تصفح

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( 10 مرات ) كلمتان حبيبتان الى الرحمن وثقيلتان في الميزان






العودة   منتديات عالم الرومانسية > منتديات ادبيه وفكريه وثقافيه > التاريخ والحضارة القديمة والتراث > قسم الوثائق والصور والحرف والتراث

قسم الوثائق والصور والحرف والتراث قسم الوثائق والصور والحرف والتراث


إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 02-03-2014, 07:19 PM   #61 (permalink)
بحرجديد
مشرف التاريخ والحضاره - أمير الأبداع - كاتب مميز - مشرف الشهر المميز
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد








قال أبو مخنف: فحدثني جعفر بن حذيفة الطائي - وقد عرف سعيد ابن شيبان الحديث - قال: دعا محمد بن الأشعث إياس بن العثل الطائي من بني مالك ابن عمرو بن ثمامة، وكان شاعراً، وكان لمحمد زواراً، فقال له: الق حسيناً فأبلغه هذا الكتاب، وكتب فيه الذي أمره ابن عقيل، وقال له: هذا زادك وجهازك، ومتعة لعيالك؛ فقال: من أين لي براحلة، فإن راحلتي قد أنضيتها؟ قال: هذه راحلة فاركبها برحلها. ثم خرج فاستقبله بزبالة لأربع ليال، فأخبره الخبر، وبلغه الرسالة، فقال له حسين: كل ما حم نازل، وعند الله نحتسب أنفسنا وفساد أمتنا.
وقد كان مسلم بن عقيل حيث تحول إلى دار هانىء بن عروة وبايعه ثمانية عشر ألفاً، قدم كتاباً إلى حسين مع عابس بن أبي شبيب الشاكري: أما بعد، فإن الرائد لا يكذب أهله، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفاً، فعجل الإقبال حين يأتيك كتابي، فإن الناس كلهم معك، ليس لهم في آل معاوية رأي ولا هوىً؛ والسلام.
وأقبل محمد بن الأشعث بابن عقيل إلى باب القصر، فاستأذن فأذن له، فأخبر عبيد الله خبر ابن عقيل وضرب بكير إياه، فقال: بعداً له! فأخبره محمد بن الأشعث بما كان منه وما كان من أمانه إياه، فقال عبيد الله: ما أنت والأمان! كأنا أرسلناك تؤمنه! إنما أرسلناك لتأتينا به؛ فسكت. وانتهى ابن عقيل إلى باب القصر وهو عطشان، وعلى باب القصر ناسٌ جلوس ينتظرون الإذن، منهم عمارة بن عقبة بن أبي معيط، وعمرو بن حريث، ومسلم بن عمرو، وكثير بن شهاب.
قال أبو مخنف: فحدثني قدامة بن سعد أن مسلم بن عقيل حين انتهى إلى باب القصر فإذا قلة باردة موضوعة على الباب، فقال ابن عقيل: اسقوني من هذا الماء، فقال له مسلم بن عمرو: أتراها ما أبردها! لا والله لاتذوق منها قطرةً أبداً حتى تذوق الحميم في نار جهنم! قال له ابن عقيل: ويحك! من أنت؟ قال: أنا ابن من عرف الحق إذ أنكرته، ونصح لإمامه إذ غششته، وسمع وأطاع إذ عصيته وخالفت، أنا مسلم بن عمرو الباهلي؛ فقال ابن عقيل: لأمك الثكل! ما أجفاك، وما أفظك؛ وأقسى قلبك وأغلظك! أنت يابن باهلة أولى بالحميم والخلود في نار جهنم مني؛ ثم جلس متسانداً إلى حائط.
قال أبو مخنف: فحدثني قدامة بن سعد أن عمرو بن حريت بعث غلاماً يدعى سليمان، فجاءه بماء في قلة فسقاه.
قال أبو مخنف: وحدثني سعيد بن مدرك بن عمارة، أن عمارة بن عقبة بعث غلاماً له يدعى قيساً، فجاءه بقلة عليها منديل ومعه قدح فصب فيه ماءً، ثم سقاه، فأخذ كلما شرب امتلأ القدح دماً، فلما ملأ القدح المرة الثالثة ذهب ليشرب فسقطت ثنيتاه فيه، فقال: الحمد لله! لو كان لي من الرزق المقسوم شربته. وأدخل مسلمٌ على ابن زياد فلم يسلم عليه بالإمرة، فقال له الحرسي: ألا تسلم على الأمير! فقال له: إن كان يريد قتلي فما سلامي عليه! وإن كان لا يريد قتلي فلعمري ليكثرن سلامي عليه؛ فقال له ابن زياد: لعمري لتقتلن؛ قال: كذلك؟ قال: نعم؛ قال: فدعني أوص إلى بعض قومي، فنظر إلى جلساء عبيد الله وفيهم عمر بن سعد، فقال: يا عمر، إن بيني وبينك قرابةً، ولي إليك حاجة، وقد يجب لي عليك نجح حاجتي، وهو سر، فأبى أن يمكنه من ذكرها، فقال له عبيد الله: لا تمتنع أن تنظر في حاجة ابن عمك، فقام معه فجلس حيث ينظر إليه ابن زياد، فقال له: إن علي بالكوفة ديناً استدنته منذ قدمت الكوفة، سبعمائة درهم، فاقضها عني، وانظر جثتي فاستوهبها من ابن زياد، فوارها، وابعث إلى حسين من يرده، فإني قد كتبت إليه أعلمه أن الناس معه، ولا أراه إلا مقبلاً؛ فقال عمر لابن زياد: أتدري ما قال لي؟ إنه ذكر كذا وكذا؛ قال له ابن زياد: إنه لا يخونك الأمين، ولكن قد يؤتمن الخائن، أما مالك فهو لك، ولسنا نمنعك أن تصنع فيه ما أحببت؛ وأما حسين فإنه إن لم يردنا لم نرده، وإن أرادنا لم نكف عنه، وأما جثته فإنا لن نشفعك فيه، إنه ليس بأهل منا لذلك، قد جاهدنا وخالفنا، وجهد على هلاكنا. وزعموا أنه قال: أما جثته فإنا لا نبالي إذ قتلناه ما صنع بها. ثم إن ابن زياد قال: إيه يابن عقيل! أتيت الناس وأمرهم جميع، وكلمتهم واحدة، لتشتتهم، وتفرق كلمتهم، وتحمل بعضهم على بعض! قال: كلا، لست أتيت، ولكن أهل المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم، وسفك دماءهم، وعمل فيها أعمال كسرى وقيصر، فأتيناهم لنأمر بالعدل وندعو إلى حكم الكتاب، قال: وما أنت وذاك يا فاسق! أو لم نكن نعمل بذاك فيهم إذ أنت بالمدينة تشرب الخمر! قال: أنا أشرب الخمر! والله إن الله ليعلم أنك غير صادق، وأنك قلت بغير علم، وأني لست كما ذكرت. وإن أحق بشرب الخمر مني وأولى بها من يلغ في دماء المسلمين ولغاً، فيقتل النفس التي حرم الله قتلها، ويقتل النفس بغير النفس، ويسفك الدم الحرام، ويقتل على الغضب والعداوة وسوء الظن، وهو يلهو ويلعب كأن لم يصنع شيئاً. فقال له ابن زياد: يا فاسق، إن نفسك تمنيك ما حال الله دونه، ولم يرك أهله؛ قال: فمن أهله يابن زياد؟ قال: أمير المؤمنين يزيد فقال: الحمد لله على كل حال، رضينا بالله حكماً بيننا وبينكم؛ قال: كأنك تظن أن لكم في الأمر شيئاً! قال: والله ما هو بالظن، ولكنه اليقين؛ قال: قتلني الله إن لم أقتلك قتلةً لم يقتلها أحدٌ في الإسلام! قال: أما إنك أحق من أحدث في الإسلام ما لم يكن فيه، أما إنك لا تدع سوء القتلة، وقبح المثلة، وخبث السيرة، ولؤم الغلبة، ولا أحد من الناس أحق بها منك. وأقبل ابن سمية يشتمه ويشتم حسيناً وعلياً وعقيلاً، وأخد مسلم لا يكلمه. وزعم أهل العلم أن عبيد الله أمر له بماء فسقي بخزفةٍ، ثم قال له: إنه لم يمنعنا أن نسقيك فيها إلا كراهة أن تحرم بالشرب فيها، ثم نقتلك، ولذلك سقيناك في هذا، ثم قال: اصعدوا به فوق القصر فاضربوا عنقه، ثم أتبعوا جسده رأسه، فقال: يابن الأشعث، أما والله لولا أنك آمنتني ما استسلمت؛ قم بسيفك دوني فقد أخفرت ذمتك، ثم قال: يابن زياد، أما والله لو كانت بيني وبينك قرابة ما قتلتني؛ ثم قال ابن زياد: أين هذا الذي ضرب ابن عقيل رأسه بالسيف وعاتقه؟ فدعي، فقال: اصعد فكن أنت الذي تضرب عنقه، فصعد به وهو يكبر ويستغفر ويصلي على ملائكة الله ورسله وهو يقول: اللهم احكم بيننا وبين قوم غرونا وكذبونا وأذلونا. وأشرف به على موضع الجزارين اليوم، فضربت عنقه، وأتبع جسده رأسه.
قال أبو مخنف: حدثني الصقعب بن زهير، عن عون بن أبي جحيفة قال: نزل الأحمري بكير بن حمران الذي قتل مسلماً، فقال له ابن زياد: قتلته؟ قال: نعم، قال: فما كان يقول وأنتم تصعدون به؟ قال: كان يكبر ويسبح ويستغفر، فلما أدنيته لأقتله قال: اللهم احكم بيننا وبين قوم كذبونا وغرونا وخذلونا وقتلونا؛ فقلت له: ادن مني، الحمد لله الذي أقادني منك، فضربته ضربة لم تغن شيئاً؛ فقال أما ترى في خدش تخدشنيه وفاءً من دمك أيها العبد! فقال ابن زياد: أوفخراً عند الموت! قال: ثم ضربته الثانية فقتلته.
قال: وقام محمد بن الأشعث إلى عبيد الله بن زياد فكلمه في هانىء بن عروة، وقال: إنك قد عرفت منزلة هانىء بن عروة في المصر، وبيته في العشيرة، وقد علم قومه أني وصاحبي سقناه إليك، فأنشدك الله لما وهبته لي، فإني أكره عداوة قومه، هم أعز أهل المصر، وعدد أهل اليمن! قال: فوعده أن يفعل، فلما كان من أمر مسلم بن عقيل ما كان، بدا له فيه، وأبى أن يفي له بما قال.
قال: فأمر بهانىء بن عروة حين قتل مسلم بن عقيل فقال: أخرجوه إلى السوق فاضربوا عنقه، قال: فأخرج بهانىء حتى أنتهي إلى مكان من السوق كان يباع فيه الغنم وهو مكتوف، فجعل يقول: وامذحجاه! ولا مذحج لي اليوم! وامذحجاه؛ وأين مني مذحج! فلما رأى أن أحداً لا ينصره جذب يده فنزعها من الكتاف، ثم قال: أما من عصاً أو سكين أو حجر أو عظم يجاحش به رجلٌ عن نفسه! قال: ووثبوا إليه فشدوه وثاقاً، ثم قيل له: امدد عنقك، فقال: ما أنا بها مجدٍ سخي، وما أنا بمعينكم على نفسي.
قال: فضربه مولىً لعبيد الله بن زياد - تركي يقال له رشيد - بالسيف، فلم يصنع سيفه شيئاً، فقال هانىء: إلى الله المعاد! اللهم إلى رحمتك ورضوانك! ثم ضربه أخرى فقتله.
قال: فبصر به عدب الرحمن بن الحصين المرادي بخازر، وهو مع عبيد الله بن زياد؛ فقال الناس: هذا قاتل هانىء بن عروة؛ فقال ابن الحصين: قتلني الله إن لم أقتله أو أقتل دونه! فحمل عليه بالرمح فطعنه فقتله. ثم إن عبيد الله بن زياد لما قتل مسلم بن عقيل وهانىء بن عروة دعا بعبد الأعلى الكلبي الذي كان أخذه كثير بن شهاب في بني فتيان، فأتى به، فقال له: أخبرني بأمرك؛ فقال: أصلحك الله! خرجت لأنظر ما يصنع الناس، فأخذني كثير بن شهاب؛ فقال له: فعليك وعليك، من الأيمان المغلظة، إن كان أخرجك إلا ما زعمت! فأبى أن يحلف، فقال عبيد الله: انطلقوا بهذا إلى جبانة السبيع فاضربوا عنقه بها؛ قال: فانطلق به فضربت عنقه؛ قال: وأخرج عمارة بن صلخب الأزدي - وكان ممن يريد أن يأتي مسلم بن عقيل بالنصرة لينصره - فأتى به أيضاً عبيد الله فقال له: ممن أنت؟ قال: من الأزد. قال: انطلقوا به إلى قومه، فضربت عنقه فيهم، فقال عبد الله بن الزبير الأسدي في قتلة مسلم بن عقيل وهانىء بن عروة المرادي - ويقال: قاله الفرزدق:
إن كنت لا تدرين ما الموت فانظري ... إلى هانىء في السوق وابن عقيل
إلى بطل قد هشم السيف وجهه ... وآخر يهوي من طمار قتيل
أصابهما أمر الأمير فأصبحا ... أحاديث من يسري بكل سبيل
ترى جسداً قد غير الموت لونه ... ونضح دمٍ قد سال كل مسيل
فتىً هو أحيا من فتاةٍ حيية ... وأقطع من ذي شفرتين صقيل
أيركب أسماء الهماليج آمناً ... وقد طلبته مذحجٌ بذحول!
تطيف حواليه مرادٌ وكلهم ... على رقبة من سائل ومسول
فإن أنتم لم تثأروا بأخيكم ... فكونوا بغايا أرضيت بقليل
قال أبو مخنف: عن أبي جناب يحيى بن أبي حية الكلبي، قال: ثم إن عبيد الله بن زياد لما قتل مسلماً وهانئاً بعث برءوسهما مع هانىء بن أبي حية الوادعي والزبير بن الأروح التميمي إلى يزيد بن معاوية، وأمر كاتبه عمرو بن نافع أن يكتب إلى يزيد بن معاوية بما كان من مسلم وهانىء، فكتب إليه كتاباً أطال فيه - وكان أول من أطال في الكتب - فلما نظر فيه عبيد الله بن زياد كرهه وقال: ما هذا التطويل وهذه الفضول؟ اكتب:
أما بعد، فالحمد لله الذي أخذ لأمير المؤمنين بحقه، وكفاه مؤنة عدوه. أخبر أمير المؤمنين أكرمه الله أن مسلم بن عقيل لجأ إلى دار هانىء بن عروة المرادي، وأني جعلت عليهما العيون، ودسست إليهما الرجال، وكدتهما حتى استخرجتهما، وأمكن الله منهما، فقدمتهما فضربت أعناقهما، وقد بعثت إليك برءوسهما مع هانىء بن أبي حية الهمداني والزبير بن الأروح التميمي - وهما من أهل السمع والطاعة والنصيحة - فليسألهما أمير المؤمنين عما أحب من أمر، فإن عندهما علماً وصدقاً، وفهماً وورعاً؛ والسلام.
فكتب إليه يزيد: أما بعد، فإنك لم تعد أن كنت كما أحب، عملت عمل الحازم، وصلت صولة الشجاع الرابط الجاش، فقد أغنيت وكفيت، وصدقت ظني بك، ورأيي فيك، وقد دعوت رسوليك فسألتهما، وناجيتهما فوجدتهما في رأيهما وفضلهما كما ذكرت؛ فاستوص بهما خيراً، وإنه قد بلغني أن الحسين بن عليٍّ قد توجه نحو العراق؛ فضع المناظر والمسالح، واحترس على الظن، وخذ على التهمة، غير ألا تقتل من قاتلك، واكتب إلي في كل ما يحدث من الخبر؛ والسلام عليك ورحمة الله.
قال أبو مخنف: حدثني الصقعب بن زهير، عن عون بن أبي جحيفة، قال: كان مخرج مسلم بن عقيل بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان ليال مضين من ذي الحجة سنة ستين - ويقال يوم الأربعاء لسبع مضين سنة ستين من يوم عرفة بعد مخرج الحسين من مكة مقبلاً إلى الكوفة بيوم - قال: وكان مخرج الحسين من المدينة إلى مكة يوم الأحد لليلتين بقيتا من رجب سنة ستين، ودخل مكة ليلة الجمعة لثلاث مضين من شعبان، فأقام بمكة شعبان وشهر رمضان وشوالاً وذا القعدة، ثم خرج منها لثمانٍ مضين من ذي الحجة يوم الثلاثاء يوم التروية في اليوم الذي خرج فيه مسلم بن عقيل.
وذكر هارون بن مسلم، عن علي بن صالح، عن عيسى بن يزيد، أن المختار بن أبي عبيد وعبد الله بن الحارث بن نوفل كانا خرجا مع مسلم، خرج المختار براية خضراء، وخرج عبد الله براية حمراء، وعليه ثياب حمر، وجاء المختار برايته فركزها على باب عمرو بن حريث، وقال: إنما خرجت لأمنع عمراً، وإن ابن الأشعث والقعقاع بن شور وشبث بن ربعي قاتلوا مسلماً وأصحابه عشية سار مسلم إلى قصر ابن زياد قتالاً شديداً، وأن شبثاً جعل يقول: انتظروا بهم الليل ليتفرقوا؛ فقال له القعقاع: إنك قد سددت على الناس وجه مصيرهم، فافرج لهم ينسربوا؛ وإن عبيد الله أمر أن يطلب المختار وعبد الله بن الحارث، وجعل فيهما جعلاً، فأتى بهما فحبسا.
ذكر مسير الحسين إلى الكوفة وفي هذه السنة كان خروج الحسين رضي الله عنه من مكة متوجهاً إلى الكوفة.
ذكر الخبر عن مسيره إليهاوما كان من أمره في مسيره ذلك قال هشام عن أبي مخنف: حدثني الصقعب بن زهير، عن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، قال: لما قدمت كتب أهل العراق إلى الحسين وتهيأ للمسير إلى العراق، أتيته فدخلت عليه وهو بمكة، فحمدت الله وأثنيت عليه، ثم قلت: أما بعد، فإني أتيتك يابن عم لحاجة أريد ذكرها لك نصيحة، فإن كنت ترى أنك تستنصحني وإلا كففت عما أريد أن أقول؛ فقال: قل، فوالله ما أظنك بسيىء الرأي، ولاهوٍ للقبيح من الأمر والفعل؛ قال: قلت له: إنه قد بلغني أنك تريد المسير إلى العراق، وإني مشفقٌ عليك من مسيرك؛ إنك تأتي بلداً فيه عماله وأمراؤه، ومعهم بيوت الأموال، وإنما الناس عبيدٌ لهذا الدرهم والدينار، ولا آمن عليك أن يقاتلك من وعدك نصره، ومن أنت أحب إليه ممن يقاتلك معه؛ فقال الحسين: جزاك الله خيراً يابن عم؛ فقد والله علمت أنك مشيت بنصح، وتكلمت بعقل، ومهما يقض من أمر يكن، أخذت برأيك أو تركته، فأنت عندي أحمد مشيرٍ، وأنصح ناصح.
قال: فانصرفت من عنده فدخلت على الحارث بن خالد بن العاص بن هشام، فسألني: هل لقيت حسيناً. فقلت له: نعم؛ قال: فما قال لك، وما قلت له؟ قال: فقلت له: قلت كذا وكذا، وقال كذا وكذا؛ فقال: نصحته ورب المروة الشهباء، أما ورب البنية إن الرأي لما رأيته، قبله أو تركه، ثم قال:
رب مستنصحٍ يغش ويردى ... وظنينٍ بالغيب يلفى نصيحا
قال أبو مخنف: وحدثني الحارث بن كعب الوالبي، عن عقبة بن سمعان، أن حسيناً لما أجمع المسير إلى الكوفة أتاه عبد الله بن عباس فقال: يابن عم، إنك قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق، فبين لي ما أنت صانع؟ قال: إني قد أجمعت المسير في أحد يومي هذين إن شاء الله تعالى؛ فقال له ابن عباس: فإني أعيذك بالله من ذلك، أخبرني رحمك الله! أتسير إلى قوم قد قتلوا أميرهم، وضبطوا بلادهم، ونفوا عدوهم؟ فإن كانوا قد فعلوا ذلك فسر غليهم، وإن كانوا إنما دعوك إليهم وأميرهم عليهم قاهر لهم، وعماله تجبي بلادهم، فإنهم إنما دعوك إلى الحرب والقتال، ولا آمن عليك أن يغروك ويكذبوك، ويخالفوك ويخذلوك، وأن يستنفروا إليك فيكونوا أشد الناس عليك؛ فقال له حسين: وإني أستخير الله وأنظر ما يكون.
قال: فخرج ابن عباس من عنده، وأتاه ابن الزبير فحدثه ساعةً، ثم قال: ما أدري ما تركنا هؤلاء القوم وكفنا عنهم، ونحن أبناء المهاجرين، وولاة هذا الأمر دونهم! خبرني ما تريد أن تصنع؟ فقال الحسين: والله لقد حدثت نفسي بإتيان الكوفة، ولقد كتب إلي شيعتي بها وأشراف أهلها، وأستخير الله؛ فقال له ابن الزبير: أما لو كان لي بها مثل شيعتك ما عدلت بها؛ قال: ثم إنه خشي أن يتهمه فقال: أما إنك لو أقمت بالحجاز ثم أردت هذا الأمر ها هنا ما خولف عليك إن شاء الله؛ ثم قام فخرج من عنده، فقال الحسين: ها إن هذا ليس شيء يؤتاه من الدنيا أحب إليه من أن أخرج من الحجاز إلى العراق، وقد علم أنه ليس له من الأمر معي شيء، وأن الناس لم يعدلوه بي، فود أني خرجت منها لتخلو له.
قال: فلما كان من العشي أو من الغد، أتى الحسين عبد الله بن العباس فقال: يابن عم إني أتصبر ولا أصبر، إني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال؛ إن أهل العراق قوم غدر، فلا تقربنهم، أقم بهذا البلد فإنك سيد أهل الحجاز؛ فإن كان أهل العراق يريدونك كما زعموا فاكتب إليهم فلينفوا عدوهم، ثم أقدم عليهم، فإن أبيت إلا أن تخرج فسر إلى اليمن فإن بها حصوناً وشعاباً، وهي أرضٌ عريضة طويلة، ولأبيك بها شيعة، وأنت عن الناس في عزلة، فتكتب إلى الناس وترسل، وتبث دعاتك، فإني أرجو أن يأتيك عند ذلك الذي تحب في عافية؛ فقال له الحسين: يابن عم، إني والله لأعلم أنك ناصحٌ مشفق، ولكني قد أزمعت وأجمعت على المسير؛ فقال له ابن عباس: فإن كنت سائراً فلا تسر بنسائك وصبيتك، فوالله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه. ثم قال ابن عباس: لقد أقررت عين ابن الزبير بتخليتك إياه والحجاز والخروج منها، وهو اليوم لا ينظر إليه أحدٌ معك، والله الذي لا إله إلا هو لو أعلم أنك إذا أخذت بشعرك وناصيتك حتى يجتمع علي وعليك الناس أطعتني لفعلت ذلك. قال: ثم خرج ابن عباس من عنده، فمر بعبد الله بن الزبير، فقال: قرت عينك يابن الزبير! ثم قال:
يا لك من قبرة بمعمر ... خلا لك الجو فبيضي واصفري
ونقري ما شئت أن تنقري
هذا حسين يخرج إلى العراق، وعليك بالحجاز.
قال أبو مخنف: قال أبو جناب يحيى بن أبي حية، عن عدي بن حرملة الأسدي، عن عبد الله بن سليم والمذري بن المشمعل الأسديين قالا: خرجنا حاجين من الكوفة حتى قدمنا مكة، فدخلنا يوم التروية، فإذا نحن بالحسين وعبد الله بن الزبير قائمين عند ارتفاع الضحى فيما بين الحجر والباب، قالا: فتقربنا منهما، فسمعنا ابن الزبير وهو يقول للحسين: إن شئت أن تقيم أقمت فوليت هذا الأمر، فآزرناك وساعدناك، ونصحنا لك وبايعناك؛ فقال له الحسين: إن أبي حدثني أن بها كبشاً يستحل حرمتها، فما أحب أن أكون أنا ذلك الكبش؛ فقال له ابن الزبير: فأقم إن شئت وتوليني أنا الأمر فتطاع ولا تعصى؛ فقال: وما أريد هذا أيضاً؛ قالا: ثم إنهما أخفيا كلامهما دوننا، فما زالا يتناجيان حتى سمعنا دعاء الناس رائحين متوجهين إلى منىً عند الظهر؛ قالا: فطاف الحسين بالبيت وبين الصفا والمروة، وقص من شعره، وحل من عمرته، ثم توجه نحو الكوفة، وتوجهنا نحو الناس إلى منىً.
قال أبو مخنف: عن أبي سعيد عقيصي، عن بعض أصحابه، قال: سمعت الحسين بن علي وهو بمكة وهو واقف مع عبد الله بن الزبير، فقال له ابن الزبير إلي يابن فاطمة، فأصغى إليه، فساره، قال: ثم التفت إلينا الحسين فقال: أتدرون ما يقول ابن الزبير؟ فقلنا: لا ندري، جعلنا الله فداك! فقال: قال: أقم في هذا المسجد أجمع لك الناس؛ ثم قال الحسين: والله لأن أقتل خارجاً منها بشبر أحب إلي من أن أقتل داخلاً منها بشبر، وايم الله لو كنت في جحر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتى يقضوا في حاجتهم، ووالله ليعتدن علي كما اعتدت اليهود في السبت.
قال أبو مخنف: حدثني الحارث بن كعب الوالبي، عن عقبة بن سمعان قال: لما خرج الحسين من مكة اعترضه رسل عمرو بن سعيد بن العاص، عليهم يحيى بن سعيد، فقالوا له: انصرف؛ أين تذهب! فأبى عليهم ومضى، وتدافع الفريقان، فاضربوا بالسياط. ثم إن الحسين وأصحابه امتنعوا امتناعاً قوياً، ومضى الحسين رضي الله عنه على وجهه، فنادوه: يا حسين، ألا تتقي الله! تخرج من الجماعة، وتفرق بين هذه الأمة! فتأول حسينٌ قول الله عز وجل: " لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريءٌ مما تعملون " .
قال: ثم إن الحسين أقبل حتى مر بالتنعيم، فلقي بها عيراً قد أقبل بها من اليمن، بعث بها بحير بن ريسان الحميري إلى يزيد بن معاوية، - وكان عامله على اليمن - وعلى العير الورس والحلل ينطلق بها إلى يزيد فأخذها الحسين، فانطلق بها؛ ثم قال لأصحاب الإبل: لا أكرهكم، من أحب أن يمضي معنا إلى العراق أوفينا كراءه وأحسنا صحبته، ومن أحب أن يفارقنا من مكاننا هذا أعطيناه من الكراء على قدر ما قطع من الأرض؛ قال: فمن فارقه منهم حوسب فأوفي حقه، ومن مضى منهم معه أعطاه كراءه وكساه.
قال أبو مخنف؛ عن أبي جناب، عن عدي بن حرملة، عن عبد الله ابن سليم والمذري قالا: اقبلنا حتى انتهينا إلى الصفاح، فلقينا الفرزدق بن غالب الشاعر، فواقف حسيناً فقال له: أعطاط الله سؤلك وأملك فيما تحب، فقال له الحسين: بين لنا نبأ الناس خلفك، فقال له الفرزدق: من الخبير سألت، قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أمية، والقضاء ينزل من السماء، والله يفعل ما يشاء؛ فقال له الحسين: صدقت، لله الأمر، والله يفعل ما يشاء، وكل يوم ربنا في شأن، إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه، وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء، فلم يعتد من كان الحق نيته، والتقوى سريرته؛ ثم حرك الحسين راحلته فقال: السلام عليك؛ ثم افترقا.
