ذلك .

كان المعروف منذ ولادة الإمام الحسين ( عليه السلام ) أنه سيستشهد في العراق في أرض كربلاء وعرف المسلمون ذلك في عصر النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) ووصيه ، لذا كان الناس يترقبون حدوث تلك الفاجعة ، كما أن هناك الكثير من القرائن التي تدل بوضوح على حتمية استشهاده ( عليه السلام ) ، ومن ذلك :
1 - روى غير واحد من المحدثين عن أنس بن الحارث الذي استشهد في كربلاء أنه قال : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : " إن ابني هذا يقتل بأرض يقال لها كربلاء ، فمن شهد ذلك منكم فلينصره " فخرج أنس بن الحارث فقتل بها مع الحسين ( عليه السلام ) ( 1 ) .

2 - إن أهل الخبرة والسياسة في عصر الإمام كانوا متفقين على أن الخروج إلى العراق يكون خطرا كبيرا على حياة الإمام ( عليه السلام ) وأهل بيته ، ولأجل ذلك أخلصوا له النصيحة ، وأصروا عليه عدم الخروج ، ويتمثل ذلك في كلام أخيه محمد بن الحنفية ، وابن عمه ابن عباس ، ونساء بني عبد المطلب ، ومع ذلك اعتذر لهم الإمام

( 1 ) الإصابة 1 : 81 / 266 .


وأفصح عن عزمه على الخروج ( 1 ) .

3 - لما عزم الإمام المسير إلى العراق خطب وقال : " الحمد لله وما شاء الله ولا قوة إلا بالله وصلى الله على رسوله ، خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة ، وما أولهني إلى أسلافي ، اشتياق يعقوب إلى يوسف ، وخير لي مصرع أنا ألاقيه ، كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات ، بين النواويس وكربلاء فيملأن مني أكراشا جوفا وأجربة سغبا ، لا محيص عن يوم خط بالقلم . رضى الله رضانا أهل البيت ، نصبر على بلائه ، ويوفينا أجور الصابرين ، لن تشذ عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لحمته ، بل هي مجموعة له في حظيرة القدس تقر بهم عينه ، وينجز بهم وعده ، ألا ومن كان فينا باذلا مهجته ، موطنا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا ، فإني راحل مصبحا إن شاء الله تعالى " ( 2 ) .

4 - لما بلغ عبد الله بن عمر ما عزم عليه الحسين ( عليه السلام ) دخل عليه فلامه في المسير ، ولما رآه مصرا عليه قبل ما بين عينيه وبكى وقال : أستودعك الله من قتيل ( 3 ) .

5 - لما خرج الحسين ( عليه السلام ) من مكة لقيه الفرزدق الشاعر فقال له : إلى أين يا بن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؟ ما أعجلك عن الموسم ؟ قال : " لو لم أعجل لأخذت ، ثم قال له : أخبرني عن الناس خلفك " فقال : الخبير سألت ، قلوب الناس معك ، وأسيافهم عليك ( 4 ) .

6 - لما أتى إلى الحسين خبر قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وعبد الله بن

( 1 ) لاحظ المحاورات التي جرت بين الإمام وهؤلاء في الإرشاد : 201 - 202 ، مقاتل الطالبيين 109 ، اللهوف : 20 ط بغداد .

( 2 ) اللهوف : 41 . ( 3 ) تذكرة الخواص : 217 - 218 . ( 4 ) الإرشاد : 218

يقطر ، قال لأصحابه : " لقد خذلنا شيعتنا ، فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف غير حرج ليس عليه ذمام " فتفرق الناس عنه ، وأخذوا يمينا وشمالا ، حتى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من المدينة ونفر يسير ممن انضموا إليه . ومع ذلك فقد واصل ( عليه السلام ) مسيره نحو الكوفة ، ولما مر ببطن العقبة لقيه شيخ من بني عكرمة يقال له : عمر بن لوذان ، فسأل الإمام : أين تريد ؟ فقال له الحسين ( عليه السلام ) : " الكوفة " فقال الشيخ : أنشدك لما انصرفت ، فوالله ما تقدم إلا على الأسنة وحد السيوف ، فقال له الحسين : " ليس يخفى علي الرأي ، وأن الله تعالى لا يغلب على أمره " ( 1 ) .

في نفس النص دلالة على أن الإمام كان يدرك ما كان يتخوفه غيره ، وأن مصيره لو سار إلى الكوفة هو القتل ، ومع ذلك أكمل السير طلبا للشهادة من أجل نصرة الدين ورد كيد أعدائه ، وحتى لا تبقى لأحد حجة يتذرع بها لتبرير تخاذله وضعفه .

نعم لقد كان الحسين ( عليه السلام ) على بينة من أمره وما سيؤول إليه سفره من مصير محتوم ، فلا شئ يقف أمام إرادته من أجل إعلاء كلمة الدين وتثبيت دعائمه التي أراد الأمويون تقويضها ، انظر إليه وهو يخاطب الحر بن يزيد الرياحي الذي يحذره من مغبة إصراره على موقفه حيث يقول له : " أفبالموت تخوفني ، وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني ، وسأقول كما قال أخو الأوس لابن عمه وهو يريد نصرة رسول الله فخوفه ابن عمه وقال : أين تذهب فإنك مقتول ، فقال :

سأمضي وما بالموت عار على الفتى * إذا ما نوى حقا وجاهد مسلما
وواسى الرجال الصالحين بنفسه * وفارق مثبورا وخالف مجرما
فإن عشت لم أندم وإن مت لم ألم * كفى بك ذلا أن تعيش وترغما " ( 2 )

( 1 ) الإرشاد : 223 .
( 2 ) الإرشاد : 225 ، الطبري في تأريخه 5 : 204

ثم إنه كان لشهادة الحسين ( عليه السلام ) أثر كبير في إيقاظ شعور الأمة وتشجيعها على الثورة ضد الحكومة الأموية التي أصبحت رمزا للفساد والانحراف عن الدين ، ولأجل ذلك توالت الثورات بعد شهادته من قبل المسلمين في العراق والحجاز ، وهذه الانتفاضات وإن لم تحقق هدفها في وقتها ، ولكن كان لها الدور الأساسي في سقوط الحكومة الأموية بعد زمان .

ولقد أجاد من قال : لولا نهضة الحسين ( عليه السلام ) وأصحابه - رضي الله عنهم - يوم الطف لما قام للإسلام عمود ، ولا اخضر له عود ، ولأماته معاوية وأتباعه ولدفنوه في أول عهده في لحده . فالمسلمون جميعا بل الإسلام من ساعة قيامه إلى قيام الساعة رهين شكر للحسين ( عليه السلام ) وأصحابه - رضي الله عنهم - ( 1 ) .