قال هشام، عن عوانة بن الحكم، عن لبطة بن الفرزدق بن غالب، عن أبيه، قال: حججت بأمي، فأنا أسوق بعيرها حين دخلت الحرم في أيام الحج، وذلك في سنة ستين، إذ لقيت الحسين بن علي خارجاً من مكة معه أسيافه وتراسه، فقلت: لمن هذا القطار؟ فقيل: للحسين بن علي، فأتيته فقلت: بأبي وأمي يابن رسول الله! ما أعجلك عن الحج؟ فقال: لو لم أعجل لأخذت؛ قال: ثم سألني: ممن أنت؟ فقلت له: امرؤٌ من العراق؛ قال: فوالله ما فتشني عن أكثر من ذلك، واكتفى بها مني، فقال: أخبرني عن الناس خلفك؟ قال: فقلت له: القلوب معك، والسيوف مع بني أمية، والقضاء بيد الله؛ قال: فقال لي: صدقت؛ قال: فسألته عن أشياء، فأخبرني بها من نذور ومناسك؛ قال: وإذا هو ثقيل اللسان من برسام أصابه بالعراق؛ قال: ثم مضيت فإذا بفسطاط مضروب في الحرم، وهيئته حسنة، فأتيته فإذا هو لعبد الله بن عمرو بن العاص، فسألني، فأخبرته بلقاء الحسين بن علي، فقال لي: ويلك! فهلا اتبعته، فوالله ليملكن، ولا يجوز السلاح فيه ولا في أصحابه، قال: فهممت والله أن ألحق به، ووقع في قلبي مقالته، ثم ذكرت الأنبياء وقتلهم، فصدني ذلك عن اللحاق بهم، فقدمت على أهلي بعسفان، قال: فوالله إني لعندهم إذ أقبلت عيرٌ قد امتارت من الكوفة، فلما سمعت بهم خرجت في آثارهم حتى إذا أسمعتهم الصوت وعجلت عن إتيانهم صرخت بهم: ألا ما فعل الحسين ابن علي؟ قال: فردوا علي: ألا قد قتل؛ قال: فانصرفت وأنا ألعن عبد الله بن عمرو بن العاص؛ قال: وكان أهل ذلك الزمان يقولون ذلك الأمر، وينتظرونه في كل يوم وليلة. قال: وكان عبد الله بن عمرو يقول: لا تبلغ الشجرة ولا النحلة ولا الصغير حتى يظهر هذا الأمر؛ قال: فقلت له: فما يمنعك أن تبيع الوهط؟ قال: فقال لي: لعنة الله على فلان - يعني معاوية - وعليك؛ قال: فقلت: لا، بل عليك لعنة الله؛ قال: فزادني من اللعن ولم يكن عنده من حشمه أحدٌ فألقى منهم شراً؛ قال: فخرجت وهو لا يعرفني - والوهط حائطٌ لعبد الله بن عمرو بالطائف؛ قال: وكان معاوية قد ساوم به عبد الله بن عمرو، وأعطاه به مالاً كثيراً، فأبى أن يبيعه بشيء - قال: وأقبل الحسين مغذاً لا يلوي على شيء حتى نزل ذات عرق.
قال أبو مخنف: حدثني الحارث بن كعب الوالبي، عن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب قال: لما خرجنا من مكة كتب عبد الله بن جعفر بن أبي طالب إلى الحسين بن علي مع ابنيه: عون ومحمد: أما بعد، فإني أسألك بالله لما انصرفت حين تنظر في كتابي، فإني مشفقٌ عليك من الوجه الذي توجه له أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك، إن هلكت اليوم طفىء نور الأرض، فإنك علم المهتدين؛ ورجاء المؤمنين؛ فلا تعجل بالسير فإني في أثر الكتاب؛ والسلام.
قال: وقام عبد الله بن جعفر إلى عمرو بن سعيد بن العاص فكلمه. وقال: اكتب إلى الحسين كتاباً تجعل له فيه الأمان، وتمنيه فيه البر والصلة، وتوثق له في كتابك، وتسأله الرجوع لعله يطمئن إلى ذلك فيرجع؛ فقال عمرو ابن سعيد: اكتب ما شئت وأتني به حتى أختمه، فكتب عبد الله بن جعفر الكتاب، ثم أتى به عمرو بن سعيد فقال له: اختمه، وابعث به مع أخيك يحيى بن سعيد، فإنه أحرى أن تطمئن نفسه إليه، ويعلم أنه الجد منك، ففعل؛ وكان عمرو بن سعيد عامل يزيد بن معاوية على مكة؛ قال: فلحقه يحيى وعبد الله بن جعفر، ثم انصرفا بعد أن أقرأه يحيى الكتاب، فقالا: اقرأناه الكتاب، وجهدنا ه، وكان مما اعتذر به إلينا أن قال: إني رأيت رؤيا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمرت فيها بأمر أنا ماضٍ له، علي كان أو لي؛ فقالا له: فما تلك الرؤيا؟ قال: ما حدثت أحداً بها، وما أنا محدث بها حتى ألقى ربي.
قال: وكان كتاب عمرو بن سعيد إلى الحسين بن علي: بسم الله الرحمن الرحيم، من عمرو بن سعيد إلى الحسين بن علي، أما بعد، فإني أسأل الله أن يصرفك عما يوبقك، وأن يهديك لما يرشدك؛ بلغني أنك قد توجهت إلى العراق، وإني أعيذك بالله من الشقاق، فإني أخاف عليك فيه هلاك، وقد بعثت إليك عبد الله بن جعفر ويحيى بن سعيد، فأقبل إلي معهما، فإن لك عندي الأمان والصلة والبر وحسن الجوار لك، الله علي بذلك شهيدٌ وكفيلٌ، ومراعٍ ووكيلٌ؛ والسلام عليك.
قال: وكتب إليه الحسين: أما بعد؛ فإنه لم يشاقق الله ورسوله من دعا إلى الله عز وجل وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين؛ وقد دعوت إلى الأمان والبر والصلة، فخير الأمان أمان الله، ولن يؤمن الله يوم القيامة من لم يخفه في الدنيا، فنسأل الله مخافةً في الدنيا توجب لنا أمانه يوم القيامة، فإن كنت نويت بالكتاب صلتي وبري، فجزيت خيراً في الدنيا والآخرة؛ والسلام.
رجع الحديث إلى حديث عمار الدهني عن أبي جعفر. فحدثني زكرياء بن يحيى الضرير، قال: حدثنا أحمد بن جناب المصيصي قال: حدثنا خالد بن يزيد بن عبد الله القسري قال: حدثنا عمار الدهني قال: قلت لأبي جعفر: حدثني عن مقتل الحسين حتى كأني حضرته؛ قال: فأقبل حسين بن علي بكتاب مسلم بن عقيل كان إليه، حتى إذا كان بينه وبين القادسية ثلاثة أميال، لقيه الحر بن يزيد التميمي، فقال له: أين تريد؟ قال: أريد هذا المصر؛ قال له: ارجع فإني لم أدع لك خلفي خيراً أرجوه، فهم أن يرجع، وكان معه إخوة مسلم بن عقيل، فقالوا: والله لا نرجع حتى نصيب بثأرنا أو نقتل؛ فقال: لا خير في الحياة بعدكم! فسار فلقيته إوائل خيل عبيد الله، فلما رأى ذلك عدل إلى كربلاء فأسند ظهره إلى قصباء وخلا كيلا يقاتل إلا من وجه واحد، فنزل وضرب أبنيته، وكان أصحابه خمسةً وأربعين فارساً ومائة راجل، وكان عمر بن سعد بن أبي وقاص قد ولاه عبيد الله بن زياد الري وعهد إليه عهده فقال: اكفني هذا الرجل؛ قال: أعفني، فأبى أن يعفيه؛ قال: فأنظرني الليلة؛ فأخره، فنظر في أمره فلما أصبح غدا عليه راضياً بما أمر به، فتوجه إليه عمر بن سعد، فلما أتاه قال له الحسين: اختر واحدةً من ثلاث: إما أن تدعوني فأنصرف من حيث جئت، وإما أن تدعوني فأذهب إلى يزيد، وإما أن تدعوني فألحق بالثغور؛ فقبل ذلك عمر، فكتب إليه عبيد الله: لا ولا كرامة حتى يضع يده في يدي! فقال له الحسين: لا والله لا يكون ذلك أبداً، فقاتله فقتل أصحاب الحسين كلهم، وفيهم بضعة عشر شاباً من أهل بيته، وجاء سهمٌ فأصاب ابناً له معه في حجره، فجعل يمسح الدم عنه ويقول: اللهم احكم بيننا وبين قوم دعونا لينصرونا فقتلونا؛ ثم أمر بحبرة فشققها، ثم لبسها وخرج بسيفه، فقاتل حتى قتل رضي الله عنه؛ قتله رجلٌ من مذحج وحز رأسه، وانطلق به إلى عبيد الله وقال:
أوقر ركابي فضةً وذهبا ... فقد قتلت الملك المحجبا
قتلت خير الناس أماً وأبا ... وخيرهم إذ ينسبون نسبا
وأوفده إلى يزيد بن معاوية ومعه الرأس، فوضع رأسه بين يديه وعنده أبو برزة الأسلمي، فجعل ينكت بالقضيب على فيه ويقول:
يفلقن هاماً من رجالٍ أعزة ... علينا وهم كانوا أعق وأظلما
فقال له أبو برزة: ارفع قضيبك، فوالله لربما رأيت فا رسول الله صلى الله عليه وسلم على فيه يلثمه! وسرح عمر بن سعد بحرمه وعياله إلى عبيد الله، ولم يكن بقي من أهل بيت الحسين بن علي رضي الله عنه إلا غلام كان مريضاً مع النساء، فأمر به عبيد الله ليقتل، فطرحت زينب نفسها عليه وقالت: والله لا يقتل حتى تقتلوني! فرق لها، فتركه وكف عنه.
قال: فجهزهم وحملهم إلى يزيد، فلما قدموا عليه جمع من كان بحضرته من أهل الشأم، ثم أدخلوهم، فهنئوه بالفتح، قال رجل منهم أزرق أحمر ونظر إلى وصيفةٍ من بناتهم فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي هذه، فقالت زينب: لا والله ولا كرامة لك ولا له إلا أن يخرج من دين الله، قال: فأعادها الأزرق، فقال له يزيد: كف عن هذا؛ ثم أدخلهم على عياله، فجهزهم وحملهم إلى المدينة، فلما دخلوها خرجت امرأةٌ من بني عبد المطلب ناشرةً شعرها، واضعةً كمها على رأسها تلقاهم وهي تبكي وتقول:
ماذا تقولون إن قال النبي لكم ... ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم!
بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي ... منهم أسارى وقتلى ضرجوا بدم
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم ... أن تخلفوني بسوءٍ في ذوي رحمي!
حدثني الحسين بن نصر قال: حدثنا أبو ربيعة، قال: حدثنا أبو عوانة، عن حصين بن عبد الرحمن قال: بلغنا أن الحسين رضي الله عنه... وحدثنا محمد بن عمار الرازي. قال: حدثنا سعيد بن سليمان، قال: حدثنا عباد بن العوام قال: حدثنا حصين، أن الحسين بن علي رضي الله عنه كتب إليه أهل الكوفة: إنه معك مائة ألف، فبعث إليهم مسلم بن عقيل، فقدم الكوفة، فنزل دار هانىء بن عروة، فاجتمع إليه الناس، فأخبر ابن زياد بذلك. زاد الحسين بن نصر في حديثه: فأرسل إلى هانىء فأتاه، فقال: ألم أوقرك! ألم أكرمك! ألم أفعل بك! قال: بلى، قال: فما جزاء ذلك؟ قال: جزاؤه أن أمنعك؛ قال: تمنعني! قال: فأخذ قضيباً مكانه فضربه به، وأمر فكتف ثم ضرب عنقه، فبلغ ذلك مسلم بن عقيل، فخرج ومعه ناس كثير، فبلغ ابن زياد ذلك، فأمر بباب القصر فأغلق، وأمر منادياً فنادى: يا خيل الله اركبي، فلا أحد يجيبه، فظن أنه في ملإ من الناس.
قال حصين: فحدثني هلال بن يساف قال: لقيتهم تلك الليلة في الطريق عند مسجد الأنصار، فلم يكونوا يمرون في طريق يميناً ولا شمالاً إلا وذهبت منهم طائفة، الثلاثون والأربعون، ونحو ذلك. قال: فلما بلغ السوق، وهي ليلة مظلمة، ودخلوا المسجد، قيل لابن زياد: والله ما نرى كثير أحد، ولا نسمع أصوات كثير أحد، فأمر بسقف المسجد فقلع، ثم أمر بحرادى فيها النيران، فجعلوا ينظرون، فإذا قريب خمسين رجلاً. قال: فنزل فصعد المنبر وقال للناس: تميزوا أرباعاً أرباعاً؛ فانطلق كل قوم إلى رأس ربعهم، فنهض إليهم قومٌ يقاتلونهم، فجرح مسلم جراحةً ثقيلة، وقتل ناس من أصحابه، وانهزموا؛ فخرج مسلم فدخل داراً من دور كندة، فجاء رجل إلى محمد بن الأشعث وهو جالس إلى ابن زياد، فساره، فقال له: إن مسلماً في دار فلان، فقال ابن زياد: ما قال لك؟ قال: إن مسلماً في دار فلان، قال ابن زياد لرجلين: انطلقا فأتياني به، فدخلا عليه وهو عند امرأة قد أوقدت له النار، فهو يغسل عنه الدماء، فقالا له: انطلق، الأمير يدعوك، فقال: اعقدا لي عقداً؛ فقالا: ما نملك ذاك؛ فانطلق معهما حتى أتاه فأمر به فكتف ثم قال: هيه هيه يابن خلية - قال الحسين في حديثه: يابن كذا - جئت لتنزع سلطاني! ثم أمر به فضربت عنقه. قال حصين: فحدثني هلال بن يساف أن ابن زياد أمر بأخذ ما بين واقصة إلى طريق الشأم إلى طريق البصرة، فلا يدعون أحداً يلج ولا أحداً يخرج، فأقبل الحسين ولا يشعر بشيء حتى لقي الأعراب، فسألهم، فقالوا: لا والله ما ندري، غير أنا لا نستطيع أن نلج ولا نخرج؛ قال: فانطلق يسير نحو طريق الشأم نحو يزيد، فلقيته الخيول بكربلاء، فنزل يناشدهم الله والإسلام، قال: وكان بعث إليه عمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن وحصين ابن نميم، فناشدهم الحسين الله والإسلام أن يسيروه إلى أمير المؤمنين، فيضع يده في يده، فقالوا: لا، إلا على حكم ابن زياد؛ وكان فيمن بعث إليه الحر بن يزيد الحنظلي ثم النهشلي على خيل، فلما سمع ما يقول الحسين قال لهم: ألا تقبلون من هؤلاء ما يعرضون عليكم! والله لو سألكم هذا الترك والديلم ما حل لكم أن تردوه! فأبوا إلا على حكم ابن زياد، فصرف الحر وجه فرسه، وانطلق إلى الحسين وأصحابه، فظنوا أنه إنما جاء ليقاتلهم، فلما دنا منهم قلب ترسه وسلم عليهم، ثم كر على أصحاب ابن زياد فقاتلهم، فقتل منهم رجلين، ثم قتل رحمة الله عليه.
وذكر أن زهير بن القين البجلي لقي الحسين وكان حاجاً، فأقبل معه، وخرج إليه ابن أبي بحرية المرادي ورجلان آخران وعمرو بن الحجاج ومعن السلمي؛ قال الحصين: وقد رأيتهما.
قال الحصين: وحدثني سعد بن عبيدة، قال: إن أشياخاً من أهل الكوفة لوقوف على التل يبكون ويقولون: اللهم أنزل نصرك، قال: قلت: يا أعداء الله، ألا تنزلون فتنصرونه! قال: فأقبل الحسين يكلم من بعث إليه ابن زياد، قال: وإني لأنظر إليه وعليه جبة من برود، فلما كلمهم انصرف، فرمان رجلٌ من بني تميم يقال له: عمر الطهوي بسهم، فإني لأنظر إلى السهم بين كتفيه متعلقاً في جبته، فلما أبوا عليه رجع إلى مصافه، وإني لأنظر إليهم، وإنهم لقريب من مائة رجل، فيهم لصلب علي بن أبي طالب رضي الله عنه خمسة، ومن بني هاشم ستة عشر، ورجل من بني سليم حليفٌ لهم، ورجلٌ من بني كنانة حليفٌ لهم، وابن عمر بن زياد.
قال: وحدثني سعد بن عبيدة، قال: إنا لمستنقعون في الماء مع عمر بن سعد، إذ أتاه رجل فساره وقال له: قد بعث إليك ابن زياد جويرية بن بدر التميمي، وأمره إن لم تقاتل القوم أن يضرب عنقك؛ قال: فوثب إلى فرسه فركبه، ثم دعا سلاحه فلبسه، وإنه على فرسه، فنهض بالناس إليهم فقاتلوهم، فجيء برأس الحسين إلى ابن زياد، فوضع بين يديه، فجعل ينكت بقضيبه، ويقول: إن أبا عبد الله قد كان شمط؛ قال: وجيء بنسائه وبناته وأهله، وكان أحسن شيء صنعه أن أمر لهن بمنزل في مكان معتزل، وأجرى عليهن رزقاً، وأمر لهن بنفقة وكسوة. قال: فانطلق غلامان منهم لعبد الله بن جعفر - أو ابن جعفر - فأتيا رجلاً من طيىء فلجآ إليه، فضرب أعناقهما، وجاء برءوسهما حتى وضعهما بين يدي ابن زياد؛ قال: فهم بضرب عنقه، وأمر بداره فهدمت.
قال: وحدثني مولىً لمعاوية بن أبي سفيان قال: لما أتي يزيد برأس الحسين فوضع بين يديه، قال: رأيته يبكي، وقال: لو كان بينه وبينه رحم ما فعل هذا.
قال حصين: فلما قتل الحسين لبثوا شهرين أو ثلاثةً، كأنما تلطخ الحوائط بالدماء ساعة تطلع الشمس حتى ترتفع.
قال: وحدثني العلاء بن أبي عاثة قال: حدثني رأس الجالوت، عن أبيه قال: ما مررت بكربلاء إلا وأنا أركض دابتي حتى أخلف المكان، قال: قلت: لم؟ قال: كنا نتحدث أن ولد نبي مقتول في ذلك المكان؛ قال: وكنت أخاف أن أكون أنا، فلما قتل الحسين قلنا: هذا الذي كنا نتحدث. قال: وكنت بعد ذلك إذا مررت بذلك المكان أسير ولا أركض.
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثنا علي بن محمد، عن جعفر بن سليمان الضبعي قال: قال الحسين: والله لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا سلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من فرم الأمة؛ فقدم للعراق فقتل بنينوى يوم عاشوراء سنة إحدى وستين.
قال الحارث: قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، قال: قتل الحسين بن علي رضي الله عنه في صفر سنة إحدى وستين وهو يومئذ ابن خمس وخمسين.
حدثني بذلك أفلح بن سعيد، عن ابن كعب القرظي، قال الحارث: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، عن أبي معشر، قال: قتل الحسين لعشر خلون من المحرم. قال الواقدي: هذا أثبت.
قال الحارث: قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا عطاء ابن مسلم، عمن أخبره، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، قال: أول رأس رفع على خشبة. رأس الحسين رضي الله عنه.
قال أبو مخنف: عن هشام بن الوليد، عمن شهد ذلك، قال: أقبل الحسين ابن علي بأهله من مكة ومحمد بن الحنفية بالمدينة؛ قال: فبلغه خبره وهو يتوضأ في طست؛ قال: فبكى حتى سمعت وكف دموعه في الطست.
قال أبو مخنف: حدثني يونس بن أبي إسحاق السبيعي. قال: ولما بلغ عبيد الله إقبال الحسين من مكة إلى الكوفة، بعث الحصين بن تميم صاحب شرطه حتى نزل القادسية ونظم الخيل ما بين القادسية إلى خفان، وما بين القادسية إلى القطقطانة وإلى لعلع، وقال الناس: هذا الحسين يريد العراق.
قال أبو مخنف: وحدثني محمد بن قيس أن الحسين أقبل حتى إذا بلغ الحاجر من بطن الرمة بعث قيس بن مسهر الصيداوي إلى أهل الكوفة، وكتب معه إليهم: بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى إخوانه من المؤمنين والمسلمين، سلامٌ عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإن كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم، واجتماع ملئكم على نصرنا، والطب بحقنا، فسألت الله أن يحسن لنا الصنع، وأن يثيبكم على ذلك أعظم الأجر، وقد شخصت إليكم من مكة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة يوم التروية، فإذا قدم عليكم رسولي فاكمشوا أمركم وجدوا، فإني قادم عليكم في أيامي هذه إن شاء الله؛ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وكان مسلم ابن عقيل قد كان كتب إلى الحسين قبل أن يقتل لسبع وعشرين ليلة: أما بعد، فإن الرائد لا يكذب أهله، إن جمع أهل الكوفة معك، فأقبل حين تقرأ كتابي؛ والسلام عليك.
قال: فأقبل الحسين بالصبيان والنساء معه لا يلوي على شيء، وأقبل قيس بن مسهر الصيداوي إلى الكوفة بكتاب الحسين، حتى إذا انتهى إلى القادسية أخذه الحصين بن تميم فبعث به إلى عبيد الله بن زياد، فقال له عبيد الله: اصعد إلى القصر فسب الكذاب ابن الكذاب؛ فصعد ثم قال: أيها الناس، إن هذا الحسين بن علي خير خلق الله؛ ابن فاطمة بنت رسول الله، وأنا رسوله إليكم، وقد فارقته بالحاجر، فأجيبوه؛ ثم لعن عبيد الله بن زياد وأباه، واستغفر لعلي بن أبي طالب. قال: فأمر به عبيد الله ابن زياد أن يرمى به من فوق القصر، فرمي به، فتقطع فمات. ثم أقبل الحسين سيراً إلى الكوفة، فانتهى إلى ماء من مياه العرب، فإذا عليه عبد الله بن مطيع العدوي، وهو نازل هاهنا، فلما رأى الحسين قام إليه، فقال: بأبي أنت وأمي يابن رسول الله! ما أقدمك! واحتمله فأنزله، فقال له الحسين: كان من موت معاوية ما قد بلغك؛ فكتب إلي أهل العراق يدعونني إلى أنفسهم، فقال له عبد الله بن مطيع: أذكرك الله يابن رسول الله وحرمة الإسلام أن تنتهك! أنشدك الله في حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم! أنشدك الله في حرمة العرب! فوالله لئن طلبت ما في أيدي بني أمية ليقتلنك، ولئن قتلوك لا يهابون بعدك أحداً أبداً. والله إنها لحرمة الإسلام تنتهك، وحرمة قريش وحرمة العرب، فلا تفعل، ولا تأت الكوفة، ولا تعرض لبني أمية؛ قال: فابى إلا أن يمضي؛ قال: فأقبل الحسين حتى كان بالماء فوق زرود.
قال أبو مخنف: فحدثني السدي، عن رجل من بني فزارة قال: لما كان زمن الحجاج بن يوسف كنا في دار الحارث بن أبي ربيعة التي في التمارين، التي أقطعت بعد زهير بن القين، من بني عمرو بن يشكر من بجيلة، وكان أهل الشأم لا يدخلونها، فكنا مختبئين فيها، قال: فقلت للفزاري: حدثني عنكم حين اقبلنا من مكة نساير الحسين، فلم يكن شيء أبغض إلينا من أن نسايره في منزل، فإذا سار الحسين تخلف زهير بن القين، وإذا نزل الحسين تقدم زهير، حتى نزلنا يومئذ في منزل لم نجد بداً من أن ننازله فيه، فنزل الحسين في جانب، ونزلنا في جانب، فبينا نحن جلوس نتغدى من طعام لنا، إذ أقبل رسول الحسين حتى سلم، ثم دخل فقال: يا زهير بن القين، إن أبا عبد الله الحسين بن علي بعثني إليك لتأتيه؛ قال: فطرح كل إنسان ما في يده حتى كأننا على رءوسنا الطير.
قال أبو مخنف: فحدثني دلهم بنت عمرو امرأة زهير بن القين، قالت: فقلت له: أيبعث إليك ابن رسول الله ثم لا تأتيه! سبحان الله! لو أتيته فسمعت من كلامه! ثم انصرفت؛ قالت: فأتاه زهير بن القين، فما لبث أن جاء مستبشراً قد أسفر وجهه؛ قالت: فأمر بفسطاطه وثقله ومتاعه فقدم، وحمل إلى الحسين، ثم قال لامرأته: أنت طالقٌ، الحقي بأهلك، فإني لا أحب أن يصيبك من سببي إلا خير، ثم قال لأصحابه: من أحب منكم أن يتبعني وإلا فإنه آخر العهد، إني سأحدثكم حديثاً، غزونا بلنجر، ففتح الله علينا، وأصبنا غنائم، فقال لنا سلمان الباهلي: أفرحتم بما فتح الله عليكم، وأصبتم من الغنائم! فقلنا: نعم، فقال لنا: إذا أدركتم شباب آل محمد فكونوا أشد فرحاً بقتالكم معهم منكم بما أصبتم من الغنائم، فأما أنا فإني أستودعكم الله؛ قال: ثم والله ما زال في أول القوم حتى قتل.
قال أبو مخنف: حدثني أبو جناب الكلبي، عن عدي بن حرملة الأسدي، عن عبد الله بن سليم والمذري بن المشمعل الأسديين قالا: لما قضينا حجنا لم يكن لنا همة إلا اللحاق بالحسين في الطريق لننظر ما يكون من أمره وشأنه، فأقبلنا ترقل بنا ناقتانا مسرعين حتى لحقناه بزرود، فلما دنونا منه إذا نحن برجل من أهل الكوفة قد عدل عن الطريق حين رأى الحسين؛ قالا: فوقف الحسين كأنه يريده، ثم تركه، ومضى ومضينا نحوه، فقال أحدنا لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا فلنسأله، فإن كان عنده خبر الكوفة علمناه، فمضينا حتى انتهينا إليه، فقلنا: السلام عليك، قال: وعليكم السلام ورحمة الله، ثم قلنا: فمن الرجل؟ قال: أسدي: فقلنا: فنحن أسديان فمن أنت؟ قال: أنا بكير بن المثعبة، فانتسبنا له، ثم قلنا: أخبرنا عن الناس وراءك؛ قال: نعم، لم أخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل وهانىء بن عروة، فرأيتهما يجران بأرجلهما في السوق؛ قالا: فأقبلنا حتى لحقنا بالحسين، فسايرناه حتى نزل الثعلبية ممسياً، فجئناه حين نزل، فسلمنا عليه فرد علينا، فقلنا له: يرحمك الله؛ إن عندنا خبراً، فإن شئت حدثنا علانيةً، وإن شئت سراً؛ قال: فنظر إلى أصحابه وقال: ما دون هؤلاء سر؛ فقلنا له: أرأيت الراكب الذي استقبلك عشاء أمس؟ قال: نعم، وقد أردت مسألته؛ فقلنا: قد استبرأنا لك خبره، وكفيناك مسألته، وهو أمرؤ من أسد منا، ذو رأي وصدق، وفضل وعقل، وإنه حدثنا أنه لم يخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل وهانىء بن عروة، وحتى رآهما يجران في السوق بأرجلهما، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! رحمة الله عليهما، فردد ذلك مراراً، فقلنا: ننشدك الله في نفسك وأهل بيتك إلا انصرفت من مكانك هذا، فإنه ليس لك بالكوفة ناصرٌ ولا شيعة، بل نتخوف أن تكون عليك! قال: فوثب عند ذلك بنو عقيل بن أبي طالب.
قال أبو مخنف: حدثني عمر بن خالد، عن زيد بن علي بن حسين، وعن داود بن علي بن عبد الله بن عباس، أن بني عقيل قالوا: لا والله لا نبرح حتى ندرك ثأرنا، أو نذوق ما ذاق أخونا.
قال أبو مخنف: عن أبي جناب الكلبي، عن عدي بن حرملة، عن عبد الله بن سليم والمذري بن المشمعل الأسديين، قالا: فنظر إلينا الحسين فقال: لا خير في العيش بعد هؤلاء؛ قالا: فعلمنا أنه قد عزم له رأيه على المسير؛ قالا: فقلنا: خار الله لك! قالا: فقال: رحمكما الله! قالا: فقال له بعض أصحابه: إنك والله ما أنت مثل مسلم بن عقيل، ولو قدمت الكوفة لكان الناس إليك أسرع؛ قال الأسديان: ثم انتظر حتى إذا كان السحر قال لفتيانه وغلمانه: أكثروا من الماء فاستقوا وأكثروا، ثم ارتحلوا وساروا حتى انتهوا إلى زبالة.
قال أبو مخنف: حدثني أبو علي الأنصاري، عن بكر بن مصعب المزني، قال: كان الحسين لا يمر بأهل ماء إلا اتبعوه حتى إذا انتهى إلى زبالة سقط إليه مقتل أخيه من الرضاعة، مقتل عبد الله بن بقطر، وكان سرحه إلى مسلم بن عقيل من الطريق وهو لا يدري أنه قد أصيب، فتلقاه خيل الحصين بن تميم بالقادسية، فسرح به إلى عبيد الله بن زياد، فقال: اصعد فوق القصر فالعن الكذاب ابن الكذاب، ثم انزل حتى أرى فيك رأيي! قال: فصعد، فلما أشرف على الناس قال: أيها الناس، إني رسول الحسين ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لتنصروه وتوازروه على ابن مرجانة ابن سمية الدعي. فأمر به عبيد الله فألقي من فوق القصر إلى الأرض، فكسرت عظامه، وبقي به رمق، فأتاه رجل يقال له عبد الملك بن عمير اللخمي فذبحه، فلما عيب ذلك عليه قال: إنما أردت أن أريحه.
قال هشام: حدثنا أبو بكر بن عياش عمن أخبره، قال: والله ما هو عبد الملك بن عمير الذي قام إليه فذبحه، ولكنه قام إليه رجل جعد طوال يشبه عبد الملك بن عمير. قال: فأتى ذلك الخبر حسيناً وهو بزبالة، فأخرج للناس كتاباً، فقرأ عليهم: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فإنه قد أتانا خبر فظيع، قتل مسلم ابن عقيل وهانىء بن عروة، وعبد الله بن بقطر، وقد خذلتنا شيعتنا، فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف، ليس عليه منا ذمام.
قال: فتفرق الناس عنه تفرقاً، فأخذوا يميناً وشمالاً حتى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من المدينة، وإنما فعل ذلك لأنه ظن أنما اتبعه الأعراب، لأنهم ظنوا أنه يأتي بلداً قد استقامت له طاعة أهله، فكره أن يسيروا معه إلا وهم يعلمون علام يقدمون، وقد علم أنهم إذا بين لهم لم يصحبه إلا من يريد مواساته والموت معه. قال: فلما كان من السحر أمر فتيانه فاستقوا الماء وأكثروا، ثم سار حتى مر ببطن العقبة، فنزل بها.
قال أبو مخنف: فحدثني لوذان أحد بني عكرمة أن أحد عمومته سأل الحسين رضي الله عنه أين تريد؟ فحدثه، فقال له: إني أنشدك الله لما انصرفت، فوالله لا تقدم إلا على الأسنة وحد السيوف، فإن هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤنة القتال، ووطئوا لك الأشياء فقدمت عليهم كان ذلك رأياً، فأما على هذه الحال التي تذكرها فإني لا أرى لك أن تفعل. قال: فقال له: يا عبد الله، إنه ليس يخفى علي، الرأي ما رأيت، ولكن الله لا يغلب على أمره؛ ثم ارتحل منها.
ونزع يزيد بن معاوية في هذه السنة الوليد بن عتبة عن مكة، وولاها عمرو بن سعيد بن العاص، وذلك في شهر رمضان منها، فحج بالناس عمرو ابن سعيد في هذه السنة؛ وحدثني بذلك أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر.
وكان عامله على مكة والمدينة في هذه السنة بعد ما عزل الوليد بن عتبة عمرو بن سعيد، وعلى الكوفة والبصرة وأعمالهما عبيد الله بن زياد، وعلى قضاء الكوفة شريح بن الحارث، وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة.
ثم دخلت سنة إحدى وستين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث

فمن ذلك مقتل الحسين رضوان الله عليه، قتل فيها في المحرم لعشر خلون منه، كذلك حدثني أحمد بن ثابت، قال: حدثني محدث، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكذلك قال الواقدي وهشام بن الكلبي؛ وقد ذكرنا ابتداء أمر الحسين في مسيره نحو العراق وما كان منه في سنة ستين، ونذكر الآن ما كان من أمره في سنة إحدى وستين وكيف كان مقتله.
حدثت عن هشام، عن أبي مخنف، قال: حدثني أبو جناب، عن عدي بن حرملة، عن عبد الله بن سليم والمذري بن المشمعل الأسديين قالا: أقبل الحسين رضي الله عنه حتى نزل شراف، فلما كان في السحر أمر فتيانه فاستقوا من الماء فأكثروا، ثم ساروا منها، فرسموا صدر يومهم حتى انتصف النهار. ثم إن رجلاً قال: الله أكبر! فقال الحسين: الله أكبر ما كبرت؟ قال: رأيت النخل، فقال له الأسديان: إن هذا المكان ما رأينا به نخلةً قط؛ قالا: فقال لنا الحسين: فما تريانه رأى؟ قلنا: نراه رأى هوادي الخيل؛ فقال: وأنا والله أرى ذلك؛ فقال الحسين: أما لنا ملجأ نلجأ إليه، نجعله في ظهورنا، ونستقبل القوم من وجه واحد؟ فقلنا له: بلى، هذا ذو حسمٍ إلى جنبك، تميل إليه ذات اليسار؛ قالا: وملنا معه فما كان بأسرع من أن طلعت علينا هوادي الخيل، فتبيناها، وعدنا، فلما رأونا وقد عدلنا عن الطريق عدلوا إلينا كأن أسنتهم اليعاسيب، وكأن راياتهم أجنحة الطير، قال: فاستبقنا إلى ذي حسم، فسبقناهم إليه، فنزل الحسين، فأمر بأبنيته فضربت، وجاء القوم وهم ألف فارس مع الحر بن يزيد التميمي اليربوعي حتى وقف هو وخيله مقابل الحسين في حر الظهيرة، والحسين وأصحابه معتمون متقلدو أسيافهم، فقال الحسين لفتيانه: اسقوا القوم وأرووهم من الماء ورشفوا الخيل ترشيفاً، فقام فتيانه فرشفوا الخيل ترشيفاً، فقام فتية وسقوا القوم من الماء حتى أرووهم، وأقبلوا يملئون القصاع والأتوار والطساس من الماء ثم يدنونها من الفرس، فإذا عب فيه ثلاثاً أو اربعاً أو خمساً عزلت عنه، وسقوا آخر حتى سقوا الخيل كلها.قال هشام: حدثني لقيط، عن علي بن الطعان المحاربي: كنت مع الحر بن يزيد، فجئت في آخر من جاء من أصحابه، فلما رأى الحسين ما بي وبفرسي من العطش قال: أنخ الراوية - والراوية عندي السقاء - ثم قال: يابن أخٍ، أنخ الجمل، فأنخته، فقال: اشرب، فجعلت كلما شربت سال الماء من السقاء، فقال الحسين: اخنث السقاء - أي اعطفه - قال: فجعلت لا أدري كيف أفعل! قال: فقام الحسين فخنثه، فشربت وسقيت فرسي. قال: وكان مجيء الحر بن يزيد ومسيره إلى الحسين من القادسية، وذلك أن عبيد الله بن زياد لما بلغه إقبال الحسين بعث الحصين ابن تميم التميمي - وكان على شرطه - فأمره أن ينزل القادسية، وأن يضع المسالح فينظم ما بين القطقطانة إلى خفان، وقدم الحر بن يزيد بين يديه في هذه الألف من القادسية، فسيتقبل حسيناً. قال: فلم يزل موافقاً حسيناً حتى حضرت الصلاة صلاة الظهر، فأمر الحسين الحجاج بن مسروق الجعفي أن يؤذن، فأذن، فلما حضرت الإقامة خرج الحسين في إزار ورداء ونعلين، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إنها معذرة إلى الله عز وجل وإليكم؛ إني لم آتكم حتى أتتني كتبكم، وقدمت علي رسلكم: أن اقدم علينا، فإنه ليس لنا إمام، لعل الله يجمعنا بك على الهدى؛ فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم، فإن تعطوني ما أطمئن إليه من عهودكم ومواثيقكم أقدم مصركم، وإن لم تفعلوا وكنتم لمقدمي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي أقبلت منه إليكم. قال: فسكتوا عنه وقالوا للمؤذن: أقم. فأقام الصلاة، فقال الحسين رضي الله عنه للحر: أتريد أن تصلي بأصحابك؟ قال: لا، بل تصلي أنت ونصلي بصلاتك؛ قال: فصلى بهم الحسين، ثم إنه دخل واجتمع إليه أصحابه، وانصرف الحر إلى مكانه الذي كان به، فدخل خيمةً قد ضربت له، فاجتمع إليه جماعةٌ من أصحابه، وعاد أصحابه إلى صفهم الذي كانوا فيه، فأعادوه، ثم أخذ كل رجل منهم بعنان دابته وجلس في ظلها، فلما كان وقت العصر أمر الحسين أن يتهيئوا للرحيل. ثم إنه خرج فأمر مناديه فنادى بالعصر، واقام فاستقدم الحسين فصلى بالقوم ثم سلم، وانصرف إلى القوم بوجهه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، أيها الناس، فإنكم إن تتقوا وتعرفوا الحق لأهله يكن أرضى لله، ونحن أهل البيت أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدعين ما ليس لهم، والسائرين فيكم بالجور والعدوان، وإن أنتم كرهتمونا، وجهلتم حقنا، وكان رأيكم غير ما أتتني كتبكم، وقدمت به علي رسلكم، انصرفت عنكم، فقال له الحر بن يزيد: إنا والله ما ندري ما هذه الكتب التي تذكر! فقال الحسين: يا عقبة بن سمعان، أخرج الخرجين اللذين فيهما كتبهم إلي، فأخرج خرجين مملوءين صحفاً، فنشرها بين أيديهم؛ فقال الحر: فإنا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك، وقد أمرنا إذا نحن لقيناك ألا نفارقك حتى نقدمك على عبيد الله بن زياد؛ فقال له الحسين: الموت أدنى إليك من ذلك، ثم قال لأصحابه: قوموا فاركبوا، فركبوا وانتظروا حتى ركبت نساؤهم، فقال لأصحابه: انصرفوا بنا، فلما ذهبوا لينصرفوا حال القوم بينهم وبين الانصراف، فقال الحسين للحر: ثكلتك أمك! ما تريد؟ قال: أما والله لو غيرك من العرب يقولها لي وهو على مثل الحال التي أنت عليها ما تركت ذكر أمه بالثكل أن أقوله كائناً من كان، ولكن والله ما لي إلى ذكر أمك من سبيل إلا بأحسن ما يقدر عليه؛ فقال له الحسين: فما تريد؟ قال الحر: أريد والله أن أنطلق بك إلى عبيد الله بن زياد، قال له الحسين: إذن والله لا أتبعك؛ فقال له الحر: إذن والله لا أدعك؛ فترادا القول ثلاث مرات، ولما كثر الكلام بينهما قال له الحر: إني لم أومر بقتالك، وإنما أمرت ألا أفارقك حتى أقدمك الكوفة، فإذا أبيت فخذ طريقاً لا تدخلك الكوفة، ولا تردك إلى المدينة، تكون بيني وبينك نصفاً حتى أكتب إلى ابن زياد، وتكتب أنت إلى يزيد ابن معاوية إن أردت أن تكتب إليه، أو إلى عبيد الله بن زياد إن شئت، فلعل الله إلى ذاك أو يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن أبتلى بشيء من أمرك؛ قال: فخذ ها هنا فتياسر عن طريق العذيب والقادسية، وبينه وبين العذيب ثمانية وثلاثون ميلاً. ثم إن الحسين سار في أصحابه والحر يسايره.


قال أبو مخنف: عن عقبة بن أبي العيزار، إن الحسين خطب أصحابه وأصحاب الحر بالبيضة، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغير عليه بفعل ولا قول، كان حقاً على الله أن يدخله مدخله " . ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلوا حرام الله، وحرموا حلاله، وأنا أحق من غير، قد أتتني كتبكم، وقدمت علي رسلكم ببيعتكم؛ أنكم لا تسلموني ولا تخذلوني، فإن تممتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم، فأنا الحسين بن علي، وابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهليكم، فلكم في أسوة، وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدكم، وخلعم بيعتي من أعناقكم، فلعمري ما هي لكم بنكر، لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي مسلم، والمغرور من اغتر بكم، فحظكم أخطأتم، ونصيبكم ضيعتم، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه، وسيغني الله عنكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وقال عقبة بن أبي العيزار: قام حسينٌ رضي الله عنه بذي حسم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنه قد نزل من الأمر ما قد ترون، وإن الدنيا قد تغيرت وتنكرت، وأدبر معروفها واستمرت جداً، فلم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء، وخسيس عيشٍ كالمرعى الوبيل. ألا ترون أن الحق لا يعمل به، وأن الباطل لا يتناهى عنه! ليرغب المؤمن في لقاء الله محقاً، فإني لا أرى الموت إلا شهادة، ولا الحياة مع الظالمين إلا برماً.
قال: فقام زهير بن القين البجلي فقال لأصحابه: تكلمون أم أتكلم؟ قالوا: لا، بل تكلم؛ فحمد الله فأثنى عليه ثم قال: قد سمعنا هداك الله يابن رسول الله مقالتك، والله لو كانت الدنيا لنا باقية، وكنا فيها مخلدين، إلا أن فراقها في نصرك ومواساتك، لآثرنا الخروج معك على الإقامة فيها.
قال: فدعا له الحسين ثم قال له خيراً؛ وأقبل الحر يسايره وهو يقول له: يا حسين، إني أذكرك الله في نفسك، فإني أشهد لئن قاتلت لتقتلن، ولئن قوتلت لتهلكن فيما أرى؛ فقال له الحسين: أفبالموت تخوفني! وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني! ما أدري ما أقول لك! ولكن أقول كما قال أخو الأوس لابن عمه، ولقيه وهو يريد نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: أين تذهب؟ فإنك مقتول؛ فقال:
سأمضي وما بالموت عارٌ على الفتى ... إذا ما نوى حقاً وجاهد مسلما
وآسى الرجال الصالحين بنفسه ... وفارق مثبوراً يغش ويرغما
قال: فلما سمع ذلك منه الحر تنحى عنه، وكان يسير بأصحابه في ناحية وحسين في ناحية أخرى، حتى انتهوا إلى عذيب الهجانات، وكان بها هجائن النعمان ترعى هنالك، فإذا هم بأربعة نفر قد أقبلوا من الكوفة على رواحلهم، يجنبون فرساً لنافع بن هلال يقال له الكامل، ومعهم دليلهم الطرماح بن عدي على فرسه، وهو يقول:
يا ناقتي لا تذعري من زجري ... وشمري قبل طلوع الفجر
بخير ركبانٍ وخير سفر ... حتى تحلي بكريم النجر
الماجد الحر رحيب الصدر ... أتى به الله لخير أمر
ثمت أبقاه بقاء الدهر
قال: فلما انتهوا إلى الحسين أنشدوه هذه الأبيات، فقال: أما والله إني لأرجو أن يكون خيراً ما أراد الله بنا، قتلنا أم ظفرنا؛ قال: وأقبل إليهم الحر بن يزيد فقال: إن هؤلاء النفر الذين من أهل الكوفة ليسوا ممن أقبل معك، وأنا حابسهم أو رادهم، فقال له الحسين: لأمنعنهم مما أمنع منه نفسي، إنما هؤلاء أنصاري وأعواني، وقد كنت أعطيتني ألا تعرض لي بشيء حتى يأتيك كتاب من ابن زياد، فقال: أجل، لكن لم يأتوا معك؛ قال: هم أصحابي، وهم بمنزلة من جاء معي، فإن تممت على ما كان بيني وبينك وإلا ناجزتك؛ قال: فكف عنهم الحر؛ قال: ثم قال لهم الحسين: أخبروني خبر الناس وراءكم، فقال له مجمع بن عبد الله العائذي، وهو أحد النفر الأربعة الذين جاءوه: أما أشراف الناس فقد أعظمت رشوتهم، وملئت غرائرهم، يستمال ودهم، ويستخلص به نصيحتهم، فهم ألبٌ واحدٌ عليك، وأما سائر الناس بعد، فإن أفئدتهم تهوي إليك، وسيوفهم غداً مشهورةٌ عليك؛ قال: أخبروني، فهل لكم برسولي إليكم؟ قالوا: من هو؟ قال: قيس بن مسهر الصيداوي؛ فقالوا: نعم، أخذه الحصين ابن تميم فبعث به إلى ابن زياد، فأمره ابن زياد أن يلعنك ويلعن أباك، فصلى عليك وعلى أبيك، ولعن ابن زياد وأباه، ودعا إلى نصرتك، وأخبرهم بقدومك، فأمر به ابن زياد فألقي من طمار القصر؛ فترقرقت عينا حسين رضي الله عنه ولم يملك دمعه، ثم قال: " منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً " . اللهم اجعل لنا ولهم الجنة نزلاً، واجمع بيننا وبينهم في مستقر من رحمتك، ورغائب مذخور ثوابك! قال أبو مخنف: حدثني جميل بن مرثد من بني معن، عن الطرماح ابن عدي، أنه دنا من الحسين فقال له: والله إني لأنظر فما أرى معك أحداً، ولو لم يقاتلك إلاهؤلاء الذين أراهم ملازميك لكان كفى بهم؛ وقد رأيت قبل خروجي من الكوفة إليك بيوم ظهر الكوفة وفيه من الناس ما لم تر عيناي في صعيد واحد جمعا أكثر منه، فسألت عنهم، فقيل: اجتمعوا ليعرضوا، ثم يسرحون إلى الحسين، فأنشدك الله إن قدرت على ألا تقدم عليهم شبراً إلا فعلت! فإن أردت أن تنزل بلداً يمنعك الله به حتى ترى من رأيك، ويستبين لك ما أنت صانع، فسر حتى أنزلك مناع جبلنا الذييدعى أجأ، امتنعنا والله به من ملوك غسان وحمير ومن النعمان بن المنذر، ومن الأسود والأحمر، والله إن دخل علينا ذل قط؛ فأسير معك حتى أنزلك القرية، ثم نبعث إلى الرجال ممن بأجأ وسلمى من طيىء، فوالله لا يأتي عليك عشرة أيام حتى تأتيك طيىء رجالاً وركباناً، ثم أقم فينا ما بدا لك، فإن هاجك هيج فأنا زعيم لك بعشرين ألف طائي يضربون بين يديك بأسيافهم، والله لايوصل إليك أبداً ومنهم عين تطرف؛ فقال له: جزاك الله وقومك خيراً! إنه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قول لسنا نقدر معه على الانصراف، ولا ندري علام تنصرف بنا وبهم الأمور في عاقبه! قال أبو مخنف: فحدثني جميل بن مرثد، قال: حدثني الطرماح ابن عدي، قال: فودعته وقلت له: دفع الله عنك شر الجن والإنس، إني قد امترت لأهلي من الكوفة ميرةً، ومعي نفقة لهم، فآتيهم فأضع ذلك فيهم، ثم أقبل إليك إن شاء الله، فإن ألحقك فوالله لأكونن من أنصارك؛ قال: فإن كنت فاعلاً فعجل رحمك الله؛ قال: فعلمت أنه مستوحشٌ إلى الرجال حتى يسألني التعجيل؛ قال: فلما بلغت أهلي وضعت عندهم ما يصلحهم، وأوصيت، فأخذ أهلي يقولون: إنك لتصنع مرتك هذه شيئاً ما كنت تصنعه قبل اليوم، فأخبرتهم بما أريد، وأقبلت في طريق بني ثعل حتى إذا دنوت من عذيب الهجانات، استقبلني سماعة بن بدر، فنعاه إلي، فرجعت؛ قال: ومضى الحسين رضي الله عنه حتى انتهى إلى قصر بني مقاتل، فنزل به، فإذا هو بفسطاط مضروب.
قال أبو مخنف: حدثني المجالد بن سعيد، عن عامر الشعبي، أن الحسين بن علي رضي الله عنه قال: لمن هذا الفسطاط؟ فقيل: لعبيد الله ابن الحر الجعفي؛ قال: ادعوه لي، وبعث إليه، فلما أتاه الرسول، قال: هذا الحسين بن علي يدعوك؛ فقال عبيد الله بن الحر: إنا لله وإنا إليه راجعون! والله ما خرجت من الكوفة إلا كراهة أن يدخلها الحسين وأنا بها، والله ما أريد أن اراه ولا يراني، فأتاه الرسول فأخبره، فأخذ الحسين نعليه فانتعل، ثم قام فجاءه حتى دخل عليه، فسلم وجلس، ثم دعاه إلى الخروج معه، فأعاد غليه ابن الحر تلك المقالة، فقال: فإلا تنصرنا إلا هلك؛ قال: أما هذا فلا يكون أبداً إن شاء الله، ثم قام الحسين رضي الله عنه من عنده حتى دخل رحله.
قال أبو مخنف: حدثني عبد الرحمن بن جندب، عن عقبة بن سمعان قال: لما كان في آخر اليل أمر الحسين بالاستقاء من الماء، ثم أمرنا بالرحيل، ففعلنا؛ قال: فلما ارتحلنا من قصر بني مقاتل وسرنا ساعةً خفق الحسين برأسه خفقة، ثم انتبه وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله رب العالمين؛ قال: ففعل ذلك مرتين أو ثلاثاً، قال: فأقبل إليه بانه علي بن الحسين على فرس له فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله رب العالمين، يا أبت، جعلت فداك! مم حمدت الله واسترجعت؟ قال: يا بني، إني خفقت برأسي خفقةً فعن لي فارس على فرس فقال: القوم يسيرون والمنايا تسري إليهم، فعلمت أنها أنفسنا نعيت إلينا، قال له: يا أبت، لا أراك الله سوءاً، ألسنا على الحق! قال: بلى والذي إليه مرجع العباد؛ قال: يا أبت، إذاً لا نبالي؛ نموت محقين؛ فقال له: جزاك الله من ولدٍ خير ما جزى ولداً عن والده؛ قال: فلما أصبح نزل فصلى الغداة، ثم عجل الركوب، فأخذ يتياسر بأصحابه يريد أن يفرقهم، فيأتيه الحر بن يزيد فيردهم فيرده، فجعل إذا ردهم إلى الكوفة رداً شديداً امتنعوا عليه فارتفعوا، فلم يزالوا يتسايرون حتى انتهوا إلى نينوى؛ المكان الذي نزل به الحسين؛ قال: فإذا راكبٌ على نجيب له وعليه السلاح متنكب قوساً مقبلٌ من الكوفة، فوقفوا جميعاً ينتظرونه، فلما انتهى إليهم سلم على الحر بن يزيد وأصحابه، ولم يسلم على الحسين رضي الله عنه وأصحابه، فدفع إلى الحر كتاباً من عبيد الله ابن زياد فإذا فيه: أما بعد، فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي، ويقدم عليك رسولي، فلا تنزله إلا بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء، وقد أمرت رسولي أن يلزمك ولا يفارقك حتى يأتيني بإنفاذك أمري؛ والسلام.
قال: فلما قرأ الكتاب قال لهم الحر: هذا كتاب الأمير عبيد الله بن زياد يأمرني فيه أن أجعجع بكم في المكان الذي يأتيني فيه كتابه، وهذا رسوله، وقد أمره ألا يفارقني حتى أنفذ رأيه وأمره، فنظر إلى رسول عبيد الله يزيد ابن زياد بن المهاصر أبو الشعثاء الكندي ثم البهدلي فعن له، فقال: أمالك بن النسير البدي؟ قال: نعم - وكان أحد كندة - فقال له يزيد ابن زياد: ثكلتك أمك! ماذا جئت فيه؟ قال: وما جئت فيه! أطعت إمامي، ووفيت ببيعتي، فقال له أبو الشعثاء: عصيت ربك، وأطعت إمامك في هلاك نفسك، كسبت العار والنار، قال الله عز وجل: " وجعلناهم أئمةً يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون " ، فهو إمامك. قال: وأخذ الحر بن يزيد القوم بالنزول في ذلك المكان على غير ماء ولا في قرية، فقالوا: دعنا ننزل في هذه القرية، يعنون نينوى - أو هذه القرية - يعنون الغاضرية - أو هذه الأخرى - يعنون شفية. فقال: لا والله ما أستطيع ذلك، هذا رجل قد بعث إلي عيناً، فقال له زهير بن القين: يابن رسول الله، إن قتال هؤلاء أهون من قتال من يأتينا من بعدهم، فلعمري ليأتينا من بعد من ترى ما لا قبل لنا به؛ فقال له الحسين: ما كنت لأبدأهم بالقتال؛ فقال له زهير بن القين: سر بنا إلى هذه القرية حتى تنزلها فإنها حصينة، وهي على شاطىء الفرات، فإن منعونا قاتلناهم، فقتالهم أهون علينا من قتال من يجيء من بعدهم؛ فقال له الحسين: وأية قرية هي؟ قال: هي العقر، فقال الحسين: اللهم إني أعوذ بك من العقر، ثم نزل، وذلك يوم الخميس، وهو اليوم الثاني من المحرم سنة إحدى وستين. فلما كان من الغد قدم عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص من الكوفة في أربعة آلاف. قال: وكان سبب خروج ابن سعد إلى الحسين رضي الله عنه أن عبيد الله بن زياد بعثه على أربعة آلاف من أهل الكوفة يسير بهم إلى دستبى، وكانت الديلم قد خرجوا إليها وغلبوا عليها، فكتب إليه ابن زياد عهده على الري، وأمره بالخروج.
فخرج معسكراً بالناس بحمام أعين، فلما كان من أمر الحسين ما كان وأقبل إلى الكوفة دعا ابن زياد عمر بن سعد، فقال: سر إلى الحسين، فإذا فرغنا مما بيننا وبينه سرت إلى عملك؛ فقال له عمر بن سعد: إن رأيت رحمك الله أن تعفيني فافعل؛ فقال له عبيد الله: نعم، على أن ترد لنا عهدنا؛ قال: فلما قلا له ذلك قال عمر بن سعد: أمهلني اليوم حتى أنظر؛ قال: فانصرف عمر يستشير نصحاءه، فلم يكن يستشير أحداً إلا نهاه؛ قال: وجاء حمزة ابن المغيرة بن شعبة - وهو ابن أخته - فقال: أنشدك الله يا خال أن تسير إلى الحسين فتأثم بربك، وتقطع رحمك! فوالله لأن تخرج من دنياك ومالك وسلطان الأرض كلها لو كان لك، خيرٌ لك من أن تلقى الله بدم الحسين! فقال له عمر بن سعد: فإني أفعل إن شاء الله.
قال هشام: حدثني عوانة بن الحكم، عن عمار بن عبيد الله بن يسار الجهني، عن أبيه، قال: دخلت على عمر بن سعد، وقد أمر بالمسير إلى الحسين، فقال لي: إن الأمير أمرني بالمسير إلى الحسين، فأبيت ذلك عليه، فقلت له: أصاب الله بك، أرشدك الله، أحل فلا تفعل ولا تسر إليه. قال: فخرجت من عنده، فأتاني آتٍ وقال: هذا عمر بن سعد يندب الناس إلى الحسين؛ قال: فأتيته فإذا هو جالس، فلما رآني أعرض بوجهه فعرفت أنه قد عزم على المسير إليه، فخرجت من عنده؛ قال: فأقبل عمر ابن سعد إلى ابن زياد فقال: أصلحك الله! إنك وليتني هذا العمل، وكتبت لي العهد، وسمع به الناس، فإن رأيت أن تنفذ لي ذلك فافعل وابعث إلى الحسين في هذا الجيش من أشراف الكوفة من لست بأغنى ولا أجزأ عنك في الحرب منه؛ فسمى له أناساً، فقال له ابن زياد: لا تعلمني بأشراف أهل الكوفة، ولست أستأمرك فيمن أريد أن أبعث. إن سرت بجندنا، وإلا فابعث إلينا بعهدنا، فلما رآه قد لج قال: فإني سائر؛ قال: فأقبل في أربعة آلاف حتى نزل بالحسين من الغد من يوم نزل الحسين نينوى.