بلى ، فلا مغالاة في قول من قال : إن الإسلام محمدي الحدوث حسيني البقاء والخلود . ترى أنى للإمام الحسين ( عليه السلام ) الإذعان لحقيقة تسلم يزيد مقاليد خلافة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، يزيد المنحرف الفاسد ، عدو الله وعدو رسوله ، الذي لم يستطع إخفاء دفائنه عندما أحضر رأس سيد الشهداء بين يديه حيث أنشد :

ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلوا واستهلوا فرحا * ثم قالوا يا يزيد لا تشل
قد قتلنا القرم من ساداتهم * وعدلنا قتل بدر فاعتدل
لست من خندف إن لم أنتقم * من بني أحمد ما كان فعل
لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحي نزل ( 2 )

( 1 ) جنة المأوى : 208 للشيخ محمد حسين كاشف الغطاء .
( 2 ) البيتان الأولان لابن الزبعرى ، والثلاثة الأخيرة ليزيد ، لاحظ تذكرة الخواص : 235

وأما بيان خروجه من مكة متوجها إلى العراق والحوادث التي عرضت له في مسيره إلى أن نزل بأرض كربلاء ، والتي استشهد فيها مع أولاده وأصحابه البالغ عددهم 72 شخصا ، ظمآن وعطشان ، فهو خارج عن موضوع البحث . وقد ألفت فيه مئات الكتب وعشرات الموسوعات .

شهادته ( عليه السلام ) : لقد استشهد يوم الجمعة لعشر خلون من المحرم سنة 61 من الهجرة ، وقيل يوم السبت ، وكان قد أدرك من حياة النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) خمس أو ست سنوات ، وعاش مع أبيه 36 سنة ، ومع أخيه 46 سنة .

فسلام الله عليه يوم ولد ، ويوم استشهد ويوم يبعث حيا
شيعية وكلي فخر غير متصل  
قديم 11-25-2006, 04:49 PM   #5 (permalink)
شيعية وكلي فخر
عضو موقوف
 
الإمام الرابع : علي بن الحسين بن علي زين العابدين ( عليه السلام )




هو رابع أئمة أهل البيت الطاهر ، المشهور بزين العابدين أو سيدهم ، والسجاد ، وذي الثفنات . ولادته وجوانب من سيرته ( عليه السلام ) ولد في المدينة سنة 38 أو 37 ه× . قال ابن خلكان : هو أحد الأئمة الاثني عشر ومن سادات التابعين . قال الزهري : ما رأيت قرشيا أفضل منه . وفضائله ومناقبه أكثر من أن تحصى وتذكر ، ولما توفي دفن في البقيع في جنب عمه الحسن في القبة التي فيها قبر العباس - رضي الله عنه - ( 1 ) .

ولقد تولى الإمامة بعد استشهاد أبيه الحسين ( عليه السلام ) في كربلاء ، وللاطلاع على النصوص الواردة في إمامته ينبغي الرجوع إلى كتب الحديث والعقائد المتكفلة بهذا

( 1 ) وفيات الأعيان 3 : 267 - 269 . ( * )




الجانب المهم ، وأخص منها بالذكر كتاب " الكافي " للكليني ، و " الإرشاد " للشيخ المفيد ، و " كفاية الأثر " للخزاز ، و " إثبات الهداة " للحر العاملي .

ومن أراد الاطلاع على مناقبه وكراماته وفضائله في مجالات شتى كالعلم ، والحلم ، والجرأة والإقدام ، وثبات الجنان ، وشدة الكرم والسخاء ، والورع ، والزهد ، والتقوى ، وكثرة التهجد والتنفل ، والفصاحة والبلاغة ، وشدة هيبته بين الناس ومحبتهم له ، وتربيته لجيل عظيم من الصحابة والعلماء وقفوا حياتهم في خدمة الإسلام ، وغير ذلك مما لا يسعنا التعرض لها هنا ، فعليه يطلب ذلك في الموسوعات المتعددة التي تعرضت لذلك بالشرح والتفصيل . إلا أنا نكتفي هنا بجانب من سيرته ( عليه السلام ) تتعلق بجملة محددة من الأمور :
1 - هيبته ومنزلته العظيمة : لقد كان ( عليه السلام ) مهابا جليلا بين الناس بشكل كبير ، حتى أن هذه المنزلة العظيمة جعلت الأمراء والحكام يحسدونه عليها ، والتاريخ يذكر لنا على ذلك شواهد كثيرة ومتعددة ، ومن ذلك : لما حج هشام بن عبد الملك قبل أن يلي الخلافة اجتهد أن يستلم الحجر الأسود فلم يمكنه ذلك ، وجاء علي بن الحسين ( عليهما السلام ) فتوقف له الناس ، وتنحوا حتى استلم ، فقال جماعة لهشام : من هذا ؟ فقال : لا أعرفه ( مع أنه كان يعرفه أنه علي بن الحسين ( عليه السلام ) ) فسمعه الفرزدق ، فقال : لكني أعرفه ، هذا علي بن الحسين زين العابدين ، وأنشد هشاما قصيدته التي منها هذه الأبيات :

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم * هذا التقي النقي الطاهر العلم
يكاد يمسكه عرفان راحته * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم



يغضي حياء ويغضى من مهابته * فما يكلم إلا حين يبتسم
إذا رأته قريش قال قائلها * إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم * أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله * بجده أنبياء الله قد ختموا
وليس قولك من هذا بضائره * العرب تعرف من أنكرت والعجم

إلى آخر القصيدة التي حفظتها الأمة وشطرها جماعة من الشعراء .

وقد ثقل ذلك على هشام فأمر بحبسه ، فحبسوه بين مكة والمدينة ، فقال معترضا على عمل هشام :

أيحبسني بين المدينة والتي * إليها قلوب الناس يهوى منيبها
يقلب رأسا لم يكن رأس سيد * وعينا له حولاء باد عيوبها

فأخرجه من الحبس فوجه إليه علي بن الحسين ( عليهما السلام ) عشرة آلاف درهم وقال : " اعذرنا يا أبا فراس ، فلو كان عندنا في هذا الوقت أكثر من هذا لوصلناك به " فردها الفرزدق وقال : ما قلت ما كان إلا لله ، فقال له علي ( عليه السلام ) : " قد رأى الله مكانك فشكرك ، ولكنا أهل بيت إذا أنفذنا شيئا لم نرجع فيه " وأقسم عليه فقبلها .

2 - زهده وعبادته ومواساته للفقراء : أما زهده وعبادته ومواساته للفقراء ، وخوفه من الله فغني عن البيان . فقد روي عنه ( عليه السلام ) أنه إذا توضأ اصفر لونه ، فيقال : ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء ؟ قال : " أتدرون بين يدي من أريد أن أقف " .

من كلماته ( عليه السلام ) : " إن قوما عبدوا الله رياضة ، فتلك عبادة العبيد ، وأن قوما عبدوه رغبة ، فتلك عبادة التجار ، وأن قوما عبدوه شكرا ، فتلك عبادة الأحرار " . وكان إذا أتاه سائل يقول له : " مرحبا بمن يحمل زادي إلى الآخرة " .



كان ( عليه السلام ) كثير الصدقات حريصا عليها ، وكان يوصل صدقاته ليلا دون أن يعلم به أحد ، وقد روي أنه ( عليه السلام ) كان يعول مائة عائلة من أهالي المدينة لا يدرون من يأتيهم بالصدقات ، ولما توفي ( عليه السلام ) أدركوا ذلك .
وفي رواية : أنه ( عليه السلام ) كان يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدق به ويقول : " صدقة السر تطفئ غضب الرب " .
وفي رواية كان أهل المدينة يقولون : ما فقدنا صدقة السر حتى مات علي بن الحسين ( عليه السلام ) ( 1 ) .

وقال رجل لسعيد بن المسيب : ما رأيت رجلا أورع من فلان - وسمى رجلا - فقال له سعيد : أما رأيت علي بن الحسين ؟ فقال : لا ، فقال : ما رأيت أورع منه . قال أبو حازم : ما رأيت هاشميا أفضل من علي بن الحسين . قال طاووس : رأيت علي بن الحسين ( عليهما السلام ) ساجدا في الحجر فقلت : رجل صالح من أهل بيت طيب لأسمعن ما يقول ، فأصغيت إليه فسمعته يقول : " عبيدك بفنائك ، مسكينك بفنائك ، سائلك بفنائك ، فقيرك بفنائك " قال طاووس : فوالله ما دعوت بهن في كرب إلا كشف عني .

وكان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة ، فإذا أصبح سقط مغشيا عليه ، وكانت الريح تميله كالسنبلة ، وكان يوما خارجا فلقيه رجل فسبه ، فثارت إليه العبيد والموالي ، فقال لهم علي ( عليه السلام ) : " مهلا كفوا " ثم أقبل على ذلك الرجل فقال له : " ما ستر عنك من أمرنا أكثر ، ألك حاجة نعينك عليها ؟ " فاستحيى الرجل فألقى إليه ( عليه السلام ) خميصة كانت عليه ، وأمر له بألف درهم ، فكان ذلك الرجل بعد ذلك يقول : أشهد أنك من أولاد الرسل ( 2 ) .

( 1 ) تذكرة الخواص : 294 .
( 2 ) كشف الغمة 2 : 292 - 293 . ( * )




ثروته ( عليه السلام ) العلمية : أما الثروة العلمية والعرفانية ، فهي أدعيته التي رواها المحدثون بأسانيدهم المتضافرة ، والتي جمعت بما سمي بالصحيفة السجادية المنتشرة في العالم ، فهي زبور آل محمد ، ومن الخسارة الفادحة أن إخواننا أهل السنة - إلا النادر القليل منهم - غير واقفين على هذا الأثر القيم الخالد .

نعم ، إن فصاحة ألفاظها ، وبلاغة معانيها ، وعلو مضامينها ، وما فيها من أنواع التذلل لله تعالى والثناء عليه ، والأساليب العجيبة في طلب عفوه وكرمه والتوسل إليه ، أقوى شاهد على صحة نسبتها إليه ، وإن هذا الدر من ذلك البحر ، وهذا الجوهر من ذلك المعدن ، وهذا الثمر من ذلك الشجر ، مضافا إلى اشتهارها شهرة لا تقبل الريب ، وتعدد أسانيدها المتصلة إلى منشئها ، فقد رواها الثقات بأسانيدهم المتعددة المتصلة ، إلى زين العابدين ( 1 ) .

وقد أرسل أحد الأعلام نسخة من الصحيفة مع رسالة إلى العلامة الشيخ الجوهري الطنطاوي ( المتوفى عام 1358 ه× ) صاحب التفسير المعروف ، فكتب في جواب رسالته : " ومن الشقاء أنا إلى الآن لم نقف على هذا الأثر القيم الخالد في مواريث النبوة وأهل البيت ، وإني كلما تأملتها رأيتها فوق كلام المخلوق ، ودون كلام الخالق " ( 2 ) .

وكان المعروف بين الشيعة هو الصحيفة الأولى التي تتضمن واحدا وستين دعاء في فنون الخير وأنواع السؤال من الله سبحانه ، والتي تعلم الإنسان كيف يلجأ إلى

( 1 ) في رحاب أئمة أهل البيت 3 : 414 .
( 2 ) مقدمة الصحيفة بقلم العلامة المرعشي ( قدس سره ) : 28 . ( * )




ربه في الشدائد والمهمات ، وكيف يطلب منه حوائجه ، وكيف يتذلل ويتضرع له ، وكيف يحمده ويشكره . غير أن لفيفا من العلماء استدركوا عليها فجمعوا من شوارد أدعيته صحائف خمسة كان آخرها ما جمعه العلامة السيد محسن الأمين العاملي ( قدس سره ) .

ولقد قام العلامة الحجة السيد محمد باقر الأبطحي - دام ظله - بجمع جميع أدعية الإمام الموجودة في هذه الصحف في جامع واحد ، وقال في مقدمته : وحري بنا القول إن أدعيته ( عليه السلام ) كانت ذات وجهين : وجها عباديا ، وآخر اجتماعيا يتسق مع مسار الحركة الإصلاحية التي قادها الإمام ( عليه السلام ) في ذلك الظرف الصعب .
فاستطاع بقدرته الفائقة المسددة أن يمنح أدعيته - إلى جانب روحها التعبدية - محتوى اجتماعيا متعدد الجوانب ، بما حملته من مفاهيم خصبة ، وأفكار نابضة بالحياة ، فهو ( عليه السلام ) صاحب مدرسة إلهية ، تارة يعلم المؤمن كيف يمجد الله ويقدسه ، وكيف يلج باب التوبة ، وكيف يناجيه وينقطع إليه ، وأخرى يسلك به درب التعامل السليم مع المجتمع فيعلمه أسلوب البر بالوالدين ، ويشرح حقوق الوالد ، والولد ، والأهل ، والأصدقاء ، والجيران ، ثم يبين فاضل الأعمال وما يجب أن يلتزم به المسلم في سلوكه الاجتماعي ، كل ذلك بأسلوب تعليمي رائع وبليغ .