قال: فبعث عمر بن سعد إلى الحسين رضي الله عنه عزرة بن قيس الأحمسي، فقال: ائته فسله ما الذي جاء به؟ وماذا يريد؟ وكان عزرة ممن كتب إلى الحسين فاستحيا منه أن يأتيه. قال: فعرض ذلك على الرؤساء الذين كاتبوه، فكلهم أبى وكرهه. قال: وقام إليه كثير بن عبد الله الشعبي - وكان فارساً شجاعاً ليس يرد وجهه شيءٌ - فقال: أنا أذهب إليه، والله لئن شئت لأفتكن به، فقال له عمر بن سعد: ما أريد أن يفتك به، ولكن ائته فسله ما الذي جاء به؟ قال: فأقبل إليه، فلما رآه أبو ثمامة الصائدي قال للحسين: أصلحك الله أبا عبد الله! قد جاءك شر أهل الأرض وأجرؤه على دم وأفتكه، فقام إليه، فقال: ضع سيفك؛ قال: لا والله ولا كرامة، إنما أنا رسول، فإن سمعتم مني أبلغتكم ما أرسلت به إليكم، وإن أبيتم انصرفت عنكم؛ فقال له: فإني آخذٌ بقائم سيفك، ثم تكلم بحاجتك، قال: لا والله، لا تمسه فقال له: أخبرني ما جئت به وأنا أبلغه عنك، ولا أدعك تدنو منه، فإنك فاجر؛ قال: فاستبا، ثم انصرف إلى عمر بن سعد فأخبره الخبر؛ قال: فدعا عمر قرة بن قيس الحنظلي فقال له: ويحك يا قرة! الق حسيناً فسله ما جاء به؟ وماذا يريد؟ قال: فأتاه قرة بن قيس، فلما رآه الحسين مقبلاً قال: أتعرفون هذا؟ فقال حبيب بن مظاهر: نعم، هذا رجل من حنظلة تميمي، وهو ابن أختنا، ولقد كنت أعرفه بحسن الرأي، وما كنت أراه يشهد هذا المشهد؛ قال: فجاء حتى سلم على الحسين، وأبلغه رسالة عمر بن سعد إليه له، فقال الحسين: كتب إلي أهل مصركم هذا أن اقدم، فأما إذ كرهوني فأنا أنصرف عنهم؛ قال: ثم قال له حبيب بن مظاهر: ويحك يا قرة ابن قيس! أنى ترجع إلى القوم الظالمين! انصر هذا الرجل الذي بآبائه أيدك الله بالكرامة وإيانا معك؛ فقال له قرة: أرجع إلى صاحبي بجواب رسالته، وأرى رأيي؛ قال: فانصرف إلى عمر بن سعد فأخبره الخبر، فقال له عمر بن سعد: إني لأرجو أن يعافيني الله من حربه وقتاله.
قال هشام، عن أبي مخنف، قال: حدثني النضر بن صالح بن حبيب ابن زهير العبسي، عن حسان بن فائد بن بكير العبسي، قال: أشهد أن كتاب عمر بن سعد جاء إلى عبيد الله بن زياد وأنا عنده فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فإني حيث نزلت بالحسين بعثت إليه رسولي، فسألته عما أقدمه، وماذا يطلب ويسأل، فقال: كتب إلي أهل هذه البلاد وأتتني رسلهم، فسألوني القدوم ففعلت؛ فأما إذ كرهوني فبدا لهم غير ما أتتني به رسلهم فأنا منصرفٌ عنهم، فلما قرىء الكتاب على ابن زياد قال:
الآن إذ علقت مخالبنا به ... يرجو النجاة ولات حين مناص!
قال: وكتب إلى عمر بن سعد: بسم الله الرحمن الرحيم؛ أما بعد، فقد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت، فاعرض على الحسين أن يبايع ليزيد بن معاوية هو وجميع أصحابه، فإذا فعل ذلك رأينا رأينا، والسلام.
قال: فلما أتى عمر بن سعد الكتاب، قال: قد حسبت ألا يقبل ابن زياد العافية.
قال أبو مخنف: حدثني سليمان بن أبي رشاد، عن حميد بن مسلم الأزدي، قال: جاء من عبيد الله بن زياد كتاب إلى عمر بن سعد: أما بعد، فحل بين الحسين وأصحابه وبين الماء، ولا يذوقوا منه قطرة، كما صنع بالتقي الزكي المظلوم أمير المؤمنين عثمان بن عفان. قال: فبعث عمر بن سعد عمرو بن الحجاج على خمسمائة فارس، فنزلوا على الشريعة، وحالوا بين حسين وأصحابه وبين الماء أن يسقوا منه قطرة، وذلك قبل قتل الحسين بثلاث. قال: ونازله عبد الله بن أبي حصين الأزدي - وعداده في بجيلة - فقال: يا حسين، ألا تنظر إلى الماء كأنه كبد السماء! والله لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشاً؛ فقال حسين: اللهم اقتله عطشاً، ولا تغفر له أبداً. قال حميد بن مسلم: والله لعدته بعد ذلك في مرضه، فوالله الذي لا إله إلا هو لقد رأيته يشرب حتى بغر، ثم يقيء، ثم يعود فيشرب حتى يبغر فما يروى، فما زال ذلك دأبه حتى لفظ عصبه. يعني نفسه - قال: ولما اشتد على الحسين وأصحابه العطش دعا العباس بن علي بن أبي طالب أخاه، فبعثه في ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً، وبعث معهم بعشرين قربةً، فجاءوا حتى دنوا من الماء ليلاً واستقدم أمامهم باللواء نافع بن هلال الجملي، فقال عمرو بن الحجاج الزبيدي: من الرجل؟ فجيء فقال: ما جاء بك؟ قال: جئنا نشرب من هذا الماء الذي حلأتمونا عنه؛ قال: فاشرب هنيئاً، قال: لا والله، لا أشرب منه قطرةً وحسينٌ عطشان ومن ترى من أصحابه، فطلعوا عليه، فقال: لا سبيل إلى سقي هؤلاء، إنما وضعنا بهذا المكان لنمنعهم الماء، فلما دنا منه أصحابه قال لرجاله: املئوا قربكم، فشد الرجالة فملئوا قربهم، وثار إليهم عمرو بن الحجاج وأصحابه، فحمل عليهم العباس بن علي ونافع بن هلال فكفوهم، ثم انصرفوا إلى رحالهم، فقالوا: امضوا، ووقفوا دونهم، فعطف عليهم عمرو بن الحجاج وأصحابه واطردوا قليلاً. ثم إن رجلاً من صداء طعن من أصحاب عمرو بن الحجاج، طعنه نافع بن هلال، فظن أنها ليست بشيء، ثم إنها انتقضت بعد ذلك، فمات منها، وجاء أصحاب حسين بالقرب فأدخلوها عليه.
قال أبو مخنف: حدثني أبو جناب، عن هانىء بن ثبيت الحضرمي - وكان قد شهد قتل الحسين، قال: بعث الحسين رضي الله عنه إلى عمر بن سعد عمرو بن قرظة بن كعب الأنصاري: أن القني الليل بين عسكري وعسكرك. قال: فخرج عمر بن سعد في نحو من عشرين فارساً، وأقبل حسين في مثل ذلك، فلما التقوا أمر حسين أصحابه أن يتنحوا عنه، وأمر عمر بن سعد أصحابه بمثل ذلك؛ قال: فانكشفنا عنهما بحيث لا نسمع أصواتهما ولا كلامهما؛ فتكلما فأطالا حتى ذهب من الليل هزيعٌ، ثم انصرف كل واحد منهما إلى عسكره بأصحابه، وتحدث الناس فيما بينهما؛ ظناً يظنونه أن حسيناً قال لعمر بن سعد: اخرج معي إلى يزيد بن معاوية وندع العسكرين؛ قال عمر: إذن تهدم داري؛ قال: أنا أبنيها لك، قال: إذن تؤخذ ضياعي؛ قال: إذن أعطيك خيراً منها من مالي بالحجاز. قال: فتكره ذلك عمر؛ قال: فتحدث الناس بذلك، وشاع فيهم من غير أن يكونوا سمعوا من ذلك شيئاً ولا علموه.
قال أبو مخنف: وأما ما حدثنا به المجالد بن سعيد والصقعب بن زهير الأزدي وغيرهما من المحدثين، فهو ما عليه جماعة المحدثين، قالوا: إنه قال: اختاروا مني خصالاً ثلاثاً: إما أن أرجع إلى المكان الذي أقبلت منه، وإما أن أضع يدي في يد يزيد بن معاوية فيرى فيما بيني وبينه رأيه، وإما أن تسيروني إلى أي ثغر من ثغور المسلمين شئتم، فأكون رجلاً من أهله، لي ما لهم وعلي ما عليهم.
قال أبو مخنف: فأما عبد الرحمن بن جندب فحدثني عن عقبة بن سمعان قال: صحبت حسيناً فخرجت معه من المدينة إلى مكة، ومن مكة إلى العراق، ولم أفارقه حتى قتل، وليس من مخاطبته الناس كلمة بالمدينة والا بمكة ولا في الطريق ولا بالعراق ولا في عسكر إلى يوم مقتله إلا وقد سمعتها. ألا والله ما أعطاهم ما يتذاكر الناس وما يزعمون؛ من أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية، ولا أن يسيروه إلى ثغر من ثغور المسلمين، ولكنه قال: دعوني فلأذهب في هذه الأرض العريضة حتى ننظر ما يصير أمر الناس.
قال أبو مخنف: حدثني المجالد بن سعيد الهمداني والصقعب بن زهير، أنهما كانا التقيا مراراً ثلاثاً أو أربعاً؛ حسين وعمر بن سعد؛ قال: فكتب عمر ابن سعد إلى عبيد الله بن زياد: أما بعد، فإن الله قد أطفأ النائرة، وجمع الكلمة، وأصلح أمر الأمة، هذا حسين قد أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي منه أتى، أو أن نسيره إلى أي ثغر من ثغور المسلمين شئنا، فيكون رجلاً من المسلمين له ما لهم، وعليه ما عليهم، أو أن يأتي يزيد أمير المؤمنين فيضع يده في يده، فيرى فيما بينه وبينه رأيه، وفي هذا لكم رضاً، وللأمة صلاحٌ. قال: فلما قرأ عبيد الله الكتاب قال: هذا كتاب رجل ناصح لأميره، مشفق على قومه، نعم قد قبلت. قال: فقام إليه شمر بن ذي الجوشن، فقال: أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك إلى جنبك! والله لئن رحل من بلدك، ولم يضع يده في يدك، ليكونن أولى بالقوة والعزة ولتكونن أولى بالضعف والعجز، فلا تعطه هذه المنزلة فإنها من الوهن، ولكن لينزل على حكمك هو وأصحابه، فإن عاقبت فأنت ولي العقوبة، وإن غفرت كان ذلك لك، والله لقد بلغني أن حسيناً وعمر بن سعد يجلسان بين العسكرين فيتحدثان عامة الليل، فقال له ابن زياد: نعم ما رأيت! الرأي رأيك.
قال أبو مخنف: فحدثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قال: ثم إن عبيد الله بن زياد دعا شمر بن ذي الجوشن فقال له: اخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن سعد فليعرض على الحسين وأصحابه النزول على حكمي، فإن فعلوا فليبعث بهم إلي سلماً، وإن هم أبوا فليقاتلهم، فإن فعل فاسمع له وأطع، وإن هو أبى فقاتلهم، فأنت أمير الناس، وثب عليه فاضرب عنقه، وابعث إلي برأسه.
قال أبو مخنف: حدثني أبو جناب الكلبي، قال: ثم كتب عبيد الله ابن زياد إلى عمر بن سعد: أما بعد، فإني لم أبعثك إلى حسين لتكف عنه ولا لتطاوله، ولا لتمنيه السلامة والبقاء، ولا لتقعد له عندي شافعاً.. انظر، فإن نزل حسين وأصحابه على الحكم واستسلموا، فابعث بهم إلي سلماً، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم، فإنهم لذلك مستحقون، فإن قتل حسين فأوطىء الخيل صدره وظهره، فإنه عاق مشاق، قاطع ظلوم، وليس دهري في هذا أن يضر بعد الموت شيئاً، ولكن علي قول لو قد قتلته فعلت هذا به. إن أنت مضيت لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أبيت فاعتزل عملنا وجندنا، وخل بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر، فإنا قد أمرناه بأمرنا؛ والسلام.
قال أبو مخنف: عن الحارث بن حصيرة، عن عبد الله بن شريك العامري، قال: لما قبض بن ذي الجوشن الكتاب قام هو وعبد الله بن أبي المحل - وكانت عمته أم البنين ابنة حزام عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فولدت له العباس وعبد الله وجعفراً وعثمان - فقال عبد الله بن أبي المحل بن حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب: أصلح الله الأمير! إن بني أختنا مع الحسين، فإن رأيت أن تكتب لهم أماناً فعلت؛ قال: نعم ونعمة عين. فأمر كاتبه، فكتب لهم أماناً، فبعث به عبد الله بن أبي المحل مع مولىً له يقال له: كزمان، فلما قدم عليهم دعاهم، فقال: هذا أمانٌ بعث به خالكم؛ فقال له الفتية: أقرىء خالنا السلام، وقل له: أن لا حاجة لنا في أمانكم، أمان الله خيرٌ من أمان ابن سمية. قال: فأقبل شمر بن ذي الجوشن بكتاب عبيد الله بن زياد إلى عمر ابن سعد، فلما قدم به عليه فقرأه قال له عمر: ما لك ويلك! لا قرب الله دارك، وقبح الله ما قدمت به علي! والله إني لأظنك أنت ثنيته أن يقبل ما كتبت به إليه، أفسدت علينا أمراً كنا رجونا أن يصلح، لا يستسلم والله حسين، إن نفساً أبيةً لبين جنبيه، فقال له شمر: أخبرني ما أنت صانع؟ أتمضي لأمر أميرك وتقتل عدوه، وإلا فخل بيني وبين الجند والعسكر؛ قال: لا ولا كرامة لك، وأنا أتولى ذلك؛ قال: فدونك، وكن أنت على الرجال؛ قال: فنهض إليه عشية الخميس لتسعٍ مضين من المحرم؛ قال: وجاء شمر حتى وقف على أصحاب الحسين، فقال: أين بنو أختنا؟ فخرج إليه العباس وجعفر وعثمان بنو علي، فقالوا له: ما لك وما تريد؟ قال: أنتم يا بني أختي آمنون؛ قال له الفتية: لعنك الله ولعن أمانك! لئن كنت خالنا أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له! قال: ثم إن عمر بن سعد نادى: يا خيل الله اركبي وأبشري. فركب في الناس، ثم زحف نحوهم بعد صلاة العصر، وحسين جالس أمام بيته محتبياً بسيفه، إذ خفق برأسه على ركبتيه، وسمعت أخته زينب الصيحة فدنت من أخيها، فقالت: يا أخي، أما تسمع الأصوات قد اقتربت! قال: فرفع الحسين رأسه فقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي: إنك تروح إلينا؛ فلطمت أخته وجهها وقالت: يا ويلتا! فقال: ليس لك الويل يا أخية، اسكني رحمك الرحمن! وقال العباس بن علي: يا أخي، أتاك القوم؛ قال: فنهض؛ ثم قال: يا عباس، اركب بنفسي أنت يا أخي حتى تلقاهم فتقول لهم: ما لكم؟ وما بدا لكم؟ وتسألهم عما جاء بهم؟ فأتاهم العباس؛ فاستقبلهم في نحو من عشرين فارساً فيهم زهير بن القين وحبيب ابن مظاهر، فقال لهم العباس: ما بدا لكم؟ وما تريدون؟ قالوا: جاء أمر الأمير بأن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو ننازلكم؛ قال: فلا تعجلوا حتى أرجع إلى أبي عبد الله فأعرض عليه ما ذكرتم؛ قال: فوقفوا ثم قالوا: القه فأعلمه ذلك، ثم القنا بما يقول؛ قال: فانصرف العباس راجعاً يركض إلى الحسين يخبره بالخبر، ووقف أصحابه يخاطبون القوم، فقال حبيب ابن مظاهر لزهير بن القين: كلم القوم إن شئت. وإن شئت كلمتهم، فقال له زهير: أنت بدأت بهذا، فكن أنت تكلمهم، فقال له حبيب بن مظاهر: أما والله لبئس القوم عند الله غداً قومٌ يقدمون عليه قد قتلوا ذرية نبيه عليه السلام وعترته وأهل بيته صلى الله عليه وسلم وعباد أهل هذا المصر المجتهدين بالأسحار، والذاكرين الله كثيراً؛ فقال له عزرة بن قيس: إنك لتزكي نفسك ما استطعت؛ فقال له زهير: يا عزرة، إن الله قد زكاها وهداها، فاتق الله يا عزرة فإني لك من الناصحين، أنشدك الله يا عزرة أن تكون ممن يعين الضلال على قتل النفوس الزكية! قال: يا زهير، ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت، إنما كنت عثمانياً؛ قال: أفلست تستدل بموقفي هذا أني منهم! أما والله ما كتبت إليه كتاباً قط، ولا أرسلت إليه رسولاً قط، ولا وعدته نصرتي قط، ولكن الطريق جمع بيني وبينه، فلما رأيته ذكرت به رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكانه منه، وعرفت ما يقدم عليه من عدوه وحزبكم، فرأيت أن أنصره، وأن أكون في حزبه، وأن أجعل نفسي دون نفسه، حفظاً لما ضيعتم من حق الله وحق رسوله عليه السلام. قال: وأقبل العباس بن علي يركض حتى انتهى إليهم، فقال: يا هؤلاء، إن أبا عبد الله يسألكم أن تنصرفوا هذه العشية حتى ينظر في هذا الأمر، فإن هذا أمرٌ لم يجر بينكم وبينه فيه
منطقٌ، فإذا أصبحنا التقينا إن شاء الله، فإما رضيناه فأتينا بالأمر الذي تسألونه وتسومونه، أو كرهنا فرددناه، وإنما أراد بذلك أن يردهم عنه تلك العشية حتى يأمربأمره، ويوصي أهله، فلما أتاهم العباس بن علي بذلك قال عمر بن سعد: ما ترى يا شمر؟ قال: ما ترى أنت، أنت الأمير والرأي رأيك؛ قال: قد أردت ألا أكون؛ ثم أقبل على الناس فقال: ماذا تريدون؟ فقال عمرو بن الحجاج بن سلمة الزبيدي: سبحان الله! والله لو كانوا من الديلم ثم سألوك هذه المنزلة لكان ينبغي لك أن تجيبهم إليها؛ وقال قيس بن الأشعث: اجبهم إلى ما سألوك، فلعمري ليصبحنك بالقتال غدوة؛ فقال: والله لو أعلم أن يفعلوا ما أخرجتهم العشية؛ قال: وكان العباس بن علي حين أتى حسيناً بما عرض عليه عمر بن سعد قال: ارجع إليهم، فإن استطعت أن تؤخرهم إلى غدوة وتدفعهم عند العشية لعلنا نصلي لربنا الليلة وندعوه ونستغفره، فهو يلعم أني قد كنت أحب الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار!، فإذا أصبحنا التقينا إن شاء الله، فإما رضيناه فأتينا بالأمر الذي تسألونه وتسومونه، أو كرهنا فرددناه، وإنما أراد بذلك أن يردهم عنه تلك العشية حتى يأمربأمره، ويوصي أهله، فلما أتاهم العباس بن علي بذلك قال عمر بن سعد: ما ترى يا شمر؟ قال: ما ترى أنت، أنت الأمير والرأي رأيك؛ قال: قد أردت ألا أكون؛ ثم أقبل على الناس فقال: ماذا تريدون؟ فقال عمرو بن الحجاج بن سلمة الزبيدي: سبحان الله! والله لو كانوا من الديلم ثم سألوك هذه المنزلة لكان ينبغي لك أن تجيبهم إليها؛ وقال قيس بن الأشعث: اجبهم إلى ما سألوك، فلعمري ليصبحنك بالقتال غدوة؛ فقال: والله لو أعلم أن يفعلوا ما أخرجتهم العشية؛ قال: وكان العباس بن علي حين أتى حسيناً بما عرض عليه عمر بن سعد قال: ارجع إليهم، فإن استطعت أن تؤخرهم إلى غدوة وتدفعهم عند العشية لعلنا نصلي لربنا الليلة وندعوه ونستغفره، فهو يلعم أني قد كنت أحب الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار! قال أبو مخنف: حدثني الحارث بن حصيرة، عن عبد الله بن شريك العامري، عن علي بن الحسين قال: أتانا رسولٌ من قبل عمر بن سعد فقام مثل حيث يسمع الصوت فقال: إنا قد أجلناكم إلى غد، فإن استسلمتم سرحنا بكم إلى أميرنا عبيد الله بن زياد، وإن أبيتم فلسنا بتاركيكم.
قال أبو مخنف: وحدثني عبد الله بن عاصم الفائشي، عن الضحاك بن عبد الله المشرقي - بطن من همدان - أن الحسين بن علي رضي الله عنه جمع أصحابه.
قال أبو مخنف: وحدثني أيضاً الحارث بن حصيرة، عن عبد الله بن شريك العامري، عن علي بن الحسين، قالا: جمع الحسين أصحابه بعد ما رجع عمر بن سعد، وذلك عند قرب المساء، قال علي بن الحسين: فدنوت منه لأسمع وأنا مريض، فسمعت أبي وهو يقول لأصحابه: أثني على الله تبارك وتعالى أحسن الثناء، وأحمده على السراء والضراء، اللهم إني أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة، وعلمتنا القرآن، وفقهتنا في الدين، وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدة، ولم تجعلنا من المشركين؛ أما بعد، فإني لا أعلم أصحاباً أولى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عني جميعاً خيراً؛ ألا وإني أظن يومنا من هؤلاء الأعداء غداً، ألا وإني قد رأيت لكم فانطلقوا جميعاً في حل، ليس عليكم مني ذمام، هذا ليلٌ قد غشيكم، فاتخذوه جملاً.

بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-03-2014, 07:19 PM   #62 (permalink)
بحرجديد
مشرف التاريخ والحضاره - أمير الأبداع - كاتب مميز - مشرف الشهر المميز
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
قال أبو مخنف: حدثنا عبد الله بن عاصم الفائشي - بطن من همدان - عن الضحاك بن عبد الله المشرقي، قال: قدمت ومالك بن النضر الأرحبي على الحسين، فسلمنا عليه، ثم جلسنا إليه، فرد عليا، ورحب بنا، وسألنا عما جئنا له، فقلنا: جئنا لنسلم عليك، وندعو الله لك بالعافية، ونحدث بك عهداً، ونخبرك خبر الناس، وإنا نحدثك أنهم قد جمعوا على حربك فر رأيك. فقال الحسين رضي الله عنه: حسبي الله ونعم الوكيل! قال: فتذممنا وسلمنا عليه، ودعونا الله له، قال: فما يمنعكما من نصرتي؟ فقال مالك ابن النضر: علي دين، ولي عيال، فقلت له: إن علي ديناً، وإن لي لعيالاً، ولكنك إن جعلتني في حلٍّ من الانصراف إذا لم أجد مقاتلاً قاتلت عنك ما كان لك نافعاً، وعنك دافعاً! قال: قال: فأنت في حل؛ فأقمت معه، فلما كان الليل قال: هذا الليل قد غشيكم، فاتخذوه جملاً، ثم ليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، تفرقوا في سوادكم ومدائنكم حتى يفرج الله، فإن القوم إنما يطلبوني، ولو قد أصابوني لهوا عن طلب غيري؛ فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وابنا عبد الله بن جعفر: لم نفعل لنبقى بعدك، لا أرانا الله ذلك أبداً؛ بدأهم بهذا القول العباس بن علي. ثم إنهم تكلموا بهذا ونحوه، فقال الحسين رضي الله عنه: يا بني عقيل، حسبكم من القتل بمسلم، اذهبوا قد أذنت لكم؛ قالوا: فما يقول الناس! يقولون إنا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الأعمام، ولم نرم معهم بسهم، ولم نطعن معهم برمح، ولم نضرب معهم بسيف، ولا ندري ما صنعوا! لا والله لا نفعل، ولكن تفديك أنفسنا وأموالنا وأهلونا، ونقاتل معك حتى نرد موردك، فقبح الله العيش بعدك! قال أبو مخنف: حدثني عبد الله بن عاصم، عن الضحاك بن عبد الله المشرقي، قال: فقام إليه مسلم بن عوسجة الأسدي فقال: أنحن نخلي عنك ولما نعذر إلى الله في أداء حقك! أما والله حتى أكسر في صدورهم رمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولا أفارقك؛ ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة دونك حتى أموت معك. قال: وقال سعيد بن عبد الله الحنفي: والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا حفظنا غيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيك، والله لو علمت أني أقتل ثم أحيا ثم أحرق حياً ثم أذر؛ يفعل ذلك بي سبعين مرة ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك، فكيف لا أفعل ذلك! وإنما هي قتلة واحدة، ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً.
قال: وقال زهير بن القين: والله لوددت أني قتلت ثم نشرت ثم قتلت حتى أقتل كذا ألف قتلة، وأن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك. قال: وتكلم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضاً في وجه واحد، فقالوا: والله لا نفارقك، ولكن أنفسنا لك الفداء، نقيك بنحورنا وجباهنا وأيدينا، فإذا نحن قتلنا كنا وفينا، وقضينا ما علينا.
قال أبو مخنف: حدثني الحارث بن كعب وأبو الضحاك، عن علي ابن الحسين بن علي قال: إني جالس في تلك العشية التي قتل أبي صبيحتها، وعمتي زينب عندي تمرضني، إذ اعتزل أبي بأصحابه في خباء له، وعنده حوى، مولى أبي ذر الغفاري، وهو يعالج سيفه ويصلحه وأبي يقول:
يا دهر أفٍّ لك من خليل ... كم لك بالإشراق والأصيل
من صاحبٍ أو طالبٍ قتيل ... والدهر لا يقنع بالبديل
وإنما الأمر إلى الجليل ... وكل حيٍّ سالك السبيل
قال: فأعادها مرتين أو ثلاثاً حتى فهمتها، فعرفت ما أراد، فخنقتني عبرتي، فرددت دمعي ولزمت السكون، فعلمت أن البلاء قد نزل. فأما عمتي فإنها سمعت ما سمعت، وهي امرأة وفي النساء الرقة والجزع، فلم تملك نفسها أن وثبت تجر ثوبها، وإنها لحاسرة حتى انتهت إليه؛ فقالت: واثكلاه! ليت الموت أعدمني الحياة! اليوم ماتت فاطمة أمي وعلي أبي وحسن أخي، يا خليفة الماضي، وثمال الباقي؛ قال: فنظر إليها الحسين رضي الله عنه فقال: يا أخية، لا يذهبن حلمك الشيطان؛ قالت: بأبي أنت وأمي يا أبا عبد الله! استقتلت نفسي فداك؛ فرد غصته، وترقرقت عيناه، وقال: لو ترك القطا ليلاً لنام؛ قالت: يا ويلتي، أفتغضب نفسئك اغتصاباً، فذلك أقرح لقلبي، وأشد على نفسي! ولطمت وجهها، وأهوت إلى جيبها وشقته، وخرت مغشياً عليها، فقام إليها الحسين فصب على وجهها الماء، وقال لها: يا أخية، اتقي الله وتعزي بعزاء الله، واعلمي أن أهل الأرض يموتون، وأن أهل السماء لا يبقون، وأن كل شيء هالكٌ إلا وجه الله الذي خلق الأرض بقدرته، ويبعث الخلق فيعودون، وهو فرد وحده، أبي خيرٌ مني، وأمي خيرٌ مني، وأخي خيرٌ مني، ولي ولهم ولكل مسلم برسول الله أسوة؛ قال: فعزاها بهذا ونحوه، وقال لها: يا أخية، إني أقسم عليك فأبري قسمي، لا تشقي علي جيباً، ولا تخمشي علي وجهاً، ولا تدعي علي بالويل والثبور إذا أنا هلكت؛ قال: ثم جاء بها حتى أجلسها عندي، وخرج إلى أصحابه فأمرهم أن يقربوا بعض بيوتهم من بعض، وأن يدخلوا الأطناب بعضها في بعض، وأن يكونوا هم بين اليوت إلا الوجه الذي يأتيهم منه عدوهم.
قال أبو مخنف: عن عبد الله بن عاصم، عن الضحاك بن عبد الله المشرقي، قال: فلما أمسى حسين وأصحابه قاموا الليل كله يصلون ويستغفرون، ويدعون ويتضرعون؛ قال: فتمر بنا خيلٌ لهم تحرسنا، وإن حسيناً ليقرأ: " ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خيرٌ لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذابٌ مهينٌ، ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب " . فسمعها رجل من تلك الخيل التي كانت تحرسنا، فقال: نحن ورب الكعبة الطيبون. ميزنا منكم. قال: فعرفته فقلت لبرير بن حضير: تدري من هذا؟ قال: لا؛ قلت هذا أبو حرب السبيعي عبد الله بن شهر - وكان مضحاكاً بطالاً، وكان شريفاً شجاعاً فاتكاً، وكان سعيد بن قيس ربما حبسه في جناية - فقال له برير بن حضير: يا فاسق، أنت يجعلك الله في الطيبين! فقال له: من أنت؟ قال: أنا برير بن حضير؛ قال: إنا لله! عز علي! هلكت والله، هلكت والله يا برير! قال: يا أبا حرب، هل لك أن تتوب إلى الله من ذنوبك العظام! فوالله إنا لنحن الطيبون، ولكنكم لأنتم الخبيثون؛ قال: وأنا على ذلك من الشاهدين، قلت: ويحك! أفلا ينفعك معرفتك! قال: جعلت فداك! فمن ينادم يزيد بن عذرة العنزي من عنز بن وائل! قال: ها هو ذا معي؛ قال: قبح الله رأيك على كل حال! أنت سفيه. قال: ثم انصرف عنا، وكان الذي يحرسنا بالليل في الخيل عزرة بن قيس الأحمسي، وكان على الخيل؛ قال: فلما صلى عمر بن سعد الغداة يوم السبت - وقد بلغنا أيضاً أنه كان يوم الجمعة، وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء - خرج فيمن معه من الناس.