وصفوة القول : إنها كانت أسلوبا مبتكرا في إيصال الفكر الإسلامي والمفاهيم الإسلامية الأصيلة إلى القلوب الظمأى ، والأفئدة التي تهوى إليها لترتزق من ثمراتها ، وتنهل من معينها ، فكانت بحق عملية تربوية نموذجية من الطراز الأول ، أسس بناءها الإمام السجاد ( عليه السلام ) مستلهما جوانبها من سير الأنبياء وسنن المرسلين ( 1 ) .

ومن أدعيته ( عليه السلام ) في هذه الصحيفة دعاؤه في يوم عرفة ، ومنه : " اللهم هذا يوم عرفة ، يوم شرفته وكرمته وعظمته ، نشرت فيه رحمتك ، ومننت فيه بعفوك ، وأجزلت فيه عطيتك ، وتفضلت به على عبادك .

( 1 ) الصحيفة السجادية الجامعة : 13 . ( * )




اللهم وأنا عبدك الذي أنعمت عليه قبل خلقك له ، وبعد خلقك إياه ، فجعلته ممن هديته لدينك ، ووفقته لحقك ، وعصمته بحبلك ، وأدخلته في حزبك ، وأرشدته لموالاة أوليائك ومعاداة أعدائك " .

رسالة الحقوق : إن للإمام علي بن الحسين رسالة معروفة باسم رسالة الحقوق ، أوردها الصدوق في خصاله ( 1 ) بسند معتبر ، ورواها الحسن بن شعبة في تحف العقول ( 2 ) مرسلة ، وبين النقلين اختلاف يسير .
وهي من جلائل الرسائل في أنواع الحقوق ، يذكر الإمام فيها حقوق الله سبحانه على الإنسان ، وحقوق نفسه عليه ، وحقوق أعضائه من اللسان والسمع والبصر والرجلين واليدين والبطن والفرج ، ثم يذكر حقوق الأفعال ، من الصلاة والصوم والحج والصدقة والهدي . . . التي تبلغ خمسين حقا ، آخرها حق الذمة .

كما روى الحفاظ وتلاميذ مدرسته أحاديث وحكما مختلفة جليلة حوتها بطون الكتب المختلفة ، جمع الكثير منها العلامة المجلسي في موسوعته الموسومة ببحار الأنوار من مختلف المصادر ، فراجع .

شهادته ( عليه السلام ) : توفي بالمدينة عام 95 أو 94 ه× ، يوم السبت الثاني عشر من محرم . وقيل الخامس والعشرين منه .

( 1 ) الخصال : 564 - 570 في أبواب الخمسين .
( 2 ) تحف العقول : ص 183 - 195
شيعية وكلي فخر غير متصل  
قديم 11-25-2006, 04:50 PM   #6 (permalink)
شيعية وكلي فخر
عضو موقوف
 
الإمام الخامس : أبو جعفر محمد بن علي الباقر ( عليه السلام )



هو خامس أئمة أهل البيت الطاهر ، المعروف بالباقر ، وقد اشتهر به لبقره العلم وتفجيره له . قال ابن منظور في لسان العرب : لقب به ، لأنه بقر العلم وعرف أصله واستنبط فرعه وتوسع فيه ( 1 ) .

أقوال العلماء فيه ( عليه السلام ) :
وقال ابن حجر : سمي بذلك لأنه من بقر الأرض ، أي شقها ، وإثارة مخبآتها ، ومكامنها ، فكذلك هو أظهر من مخبآتها كنوز المعارف وحقائق الأحكام ، والحكم واللطائف ما لا يخفى إلا على منطمس البصيرة أو فاسد الطوية والسريرة ، ومن ثم قيل فيه هو باقر العلم وجامعه وشاهر علمه ورافعه ( 2 ) .

وقال ابن كثير : أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ،

( 1 ) لسان العرب 4 : 74 .
( 2 ) الصواعق المحرقة : 201 . ( * )




وسمي بالباقر لبقره العلوم ، واستنباطه الحكم ، كان ذاكرا خاشعا صابرا ، وكان من سلالة النبوة ، رفيع النسب ، عالي الحسب ، وكان عارفا بالخطرات ، كثير البكاء والعبرات ، معرضا عن الجدال والخصومات ( 1 ) .

وقال ابن خلكان : أبو جعفر محمد بن زين العابدين ، الملقب بالباقر ، أحد الأئمة الاثني عشر في اعتقاد الإمامية ، وهو والد جعفر الصادق . كان الباقر عالما سيدا كبيرا ، وإنما قيل له الباقر ، لأنه تبقر في العلم ، أي توسع ، وفيه يقول الشاعر :

يا باقر العلم لأهل التقى * وخير من لبى على الأجبل ( 2 )

ولد بالمدينة غرة رجب سنة 57 ه× وقيل 56 ه× ، وتوفي في السابع من ذي الحجة سنة 114 ه× ، وعمره الشريف 57 سنة .
عاش مع جده الحسين ( عليه السلام ) 4 سنين ، ومع أبيه ( عليه السلام ) بعد جده ( عليه السلام ) 39 سنة ، وكانت مدة إمامته ( عليه السلام ) 18 سنة ( 3 ) .

وأما النصوص الدالة على إمامته من أبيه وأجداده والتي ذكرها المحدثون والمحققون من علمائنا الأعلام فهي مستفيضة نقلها الكليني - رضي الله عنه - وغيره .

وقال ابن سعد : محمد الباقر من الطبقة الثالثة من التابعين من المدينة ، كان عالما عابدا ثقة ، وروى عنه الأئمة أبو حنيفة وغيره .
قال أبو يوسف : قلت لأبي حنيفة : لقيت محمد بن علي الباقر ؟ فقال : نعم وسألته يوما فقلت له : أراد الله المعاصي ؟ فقال : " أفيعصى قهرا " ؟ قال أبو حنيفة : فما رأيت جوابا أفحم منه . وقال عطاء : ما رأيت العلماء عند أحد أصغر علما منهم عند أبي جعفر ، لقد

( 1 ) البداية والنهاية 9 : 309 .
( 2 ) وفيات الأعيان 4 : 174 .
( 3 ) إعلام الورى بأعلام الهدى : 264 - 265 . ( * )



رأيت الحكم عنده كأنه مغلوب ، ويعني الحكم بن عيينة ، وكان عالما نبيلا جليلا في زمانه .