قال: وعبأ الحسين أصحابه، وصلى بهم صلاة الغداة، وكان معه اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلاً، فجعل زهير بن القين في ميمنة أصحابه، وحبيب بن مظاهر في ميسرة أصحابه، وأعطى رايته العباس بن علي أخاه، وجعلوا البيوت في ظهورهم، وأمر بحطب وقصب كان من وراء البيوت يحرق بالنار مخافة أن ياتوهم من ورائهم. قال: وكان الحسين رضي الله عنه أتى بقصب وحطب إلى مكان من ورائهم منخفض كأنه ساقية، فحفروه في ساعة من الليل، فجعلوه كالخندق، ثم ألقوا فيه ذلك الحطب والقصب، وقالوا: إذا عدوا علينا فقاتلونا ألقينا فيه النار كيلا نؤتي من ورائنا، وقاتلنا القوم من وجه واحد. ففعلوا، وكان لهم نافعاً.
قال أبو مخنف: حدثني فضيل بن خديج الكندي، عن محمد بن بشر، عن عمرو الحضرمي، قال: لما خرج عمر بن سعد بالناس كان على ربع أهل المدينة يومئذ عبد الله بن زهير بن سليم الأزدي، وعلى ربع مذحج وأسد عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي، وعلى ربع ربيعة وكندة قيس بن الأشعث بن قيس، وعلى ربع تميم وهمدان الحر بن يزيد الرياحي؛ فشهد هؤلاء كلهم مقتل الحسين إلا الحر بن يزيد فإنه عدل إلى الحسين، وقتل معه. وجعل عمر على ميمنته عمرو بن الحجاج الزبيدي، وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن بن شرحبيل بن الأعور بن عمر بن معاوية - وهو الضباب بن كلاب - وعلى الخيل عزرة بن قيس الأحمسي، وعلى الرجال شبث بن ربعي الرياحي، وأعطى الراية ذويداً مولاه.
قال أبو مخنف: حدثني عمرو بن مرة الجملي، عن أبي صالح الحنفي، عن غلام لعبد الرحمن بن عبد ربه الأنصاري، قال: كنت مع مولاي، فلما حضر الناس وأقبلوا إلى الحسين، أمر الحسين بفسطاط فضرب، ثم أمر بمسك فميث في جفنة عظيمة أو صحفة؛ قال: ثم دخل الحسين ذلك الفسطاط فتطلى بالنورة. قال: ومولاي عبد الرحمن بن عبد ربه وبرير ابن حضير الهمداني على باب الفسطاط تحتك مناكبهما، فازدحما أيهما يطلى على أثره، فجعل برير يهازل عبد الرحمن، فقال له عبد الرحمن: دعنا، فوالله ما هذه بساعة باطل، فقال له برير: والله لقد علم قومي أني ما أحببت الباطل شاباً ولا كهلاً، ولكن والله إني لمستبشرٌ بما نحن لاقون، والله إن بيننا وبين الحور العين إلا أن يميل هؤلاء علينا بأسيافهم، ولوددت أنهم قد مالوا علينا بأسيافهم. قال: فلما فرغ الحسين دخلنا فاطلينا؛ قال: ثم إن الحسين ركب دابته ودعا بمصحف فوضعه أمامه؛ قال: فاقتتل أصحابه بين يديه قتالاً شديداً، فلما رأيت القوم قد صرعوا أفلت وتركتهم.
قال أبو مخنف، عن بعض أصحابه، عن أبي خالد الكاهلي، قال: لما صبحت الخيل الحسين رفع الحسين يديه، فقال: اللهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة، كم من هم يضعف فيه الفؤاد، وتقل فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمت فيه العدو، أنزلته بك، وشكوته إليك، رغبةً مني إليك، عمن سواك، ففرجته وكشفته، فأنت ولي كل نعمة، وصاحب كل حسنة، ومنتهى كل رغبة.
قال أبو مخنف: فحدثني عبد الله بن عاصم، قال: حدثني الضحاك المشرقي، قال: لما أقبلوا نحونا فنظروا إلى النار تضطرم في الحطب والقصب الذي كنا ألهبنا فيه النار من ورائنا لئلا يأتونا من خلفنا، إذ أقبل إلينا منهم رجل يركض على فرس كامل الأداة، فلم يكلمنا حتى مر على أبياتنا، فنظر إلى أبياتنا فإذا هو لا يرى إلا حطباً تلتهب النار فيه، فرجع راجعاً، فنادى بأعلى صوته: يا حسين، استعجلت النار في الدنيا قبل يوم القيامة! فقال الحسين: من هذا؟ كأنه شمر بن ذي الجوشن! فقالوا: نعم، أصلحك الله! هو هو، فقال: يابن راعية المعزى، أنت أولى بها صلياً؛ فقال له مسلم بن عوسجة: يابن رسول الله، جعلت فداك! ألا أرميه بسهم! فإنه قد أمكنني، وليس يسقط مني سهم، فالفاسق من أعظم الجبارين؛ فقال له الحسين: لا ترمه، فإني أكره أن أبدأهم، وكان مع الحسين فرس له يدعى حقاً حمل عليه ابنه علي بن الحسين؛ قال: فلما دنا منه القوم عاد براحلته فركبها، ثم نادى بأعلى صوته دعاءً يسمع جل الناس: أيها الناس؛ اسمعوا قولي، ولا تعجلوني حتى أعظكم بما لحق لكم علي، وحتى أعتذر إليكم من مقدمي عليكم، فإن قبلتم عذري، وصدقتم قولي، وأعطيتموني النصف، كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم علي سبيل، وإن لم تقبلوا مني العذر، ولم تعطوا النصف من أنفسكم " فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمةً ثم اقضوا إلي ولا تنظرون " ؛ " إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين " . قال: فلما سمع أخواته كلامه هذا صحن وبكين، وبكى بناته فارتفعت أصواتهن، فأرسل إليهن أخاه العباس ابن علي وعلياً ابنه، وقال لهما: أسكتاهن، فلعمري ليكثرن بكاؤهن؛ قال: فلما ذهبا ليسكتاهن قال: لا يبعد ابن عباس؛ قال: فظننا أنه إنما قالها حين سمع بكاؤهن، لأنه قد كان نهاه أن يخرج بهن، فلما سكتن حمد الله وأثنى عليه، وذكر الله بما هو أهله، وصلى على محمد صلى الله عليه وعلى ملائكته وأنبيائه، فذكر من ذلك ما الله أعلم وما لا يحصى ذكره. قال: فوالله ما سمعت متكلماً قط قبله ولا بعده أبلغ في منطق منه؛ ثم قال: أما بعد، فانسبوني فانظروا من أنا، ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، فانظروا؛ هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألست ابن بنت نبيكم صلى الله عليه وسلم وابن وصيه وابن عمه، وأول المؤمنين بالله والمصدق لرسوله بما جاء به من عند ربه! أو ليس حمزة سيد الشهداء عم أبي! أو ليس جعفر الشهيد الطيار ذو الجناحين عمي! أو لم يبلغكم قول مستفيض فيكم: إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال لي ولأخي: " وهذان سيدا شببا أهل الجنة " ! فإن صدقتموني بما أقول - وهو الحق - فوالله ما تعمدت كذباً مذ علمت أن الله يمقت عليه أهله، ويضربه من اختلقه، وإن كذبتموني فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم؛ سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري، أو أبا سعيد الخدري، أو سهل بن سعد الساعدي، أو زيد بن أرقم، أو أنس بن مالك؛ يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لي ولأخي. أفما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي! فقال له شمر بن ذي الجوشن: هو يعبد الله على حرفٍ إن كان يدري مايقول! فقال له حبيب بن مظاهر: والله إني لأراك تعبد الله على سبعين حرفاً، وأنا أشهد أنك صادق ما تدري ما يقول؛ قد طبع الله على قلبك؛ ثم قال لهم الحسين: فإن كنتم في شك من هذا القول أفتشكون أثراً ما أني ابن بنت نبيكم! فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري منكم ولا من غيركم، أنا ابن بنت نبيكم خاصة. أخبروني، أتطلبوني بقتيل منكم قتلته، أو مالٍ لكم استهلكته، أو بقصاص من جراحة؟ قال: فأخذوا لا يكلمونه؛ قال: فنادى: يا شبث بن ربعي، ويا حجار بن أبجر، ويا قيس بن الأشعث، ويا يزيد بن الحارث، ألم تكتبوا إلي أن قد أينعت الثمار، واخضر الجناب، وطمت الجمام، وإنما تقدم على جند لك مجند، فأقبل! قالوا له: لم نفعل؛ فقال: سبحان الله! بلى والله، لقد فعلتم؛ ثم قال: أيها الناس، إذ كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمني من الأرض؛ قال: فقال له قيس بن الأشعث: أو لا تنزل على حكم بني عمك، فإنهم لن يروك إلا ما تحب، ولن يصل إليك منهم مكروه؟ فقال الحسين: أنت أخو أخيك، أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل؛ لا والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقر إقرار
العبيد. عباد الله، إني عذت بربي وربكم أن ترجمون أعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب؛ قال: ثم إنه أناخ راحلته، وأمر عقبة بن سمعان فعقلها، وأقبلوا يزحفون نحوه.عبيد. عباد الله، إني عذت بربي وربكم أن ترجمون أعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب؛ قال: ثم إنه أناخ راحلته، وأمر عقبة بن سمعان فعقلها، وأقبلوا يزحفون نحوه.
قال أبو مخنف: فحدثني علي بن حنظلة بن أسعد الشامي، عن رجل من قومه شهد مقتل الحسين حين قتل يقال له كثير بن عبد الله الشعبي؛ قال: لما زحفنا قبل الحسين خرج إلينا زهير بن قين على فرس له ذنوب، شاكٍ في السلاح، فقال: يا أهل الكوفة، نذار لكم من عذاب الله نذار! إن حقاً على المسلم نصيحة أخيه المسلم، ونحن حتى الآن إخوة، وعلى دين واحد وملة واحدة، ما لم يقع بيننا وبينكم السيف، وأنتم للنصيحة منا أهلٌ، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة، وكنا أمة وأنتم أمة، إن الله قد ابتلانا وإياكم بذرية نبيه محمد صلى الله عليه وسلم لينظر ما نحن وأنتم عاملون، إنا ندعوكم إلى نصرهم وخذلان الطاغية عبيد الله بن زياد، فإنكم لا تدركون منهما إلا بسوء عمر سلطانهما كله، ليسملان أعينكم، ويقطعان أيديكم وأرجلكم، ويمثلان بكم، ويرفعانكم على جذوع النخل، ويقتلان أماثلكم وقراءكم، أمثال حجر بن عدي وأصحابه، وهانىء بن عروة وأشباهه؛ قال: فسبوه، وأثنوا على عبيد الله بن زياد، ودعوا له، وقالوا: والله لا نبرح حتى نقتل صاحبك ومن معه، أو نبعث به وبأصحابه إلى الأمير عبيد الله سلماً؛ فقال لهم: عباد الله، إن ولد فاطمة رضوان الله عليها أحق بالود والنصر من ابن سمية، فإن لم تنصروهم فأعيذكم بالله أن تقتلوهم؛ فخلوا بين الرجل وبين ابن عمه يزيد بن معاوية، فلعمري إن يزيد ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين؛ قال: فرماه شمر بن ذي الجوشن بسهم وقال: اسكت أسكت الله نأمتك، أبرمتنا بكثرة كلامك! فقال له زهير: يابن البوال على عقبيه، ما إياك أخاطب، إنما أنت بهيمة، والله ما أظنك تحكم من كتاب الله آيتين، فأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم؛ فقال له شمر: إن الله قاتلك وصاحبك عن ساعة؛ قال: أفبالموت تخوفني! فوالله للموت معه أحب إلي من الخلد معكم؛ قال: ثم أقبل على الناس رافعاً صوته، فقال: عباد الله، لا يغرنكم من دينكم هذا الجلف الجافي وأشباهه، فوالله لا تنال شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم قوماً هراقوا دماء ذريته وأهل بيته، وقتلوا من نصرهم وذب عن حريمهم؛ قال: فناداه رجل فقال له: إن أبا عبد الله يقول لك: أقبل، فلعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح لقومه وأبلغ في الدعاء، لقد نصحت لهؤلاء وأبلغت لو نفع النصح والإبلاغ!
قال أبو مخنف: عن أبي جناب الكلبي، عن عدي بن حرملة، قال: ثم إن الحر بن يزيد لما زحف عمر بن سعد قال له: أصلحك الله! مقاتلٌ أنت هذا الرجل؟ قال: إي والله قتالاً أيسره أن تسقط الرءوس وتطيح الأيدي؛ قال: أفما لكم في واحدة من الخصال التي عرض عليكم رضاً؟ قال عمر بن سعد: أما والله لو كان الأمر إلي لفعلت، ولكن أميرك قد أبى ذلك؛ قال: فأقبل حتى وقف من الناس موقفاً، ومعه رجل من قومه يقال له قرة بن قيس، فقال: يا قرة، هل سقيت فرسك اليوم؟ قال: لا؛ قال: إما تريد أن تسقيه؟ قال: فظننت والله أنه يريد أن يتنحى فلا يشهد القتال، وكره أن أراه حين يصنع ذلك، فيخاف أن أرفعه عليه؛ فقلت له: لم أسقه، وأنا منطلق فساقيه؛ قال: فاعتزلت ذلك المكان الذي كان فيه؛ قال: فوالله لو أنه أطلعني على الذي يريد لخرجت معه إلى الحسين؛ قال: فأخذ يدنو من حسين قليلاً قليلاً، فقال له رجل من قومه يقال له المهاجر ابن أوس: ما تريد يابن يزيد؟ أتريد أن تحمل؟ فسكت وأخذه مثل العرواء، فقال له يابن يزيد، والله إن أمرك لمريب، والله ما رأيت منك في موقف قط مثل شيء أراه الآن، ولو قيل لي: من أشجع أهل الكوفة رجلاً ما عدوتك، فما هذا الذي أرى منك! قال: إني والله أخير نفسي بين الجنة والنار، ووالله لا أختار على الجنة شيئاً ولو قطعت وحرقت؛ ثم ضرب فرسه فلحق بحسين رضي الله عنه، فقال له: جعلني الله فداك يابن رسول الله! أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع، وسايرتك في الطريق، وجعجعت بك في هذا المكان، والله الذي لا إله إلا هو ما ظننت أن القوم يردون عليك ما عرضت عليهم أبداً، ولا يبلغون منك هذه المنزلة. فقلت في نفسي: لا أبالي أن أطيع القوم في بعض أمرهم، ولا يرون أني خرجت من طاعتهم، وأما هم فسيقبلون من حسين هذه الخصال التي يعرض عليهم، ووالله لو ظننت أنهم لا يقبلونها منك ما ركبتها منك؛ وإني قد جئتك تائباً مما كان مني إلى ربي، ومواسياً لك بنفسي حتى أموت بين يديك، أفترى ذلك لي توبة؟ قال: نعم، يتوب الله عليك، ويغفر لك، ما اسمك؟ قال: أنا الحر بن يزيد؛ قال: أنت الحر كما سمتك أمك، أنت الحر إن شاء الله في الدنيا والآخرة؛ انزل؛ قال: أنا لك فارساً خيرٌ مني راجلاً، أقاتلهم على فرسي ساعة، وإلى النزول ما يصير آخر أمري. قال الحسين: فاصنع يرحمك الله ما بدا لك. فاستقدم أمام أصحابه ثم قال: أيها القوم، ألا تقبلون من حسين خصلةً من هذه الخصال التي عرض عليكم فيعافيكم الله من حربه وقتاله؟ قالوا: هذا الأمير عمر بن سعد فكلمه، فكلمه بمثل ما كلمه به قبل، وبمثل ما كلم به أصحابه؛ قال عمر: قد حرصت، لو وجدت إلى ذلك سبيلاً فعلت، فقال: يا أهل الكوفة، لأمكم الهبل والعبر إذ دعوتموه حتى إذا أتاكم أسلمتموه، وزعتم أنكم قاتلو أنفسكم دونه، ثم عدوتم عليه لتقتلوه، أمسكتم بنفسه، وأخذتم بكظمه، وأحطتم به من كل جانب، فمنعتموه التوجه في بلاد الله العريضة حتى يأمن ويأمن أهل بيته، وأصبح في أيديكم كالأسير لا يملك لنفسه نفعاً، ولا يدفع ضراً، وحلأتموه ونساءه وأصيبيته وأصحابه عن ماء الفرات الجاري الذي يشربه اليهودي والمجوي والنصراني، وتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه، وها هم أولاء قد صرعهم العطش، بئسما خلفتم محمداً في ذريته! لا سقاكم الله يوم الظمإ إن لم تتوبوا وتنزعوا عما أنتم عليه من يومكم هذا في ساعتكم هذه. فحملت عليه رجالة لهم ترمية بالنبل؛ فأقبل حتى وقف أمام الحسين.
قال أبو مخنف، عن الصقعب بن زهير وسليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قال: وزحف عمر بن سعد نحوهم، ثم نادى: يا ذويد، أدن رايتك؛ قال: فأدناها ثم وضع سهمه في كبد قوسه، ثم رمى فقال: اشهدوا أني أول من رمى.
قال أبو مخنف: حدثني أبو جناب، قال: كان منا رجل يدعى عبد الله بن عمير، من بني عليم، كان قد نزل الكوفة، واتخذ عند بئر الجعد من همدان داراً، وكانت معه امرأةٌ له من النمر بن قاسط يقال لها أم وهب بنت عبد، فرأى القوم بالنخيلة يعرضون ليسرحوا إلى الحسين، قال: فسأل عنهم، فقيل له: يسرحون إلى حسين بن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال: والله لقد كنت على جهاد أهل الشرك حريصاً، وإني لأرجو ألا يكون جهاد هؤلاء الذين يغزون ابن بنت نبيهم أيسر ثواباً عند الله من ثوابه إياي في جهاد المشركين؛ فدخل إلى امرأته فأخبرها بما سمع، وأعلمها بما يريد، فقالت: أصبت أصاب الله بك أرشد أمورك، افعل وأخرجني معك؛ قال: فخرج بها ليلاً حتى أتى حسيناً، فأقام معه، فلما دنا منه عمر بن سعد ورمى بسهم ارتمى الناس، فلما ارتموا خرج يسار مولى زياد بن أبي سفيان وسالم مولى عبيد الله بن زياد، فقالا: من يبارز؟ ليخرج إلينا بعضكم، قال: فوثب حبيب بن مظاهر وبرير بن حضير، فقال لهما حسين: اجلسا؛ فقام عبد الله بن عمير الكلبي فقال: أبا عبد الله، رحمك الله! ائذن لي فلأخرج إليهما؛ فرأى حسين رجلاً آدم طويلاً شديد الساعدين بعيد ما بين المنكبين، فقال حسين: إني لأحسبه للأقران قتالاً، اخرج إن شئت؛ قال: فخرج إليهما، فقالا له: من أنت؟ فانتسب لهما، فقالا: لا نعرفك، ليخرج إلينا زهير بن القين أو حبيب بن مظاهر أو برير بن حضير، ويسار مستنتلٌ أمام سالم، فقال له الكلبي: يابن الزاية، وبك رغبةٌ عن مبارزة أحد من الناس، وما يخرج إليك أحد من الناس إلا وهو خير منك؛ ثم شد عليه فضربه بسيفه حتى برد، فإنه لمشتغل به يضربه بسيفه إذ شد عليه سالم، فصاح به: قد رهقك العبد؛ قال: فلم يأبه له حتى غشيه فبدره الضربة، فاتقاه الكلبي بيده اليسرى، فأطار أصابع كفه اليسرى، ثم مال عليه الكلبي فضربه حتى قتله، وأقبل الكلبي مرتجزاً وهو يقول، وقد قتلهما جميعاً:
إن تنكروني فأنا ابن كلب ... حسبي بيتي في عليمٍ حسبي
إني امرؤٌ ذو مرة وعصب ... ولست بالخوار عند النكب
إني زعيمٌ لك أم وهب ... بالطعن فيهم مقدماً والضرب
ضرب غلام مؤمنٍ بالرب
فأخذت أم وهب امرأته عموداً، ثم أقبلت نحو زوجها تقول له: فداك أبي وأمي! قاتل دون الطيبين ذرية محمد، فأقبل إليها يردها نحو النساء فأخذت تجاذب ثوبه، ثم قالت: إني لن أدعك دون أن أموت معك، فناداها حسين، فقال: جزيتم من أهل بيت خيراً، ارجعي رحمك الله إلى النساء فاجلسي معهن، فإنه ليس على النساء قتال؛ فانصرفت إليهن. قال: وحمل عمرو بن الحجاج وهو على ميمنة الناس في الميمنة، فلما أن دنا من حسين جثوا له على الركب، وأشرعوا الرماح نحوهم، فلم تقدم خيلهم على الرماح، فذهبت الخيل لترجع، فرشقوهم بالنبل، فصرعوا منهم رجالاً، وجرحوا منهم آخرين.
قال أبو مخنف: فحدثني حسين أبو جعفر، قال: ثم إن رجلاً من بني تميم - يقال له عبد الله بن حوزة - جاء حتى وقف أمام الحسين، فقال: يا حسين، يا حسين! فقال حسين: ما تشاء؟ قال: أبشر بالنار؛ قال: كلا، إني أقدم على رب رحيمٍ، وشفيع مطاع، من هذا؟ قال له أصحابه: هذا ابن حوزة؛ قال: رب حزه إلى النار؛ قال: فاضطرب به فرسه في جدول فوقع فيه، وتعلقت رجله بالركاب، ووقع رأسه في الأرض، ونفر الفرس، فأخذ يمر به فيضرب برأسه كل حجرٍ وكل شجرة حتى مات.
قال أبو مخنف: وأما سويد بن حية؛ فزعم لي أن عبد الله بن حوزة حين وقع فرسه بقيت رجله اليسرى في الركاب، وارتفعت اليمنى فطارت، وعدا به فرسه يضرب رأسه كل حجر وأصل شجرة حتى مات.
قال أبو مخنف عن عطاء بن السائب، عن عبد الجبار بن وائل الحضرمي، عن أخيه مسروق بن وائل، قال: كنت في أوائل الخيل ممن سار إلى الحسين، فقلت: أكون في أوائلها لعلي أصيب رأس الحسين، فأصيب به منزلةً عند عبيد الله بن زياد؛ قال: فلما انتهينا إلى حسين تقدم رجلٌ من القوم يقال له ابن حوزة، فقال: أفيكم حسين؟ قال: فسكت حسينٌ؛ فقالها ثانية، فأسكت حتى إذا كانت الثالثة قال: قولوا له: نعم، هذا حسين، فما حاجتك؟ قال: يا حسين، أبشر بالنار؛ قال: كذبت، بل أقدم على رب غفور وشفيع مطاع، فمن أنت؟ قال: ابن حوزة؛ قال؛ فرفع الحسين يديه حتى رأينا بياض إبطيه من فوق الثياب ثم قال: اللهم حزه إلى النار؛ قال: فغضب ابن حوزة، فذهب ليقحم إليه الفرس وبينه وبينه نهر؛ قال: فعلقت قدمه بالركاب، وجالت به الفرس فسقط عنها؛ قال: فانقطعت قدمه وساقه وفخذه، وبقي جانبه الآخر متعلقاً بالركاب. قال: فرجع مسروق وترك الخيل من ورائه؛ قال: فسألته، فقال: لقد رأيت من أهل هذا البيت شيئاً لا أقاتلهم أبداً؛ قال: ونشب القتال.
قال أبو مخنف: وحدثني يوسف بن يزيد، عن عفيف بن زهير بن أبي الأخنس - وكان قد شهد مقتل الحسين - قال: وخرج يزيد بن معقل من بني عميرة بن ربيعة وهو حليف لبني سليمة من عبد القيس، فقال: يا برير ابن حضير، كيف ترى الله صنع بك! قال: صنع الله والله بي خيراً، وصنع الله بك شراً؛ قال: كذبت، وقبل اليوم ما كنت كذاباً، هل تذكر وأنا أماشيك في بني لوذان وأنت تقول: إن عثمان بن عفان كان على نفسه مسرفاً، وإن معاوية بن أبي سفيان ضال مضل، وإن إمام الهدى والحق علي بن أبي طالب؟ فقال له برير: أشهد أن هذا رأيي وقولي؛ فقال له يزيد بن معقل: فإني أشهد أنك من الضالين؛ فقال له برير بن حضير: هل لك فلأ باهلك، ولندع الله أن يلعن الكاذب وأن يقتل المبطل، ثم اخرج فلأبارزك؛ قال: فخرجا فرفعا أيديهما إلى الله يدعوانه أن يلعن الكاذب، وأن يقتل المحق المبطل؛ ثم برز كل واحد منهما لصاحبه، فاختلفا ضربتين، فضرب يزيد بن معقل برير بن حضير ضربةً خفيفة لم تضره شيئاً، وضربه برير بن حضير ضربةً قدت المغفر، وبلغت الدماغ، فخر كأنما هوى من حالق، وإن سيف ابن حضير لثابت في رأسه، فكأني أنظر إليه ينضنضه من رأسه، وحمل عليه رضى بن منقذ العبدي فاعتنق بريراً، فاعتركا ساعةً. ثم إن بريراً قعد على صدره فقال رضي: أين أهل المصاع والدفاع؟ قال: فذهب كعب بن جابر بن عمرو الأزدي ليحمل عليه، فقلت: إن هذا برير بن حضير القارىء الذي كان يقرئنا القرآن في المسجد؛ فحمل عليه بالرمح حتى وضعه في ظهره، فلما وجد مس الرمح برك عليه فعض بوجهه، وقطع طرف أنفه، فطعنه كعب ابن جابر حتى ألقاه عنه، وقد غيب السنان في ظهره، ثم أقبل عليه يضربه بسيفه حتى قتله؛ قال عفيف: كأني أنظر إلى العبدي الصريع قام ينفض التراب عن قبائه، ويقول: أنعمت علي يا أخا الأزد نعمةً لن أنساها أبداً؛ قال: فقلت: أنت رأيت هذا؟ قال: نعم، رأي عيني وسمع أذني.
فلما رجع كعب بن جابر قالت له امرأته، أو أخته النوار بنت جابر: أعنت على ابن فاطمة، وقتلت سيد القراء؛ لقد أتيت عظيماً من الأمر، والله لا أكلمك من رأسي كلمةً أبداً.
وقال كعب بن جابر:
سلي تخبري عني وأنت ذميمةٌ ... غداة حسينٍ والرماح شوارع
ألم آت أقصى ما كرهت ولم يخل ... علي غداة الروع ما أنا صانع
معي يزنيٌّ لم تخنه كعوبه ... وأبيض مخشوب الغرارين قاطع
فجردته في عصبةٍ ليس دينهم ... بديني وإني بابن حربٍ لقانع
ولم تر عيني مثلهم في زمانهم ... ولا قبلهم في الناس إذ أنا يافع
أشد قراعاً بالسيوف لدى الوغى ... ألا كل من يحمي الذمار مقارع
وقد صبروا للطعن والضرب حسراً ... وقد نازلوا لو أن ذلك نافع
فأبلغ عبيد الله إما لقيته ... بأني مطيعٌ للخليفة سامع
قتلت بريراً ثم حملت نعمةً ... أبا منقذٍ لما دعا: من يماصع؟
قال أبو مخنف: حدثني عبد الرحمن بن جندب، قال: سمعته في إمارة مصعب بن الزبير؛ وهو يقول: يا رب إنا قد وفينا، فلا تجعلنا يا رب كمن قد غدر؛ فقال له أبي: صدق، ولقد وفى وكرم، وكسبت لنفسك شراً؛ قال: كلا، إني لم أكسب لنفسي شراً، ولكني كسبت لها خيراً.