وذكر المدائني عن جابر بن عبد الله : أنه أتى أبا جعفر محمد بن علي إلى الكتاب وهو صغير فقال له : رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يسلم عليك ، فقيل لجابر : وكيف هذا ؟ فقال : كنت جالسا عند رسول الله والحسين في حجره وهو يداعبه فقال : " يا جابر يولد مولود اسمه علي إذا كان يوم القيامة نادى مناد : ليقم سيد العابدين فيقوم ولده ، ثم يولد له ولد ، اسمه محمد ، فإن أدركته يا جابر فاقرأه مني السلام " .

وذكر ابن الصباغ المالكي بعد نقل القصة : أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال لجابر : " وإن لاقيته فاعلم أن بقاءك في الدنيا قليل " فلم يعش جابر بعد ذلك إلا ثلاثة أيام . ثم قال : هذه منقبة من مناقبه باقية على ممر الأيام ، وفضيلة شهد له بها الخاص والعام ( 1 ) .

وقال المفيد : لم يظهر عن أحد من ولد الحسن والحسين ( عليهما السلام ) في علم الدين والآثار والسنة وعلم القرآن والسيرة وفنون الآداب ما ظهر من أبي جعفر الباقر ( عليه السلام ) ( 2 ) .

وروى عنه معالم الدين بقية الصحابة ووجوه التابعين وفقهاء المسلمين ، وسارت بذكر كلامه الأخبار وأنشدت في مدائحه الأشعار . . . ( 3 ) .
قال ابن حجر : صفا قلبه ، وزكا علمه وعمله ، وطهرت نفسه ، وشرف خلقه ، وعمرت أوقاته بطاعة الله ، وله من الرسوم في مقامات العارفين ما تكل عنه ألسنة الواصفين ، وله كلمات كثيرة في السلوك والمعارف لا تحتملها هذه العجالة ( 4 ) .

( 1 ) ابن الجوزي ، تذكرة الخواص : 302 - 303 ، الفصول المهمة : 215 - 216 .
( 2 ) الإرشاد : 262 .
( 3 ) الفصول المهمة : 210 نقله عن إرشاد الشيخ المفيد : 261 ، فلاحظ .
( 4 ) الصواعق المحرقة 301 . ( * )




مناظراته : وأما مناظراته مع المخالفين فحدث عنها ولا حرج ، وقد جمعها العلامة الطبرسي في كتاب الإحتجاج ( 1 ) .
قال الشيخ المفيد في الإرشاد : وجاءت الأخبار : أن نافع بن الأزرق ( 2 ) جاء إلى محمد بن علي ، فجلس بين يديه يسأله عن مسائل الحلال والحرام .
فقال له أبو جعفر في عرض كلامه : " قل لهذه المارقة ، بم استحللتم فراق أمير المؤمنين ، وقد سفكتم دماءكم بين يديه في طاعته والقربة إلى الله بنصرته ؟ فسيقولون لك : إنه حكم في دين الله ، فقل لهم : قد حكم الله تعالى في شريعة نبيه ( صلى الله عليه وآله ) رجلين من خلقه فقال : { فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا } ، وحكم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) سعد بن معاذ في بني قريظة فحكم فيهم بما أمضاه الله ، أوما علمتم أن أمير المؤمنين إنما أمر الحكمين أن يحكما بالقرآن ولا يتعدياه ، واشترط رد ما خالف القرآن في أحكام الرجال ، وقال حين قالوا له : حكمت على نفسك من حكم عليك ؟ فقال : ما حكمت مخلوقا وإنما حكمت كتاب الله .
فأين تجد المارقة تضليل من أمر بالحكم بالقرآن ، واشترط رد ما خالفه لولا ارتكابهم في بدعتهم البهتان " ؟ فقال نافع بن الأزرق : هذا والله كلام ما مر بسمعي قط ، ولا خطر مني ببال ، وهو الحق إن شاء الله .

ثم إن الشيعة الإمامية أخذت كثيرا من الأحكام الشرعية عنه وعن ولده البار

( 1 ) الإحتجاج 2 : 54 - 69 .
( 2 ) الإرشاد : 265 ، ولعل المناظر هو عبد الله بن نافع بن الأزرق ، لأن نافعا قتل عام 65 من الهجرة وللإمام عندئذ من العمر دون العشرة ، وقد نقل ابن شهرآشوب بعض مناظرات الإمام مع عبد الله بن نافع فلاحظ 4 : 201 . ( * )




جعفر الصادق ( عليه السلام ) وحسب الترتيب المتداول في الكتب الفقهية ، حيث روي عنه ( عليه السلام ) الكثير من الروايات الفقهية التي تناولت مختلف جوانب الحياة ، وللاطلاع على ذلك تراجع كتب الفقه وموسوعاته المختلفة .

وأما ما روي عنه في الحكم والمواعظ ، فقد نقلها أبو نعيم الأصفهاني في حلية الأولياء ، والحسن بن شعبة الحراني في تحفه ( 1 ) .

وقد توفي الإمام محمد الباقر ( عليه السلام ) عام 114 ه× ، ودفن في البقيع إلى جنب قبر أبيه ، ومن أراد البحث عن فصول حياته في شتى المجالات فليراجع الموسوعات التي تحفل بها المكتبات العامة والخاصة .

( 1 ) حلية الأولياء 3 : 180 - 235 وفي بعض ما نقل عنه تأمل ونظر . والحسن بن علي بن شعبة في تحف العقول : 284 - 300 .

شيعية وكلي فخر غير متصل  
قديم 11-25-2006, 04:52 PM   #7 (permalink)
شيعية وكلي فخر
عضو موقوف
 
الإمام السادس : أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق ( عليه السلام )




هو الإمام السادس من أئمة أهل البيت الطاهر - عليهم السلام- ولقب بالصادق لصدقه في مقاله ، وفضله أشهر من أن يذكر .

ولادته وخصائصه ( عليه السلام ) : ولد عام 80 ه× ، وتوفي عام 148 ه× ، ودفن في البقيع جنب قبر أبيه محمد الباقر وجده علي زين العابدين وعم جده الحسن بن علي - رضي الله عنهم أجمعين - فلله دره من قبر ما أكرمه وأشرفه ! ( 1 ) .