قال: وزعموا أن رضي بن منقذ العبدي رد بعد على كعب بن جابر جواب قوله، فقال:
لو شاء ربي ما شهدت قتالهم ... ولا جعل النعماء عندي ابن جابر
لقد كان ذاك اليوم عاراً وسبةً ... يعيره الأبناء بعد المعاشر
فيا ليت أني كنت من قبل قتله ... ويوم حسينٍ كنت في رمس قابر
قال: وخرج عمرو بن قرظة الأنصاري يقاتل دون حسين وهو يقول:
قد علمت كتيبة الأنصار ... أني سأحمي حوزة الذمار
ضرب غلامٍ غير نكسٍ شاري ... دون حسينٍ مهجتي وداري
قال أبو مخنف: عن ثابت بن هبيرة، فقتل عمرو بن قرظة بن كعب، وكان مع الحسين، وكان علي أخوه مع عمر بن سعد، فنادى علي بن قريظة: يا حسين، يا كذاب ابن الكذاب، أضللت أخي وغررته حتى قتلته. قال: إن الله لم يضل أخاك، ولكنه هدى أخاك وأضلك؛ قال: قتلني الله إن لم أقتلك أو أموت دونك؛ فحمل عليه، فاعترضه نافع بن هلال المرادي، فطعنه فصرعه، فحمله أصحابه فاستنقذوه، فدووي بعد فبرأ.
قال أبو مخنف: حدثني النضر بن صالح أبو زهير العبسي أن الحر بن يزيد لما لحق بحسين قال رجل من بني تميم من بني شقرة وهم بنو الحارث بن تميم، يقال له يزيد بن سفيان: أما والله لو أني رأيت الحر بن يزيد حين خرج لأتبعته السنان؛ قال: فبينا الناس يتجاولون ويقتتلون والحر بن يزيد يحمل على القوم مقدماً ويتمثل قول عنترة:
ما زلت أرميهم بثغرة نحره ... ولبانه حتى تسربل بالدم
قال: وإن فرسه لمضروب على أذنيه وحاجبه، وإن دماءه لتسيل، فقال الحصين بن تميم - وكان على شرطة عبيد الله، فبعثه إلى الحسين، وكان مع عمر بن سعد، فولاه عمر مع الشرطة المجففة - ليزيد بن سفيان: هذا الحر بن يزيد الذي كنت تتمنى؛ قال: نعم فخرج إليه فقال له: هل لك يا حر بن يزيد في المبارزة؟ قال: نعم قد شئت، فبرز له؛ قال: فأنا سمعت الحصين بن تميم يقول: والله لأبرز له؛ فكأنما كانت نفسه في يده، فما لبثه الحر حين خرج إليه أن قتله.
قال هشام بن محمد، عن أبي مخنف، قال: حدثني يحيى بن هانىء بن عروة، أن نافع بن هلال كان يقاتل يومئذ وهو يقول: أنا الجملي، أنا على دين علي.
قال: فخرج إليه رجل يقال له مزاحم بن حريث، فقال: أنا على دين عثمان، فقال له: أنت على دين شيطان، ثم حمل عليه فقتله، فصاح عمرو ابن الحجاج بالناس: يا حمقى، أتدرون من تقاتلون! فرسان المصر؛ قوماً مستميتين، لا يبرزن لهم منكم أحد، فإنهم قليل، وقلما يبقون، والله لو لم ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم؛ فقال عمر بن سعد: صدقت، الرأي ما رأيت، وأرسل إلى الناس يعزم عليهم ألا يبارز رجلٌ منكم رجلاً منهم.
قال أبو مخنف: حدثني الحسين بن عقبة المرادي، قال: الزبيدي: إنه سمع عمرو بن الحجاج حين دنا من أصحاب الحسين يقول: يا أهل الكوفة، الزموا طاعتكم وجماعتكم، ولا ترتابوا في قتل من مرق من الدين، وخالف الإمام، فقال له الحسين: يا عمرو بن الحجاج، أعلي تحرض الناس؟ أنحن مرقنا وأنتم ثبتم عليه؟ أما والله لتعلمن لو قد قبضت أرواحكم، ومتم على أعمالكم، أينا مرق من الدين، ومن هو أولى بصلي النار! قال: ثم إن عمرو بن الحجاج حمل على الحسين في ميمنة عمر بن سعد من نحو الفرات، فاضطربوا ساعةً؛ فصرع مسلم بن عوسجة الأسدي أول أصحاب الحسين، ثم انصرف عمرو بن الحجاج وأصحابه، وارتفعت الغبرة، فإذا هم به صريع، فمشى إليه الحسين فإذا به رمقٌن فقال: رحمك ربك يا مسلم بن عوسجة، " فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً " . ودنا منه حبيب بن مظاهر فقال: عز علي مصرعك يا مسلم، أبشر بالجنة، فقال له مسلم قولاً ضعيفاً: بشرك الله بخير! فقال له حبيب: لولا أني أعلم أني في أثرك لاحقٌ بك من ساعتي هذه لأحببت أن توصيني بكل ما أهمك حتى أحفظك في كل ذلك بما أنت أهلٌ له في القرابة والدين؛ قال: بل أنا أوصيك بهذا رحمك الله - وأهوى بيده إلى الحسين - أن تموت دونه، قال: أفعل ورب الكعبة؛ قال: فما كان بأسرع من أن مات في أيديهم، وصاحت جاريةٌ له فقالت: يابن عوسجتاه! يا سيداه! فتنادى أصحاب عمرو بن الحجاج: قتلنا مسلم بن عوسجة الأسدي؛ فقال شبث لبعض من حوله من أصحابه: ثكلتكم أمهاتكم! إنما تقتلون أنفسكم بأيديكم، وتذللون أنفسكم لغيركم، تفرحون أن يقتل مثل مسلم بن عوسجة! أما والذي أسلمت له لرب موقفٍ له قد رأيته في المسلمين كريم! لقد رأيته يوم سلق آذربيجان قتل ستةً من المشركين قبل تتام خيول المسلمين، أفيقتل منكم مثله وتفرحون! قال: وكان الذي قتل مسلم بن عوسجة مسلم بن عبد الله الضبابي وعبد الرحمن بن أبي خشكارة البجلي. قال: وحمل شمر بن ذي الجوشن في الميسرة على أهل الميسرة فثبتوا له، فطاعنوه وأصحابه، وحمل على حسين وأصحابه من كل جانب، فقتل الكلبي وقد قتل رجلين بعد الرجلين الأولين، وقاتل قتالاً شديداً، فحمل عليه هانىء بن ثبيت الحضرمي وبكير ابن حي التيمي. من تيم الله بن ثعلبة، فقتلاه، وكان القتيل الثاني من أصحاب الحسين، وقاتلهم أصحاب الحسين قتالاً شديداً، وأخذت خيلهم تحمل وإنما هم اثنان وثلاثون فارساً، وأخذت لا تحمل على جانب من خيل أهل الكوفة إلا كشفته، فلما رأى ذلك عزرة بن قيس - وهو على خيل أهل الكوفة - أن خيله تنكشف من كل جانب، بعث إلى عمر بن سعد عبد الرحمن ابن حصن، فقال: أما ترى ما تلقى خيلي مذ اليوم من هذه العدة اليسيرة! ابعث إليهم الرجال والرماة؛ فقال لشبث بن ربعي: ألا تقدم إليهم! فقال: سبحان الله! أتعمد إلى شيخ مضر وأهل المصر عامة تبعثه في الرماة! لم تجد من تندب لهذا ويجزىء عنك غيري! قال: وما زالوا يرون من شبث الكراهة لقتاله. قال: وقال أبو زهير العبسي: فأنا سمعته في إمارة مصعب يقول: لا يعطي الله أهل هذا المصر خيراً أبداً، ولا يسددهم لرشد، ألا تعجبون أنا قاتلنا مع علي بن أبي طالب ومع ابنه من بعده آل أبي سفيان خمس سنين، ثم عدونا على ابنه وهو خير أهل الأرض نقاتله مع آل معاوية وابن سمية الزانية! ضلال يا لك من ضلال! قال: ودعا عمر بن سعد الحصين بن تميم فبعث معه المجففة وخمسمائة من المرامية، فأقبلوا حتى إذا دنوا من الحسين وأصحابه رشقوهم بالنبل، فلم يلبثوا أن عقروا خيولهم، وصاروا رجالةً كلهم.
قال أبو مخنف: حدثني نمير بن وعلة أن أيوب بن مشرح الخيواني كان يقول: أنا والله عقرت بالحر بن يزيد فرسه، حشأته سهماً، فما لبث أن أرعد الفرس واضطرب وكبا، فوثب عنه الحر كأنه ليث والسيف في يده وهو يقول:
إن عقروا بي فأنا ابن الحر ... أشجع من ذي لبدٍ هزبر
قال: فما رأيت أحداً قط يفري فريه؛ قال: فقال له أشياخٌ من الحي: أنت قتلته؟ قال: لا والله ما أنا قتلته، ولكن قتله غيري، وما أحب أني قتلته، فقال له أبو الوداك: ولم؟ قال: إنه كان زعموا من الصالحين، فوالله لئن كان ذلك إثماً لأن ألقى الله بإثم الجراحة والموقف أحب إلي من أن ألقاه بإثم قتل أحد منهم؛ فقال له أبو الوداك: ما أراك إلا ستلقى الله بإثم قتلهم أجمعين؛ أرأيت لو أنك رميت ذا فعقرت ذا، ورميت آخر، ووقفت موقفاً، وكررت عليهم، وحرضت أصحابك، وكثرت أصحابك، وحمل عليك فكرهت أن تفر، وفعل آخر من أصحابك كفعلك، وآخر وآخر، كان هذا وأصحابه يقتلون! أنتم شركاء كلكم في دمائهم؛ فقال له: يا أبا الوداك، إنك لتقنطنا من رحمة الله، إن كنت ولى حسابنا يوم القيامة فلا غفر الله لك إن غفرت لنا! قال: هو ما أقول لك؛ قال: وقاتلوهم حتى انتصف النهار أشد قتال خلقه الله، وأخذوا لا يقدرون على أن يأتوهم إلا من وجهٍ واحد لاجتماع أبنيتهم وتقارب بعضها من بعض.
قال: فلما رأى ذلك عمر بن سعد أرسل رجالاً يقوضونها عن أيمانهم وعن شمائلهم ليحيطوا بهم؛ قال: فأخذ الثلاثة والأربعة من أصحاب الحسين يتخللون البيوت فيشدون على الرجل وهو يقوض وينتهب فيقتلونه ويرمونه من قريب ويعقرونه، فأمر بها عمر بن سعد عند ذلك فقال: أحرقوها بالنار، ولا تدخلوا بيتاً ولا تقوضوه، فجاءوا بالنار، فأخذوا يحرقون، فقال حسين: دعوهم فليحرقوها، فإنهم لو قد حرقوها لم يستطيعوا أن يجوزوا إليكم منها، وكان ذلك كذلك، وأخذوا لا يقاتلونهم إلا من وجه واحد. قال: وخرجت امرأة الكلبي تمشي إلى زوجها حتى جلست عند رأسه تمسح عنه التراب وتقول: هنيئاً لك الجنة! فقال شمر بن ذي الجوشن لغلام يسمى رستم: اضرب رأسها بالعمود؛ فضرب رأسها فشدخه، فماتت مكانها؛ قال: وحمل شمر بن ذي الجوشن حتى طعن فسطاط الحسين برمحه، ونادى: علي بالنار حتى أحرق هذا البيت على أهله؛ قال: فصاح النساء وخرجن من الفسطاط؛ قال: وصاح به الحسين: يابن ذي الجوشن، أنت تدعو بالنار لتحرق بيتي على أهلي، حرقك الله بالنار! قال أبو مخنف: حدثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قال: قلت لشمر بن ذي الجوشن: سبحان الله! إن هذا لا يصلح لك، أتريد أن تجمع على نفسك خصلتين. تعذب بعذاب الله، وتقتل الولدان والنساء! والله إن في قتلك الرجال لما ترضى به أميرك؛ قال: فقال: من أنت؟ قال: قلت: لا أخبرك من أنا، قال: وخشيت والله أن لو عرفني أن يضرني عند السلطان؛ قال: فجاءه رجل كان أطوع له مني؛ شبث بن ربعي، فقال: ما رأيت مقالاً أسوأ من قولك، ولا موقفاً أقبح من موقفك، أمرعباً للنساء صرت! قال: فأشهد أنه استحيا، فذهب لينصرف. وحمل عليه زهير ابن القين في رجال من أصحابه عشرة، فشد على شمر بن ذي الجوشن وأصحابه، فكشفهم عن البيوت حتى ارتفعوا عنها، فصرعوا أبا عزة الضبابي فقتلوه، فكان من أصحاب شمر، وتعطف الناس عليهم فكثروهم، فلا يزال الرجل من أصحاب الحسين قد قتل، فإذا قتل منهم الرجل والرجلان تبين فيهم، وأولئك كثير لا يتبين فيهم ما يقتل منهم؛ قال: فلما رأى ذلك أبو ثمامة عمرو بن عبد الله الصائدي قال للحسين: يا أبا عبد الله؛ نفسي لك الفداء! إني أرى هؤلاء قد اقتربوا منك، ولا والله لا تقتل حتى أقتل دونك إن شاء الله، وأحب أن ألقى ربي وقد صليت هذه الصلاة التي دنا وقتها؛ قال: فرفع الحسين رأسه ثم قال: ذكرت الصلاة، جعلك الله من المصلين الذاكرين! نعم، هذا أول وقتها؛ ثم قال: سلوهم أن يكفوا عنا حتى نصلي؛ فقال لهم الحصين بن تميم: إنها لا تقبل؛ فقال له حبيب بن مظاهر: لا تقبل زعمت! الصلاة من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقبل وتقبل منك يا حمار! قال: فحمل عليهم حصين بن تميم، وخرج إليه حبيب بن مظاهر، فضرب وجه فرسه بالسيف، فشب ووقع عنه، وحمله أصحابه فاستنقذوه، وأخذ حبيب يقول:
أقسم لو كنا لكم أعدادا ... أو شطركم وليتم أكتادا
يا شر قوم حسباً وآدا
قال: وجعل يقول يومئذ:
أنا حبيب وأبي مظاهر ... فارس هيجاء وحرب تسعر
أنتم أعد عدة وأكثر ... ونحن أوفى منكم وأصبر
ونحن أعلى حجةً وأظهر ... حقاً وأتقى منكم وأعذر
وقاتل قتالاً شديداً، فحمل عليه رجلٌ من بني تميم فضربه بالسيف على رأسه فقتله - وكان يقال له: بديل بن صريم من بني عقفان - وحمل عليه آخر من بني تميم فطعنه فوقع، فذهب ليقوم، فضربه الحصين بن تميم على رأسه بالسيف، فوقع، ونزل إليه التميمي فاحتز رأسه، فقال له الحصين: إني لشريكك في قتله، فقال الآخر: والله ما قتله غيري؛ فقال الحصين: اعطنيه أعلقه في عنق فرسي كيما يرى الناس ويعلموا أني شركت في قتله؛ ثم خذه أنت بعد فامض به إلى عبيد الله بن زياد، فلا حاجة لي فيما تعطاه على قتلك إياه. قال: فأبى عليه، فأصلح قومه فيما بينهما على هذا، فدفع إليه رأس حبيب بن مظاهر، فجال به في العسكر قد علقه في عنق فرسه، ثم دفعه بعد ذلك إليه، فلما رجعوا إلى الكوفة أخذ الآخر رأس حبيب فعلقه في لبان فرسه، ثم أقبل به إلى ابن زياد في القصر فبصر به ابنه القاسم بن حبيب، وهو يومئذ قد راهق، فأقبل مع الفارس لا يفارقه، كلما دخل القصر دخل معه، وإذا خرج خرج معه، فارتاب به، فقال: ما لك يا بني تتبعني! قال: لا شيء، قال: بلى، يا بني أخبرني، قال له: إن هذا الرأس الذي معك رأس أبي، أفتعطينيه حتى أدفنه؟ قال: يا بني، لا يرضى الأمير أن يدفن، وأنا أريد أن يثيبني الأمير على قتله ثواباً حسناً؛ قال له الغلام: لكن الله لا يثيبك على ذلك إلا أسوأ الثواب؛ أما والله لقد قتلت خيراً منك، وبكى. فمكث الغلام حتى إذا أدرك لم يكن له همةٌ إلا اتباع أثر قاتل أبيه ليجد منه غرةً فيقتله بأبيه، فلما كان زمان مصعب بن الزبير وغزا مصعب باجميرا دخل عسكر مصعب فإذا قاتل أبيه في فسطاطه، فأقبل يختلف في طلبه والتماس غرته، فدخل عليه وهو قاتلٌ نصف النهار فضربه بسيفه حتى برد.
قال أبو مخنف: حدثني محمد بن قيس، قال: لما قتل حبيب بن مظاهر هد ذلك حسيناً وقال عند ذلك: أحتسب نفسي وحماة أصحابي، قال: فأخذ الحر يرتجز ويقول:
آليت لا أقتل حتى أقتلا ... ولن أصاب اليوم إلا مقبلا
أضربهم بالسيف ضرباً مقصلا ... لاناكلاً عنهم ولامهللا
وأخذ يقول أيضاً:
أضرب في أعراضهم بالسيف ... عن خير من حل منىً والخيف
فقاتل هو وزهير بن القين قتالاً شديداً، فكان إذا شد أحدهما؛ فإن استلحم شد الآخر حتى يخلصه، ففعلا ذلك ساعة. ثم إن رجالة شدت على الحر بن يزيد فقتل، وقتل أبو ثمامة الصائدي ابن عم له كان عدواً له، ثم صلوا الظهر، صلى بهم الحسين صلاة الخوف، ثم اقتتلوا بعد الظهر فاشتد قتالهم، ووصل إلى الحسين، فاستقدم الحنفي أمامه، فاستهدف لهم يرمونه بالنبل يميناً وشمالاً قائماً بين يديه، فما زال يرمي حتى سقط. وقاتل زهير بن القين قتالاً شديداً، وأخذ يقول:
أنا زهير وأنا ابن القين ... أذودهم بالسيف عن حسين
قال: وأخذ يضرب على منكب حسين ويقول:
أقدم هديت هادياً مهديا ... فاليوم تلقى جدك النبيا
وحسناً والمرتضى عليا ... وذا الجناحين الفتى الكميا
وأسد الله الشهيد الحيا
قال: فشد عليه كثير بن عبد الله الشعبي ومهاجر بن أوس فقتلاه، قال: وكان نافع بن هلال الجملي قد كتب اسمه على أفواق نبله، فجعل يرمي بها مسومةً وهو يقول: أنا الجملي، أنا على دين علي.
فقتل اثني عشر من أصحاب عمر بن سعد سوى من جرح؛ قال: فضرب حتى كسرت عضداه وأخذ أسيراً؛ قال: فأخذه شمر بن ذي الجوشن ومعه أصحاب له يسوقون نافعاً حتى أتى به عمر بن سعد، فقال له عمر بن سعد: ويحك يا نافع! ما حملك على ما صنعت بنفسك! قال: إن ربي يعلم ما أردت؛ قال: والدماء تسيل على لحيته وهو يقول: والله لقد قتلت منكم اثني عشر سوى من جرحت، وما ألوم نفسي على الجهد، ولو بقيت لي عضد وساعدٌ ما أسرتموني؛ فقال له شمر: اقتله أصلحك الله! قال: أنت جئت به، فإن شئت فاقتله، قال: فانتضى شمر سيفه، فقال له نافع: أما والله أن لو كنت من المسلمين لعظم عليك أن تلقى الله بدمائنا، فالحمد لله الذي جعل منايانا على يدي شرار خلقه؛ فقتله.
قال: ثم أقبل شمر يحمل عليهم وهو يقول:
خلوا عداة الله خلوا عن شمر ... يضربهم بسيفه ولا يفر
وهو لكم صابٌ وسم ومقر
قال: فلما رأى أصحاب الحسين أنهم قد كشروا، وأنهم لا يقدرون على أن يمنعوا حسيناً ولا أنفسهم، تنافسوا في أن يقتلوا بين يديه، فجاءه عبد الله وعبد الرحمن ابنا عزرة الغفاريان، فقالا: يا أبا عبد الله، حازنا العدو إليك، فأحببنا أن نقتل بين يديك، نمنعك وندفع عنك، قال: مرحباً بكما! ادنوا مني، فدنوا منه، فجعلا يقاتلان قريباً منه، وأحدهما يقول:
قد علمت حقاً بنو غفار ... وخندفٌ بعد بني نزار
لنضربن معشر الفجار ... بكل عضبٍ صارمٍ بتار
يا قوم ذودوا عن بني الأحرار ... بالمشرفي والقنا الخطار
قال: وجاء الفتيان الجابريان: سيف بن الحارث بن سريع، ومالك ابن عبد بن سريع، وهما ابنا عم، وأخوان لأم، فأتيا حسيناً فدنوا منه وهما يبكيان، فقال: أي ابني أخي، ما يبكيكما؟ فوالله إني لأرجو أن تكونا عن ساعة قريري عين، قالا: جعلنا الله فداك! لا والله ما على أنفسنا نبكي، ولكنا نبكي عليك، نراك قد أحيط بك، ولا نقدر على أن نمنعك؛ فقال: جزاكما الله يا بني أخي بوحدكما من ذلك ومواساتكما إياي بأنفسكما أحسن جزاء المتقين؛ قال: وجاء حنظلة بن أسعد الشبامي فقام بين يدي حسين، فأخذ يندي: " يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب، مثل دأب قوم نوحٍ وعادٍ وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلماً للعباد، ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد، يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصمٍ ومن يضلل الله فما له من هاد " يا قوم تقتلوا حسناً فيسحتكم الله بعذاب " وقد خاب من افترى " فقال له حسين: يابن أسعد، رحمك الله، إنهم قد استوجبوا العذاب حين ردوا عليك ما دعوتهم إليه من الحق، ونهضوا إليك ليستبيحوك وأصحابك، فكيف بهم الآن وقد قتلوا إخوانك الصالحين! قال: صدقت، جعلت فداك! أنت أفقه مني وأحق بذلك، أفلا نروح إلى الآخرة ونلحق بإخواننا؟ فقال: رح إلى خيرٍ من الدنيا وما فيها، وغلى ملكٍ لا يبلى، فقال: السلام عليك أبا عبد الله، رضي الله عنك وعلى أهل بيتك، وعرف بيننا وبينك في جنته، فقال: آمين آمين؛ فاستقدم فقاتل حتى قتل.
قال: ثم استقدم الفتيان الجابريان يلتفتان إلى حسين ويقولان: السلام عليك يابن رسول الله، فقال: وعليكما السلام ورحمةالله؛ فقاتلا حتى قتلا؛ قال: وجاء عابس بن أبي شبيب الشاكري ومعه شوذب مولى شاكر، فقال: يا شوذب، ما في نفسك أن تصنع؟ قال: ما أصنع! أقاتل معك دون ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقتل؛ قال: ذلك الظن بك، أما لا فتقدم بين يدي أبي عبد الله حتى يحتسبك كما احتسب غيرك من أصحابه، وحتى أحتسبك أنا، فإنه لو كان معي الساعة أحدٌ أنا أولى به مني بك لسرني أن يتقدم بين يدي حتى أحتسبه، فإن هذا يوم ينبغي لنا أن نطلب الأجر فيه بكل ما قدرنا عليه، فإنه لا عمل بعد اليوم، وإنما هو الحساب؛ قال: فتقدم فسلم على الحسين، ثم مضى فقاتل حتى قتل. ثم قال عابس بن أبي شبيب: يا أبا عبد الله، أما والله ما أمسى على ظهر الأرض قريبٌ ولا بعيدٌ أعز علي ولا أحب إلي منك؛ ولو قدرت على أن أدفع عنك الضيم والقتل بشيء أعز علي من نفسي ودمي لفعلته؛ السلام عليك يا أبا عبد الله، أشهد الله أني على هديك وهدي أبيك؛ ثم مشى بالسيف مصلتاً نحوهم وبه ضربة على جبينه.
قال أبو مخنف: حدثني نمير بن وعلة، عن رجل من بني عبد من همدان يقال له ربيع بن تميم شهد ذلك اليوم، قال: لما رايته مقبلاً عرفته وقد شاهدته في المغازي، وكان أشجع الناس، فقلت: أيها الناس، هذا الأسد الأسود، هذا ابن أبي شبيب؛ لا يخرجن إليه أحد منكم، فأخذ ينادي: ألا رجلٌ لرجل! فقال عمر بن سعد: ارضخوه بالحجارة؛ قال: فرمي بالحجارة من كل جانب، فلما رأى ذلك ألقى درعه ومغفره، ثم شد على الناس، فوالله لرأيته يكرد أكثر من مائتين من الناس؛ ثم إنهم تعطفوا عليه من كل جانب، فقتل؛ قال: فرأيت رأسه في أيدي رجال ذوي عدة؛ هذا يقول: أنا قتلته، وهذا يقول: أنا قتلته، فأتوا عمر بن سعد فقال: لا تختصموا، هذا لم يقتله سنان واحد، ففرق بينهم بهذا القول.
قال أبو مخنف: حدثني عبد الله بن عاصم، عن الضحاك بن عبد الله المشرقي، قال: لما رأيت أصحاب الحسين قد أصيبوا، وقد خلص إليه وإلى أهل بيته، ولم يبق معه غير سويد بن عمرو بن أبي المطاع الخثعمي وبشير ابن عمرو الحضرمي، قلت له: يابن رسول الله، قد علمت ما كان بيني وبينك؛ قلت لك: أقاتل عنك ما رأيت مقاتلاً، فإذا لم أر مقاتلاً فأنا في حل من الانصراف؛ فقلت لي: نعم؛ قال: فقال: صدقت، وكيف لك بالنجاء! إن قدرت على ذلك فأنت في حل؛ قال: فأقبلت إلى فرسي وقد كنت حيث رأيت خيل أصحابنا تعقر، أقبلت بها حتى أدخلتها فسطاطاً لأصحابنا بين البيوت، وأقبلت أقاتل معهم راجلاً، فقتلت يومئذ بين يدي الحسين رجلين، وقطعت يد آخر، وقال لي الحسين يومئذ مراراً: لا تشلل، لا يقطع الله يدك، جزاك الله خيراً عن أهل بيت نبيك صلى الله عليه وسلم! فلما أذن لي استخرجت الفرس من الفسطاط، ثم استويت على متنها، ثم ضربتها حتى إذا قامت على السنابك رميت بها عرض القوم، فأفرجوا لي، واتبعني منهم خمسة عشر رجلاً حتى انتهيت إلى شفية؛ قرية قريبة من شاطىء الفرات، فلما لحقوني عطفت عليهم، فعرفني كثير بن عبد الله الشعبي وأيوب بن مشرح الخيواني وقيس بن عبد الله الصائدي، فقالوا: هذا الضحاك بن عبد الله المشرقي، هذا ابن عمنا، ننشدكم الله لما كففتم عنه! فقال ثلاثة نفر من بني تميم كانوا معهم: بلى والله لنجيبن إخواننا وأهل دعوتنا إلى ما أحبوا من الكف عن صاحبهم؛ قال: فلما تابع التميميون أصحابي كف الآخرون؛ قال: فنجاني الله.
قال أبو مخنف: حدثني فضيل بن خديج الكندي أن يزيد بن زياد؛ وهو أبو الشعثاء الكندي من بني بهدلة جثا على ركبتيه بين يدي الحسين، فرمى بمائة سهم ما سقط منها خمسة أسهم، وكان رامياً، فكان كلما رمى قال: أنا ابن بهدله، فرسان العرجله؛ ويقول حسين: اللهم سدد رميته، واجعل ثوابه الجنة؛ فلما رمى بها قام فقال: ما سقط منها إلا خمسة أسهم، ولقد تبين لي أني قد قتلت خمسة نفر، وكان في أول من قتل، وكان رجزه يومئذ:
أنا يزيد وأبي مهاصر ... أشجع من ليثٍ بغيلٍ خادر
يا رب إني للحسين ناصر ... ولابن سعدٍ تاركٌ وهاجر
وكان يزيد بن زياد بن المهاصر ممن خرج مع عمر بن سعد إلى الحسين، فلما ردوا الشروط على الحسين مال إليه فقاتل معه حتى قتل، فأما الصيداوي عمر بن خالد، وجابر بن الحارث السلماني، وسعد مولى عمر بن خالد، ومجمع بن عبد الله العائذي، فإنهم قاتلوا في أول القتال، فشدوا مقدمين بأسيافهم على الناس، فلما وغلوا عطف عليهم الناس فأخذوا يحوزونهم، وقطعوهم من أصحابهم غير بعيد، فحمل عليهم العباس بن علي فاستنقذهم، فجاءوا قد جرحوا، فلما دنا منهم عدوهم شدوا بأسيافهم فقاتلوا في أول الأمر حتى قتلوا في مكان واحد.
قال أبو مخنف: حدثني زهير بن عبد الرحمن بن زهير الخثعمي، قال: كان آخر من بقي مع الحسين من أصحابه سويد بن عمرو بن أبي المطاع الخثعمي، قال: وكان أول قتيل من بني أبي طالب يومئذ عليٌّ الأكبر بن الحسين بن علي، وأمه ليلى ابنة أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي، وذلك أنه أخذ يشد على الناس وهو يقول:
أنا علي بن حسين بن علي ... نحن ورب البيت أولى بالنبي
تالله لا يحكم فينا ابن الدعي
قال: ففعل ذلك مراراً، فبصر به مرة بن منقذ بن النعمان العبدي ثم الليثي، فقال: علي أثام العرب إن مر بي يفعل مثل ما كان يفعل إن لم أثكله أباه؛ فمر يشد على الناس بسيفه، فاعترضه مرة بن منقذ، فطعنه فصرع، واحتوله الناس فقطعوه بأسيافهم.
قال أبو مخنف: حدثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم الأزدي، قال: سماع أذني يومئذ من الحسين يقول: قتل الله قوماً قتلوك يا بني! ما أجرأهم على الرحمن، وعلى انتهاك حرمة الرسول! على الدنيا بعدك العفاء. قال: وكأني أنظر إلى امرأة خرجت مسرعةً كأنها الشمس الطالعة تنادي: يا أخياه! ويابن أخياه! قال: فسألت عليها، فقيل: هذه زينب ابنة فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءت حتى أكبت عليه، فجاءها الحسين فأخذ بيدها فردها إلى الفسطاط، وأقبل الحسين إلى ابنه، وأقبل فتيانه إليه، فقال: احملوا أخاكم، فحملوه من مصرعه حتى وضعوه بين يدي الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه. قال: ثم إن عمرو بن صبيح الصدائي رمى عبد الله بن مسلم بن عقيل بسهم فوضع كفه على جبهته، فأخذ لا يستطيع أن يحرك كفيه، ثم انتحى له بسهم آخر ففلق قلبه، فاعتورهم الناس من كل جانب، فحمل عبد الله بن قطبة الطائي ثم النبهاني على عون بن عبد الله ابن جعفر بن أبي طالب فقتله، وحمل عامر بن نهشل التيمي على محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فقتله؛ قال: وشد عثمان بن خالد ابن أسير الجهني، وبشر بن سوط الهمداني ثم القابضي على عبد الرحمن ابن عقيل بن أبي طالب فقتلاه، ورمى عبد الله بن عزرة الخثعمي جعفر ابن عقيل بن أبي طالب فقتله.
قال أبو مخنف: حدثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قال: خرج إلينا غلام كأن وجهه شقة قمر، في يده السيف، عليه قميص وإزار ونعلان قد انقطع شسع أحدهما، ما أنسى أنها اليسرى، فقال لي عمرو ابن سعد بن نفيل الأزدي: والله لأشدن عليه؛ فشد عليه فما ولى حتى ضرب رأسه بالسيف، فوقع الغلام لوجهه، فقال: يا عماه! قال: فجلى الحسين كما يجلي الصقر، ثم شد شدة ليث غضب، فضرب عمراً بالسيف، فاتقاه بالساعد، فأطنها من لدن المرفق، فصاح، ثم تنحى عنه، وحملت خيلٌ لأهل الكوفة ليستنقذوا عمراً من حسين، فاستقبلت عمراً بصدورها، فحركت حوافرها وجالت الخيل بفرسانها عليه، فوطئته حتى مات، وانجلت الغبرة، فإذا أنا بالحسين قائمٌ على رأس الغلام، والغلام يفحص برجليه؛ وحسين يقول: بعداً لقوم قتلوك؛ ومن خصمهم يوم القيامة فيك جدك! ثم قال: عز الله على عمك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك ثم لا ينفعك! صوتٌ والله كثر واتره، وقل ناصره. ثم احتمله فكأني أنظر إلى رجلي الغلام يخطان في الأرض، وقد وضع حسين صدره على صدره؛ قال: فقلت في نفسي: ما يصنع به! فجاء به حتى ألقاه مع ابنه علي بن الحسين وقتلى قد قتلت حوله من أهل بيته، فسألت عن الغلام، فقيل: هو القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب. قال: ومكث الحسين طويلاً من النهار كلما انتهى إليه رجل من الناس انصرف عنه، وكره أن يتولى قتله وعظيم إثمه عليه؛ قال: وإن رجلاً من كندة يقالله مالك بن النسير من بني بداء، أتاه فضربه على رأسه بالسيف، وعليه برنس له، فقطع البرنس، وأصاب السيف رأسه، فأدمى رأسه، فامتلأ البرنس دماً، فقال له الحسين: لا أكلت بها ولا شربت، وحشرك الله مع الظالمين! قال: فألقى ذلك البرنس، ثم دعا بقلنسوة فلبسها، واعتم، وقد أعيا وبلد، وجاء الكندي حتى أخذ البرنس - وكان من خز - فلما قدم به بعد ذلك على امرأته أم عبد الله ابنة الحر أخت حسين بن الحر البدي، أقبل يغسل البرنس من الدم، فقالت له امرأته: أسلب ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تدخل بيتي! أخرجه عني؛ فذكر أصحابه أنه لم يزل فقيراً بشر حتى مات. قال: ولما قعد الحسين أتى بصبي له فأجلسه في حجره زعموا أنه عبد الله بن الحسين.
قال أبو مخنف: قال عقبة بن بشير الأسدي: قال لي أبو جعفر محمد ابن علي بن الحسين: إن لنا فيكم يا بني أسد دماً؛ قال: قلت: فما ذنبي أنا في ذلك رحمك الله يا أبا جعفر! وما ذلك؟ قال: أتى الحسين بصبي له، فهو في حجره، إذ رماه أحدكم يا بني أسد بسهمٍ فذبحه، فتلقى الحسين دمه، فلما ملأ كفيه صبه في الأرض ثم قال: رب إن تك حبست عنا النصر من السماء فاجعل ذلك لما هو خير، وانتقم لنا من هؤلاء الظالمين؛ قال: ورمى عبد الله بن عقبة الغنوي أبا بكر بن الحسين بن علي بسهم فقتله، فلذلك يقول الشاعر؛ وهو ابن أبي عقب:
وعند غنيٍّ قطرةٌ من دمائنا ... وفي أسدٍ أخرى تعد وتذكر
قال: وزعموا أن العباس بن علي قال لإخوته من أمه: عبد الله، وجعفر وعثمان: يا بني أمي، تقدموا حتى أرثكم، فإنه لا ولد لكم، ففعلوا، فقتلوا.وشد هانىء بن ثبيت الحضرمي على عبد الله بن علي بن أبي طالب فقتله، ثم شد على جعفر بن علي فقتله وجاء برأسه، ورمى خولي بن يزيد الأصبحي عثمان بن علي بن أبي طالب بسهم، ثم شد عليه رجل من بني أبان بن دارم فقتله، وجاء برأسه، ورمى رجلٌ من بني أبان بن دارم محمد بن علي بن أبي طالب فقتله وجاء برأسه.
قال هشام: حدثني أبو الهذيل - رجلٌ من السكون - عن هانىء بن ثبيت الحضرمي، قال: رأيته جالساً في مجلس الحضرميين في زمان خالد بن عبد الله وهو شيخ كبير؛ قال: فسمعته وهو يقول: كنت ممن شهد قتل الحسين، قال: فوالله إني لواقف عاشر عشرة ليس منا رجل إلا على فرس، وقد جالت الخيل وتصعصعت، إذ خرج غلامٌ من آل الحسين وهو ممسك بعود من تلك الأبنية، عليه إزار وقميص، وهو مذعور، يتلفت يميناً وشمالاً، فكأني أنظر إلى درتين في أذنيه تذبذبان كلما التفت، إذ أقبل رجل يركض، حتى إذا دنا منه مال عن فرسه، ثم اقتصد الغلام فقطعه بالسيف.
قال هشام: حدثني عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي، قال: عطش الحسين حتى اشتد عليه العطش، فدنا ليشرب من الماء، فرماه حصين بن تميم بسهم، فوقع في فمه، فجعل يتلقى الدم من فمه، ويرمي به إلى السماء، ثم حمد الله وأثنى عليه، ثم جمع يديه فقال: اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تذر على الأرض منهم أحداً.


قال هشام، عن أبيه محمد بن السائب، عن القاسم بن الأصبغ بن نباتة، قال: حدثني من شهد الحسين في عسكره أن حسيناً حين غلب على عسكره ركب المسناة يريد الفرات، قال: فقال رجل من بني أبان بن دارم: ويلكم! حولوا بينه وبين الماء لا تتام إليه شيعته؛ قال: وضرب فرسه، وأتبعه الناس حتى حالوا بينه وبين الفرات، فقال الحسين: اللهم أظمه، قال: وينتزع الأباني بسهم، فأثبته في حنك الحسين، قال: فانتزع الحسين السهم، ثم بسط كفيه فامتلأت دماً، ثم قال الحسين: اللهم إني أشكو إليك ما يفعل بابن بنت نبيك؛ قال: فوالله إن مكث الرجل إلا يسيراً حتى صب الله عليه الظمأ فجعل لا يروى.
قال القاسم بن الأصبغ: لقد رأيتني فيمن يروح عنه والماء يبرد له فيه السكر وعساس فيها اللبن، وقلال فيها الماء، وإنه ليقول: ويلكم! اسقوني قتلني الظمأ، فيعطى القلة أو العس كان مروياً أهل البيت فيشربه، فإذا نزعه من فيه اضطجع الهنيهة ثم يقول: ويلكم! اسقوني قتلني الظمأ؛ قال: فوالله ما لبث إلا يسيراً حتى انقد بطنه انقداد بطن البعير.
قال أبو مخنف في حديثه: ثم إن شمر بن ذي الجوشن أقبل في نفرٍ نحو من عشرة من رجالة أهل الكوفة قبل منزل الحسين الذي فيه ثقله وعياله، فمشى نحوه، فحالوا بينه وبين رحله، فقال الحسين: ويلكم! إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون يوم المعاد، فكونوا في أمر دنياكم أحراراً ذوي أحساب، امنعوا رحلي وأهلي من طغامكم وجهالكم؛ فقال ابن ذي الجوشن: ذلك لك يابن فاطمة؛ قال: وأقدم عليه بالرجالة، منهم أبو الجنوب - واسمه عبد الرحمن الجعفي - والقثعم بن عمرو بن يزيد الجعفي، وصالح بن وهب اليزني، وسنان بن أنس النخعي، وخولي بن يزيد الأصبحي، فجعل شمر ابن ذي الجوشن يحرضهم، فمر بأبي الجنوب وهو شاكٍ في السلاح فقال له: أقدم عليه؛ قال: وما يمنعك أن تقدم عليه أنت! فقال له شمر: ألي تقول ذا! قال: وأنت لي تقول ذا! فاستبا، فقال له أبو الجنوب - وكان شجاعاً: والله لهممت أن أخضخض السنان في عينك؛ قال: فانصرف عنه شمر وقال: والله لئن قدرت على أن أضرك لأضرنك قال: ثم إن شمر بن ذي الجوشن أقبل في الرجالة نحو الحسين؛ فأخذ الحسين يشد عليهم فينكشفون عنه. ثم إنهم أحاطوا به إحاطةً، وأقبل إلى الحسين غلام من أهله، فأخذته أخته زينب ابنة علي لتحبسه، فقال لها الحسين: احبسيه، فأبى الغلام، وجاء يشتد إلى الحسين، فقام إلى جنبه؛ قال: وقد أهوى بحر بن كعب بن عبيد الله - من بني تيم الله بن ثعلبة بن عكابة - إلى الحسين بالسيف، فقال الغلام: يابن الخبيثة، أتقتل عمي! فضربه بالسيف، فاتقاه الغلام بيده فأطنها إلا الجلدة، فإذا يده معلقة، فنادى الغلام: يا أمتاه! فأخذه الحسين فضمه إلى صدره، وقال: يابن أخي؛ اصبر على ما نزل بك، واحتسب في ذلك الخير، فإن الله يلحقك بآبائك الصالحين؛ برسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب وحمزة وجعفر والحسن بن علي؛ رضي الله عليهم أجمعين.
قال أبو مخنف: حدثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قال: سمعت الحسين يومئذ وهو يقول: اللهم أمسك عنهم قطر السماء، وامنعهم بركات الأرض، اللهم فإن متعتهم إلى حينٍ ففرقهم فرقا، واجعلهم طرائق قدداً، ولا ترض عنهم الولاة أبداً، فإنهم دعونا لينصرونا، فعدوا علينا فقتلونا. قال: وضارب الرجالة حتى انكشفوا عنه؛ قال: ولما بقي الحسين في ثلاثة رهط أو أربعة، دعا بسراويل محققة يلمع فيها البصر، يماني محقق، ففزره ونكثه لكيلا يسلبه، فقال له بعض أصحابه: لو لبست تحته تباناً! قال: ذلك ثوب مذلة، ولا ينبغي لي أن ألبسه؛ قال: فلما قتل أقبل بحر بن كعب فسلبه إياه فتركه مجرداً.
قال أبو مخنف: فحدثني عمرو بن شعيب، عن محمد بن عبد الرحمن أن يدي بحر بن كعب كانتا في الشتاء تنضحان الماء، وفي الصيف تيبسان كأنهما عود.
قال أبو مخنف: عن الحجاج، عن عبد الله بن عمار بن عبد يغوث البارقي، وعتب على عبد الله بن عمار بعد ذلك مشهده قتل الحسين، فقال عبد الله بن عمار: إن لي عند بني هاشم ليداً، قلنا له: وما يدك عندهم؟ قال: حملت على حسين بالرمح فانتهيت إليه، فوالله لو شئت لطعنته، ثم انصرفت عنه غير بعيد، وقلت: ما أصنع بأن أتولى قتله! يقتله غيري. قال: فشد عليه رجالة ممن عن يمينه وشماله، فحمل على من عن يمينه حتى ابذعروا، وعلى من شماله حتى ابذعروا، وعليه قميص له من خز وهو معتمٌّ؛ قال: فوالله ما رأيت مكسوراً قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشاً، ولا أمضى جناناً ولا أجرأ مقدماً منه، والله ما رأيت قبله ولا بعده مثله؛ أن كانت الرجالة لتنكشف من عن يمينه وشماله انكشاف المعزى إذا شد فيها الذئب؛ قال: فوالله إننه لكذلك إذ خرجت زينب ابنة فاطمة أخته، وكأني أنظر إلى قرطها يجول بين أذنيها وعاتقها وهي تقول: ليت السماء تطابقت على الأرض! وقد دنا عمر بن سعد من حسين؛ فقالت: يا عمر بن سعد، أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه! قال: فكأني أنظر إلى دموع عمر وهي تسيل على خديه ولحيته؛ قال: وصرف بوجهه عنها.
قال أبو مخنف: حدثني الصقعب بن زهير، عن حميد بن مسلم قال: كانت عليه جبة من خز، وكان معتماً، وكان مخضوباً بالوسمة، قال: وسمعته يقول قبل أن يقتل، وهو يقاتل على رجليه قتال الفارس الشجاع يتقي الرمية، ويفترص العورة، ويشد على الخيل، وهو يقول: أعلى قتلي تحاثون! أما والله لا تقتلون بعدي عبداً من عباد الله اله أسخط عليكم لقتله مني؛ وايم الله إني لأرجو أن يكرمني الله بهوانكم، ثم ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون، أما والله أن لو قد قتلتموني لقد ألقى الله بأسكم بينكم، وسفك دماءكم، ثم لا يرضى لكم حتى يضاعف لكم العذاب الأليم. قال: ولقد مكث طويلاً من النهار ولو شاء الناس أن يقتلوه لفعلوا، ولكنهم كان يتقي بعضهم ببعض، ويحب هؤلاء أن يكفيهم هؤلاء؛ قال: فنادى شمر في الناس: ويحكم؛ ماذا تنظرون بالرجل! اقتلوه ثكلتكم أمهاتم! قال: فحمل عليه من كل جانب، فضربت كفه اليسرى ضربةً، ضربها زرعة بن شريك التميمي، وضرب على عاتقه، ثم انصرفوا وهو ينوء ويكبو؛ قال: وحمل عليه في تلك الحال سنان بن أنس بن عمرو النخعي فطعنه بالرمح فوقع، ثم قال لخولي بن يزيد الأصبحي: احتز رأسه، فأراد أن يفعل، فضعف فأرعد، فقال له سنان بن أنس: فت الله عضديك، وأبان يديك! فنزل إليه فذبحه واحتز رأسه، ثم دفع إلى خولي بن يزيد، وقد ضرب قبل ذلك بالسيوف.
قال أبو مخنف، عن جعفر بن محمد بن علي، قال: وجد بالحسين رضي الله عنه حين قتل ثلاثٌ وثلاثون طعنة وأربعٌ وثلاثون ضربة؛ قال: وجعل سنان بن أنس لا يدنو أحدٌ من الحسين إلا شد عليه مخافة أن يغلب على رأسه، حتى أخذ رأس الحسين فدفعه إلى خولي؛ قال: وسلب الحسين ما كان عليه، فأخذ سراويله بحر بن كعب، وأخذ قيس بن الأشعث قطيفته - وكانت من خز، وكان يسمى بعد قيس قطيفة - وأخذ نعليه رجل من بني أود يقال له الأسود، وأخذ سيفه رجل من بني نهشل بن دارم، فوقع بعد ذلك إلى أهل حبيب بن بديل؛ قال: ومال الناس على الورس والحلل والإبل وانتهبوها؛ قال: ومال الناس على نساء الحسين وثقله ومتاعه، فأن كانت المرأة لتنازع ثوبها عن ظهرها حتى تغلب عليه فيذهب به منها.
قال أبو مخنف: حدثني زهير بن عبد الرحمن الخثعمي، أن سويد بن عمرو بن أبي المطاع كان صرع فأثخن، فوقع بين القتلى مثخناً، فسمعهم يقولون: قتل الحسين، فوجد إفاقةً، فإذا معه سكين وقد أخذ سيفه، فقاتلهم بسكينه ساعةً، ثم إنه قتل، قتله عروة بن بطار التغلبي، وزيد بن رقاد الجنبي، وكان آخر قتيل.
قال أبو مخنف: حدثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قال، انتهيت إلى علي بن الحسين بن علي الأصغر وهو منبسط على فراش له، وهو مريض، وإذا شمر بن ذي الجوشن في رجالة معه يقولون: ألا نقتل هذا؟ قال: فقلت: سبحان الله! أنقتل الصبيان! إنما هو صبي؛ قال: فما زال ذلك دأبي أدفع عنه كل من جاء حتى جاء عمر بن سعد، فقال: ألا لا يدخلن بيت هؤلاء النسوة أحد، ولا يعرضن لهذا الغلام المريض، ومن أخذ من متاعهم شيئاً فليرده عليهم. قال: فوالله ما رد أحد شيئاً؛ قال: فقال علي بن الحسين: جزيت من رجل خيراً! فوالله لقد دفع الله عني بمقالتك شراً؛ قال: فقال الناس لسنان بن أنس: قتلت حسين بن علي وابن فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قتلت أعظم العرب خطراً؛ جاء إلى هؤلاء يريد أن يزيلهم عن ملكهم، فأت أمراءك فاطلب ثوابك منهم، لو أعطوك بيوت أموالهم في قتل الحسين كان قليلاً؛ فأقبل على فرسه، وكان شجاعاً شاعارً، وكانت به لوثة، فأقبل حتى وقف على باب فسطاط عمر بن سعد، ثم نادى بأعلى صوته:
أوقر ركابي فضةً وذهبا ... أنا قتلت الملك المحجبا
قتلت خير الناس أماً وأبا ... وخيرهم إذ ينسبون نسبا
فقال عمر بن سعد: أشهد إنك لمجنون ما صححت قط، أدخلوه علي، فلما أدخل حذفه بالقضيب ثم قال: يا مجنون، أتتكلم بهذا الكلام! أما والله لو سمعك ابن زياد لضرب عنقك؛ قال: وأخذ عمر بن سعد عقبة بن سمعان - وكان مولىً للرباب بنت امرىء القيس الكلبية، وهي أم سكينة بنت الحسين - فقال له: ما أنت؟ قال: أنا عبدٌ مملوك، فخلى سبيله، فلم ينج منهم أحد غيره، إلا أن المرقع بن ثمامة الأسدي كان قد نثر نبله وجثا على ركبتيه، فقاتل، فجاءه نفر من قومه، فقالوا له: أنت آمن، اخرج إلينا، فخرج إليهم، فلما قدم بهم عمر بن سعد على ابن زياد وأخبره خبره سيره إلى الزارة. قال: ثم إن عمر بن سعد نادى في أصحابه: من ينتدب للحسين ويوطئه فرسه؟ فانتدب عشرة: منهم إسحاق بن حيوة الحضرمي، وهو الذي سلب قميص الحسين - فبرص بعد - وأحبش بن مرثد بن علقمة ابن سلامة الحضرمي، فأتوا فداسوا الحسين بخيولهم حتى رضوا ظهره وصدره، فبلغني أن أحبش بن مرثد بعد ذلك بزمان أتاه سهم غرب؛ وهو واقف في قتال ففلق قلبه، فمات؛ قال: فقتل من أصحاب الحسين رضي الله عنه اثنان وسبعون رجلاً، ودفن الحسين وأصحابه أهل الغاضرية من بني أسد بعد ما قتلوا بيوم، وقتل من أصحاب عمر بن سعد ثمانية وثمانون رجلاً سوى الجرحى، فصلى عليهم عمر بن سعد ودفنهم؛ قال: وما هو إلا أن قتل الحسين، فسرح برأسه من يومه ذلك مع خولي بن يزيد وحميد بن مسلم الأزدي إلى عبيد الله بن زياد، فأقبل به خولي فأراد القصر، فوجد باب القصر مغلقاً، فأتى منزله فوضعه تحت إجانة في منزله، وله امرأتان: امرأة من بني أسد، والأخرى من الحضرميين يقال لها النوار ابنة مالك بن عقرب، وكانت تلك الليلة ليلة الحضرمية.
قال هشام: فحدثني أبي، عن النوار بنت مالك، قالت: أقبل خولي برأس الحسين فوضعه تحت إجانة في الدار، ثم دخل البيت، فأوى إلى فراشه، فقلت له: ما الخبر؟ ما عندك؟ قال: جئتك بغنى الدهر، هذا راس الحسين معك في الدار؛ قالت: فقلت: ويلك - جاء الناس بالذهب والفضة وجئت برأس ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم! لا والله لا يجمع رأسي ورأسك بيتٌ أبداً؛ قالت: فقمت من فراشي، فخرجت إلى الدار، فدعا الأسدية فأدخلها إليه، وجلست أنظر، قالت: فوالله ما زلت أنظر إلى نور يسطع مثل العمود من السماء إلى الإجانة، ورأيت طيراً بيضاً ترفرف حولها. قال: فلما أصبح غدا بالرأس إلى عبيد الله بن زياد، وأقام عمر بن سعد يومه ذلك والغد، ثم أمر حميد بن بكير الأحمري فأذن في الناس بالرحيل إلى الكوفة، وحمل معه بنات الحسين وأخواته ومن كان معه من الصبيان، وعلي بن الحسين مريضٌ.
قال أبو مخنف: فحدثني أبو زهير العبسي، عن قرة بن قيس التميمي، قال: نظرت إلى تلك النسوة لما مررن بحسين وأهله وولده صحن ولطمن وجوههن. قال: فاعترضتهن على فرس، فما رأيت منظراً من نسوة قط كان أحسن من منظر رأيته منهن ذلك اليوم، والله لهن أحسن من مها يبرين. قال: فما نسيت من الأشياء لا أنس قول زينب ابنة فاطمة حين مرت بأخيها الحسين صريعاً وهي تقول: يا محمداه، يا محمداه! صلى عليك ملائكة السماء، هذا الحسين بالعراء، مرمل بالدماء، مقطع الأعضاء، يا محمداه! وبناتك سبايا، وذريتك مقتلة، تسفي عليها الصبا. قال: فأبكت والله كل عدو وصديق؛ قال: وقطف رءوس الباقين، فسرح باثنين وسبعين رأساً مع شمر بن ذي الجوشن وقيس بن الأشعث وعمرو بن الحجاج وعزرة بن قيس، فأقبلوا حتى قدموا بها على عبيد الله بن زياد.
قال أبو مخنف: حدثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قال: دعاني عمر بن سعد فسرحني إلى أهله لأبشرهم بفتح الله عليه وبعافيته، فاقبلت حتى أتيت أهله، فأعلمتهم ذلك، ثم أقبلت حتى أدخل فأجد ابن زياد قد جلس للناس، وأجد الوفد قد قدموا عليه؛ فأدخلهم، وأذن للناس، فدخلت فيمن دخل، فإذا رأس الحسين موضوع بين يديه، وإذا هو ينكت بقضيب بين ثنيتيه ساعةً، فلما رآه زيد بن أرقم لا ينجم عن نكته بالقضيب، قال له: اعل بهذا القضيب عن هاتين الثنيتين، فوالذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هاتين الشفتين يقبلهما، ثم انفضخ الشيخ يبكي؛ فقال له ابن زياد: أبكى الله عينيك! فوالله لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك؛ قال: فنهض فخرج، فلما خرج سمعت الناس يقولون: والله لقد قال زيد بن أرقم قولاً لو سمعه ابن زياد لقتله؛ قال: فقلت: ما قال؟ قالوا؟ مر بنا وهو يقول: ملك عبدٌ عبداً، فاتخذهم تلداً؛ أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة، وأمرتم ابن مرجانة، فهو يقتل خياركم، ويستعبد شراركم، فرضيتم بالذل، فبعداً لمن رضي بالذل! قال: فلما دخل برأس حسين وصبيانه وأخواته ونسائه على عبيد الله بن زياد لبست زينب ابنة فاطمة أرذل ثيابها، وتنكرت، وحفت بها إماؤها، فلما دخلت جلست، فقال عبيد الله بن زياد: من هذه الجالسة؟ فلم تكلمه؛ فقال ذلك ثلاثاً، كل ذلك لا تكلمه، فقال بعض إمائها: هذه زينب ابنة فاطمة؛ قال: فقال لها عبيد الله: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم! فقالت: الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم وطهرنا تطهيراً، لا كما تقول أنت، إنما يتفضح الفاسق، ويكذب الفاجر؛ قال: فكيف رأيت صنع الله بأهل بيتك! قالت: كتب عليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم، فتحاجون إليه، وتخاصمون عنده؛ قال: فغضب ابن زياد واستشاط؛ قال: فقال له عمرو ابن حريث: أصلح الله الأمير! إنما هي امرأة، وهل تؤاخذ المرأة بشيء من منطقها! إنها لا تؤاخذ بقول، ولا تلام على خطل، فقال لها ابن زياد: قد أشفى الله نفسي من طاغيتك، والعصاة المردة من أهل بيتك؛ قال: فبكت ثم قالت: لعمري لقد قتلت كهلي، وأبرت أهلي، وقطعت فرعي، واجتثثت أصلي، فإن يشفك هذا فقد اشتفيت، فقال لها عبيد الله: هذه شجاعة، قد لعمري كان أبوك شاعراً شجاعاً؛ قالت: ما للمرأة والشجاعة! إن لي عن الشجاعة لشغلا، ولكن نفثي ما أقول.
قال أبو مخنف، عن المجالد بن سعيد: إن عبيد الله بن زياد لما نظر إلى علي بن الحسين قال لشرطي: انظر هل أدرك ما يدرك الرجال؟ فكشط إزاره عنه، فقال: نعم، قال انطلقوا به فاضربوا عنقه، فقال له علي: إن كان بينك وبين هؤلاء النسوة قرابة فابعث معهن رجلاً يحافظ عليهن، فقال له ابن زياد: تعال أنت، فبعثه معهن.
قال أبو مخنف: وأما سليمان بن أبي راشد، فحدثني عن حميد بن مسلم قال: إني لقائم عند ابن زياد حين عرض عليه علي بن الحسين فقال له: ما اسمك؟ قال: أنا علي بن الحسين، قال: أو لم يقتل الله علي بن الحسين! فسكت، فقال له ابن زياد: ما لك لا تتكلم! قال: قد كان لي أخ يقال له أيضاً علي، فقتله الناس، قال: إن الله قد قتله، قال: فسكت علي، فقال له: ما لك لا تتكلم! قال: " الله يتوفى الأنفس حين موتها " " ما كان لنفسٍ أن تموت إلا بإذن الله " ، قال: أنت والله منهم، ويحك! انظروا هل أدرك؟ والله إني لأحسبه رجلاً؛ قال: فكشف عنه مري بن معاذ الأحمري، فقال: نعم قد أدرك؛ فقال: اقتله؛ فقال علي بن الحسين: من توكل بهؤلاء النسوة؟ وتعلقت به زينب عمته فقالت: يابن زياد، حسبك منا، أما رويت من دمائنا! وهل أبقيت منا أحداً! قال: فاعتنقته فقالت: أسألك بالله إن كنت مؤمناً إن قتلته لما قتلتني معه! قال: وناداه علي فقال: يابن زياد، إن كانت بينك وبينهن قرابة فابعث معهن رجلاً تقياً يصحبهن بصحبة الإسلام؛ قال: فنظر إليها ساعة، ثم نظر إلى القوم فقال: عجباً للرحم! والله إني لأظنها ودت لو أني قتلته أني قتلتها معه؛ دعوا الغلام، انطلق مع نسائك.