قال محمد بن طلحة : هو من عظماء أهل البيت وساداتهم ، ذو علوم جمة ، وعبادة موفورة ، وزهادة بينة ، وتلاوة كثيرة ، يتبع معاني القرآن الكريم ، ويستخرج من بحره جواهره ، ويستنتج عجائبه ، ويقسم أوقاته على أنواع الطاعات بحيث يحاسب عليها نفسه ، رؤيته تذكر الآخرة ، واستماع كلامه يزهد في

( 1 ) وفيات الأعيان 1 : 327 رقم الترجمة 31 . ( * )





الدنيا ، والاقتداء بهداه يورث الجنة ، نور قسماته شاهد أنه من سلالة النبوة ، وطهارة أفعاله تصدع أنه من ذرية الرسالة .
نقل عنه الحديث واستفاد منه العلم جماعة من أعيان الأئمة وأعلامهم ، مثل : يحيى بن سعيد الأنصاري ، وابن جريج ، ومالك بن أنس ، والثوري ، وابن عيينة ، وأبو حنيفة ، وشعبة ، وأبو أيوب السجستاني ( 1 ) وغيرهم ، وعدوا أخذهم عنه منقبة شرفوا بها ، وفضيلة اكتسبوها ( 2 ) .

ذكر أبو القاسم البغاء في مسند أبي حنيفة : قال الحسن بن زياد : سمعت أبا حنيفة وقد سئل : من أفقه من رأيت ؟ قال : جعفر بن محمد ، لما أقدمه المنصور بعث إلي فقال : يا أبا حنيفة إن الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد ، فهيئ لي من مسائلك الشداد ، فهيأت له أربعين مسألة ، ثم بعث إلي أبو جعفر وهو بالحيرة فأتيته ، فدخلت عليه ، وجعفر جالس عن يمينه ، فلما بصرت به ، دخلني من الهيبة لجعفر ما لم يدخلني لأبي جعفر ، فسلمت عليه ، فأومأ إلي فجلست ، ثم التفت إليه فقال : يا أبا عبد الله هذا أبو حنيفة . قال : نعم أعرفه ، ثم التفت إلي فقال : يا أبا حنيفة ألق على أبي عبد الله من مسائلك ، فجعلت ألقي عليه فيجيبني فيقول : أنتم تقولون كذا ، وأهل المدينة يقولون كذا ، ونحن نقول كذا ، فربما تابعنا وربما تابعهم ، وربما خالفنا جميعا حتى أتيت على الأربعين مسألة ، فما أخل منها بشئ . ثم قال أبو حنيفة : أليس أن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس ( 3 ) .

عن مالك بن أنس : جعفر بن محمد اختلفت إليه زمانا فما كنت أراه إلا على

( 1 ) في الأصل أيوب السختياني والصحيح ما ذكرناه ( منه ) .
( 2 ) كشف الغمة 2 : 368 .
( 3 ) بحار الأنوار 47 : 217 - 218 ، أسد حيدر ، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة 4 : 335 نقلا عن مناقب أبي حنيفة للمكي 1 : 173 ، جامع مسانيد أبي حنيفة 1 : 252 ، تذكرة الحفاظ للذهبي 1 : 157 . ( * )





إحدى ثلاث خصال : إما مصل ، وإما صائم ، وإما يقرأ القرآن ، وما رأت عين ، ولا سمعت أذن ، ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد الصادق علما وعبادة وورعا ( 1 ) .

وعن عمرو بن بحر الجاحظ ( مع عدائه لأهل البيت ) : جعفر بن محمد الذي ملأ الدنيا علمه وفقهه ، ويقال : إن أبا حنيفة من تلامذته ، وكذلك سفيان الثوري ، وحسبك بهما في هذا الباب ( 2 ) .

مناقبه ( عليه السلام ) : وأما مناقبه وصفاته فتكاد تفوق عد الحاصر ، ويحار في أنواعها فهم اليقظ الباصر ، حتى أن من كثرة علومه المفاضة على قلبه من سجال التقوى ، صارت الأحكام التي لا تدرك عللها ، والعلوم التي تقصر الأفهام عن الإحاطة بحكمها ، تضاف إليه وتروى عنه ( 3 ) .

وقال ابن الصباغ المالكي : كان جعفر الصادق ( عليه السلام ) من بين إخوته خليفة أبيه ، ووصيه ، والقائم بالإمامة من بعده ، برز على جماعة بالفضل ، وكان أنبههم ذكرا وأجلهم قدرا ، نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان ، وانتشر صيته وذكره في البلدان ، ولم ينقل العلماء عن أحد من أهل بيته ما نقلوا عنه من الحديث .

إنك إذا تتبعت كتب التاريخ والتراجم والسير تقف على نظير هذه الكلمات وأشباهها ، كلها تعرب عن اتفاق الأمة على إمامته في العلم والقيادة الروحية ، وإن

( 1 ) أسد حيدر ، الإمام الصادق 1 : 53 نقلا عن التهذيب 2 : 104 والمجالس السنية ج 5 .
( 2 ) أسد حيدر ، الإمام الصادق 1 : 55 نقلا عن رسائل الجاحظ : 106 .
( 3 ) كشف الغمة 2 : 368 . ( * )




اختلفوا في كونه إماما منصوصا من قبل الله عز وجل ، فذهبت الشيعة إلى الثاني نظرا إلى النصوص المتواترة المذكورة في مظانها ( 1 ) .

حياته العلمية ( عليه السلام ) : ولقد امتد عصر الإمام الصادق ( عليه السلام ) من آخر خلافة عبد الملك بن مروان إلى وسط خلافة المنصور الدوانيقي ، أي من سنة 83 ه× إلى سنة 148 ه× .

فقد أدرك طرفا كبيرا من العصر الأموي ، وعاصر كثيرا من ملوكهم ، وشاهد من حكمهم أعنف أشكاله ، وقضى سنوات عمره الأولى حتى الحادية عشرة من عمره مع جده زين العابدين ، وحتى الثانية والثلاثين مع أبيه الباقر ونشأ في ظلهما يتغذى من تعاليمهما وتنمو مواهبه وتربى تربيته الدينية ، وتخرج من تلك المدرسة الجامعة فاختص بعد وفاة أبيه بالزعامة سنة 114 ه× ، واتسعت مدرسته بنشاط الحركة العلمية في المدينة ومكة والكوفة وغيرها من الأقطار الإسلامية .

وقد اتسم العصر المذكور الذي عاشه الإمام بظهور الحركات الفكرية ، ووفود الآراء الاعتقادية الغريبة إلى المجتمع الإسلامي ، وأهمها عنده هي حركة الغلاة الهدامة ، الذين تطلعت رؤوسهم في تلك العاصفة الهوجاء إلى بث روح التفرقة بين المسلمين ، وترعرت بنات أفكارهم في ذلك العصر ليقوموا بمهمة الانتصار لمبادئهم التي قضى عليها الإسلام ، فقد اغتنموا الفرصة في بث تلك الآراء الفاسدة في المجتمع الإسلامي ، فكانوا يبثون الأحاديث الكاذبة ويسندونها إلى حملة العلم من آل محمد ، ليغروا بها العامة ، فكان المغيرة بن سعيد يدعي الاتصال بأبي جعفر الباقر ويروي عنه الأحاديث المكذوبة ، فأعلن الإمام الصادق ( عليه السلام ) كذبه

( 1 ) لاحظ الكافي 1 : 306 - 307 . ( * )



والبراءة منه ، وأعطي لأصحابه قاعدة في الأحاديث التي تروي عنه ، فقال : " لا تقبلوا علينا حديثا إلا ما وافق القرآن والسنة ، أو تجدون معه شاهدا من أحاديثنا المتقدمة " .

ثم إن الإمام قام بهداية الأمة إلى النهج الصواب في عصر تضاربت فيه الآراء والأفكار ، واشتعلت فيه نار الحرب بين الأمويين ومعارضيهم من العباسيين ، ففي تلك الظروف الصعبة والقاسية استغل الإمام الفرصة فنشر من أحاديث جده ، وعلوم آبائه ما سارت به الركبان ، وتربى على يديه آلاف من المحدثين والفقهاء . ولقد جمع أصحاب الحديث أسماء الرواة عنه من الثقات - على اختلاف آرائهم ومقالاتهم - فكانوا أربعة آلاف رجل ( 1 ) .
وهذه سمة امتاز بها الإمام الصادق عن غيره من الأئمة - عليه وعليهم السلام - .

إن الإمام ( عليه السلام ) شرع بالرواية عن جده وآبائه عندما اندفع المسلمون إلى تدوين أحاديث النبي ( صلى الله عليه وآله ) بعد الغفلة التي استمرت إلى عام 143 هـ ( 2 ) حيث اختلط آنذاك الحديث الصحيح بالضعيف وتسربت إلى السنة ، العديد من الروايات الإسرائيلية والموضوعة من قبل أعداء الإسلام من الصليبيين والمجوس ، بالإضافة إلى المختلقات والمجعولات على يد علماء السلطة ومرتزقة البلاط الأموي .

ومن هنا فقد وجد الإمام ( عليه السلام ) أن أمر السنة النبوية قد بدأ يأخذ اتجاهات خطيرة وانحرافات واضحة ، فعمد ( عليه السلام ) للتصدي لهذه الظاهرة الخطيرة ، وتفنيد الآراء الدخيلة على الإسلام والتي تسرب الكثير منها نتيجة الاحتكاك الفكري والعقائدي بين المسلمين وغيرهم .
إن تلك الفترة كونت تحديا خطيرا لوجود السنة النبوية ، وخلطا فاضحا في

( 1 ) الإرشاد : 270 ، المناقب لابن شهرآشوب 4 : 257 .
( 2 ) تاريخ الخلفاء للسيوطي - خلافة المنصور الدوانيقي ، فقد حدد تاريخ التدوين بسنة 143 ه× . ( * )





كثير من المعتقدات ، لذا فإن الإمام ( عليه السلام ) كان بحق سفينة النجاة من هذا المعترك العسر .

إن علوم أهل البيت ( عليهم السلام ) متوارثة عن جدهم المصطفى محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، الذي أخذها عن الله تعالى بواسطة الأمين جبرئيل ( عليه السلام ) ، فلا غرو أن تجد الأمة ضالتها فيهم ( عليهم السلام ) ، وتجد مرفأ الأمان في هذه اللجج العظيمة ، ففي ذلك الوقت حيث أخذ كل يحدث عن مجاهيل ونكرات ورموز ضعيفة ومطعونة ، أو أسانيد مشوشة ، تجد أن الإمام الصادق ( عليه السلام ) يقول : " حديثي حديث أبي ، وحديث أبي حديث جدي ، وحديث جدي حديث علي بن أبي طالب ، وحديث علي حديث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وحديث رسول الله قول الله عز وجل " .

بيد أن ما يثير العجب أن تجد من يعرض عن دوحة النبوة إلى رجال قد كانوا وبالا على الإسلام وأهله ، وتلك وصمة عار وتقصير لا عذر فيه خصوصا في صحيح البخاري .

فالإمام البخاري مثلا يروي ويحتج بمثل مروان بن الحكم ، وعمران بن حطان وحريز بن عثمان الرحبي وغيرهم ، ويعرض عن الرواية عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) ! ! أما الأول : فهو الوزغ بن الوزغ ، اللعين بن اللعين على لسان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وأما الثاني : فهو الخارجي المعروف الذي أثني على ابن ملجم بشعره لا بشعوره ، وأما الثالث : فكان ينتقص عليا وينال منه ، ولست أدري لم هذا الأمر ؟ إنه مجرد تساؤل .

إن للإمام الصادق وراء ما نشر عنه من الأحاديث في الأحكام التي تتجاوز عشرات الآلاف ، مناظرات مع الزنادقة والملحدين في عصره ، والمتقشفين من الصوفية ، ضبط المحققون كثيرا منها ، وهي في حد ذاتها ثروة علمية تركها الإمام ( عليه السلام ) ، وأما الرواية عنه في الأحكام فقد روى عنه أبان بن تغلب ثلاثين ألف حديث .

-


حتى أن الحسن بن علي الوشاء قال : أدركت في هذا المسجد ( مسجد الكوفة ) تسعمائة شيخ كل يقول حدثني جعفر بن محمد ( 1 ) .

وأما ما أثر عنه من المعارف والعقائد فحدث عنها ولا حرج ، ولا يسعنا نقل حتى القليل منها ، ومن أراد فليرجع إلى مظانها ( 2 ) .
يقول " سيد أمير علي " بعد النقاش حول الفرق المذهبية والفلسفية في عصر الإمام : " ولم تتخذ الآراء الدينية اتجاها فلسفيا إلا عند الفاطميين ، ذلك أن انتشار العلم في ذلك الحين أطلق روح البحث والاستقصاء ، وأصبحت المناقشات الفلسفية عامة في كل مجتمع من المجتمعات ، والجدير بالذكر أن زعامة تلك الحركة الفكرية إنما وجدت في تلك المدرسة التي ازدهرت في المدينة ، والتي أسسها حفيد علي بن أبي طالب المسمى بالإمام جعفر والملقب بالصادق ، وكان رجلا بحاثة ومفكرا كبيرا جيد الإلمام بعلوم ذلك العصر ، ويعتبر أول من أسس المدارس الفلسفية الرئيسية في الإسلام .

ولم يكن يحضر محاضراته أولئك الذين أسسوا فيما بعد المذاهب الفقهية فحسب ( 3 ) بل كان يحضرها الفلاسفة وطلاب الفلسفة من الأنحاء القصية ، وكان الإمام " الحسن البصري " مؤسس المدرسة الفلسفية في مدينة البصرة ، وواصل بن عطاء مؤسس مذهب المعتزلة من تلاميذه ، الذين نهلوا من معين علمه الفياض وقد عرف واصل والإمام العلوي بدعوتهما إلى حرية إرادة الإنسان . . . ( 4 ) .

( 1 ) الرجال للنجاشي : 139 برقم 79 .
( 2 ) الإحتجاج 2 : 69 - 155 ، التوحيد للصدوق ، وقد بسطها على أبواب مختلفة .
( 3 ) كأبي حنيفة ومالك .
( 4 ) مختصر تاريخ العرب ، تعريب : عفيف البعلبكي : 193 . ( * )





وأما حكمه وقصار كلمه ، فلاحظ تحف العقول ، وأما رسائله فكثيرة منها رسالته إلى النجاشي والي الأهواز ، ومنها : رسالته في شرائع الدين نقلها الصدوق في الخصال ، ومنها : ما أملاه في التوحيد للمفضل بن عمر ، إلى غير ذلك من الرسائل التي رسمها بخطه ( 1 ) .

نتف من أقواله ونقتطف من وصاياه وكلماته الغزيرة وصية واحدة وهي وصيته لسفيان الثوري : " الوقوف عند كل شبهة خير من الاقتحام في الهلكة ، وترك حديث لم تروه ( 2 ) ، أفضل من روايتك حديثا لم تحصه " . " إن على كل حق حقيقة ، وعلى كل صواب نورا ، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالفه فدعوه " ( 3 ) .

من أقوال العلماء المحدثين فيه ( عليه السلام ) ونختم هذا البحث بما قاله أبو زهرة في هذا المجال : إن للإمام الصادق فضل السبق ، وله على الأكابر فضل خاص ، فقد كان أبو حنيفة يروي عنه ، ويراه أعلم الناس باختلاف الناس ، وأوسع الفقهاء إحاطة ، وكان الإمام مالك يختلف إليه دارسا راويا ، وكان له فضل الأستاذية على

( 1 ) ولقد جمع أسماء هذه الرسائل السيد الأمين في أعيانه 1 : 668 .
( 2 ) أي لم تروه عن طريق صحيح ، والفعل مبني للمجهول .
( 3 ) اليعقوبي ، التاريخ 3 : 115 . ( * )



أبي حنيفة فحسبه ذلك فضلا . وهو فوق هذا حفيد علي زين العابدين الذي كان سيد أهل المدينة في عصره فضلا وشرفا ودينا وعلما ، وقد تتلمذ له ابن شهاب الزهري ، وكثير من التابعين ، وهو ابن محمد الباقر الذي بقر العلم ووصل إلى لبابه ، فهو ممن جعل الله له الشرف الذاتي والشرف الإضافي بكريم النسب ، والقرابة الهاشمية ، والعترة المحمدية ( 1 ) .

وبما كتبه الأستاذ أسد حيدر إذ قال : كان يؤم مدرسته طلاب العلم ورواة الحديث من الأقطار النائية ، لرفع الرقابة وعدم الحذر فأرسلت الكوفة ، والبصرة ، وواسط ، والحجاز إلى جعفر بن محمد أفلاذ أكبادها ، ومن كل قبيلة من بني أسد ، ومخارق ، وطي ، وسليم ، وغطفان ، وغفار ، والأزد ، وخزاعة ، وخثعم ، ومخزوم ، وبني ضبة ، ومن قريش ، ولا سيما بني الحارث بن عبد المطلب ، وبني الحسن بن الحسن بن علي ( 2 ) .

وفاته : ولما توفي الإمام شيعه عامة الناس في المدينة ، وحمل إلى البقيع ، ودفن في جوار أبيه وجده ( عليهما السلام ) ، وقد أنشد فيه أبو هريرة العجلي قوله :

أقول وقد راحوا به يحملونه * على كاهل من حامليه وعاتق
أتدرون ماذا تحملون إلى الثرى * ثبيرا ثوى من رأس علياء شاهق
غداة حثا ، الحاثون فوق ضريحه * ترابا وأولى كان فوق المفارق

فسلام الله عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيا .

( 1 ) محمد أبو زهرة ، الإمام الصادق : 30 .
( 2 ) أسد حيدر ، الإمام الصادق 1 : 38 نقلا عن كتاب جعفر بن محمد ، لسيد الأهل

شيعية وكلي فخر غير متصل  
قديم 11-25-2006, 04:52 PM   #8 (permalink)
شيعية وكلي فخر
عضو موقوف
 
لحد يرد الا لما اكمل الائمة كلهم .. الحين انا باطلع ..
شيعية وكلي فخر غير متصل  
قديم 11-25-2006, 06:07 PM   #9 (permalink)
علااوي
رومانسي مجتهد
 
الصورة الرمزية علااوي
 
موضوع جميل لولا التدليس والاخذ من كتب زنادقتكم والكذب الواضح فية
علااوي غير متصل  
قديم 11-26-2006, 07:19 PM   #10 (permalink)
شيعية وكلي فخر
عضو موقوف
 
علاوي شهاللقافة يعني .. انا قلت لحد يرد .. صج مطفوق .. !

وبعدين انتوا مو تسألون عن الائمة .. هكا يبنا لكم ..

لما نييب لكم تقولون نجذب .. واذا ما يبنا تقولون ما عندهم .. ولا يخافون ..

صج انكم ........ !
شيعية وكلي فخر غير متصل  
موضوع مغلق

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الصورة الاولة قلة ادب بالزحمة xwzxwz12 صور 2014 - 2015 16 03-19-2006 10:53 PM


الساعة الآن 10:34 AM


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd diamond

Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0