قال حميد بن مسلم: لما دخل عبيد الله القصر ودخل الناس، نودي: الصلاة جامعة! فاجتمع الناس في المسجد الأعظم، فصعد المنبر ابن زياد فقال: الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله، ونصر أمير المؤمنين يزيد بن معاوية وحزبه، وقتل الكذاب ابن الكذاب، الحسين بن علي وشيعته؛ فلم يفرغ ابن زياد من مقالته حتى وثب إليه عبد الله بن عفيف الأزدي ثم الغامدي، ثم أحد بني والبة - وكان من شيعة علي كرم الله وجهه، وكانت عينه اليسرى ذهبت يوم الجمل مع علي، فلما كان يوم صفين ضرب على رأسه ضربةً، وأخرى على حاجبه، فذهبت عينه الأخرى، فكان لا يكاد يفارق المسجد الأعظم يصلي فيه إلى الليل ثم ينصرف - قال: فلما سمع مقالة ابن زياد، قال: يابن مرجانة، إن الكذاب ابن الكذاب أنت وأبك والذي ولاك وأبوه؛ يابن مرجانة، أتقتلون أبناء النبيين، وتكلمون بكلام الصديقين! فقال ابن زياد: علي به؛ قال: فوثبت عليه الجلاوزة فأخذوه؛ قال: فنادى بشعار الأزد: يا مبرور - قال: وعبد الرحمن بن مخنف الأزدي جالس - فقال: ويح غيرك! أهلكت نفسك، وأهلكت قومك، قال: وحاضر الكوفة يومئذ من الأزد سبعمائة مقاتل؛ قال: فوثب إليه فتيةٌ من الأزد فانتزعوه فأتوا به أهله، فأرسل إليه من أتاه به، فقتله وأمر بصلبه في السبخة، فصلب هنالك.
قال أبو مخنف: ثم إن عبيد الله بن زياد نصب رأس الحسين بالكوفة، فجعل يدار به في الكوفة، ثم دعا زحر بن قيس فسرح معه برأس الحسين ورءوس أصحابه إلى يزيد بن معاوية، وكان مع زحر أبو بردة بن عوف الأزدي وطارق بن أبي ظبيان الأزدي، فخرجوا حتى قدموا بها الشأم على يزيد بن معاوية.
قال هشام: فحدثني عبد الله بن يزيد بن روح بن زنباع الجذامي، عن أبيه، عن الغاز بن ربيعة الجرشي؛ من حمير، قال: والله إنا لعند يزيد ابن معاوية بدمشق إذ أقبل زحر بن قيس حتى دخل على يزيد بن معاوية، فقال له يزيد: ويلك! ما وراءك؟ وما عندك؟ فقال: أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله ونصره، ورد علينا الحسين بن علي في ثمانية عشر من أهل بيته وستين من شيعته، فسرنا إليهم، فسألناهم أن يستسلموا وينزلوا على حكم الأمير عبيد الله بن زياد أو القتال؛ فاختاروا القتال على الاستسلام، فعدونا عليهم مع شروق الشمس، فأحطنا بهم من كل ناحية، حتى إذا أخذت السيوف مأخذها من هام القوم، يهربون إلى غير وزر، ويلوذون منا بالآكام والحفر، لواذاً كما لاذ الحمائم من صقر، فوالله يا أمير المؤمنين ما كان إلا جزر جزور أو نومة قائل حتى أتينا على آخرهم، فهاتيك أجسادهم مجردة، وثيابهم مرملة، وخدودهم معفرة، تصهرهم الشمس، وتسفي عليهم الريح، زوارهم العقبان والرخم بقي سبسب. قال: فدمعت عين يزيد، وقال: قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، لعن الله ابن سمية! أما والله لو أني صاحبه لعفوت عنه، فرحم الله الحسين! ولم يصله بشيء.
قال: ثم إن عبيد الله أمر بنساء الحسين وصبيانه فجهزن، وأمر بعلي ابن الحسين فغل بغل إلى عنقه، ثم سرح بهم مع محفز بن ثعلبة العائذي، عائذة قريش ومع شمر بن ذي الجوشن، فانطلقا بهم حتى قدموا على يزيد، فلم يكن علي بن الحسين يكلم أحداً منهما في الطريق كلمة حتى بلغوا، فلما انتهوا إلى باب يزيد رفع محفز بن ثعلبة صوته، فقال: هذا محفز بن ثعلبة أتى أمير المؤمنين باللئام الفجرة، قال: فأجابه يزيد بن معاوية: ما ولدت أم محفز شرٌّ وألأم.
قال أبو مخنف: حدثني الصقعب بن زهير، عن القاسم بن عبد الرحمن مولى يزيد بن معاوية، قال: لما وضعت الرءوس بين يدي يزيد - رأس الحسين وأهل بيته وأصحابه - قال يزيد:
يفلقن هاماً من رجال أعزةٍ ... علينا وهم كانوا أعق وأظلما
أما والله يا حسين، لو أنا صاحبك ما قتلتك.
قال أبو مخنف: حدثني أبو جعفر العبسي، عن أبي عمارة العبسي، قال: فقال يحيى بن الحكم أخو مروان بن الحكم:
لهامٌ بجنب الطف أدنى قرابةً ... من ابن زياد العبد ذي الحسب الوغل
سمية أمسى نسلها عدد الحصى ... وبنت رسول الله ليس لها نسل
قال: فضرب يزيد بن معاوية في صدر يحيى بن الحكم وقال: اسكت.
قال: ولما جلس يزيد بن معاوية دعا أشراف أهل الشأم فأجلسهم حوله، ثم دعا بعلي بن الحسين وصبيان الحسينن ونسائه، فأدخلوا عليه والناس ينظرون، فقال يزيد لعلي: يا علي، أبوك الذي قطع رحمي، وجهل حقي، ونازعني سلطاني، فصنع الله به ما قد رأيت! قال: فقال علي: " ما أصاب من مصيبةٍ في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتابٍ من قبل أن نبرأها " ، فقال يزيد لابنه خالد: اردد عليه؛ قال: فمادرى خالد ما يرد عليه؛ فقال له يزيد: قل: " وما أصابكم من مصيبةٍ فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثيرٍ " ، ثم سكت عنه؛ قال: ثم دعا بالنساء والصبيان فأجلسوا بين يديه، فرأى هيئةً قبيحة، فقال: قبح الله ابن مرجانة! لو كانت بينه وبينكم رحم أو قرابةٌ ما فعل هذا بكم، ولا بعث بكم هكذا.
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-03-2014, 07:19 PM   #63 (permalink)
بحرجديد
مشرف التاريخ والحضاره - أمير الأبداع - كاتب مميز - مشرف الشهر المميز
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
قال أبو مخنف، عن الحارث بن كعب، عن فاطمة بنت علي، قالت: لما أجلسنا بين يدي يزيد بن معاوية رق لنا، وأمر لنا بشيء، وألطفنا؛ قالت: ثم إن رجلاً من أهل الشأم أحمر قام إلى يزيد فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي هذه - يعنيني، وكنت جاريةً وضيئةً - فأرعدت وفرقت، وظننت أن ذلك جائز لهم، وأخذت بثياب أختي زينب؛ قالت: وكانت أختي زينب أكبر مني وأعقل، وكانت تعلم أن ذلك لا يكون، فقالت: كذبت والله ولؤمتذ ما ذلك لك وله، فغضب يزيد، فقال: كذبت والله، إن ذلك لي، ولو شئت أن أفعله لفعلت؛ قالت: كلا والله، ما جعل الله ذلك لك إلا أن تخرج من ملتنا، وتدين بغير ديننا؛ قالت: فغضب يزيد واستطار، ثم قال: إياي تستقبلين بهذا! إنما خرج من الدين أبوك وأخوك؛ فقالت زينب: بدين الله ودين أبي ودين أخي وجدي اهتديت أنت وأبوك وجدك، قال: كذبت يا عدوة الله؛ قالت: أنت أميرٌ مسلط، تشتم ظالماً، وتقهر بسلطانك؛ قالت: فوالله لكأنه استيحا؛ فسكت، ثم عاد الشامي فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي هذه الجارية؛ قال: اعزب؛ وهب الله لك حتفاً قاضياً! قالت: ثم قال يزيد بن معاوية: يا نعمان بن بشير، جهزهم بما يصلحهم، وابعث معهم رجلاً من أهل الشأم أميناً صالحاً، وابعث معه خيلاً وأعواناً فيسير بهم إلى المدينة، ثم أمر بالنسوة أن ينزلن في دارٍ على حدة، معهن ما يصلحهن، وأخوهن معهن علي بن الحسين، في الدار التي هن فيها. قال: فخرجن حتى دخلن دار يزيد فلم تبق من آل معاوية امرأةٌ إلا استقبلتهن تبكي وتنوح على الحسين، فأقاموا عليه المناحة ثلاثاً، وكان يزيد لا يتغدى ولا يتعشى إلا دعا علي بن الحسين إليه؛ قال: فدعاه ذات يوم، ودعا عمر بن الحسن بن علي وهو غلام صغير، فقال لعمر بن الحسن: أتقاتل هذا الفتى؟ يعني خالداً ابنه، قال: لا، ولكن أعطني سكيناً وأعطه سكيناً، ثم أقاتله، فقال له يزيد؛ وأخذه فضمه إليه ثم قال: شنشنةٌ أعرفها من أخزم؛ هل تلد الحية إلا حية! قال: ولما أرادوا أن يخرجوا دعا يزيد علي بن الحسين ثم قال: لعن الله ابن مرجانة، أما والله لو أني صاحبه ما سألني خصلةً أبداً إلا أعطيتها إياه، ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت ولو بهلاك بعض ولدي، ولكن الله قضى ما رأيت، كاتبني وأنه كل حاجة تكون لك؛ قال: وكساهم وأوصى بهم ذلك الرسول؛ قال: فخرج بهم وكان يسايرهم بالليل فيكونون أمامه حيث لا يفوتون طرفه، فإذا نزلوا تنحى عنهم وتفرق هو وأصحابه حولهم كهيئة الحرس لهم، وينزل منهم بحيث إذا أراد إنسان منهم وضوءاً أو قضاء حاجة لم يحتشم، فلم يزل ينازلهم في الطريق هكذا، ويسألهم عن حوائجهم، ويلطفهم حتى دخلوا المدينة.
وقال الحارث بن كعب: فقالت لي فاطمة بنت علي: قلت لأختي زينب: يا أخية، لقد أحسن هذا الرجل الشأمي إلينا في صحبتنا، فهل لك أن نصله؟ فقالت: والله ما معنا شيء نصله به إلا حلينا؛ قالت لها: فنعطيه حلينا؛ قالت: فأخذت سواري ودملجي وأخذت أختي سوارها ودملجها، فبعثنا بذلك إليه، واعتذرنا إليه، وقلنا له: هذا جزاؤك بصحبتك إيانا بالحسن من الفعل؛ قال: فقال: لو كان الذي صنعت إنما هو للدنيا كان في حليكن ما يرضيني ودونه، ولكن والله ما فعلته إلا لله، ولقرابتكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم.قال هشام: وأما عوانة بن الحكم الكلبي فإنه قال: لما قتل الحسين وجيء بالأثقال والأسارى حتى وردوا بهم الكوفة إلى عبيد الله، فبينا القوم محتبسون إذ وقع حجر في السجن، معه كتاب مربوط، وفي الكتاب خرج البريد بأمركم في يوم كذا وكذا إلى يزيد بن معاوية، وهو سائر كذا وكذا يوماً، وراجع في كذا وكذا، فإن سمعتم التكبير فأيقنوا بالقتل، وإن لم تسمعوا تكبيراً فهو الأمان إن شاء الله؛ قال: فلما كان قبل قدوم البريد بيومين أو ثلاثة إذا حجر قد ألقي في السجن، ومعه كتاب مربوط وموسى، وفي الكتاب: أوصلوا واعهدوا فإنما ينتظر البريد يوم كذا وكذا. فجاء البريد ولم يسمع التكبير، وجاء كتاب بأن سرح الأسارى إلي. قال: فدعا عبيد الله ابن زياد محفز بن ثعلبة وشمر بن ذي الجوشن، فقال: انطلقوا بالثقل والرأس إلى أمير المؤمنين يزيد بن معاوية؛ قال: فخرجوا حتى قدموا على يزيد، فقام محفز بن ثعلبة فنادى بأعلى صوته: جئنا برأس أحمق الناس وألأمهم؛ فقال يزيد: ما ولدت أم محفز ألأم وأحمق، ولكنه قاطعٌ ظالم؛ قال: فلما نظر يزيد إلى رأس الحسين، قال:
يفلقن هاماً من رجالٍ أعزةٍ ... علينا وهم كانوا أعق وأظلما
ثم قال: أتدرون من أين أتى هذا؟ قال: أبي عليٌّ خيرٌ من أبيه، وأمي فاطمة خيرٌ من أمه، وجدي رسول الله خيرٌ من جده، وأنا خيرٌ منه وأحق بهذا الأمر منه؛ فأما قوله: أبوه خيرٌ من أبي، فقد حاج أبي أباه، وعلم الناس أيهما حكم له؛ وأما قوله: امي خير من أمه، فلعمري فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرٌ من أمي؛ وأما قوله: جدي خيرٌ من جده، فلعمري ما أحدٌ يؤمن بالله واليوم الآخر يرى لرسول الله فينا عدلاً ولا نداً، ولكنه إنما أتي من قبل فقهه، ولم يقرأ: " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيءٍ قديرٌ " . ثم أدخل نساء الحسين على يزيد، فصاح نساء آل يزيد وبنات معاوية وأهله وولولن. ثم إنهن أدخلن على يزيد، فقالت فاطمة بنت الحسين - وكانت أكبر من سكينة: أبنات رسول الله سبايا يا يزيد! فقال يزيد: يا ابنة أخي، أنا لهذا كنت أكره؛ قالت: والله ما ترك لنا خرص، قال: يا ابنة أخي ما آتٍ إليك أعظم مما أخذ منك، ثم أخرجن فأدخلن دار يزيد بن معاوية، فلم تبق امرأةٌ من آل يزيد إلا أتتهن، وأقمن المأتم، وأرسل يزيد إلى كل امرأة: ماذا أخذ لك؟ وليس منهن امرأة تدعي شيئاً بالغاً ما بلغ إلا قد أضعفه لها، فكانت سكينة تقول: ما رأيت رجلاً كافراً بالله خيراً من يزيد ابن معاوية. ثم أدخل الأسارى إليه وفيهم علي بن الحسين، فقال له يزيد: إيه يا علي! فقال علي: " ما أصاب من مصيبةٍ في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسيرٌ، لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختالٍ فخورٍ " فقال يزيد: " وما أصابكم من مصيبةٍ فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثيرٍ " ثم جهزه وأعطاه مالاً، وسرحه إلى المدينة.
قال هشام، عن أبي مخنف، قال: حدثني أبو حمزة الثمالي، عن عبد الله الثمالي، عن القاسم بن بخيت، قال: لما أقبل وفد أهل الكوفة برأس الحسين دخلوا مسجد دمشق، فقال لهم مروان بن الحكم: كيف صنعتم؟ قالوا: ورد علينا منهم ثمانية عشر رجلاً، فأتينا والله على آخرهم، وهذه الرءوس والسبايا، فوثب مروان فانصرف، وأتاهم أخوه يحيى بن الحكم، فقال: ما صنعتم؟ فأعادوا عليه الكلام، فقال: حجبتم عن محمد يوم القيامة؛ لن أجامعكم على أمر أبداً ثم قام فانصرف، ودهلوا على يزيد فوضعوا الرأس بين يديه، وحدثوه الحديث. قال: فسمعت دور الحديث هند بنت عبد الله ابن عامر بن كريز - وكانت تحت يزيد بن معاوية - فتقنعت بثوبها، وخرجت فقالت: يا أمير المؤمنين، أرأس الحسين بن فاطمة بنت رسول الله! قال: نعم فأعولي عليه، وحدي على ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصريحة قريش؛ عجل عليه ابن زياد فقتله قتله الله! ثم أذن للناس فدخلوا والرأس بين يديه، ومع يزيد قضيبٌ فهو ينكت به في ثغره، ثم قال: إن هذا وإيانا كما قال الحصين بن الحمام المري:
يفلقن هاماً من رجالٍ أحبةٍ ... إلينا وهم كانوا أعق وأظلما
قال: فقال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له أبو برزة الأسلمي: أتنكت بقضيبك في ثغر الحسين! أما لقد أخذ قضيبك من ثغره مأخذاً، لربما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرشفه، أما إنك يا يزيد تجيء يوم القيام وابن زياد شفيعك، ويجيء هذا يوم القيامة ومحمد صلى الله عليه وسلم شفيعه؛ ثم قام فولى.
قال هشام: حدثني عوانة بن الحكم، قال: لما قتل عبيد الله بن زياد الحسين بن علي وجيء برأسه إليه، دعا عبد الملك بن أبي الحارث السلمي فقال: انطلق حتى تقدم المدينة على عمرو بن سعيد بن العاص فبشره بقتل الحسين - وكان عمرو بن سعيد بن العاص أمير المدينة يومئذ - قال: فذهب ليعتل له، فزجره - وكان عبيد الله لا يصطلي بناره - فقال: انطلق حتى تأتي المدينة، ولا يسبقك الخبر؛ وأعطاه دنانير، وقال: لا تعتل، وإن قامت بك راحلتك فاشتر راحلة؛ قال عبد الملك: فقدمت المدينة، فلقيني رجل من قريش، فقال: ما الخبر؟ فقلت: الخبر عند الأمير، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! قتل الحسين بن علي؛ فدخلت على عمرو بن سعيد فقال: ما وراءك؟ فقلت: ما سر الأمير، قتل الحسين بن علي؛ فقال: ناد بقتله، فناديت بقتله، فلم أسمع والله واعيةً قط مثل واعية نساء بني هاشم في دورهن على الحسين، فقال عمرو بن سعيد وضحك:
عجت نساء بني زياد عجةً ... كعجيج نسوتنا غداة الأرنب
والأرنب: وقعةٌ كانت لبني زبيد على بني زياد من بني الحارث بن كعب، من رهط عبد المدان، وهذا البيت لعمرو بن معد يكرب، ثم قال عمرو: هذه واعية بواعية عثمان بن عفان، ثم صعد المنبر فأعلم الناس قتله.
قال هشام، عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد، عن عبد الرحمن ابن عبيد أبي الكنود، قال: لما بلغ عبد الله بن جعفر بن أبي طالب مقتل ابنيه مع الحسين، دخل عليه بعض مواليه والناس يعزونه - قال: ولا أظن مولاه ذلك إلا أبا اللسلاس - فقال: هذا ما لقينا ودخل علينا من الحسين! قال: فحذفه عبد الله بن جعفر بنعله، ثم قال: يابن اللخناء، أللحسين تقول هذا! والله لو شهدته لأحببت ألا أفارقه حتى أقتل معه، والله إنه لمما يسخى بنفسي عنهما، ويهون علي المصاب بهما، أنهما أصيبا مع أخي وابن عمي مواسيين له، صابرين معه. ثم أقبل على جلسائه فقال: الحمد لله عز وجل على مصرع الحسين، إلا تكن آست حسيناً يدي، فقد آساه ولدي. قال: ولما أتى أهل المدينة مقتل الحسين خرجت ابنة عقيل بن أبي طالب ومعها نساؤها وهي حاسرة تلوي بثوبها وهي تقول:
ماذا تقولون إن قال النبي لكم ... ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم
بعتري وبأهلي بعد مفتقدي ... منهم أسارى ومنهم ضرجوا بدم!
قال هشام: عن عوانة، قال: قال عبيد الله بن زياد لعمر بن سعد بعد قتله الحسين: يا عمر، أين الكتاب الذي كتبت به إليك في قتل الحسين؟ قال: مضيت لأمرك وضاع الكتاب؛ قال: لتجيئن به؛ قال: ضاع؛ قال: والله لتجيئني به؛ قال: ترك والله يقرأ على عجائز قريش اعتذاراً إليهن بالمدينة، أما والله لقد نصحتك في حسين نصيحةً لو نصحتها أبي سعد ابن أبي وقاص كنت قد أديت حقه، قال عثمان بن زياد أخو عبيد الله: صدق والله، لودت أنه ليس من بني زياد رجلٌ إلا وفي أنفه خزامةٌ إلى يوم القيامة وأن حسيناً لم يقتل؛ قال: فوالله ما أنكر ذلك عليه عبيد الله.
قال هشام: حدثني بعض أصحابنا، عن عمرو بن أبي المقدام، قال: حدثني عمرو بن عكرمة، قال: أصبحنا صبيحة قتل الحسين بالمدينة، فإذا مولىً لنا يحدثنا، قال: سمعت البارحة منادياً ينادي وهو يقول:
أيها القاتلون جهلاً حسيناً ... أبشروا بالعذاب والتنكيل
كل أهل السماء يدعو عليكم ... من نبيٍّ وملأكٍ وقبيل
قد لعنتم على لسان ابن داو ... د وموسى وحامل الإنجيل
قال هشام: حدثني عمر بن حيزوم الكلبي، عن أبيه، قال: سمعت هذا الصوت.
ذكر أسماء من قتل من بني هاشم مع الحسين رضي الله عنه وعدد من قتل من كل قبيلة من القبائل التي قاتلته
قال هشام: قال أبو مخنف: ولما قتل الحسين بن علي رضي الله عنه جيء برءوس من قتل معه من أهل بيته وشيعته وأنصاره إلى عبيد الله بن زياد، فجاءت كندة بثلاثة عشر رأساً، وصاحبهم قيس بن الأشعث، وجاءت هوازن بعشرين رأساً وصاحبهم شمر بن ذي الجوشن، وجاءت تميم بسبعة عشر رأساً، وجاءت بنو أسد بستة أرؤس، وجاءت مذحج بسبعة أرؤس، وجاء سائر الجيش بسبعة أرؤس، فذلك سبعون رأساً.
قال: وقتل الحسين - وأمه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم - قتله سنان بن أنس النخعي ثم الأصبحي وجاء برأسه خولي بن يزيد، وقتل العباس بن علي بن أبي طالب - وأمه أم البنين حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد، قتله زيد بن رقاد الجنبي - وحكيم بن الطفيل السنبسي، وقتل جعفر بن علي بن أبي طالب - وأمه أم البنين أيضاً - وقتل عبد الله بن علي ابن أبي طالب - وأمه أم البنين أيضاً - وقتل عثمان بن علي بن أبي طالب - وأمه أم البنين أيضاً - رماه خولي بن يزيد بسهم فقتله، وقتل محمد بن علي بن أبي طالب - وأمه أم ولد - قتله رجل من بني أبان بن دارم، وقتل أبو بكر بن علي بن أبي طالب - وأمه ليلى ابنة مسعود بن خالد بن مالك بن ربعي بن سلمى بن جندل بن نهشل بن دارم، وقد شك في قتله - وقتل علي ابن الحسين بن علي - وأمه ليلى ابنة أبي مرة بن عروة بن مسعود بن معتب الثقفي، وأمها ميمونة ابنة أبي سفيان بن حرب - قتله مرة بن منقذ بن النعمان العبدي، وقتل عبد الله بن الحسين بن علي - وأمه الرباب ابنة امرىء القيس ابن عدي بن أوس بن جابر بن كعب بن عليم من كلب - قتله هانىء ابن ثبيت الحضرمي، واستصغر علي بن الحسين بن علي فلم يقتل، وقتل أبو بكر بن الحسن بن علي بن أبي طالب - وأمه أم ولد - قتله عبد الله بن عقبة الغنوي، وقتل عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب - وأمه أم ولد - قتله حرملة بن الكاهن، رماه بسهم؛ وقتل القاسم بن الحسن بن علي - وأمه أم ولد - قتله سعد بن عمرو بن نفيل الأزدي، وقتل عون بن عبد الله ابن جعفر بن أبي طالب - وأمه جمانة ابنة المسيب بن نجبة بن ربيعة بن رياح من بني فزارة - قتله عبد الله بن قطبة الطائي ثم النبهاني، وقتل محمد ابن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب - وأمه الخوصاء ابنة خصفة بن ثقيف بن ربيعة بن عائذ بن الحارث بن تيم الله بن ثعلبة من بكر بن وائل - قتله عامر ابن نهشل التيمي، وقتل جعفر بن عقيل بن أبي طالب - وأمه أم البنين ابنة الشقر بن الهضاب - قتله بشر بن حوط الهمداني، وقتل عبد الرحمن ابن عقيل - وأمه أم ولد - قتله عثمان بن خالد بن أسير الجهني، وقتل عبد الله بن عقيل بن أبي طالب - وأمه أم ولد - رماه عمرو بن صبيح الصدائي فقتله؛ وقتل مسلم بن عقيل بن أبي طالب - وأمه أم ولد، ولد بالكوفة - وقتل عبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب - وأمه رقية ابنة علي بن أبي طالب وأمها أم ولد - قتله عمرو بن صبيح الصدائي؛ وقيل: قتله أسيد بن مالك الحضرمي، وقتل محمد بن أبي سعيد بن عقيل - وأمه أم ولد - قتله لقيط بن ياسر الجهني، واستصغر الحسن بن الحسن بن علي، وأمه خولة ابنة منظور بن زبان بن سيار الفزاري، واستصغر عمر بن الحسن بن علي فترك فلم يقتل - وأمه أم ولد - وقتل من الموالي سليمان مولى الحسين بن علي، قتله سليمان بن عوف الحضرمي، وقتل منجح مولى الحسين بن علي، وقتل عبد الله بن بقطر رضيع الحسين بن علي.
قال أبو مخنف: حدثني عبد الرحمن بن جندب الأزدي، أن عبيد الله ابن زياد بعد قتل الحسين تفقد أشراف أهل الكوفة، فلم ير عبيد الله بن الحر، ثم جاءه بعد أيام حتى دخل عليه، فقال: أين كنت يابن الحر؟ قال: كنت مريضاً؛ قال: مريض القلب، أو مريض البدن! قال: أما قلبي فلم يمرض، وأما بدني فقد من الله علي بالعافية، فقال له ابن زياد: كذبت؛ ولكنك كنت مع عدونا؛ قال: لو كنت مع عدوك لرئي مكاني، وما كان مثل مكاني يخفى؛ قال: وغفل عنه ابن زياد غفلةً، فخرج ابن الحر فقعد على فرسه، فقال ابن زياد: أين ابن الحر؟ قالوا: خرج الساعة؛ قال: علي به؛ فأحضرت الشرط فقالوا له: أجب الأمير؛ فدفع فرسه ثم قال: أبلغوه أني لا آتيه والله طائعاً أبداً؛ ثم خرج حتى أتى منزل أحمر بن زياد الطائي فاجتمع إليه في منزله أصحابه، ثم خرج حتى أتى كربلاء فنظر إلى مصارع القوم، فاستغفر لهم هو وأصحابه، ثم مضى حتى نزل المدائن، وقال في ذلك:
يقول أميرٌ غدارٌ حق غادرٍ: ... ألا كنت قاتلت الشهيد ابن فاطمه!
فيا ندمي ألا أكون نصرته ... ألا كل نفس لا تسدد نادمه
وإني لأني لم أكن من حماته ... لذو حسرةٍ ما إن تفارق لازمه
سقى الله أرواح الذين تأزروا ... على نصره سقيا من الغيث دائمه
وقفت على أجداثهم ومجالهم ... فكاد الحشا ينفض والعين ساجمه
لعمري لقد كانوا مصاليت في الوغى ... سراعاً إلى الهيجا حماةً خضارمه
تآسوا على نصر ابن بنت نبيهم ... بأسيافهم آساد غيلٍ ضراغمه
فإن يقتلوا فكل نفسٍ تقيةٍ ... على الأرض قد أضحت لذلك واجمه
وما إن رأى الراءون أفضل منهم ... لدى الموت ساداتٍ وزهراً قماقمه
أتقتلهم ظلماً وترجو ودادنا ... فدع خطةً ليست لنا بملائمه!
لعمري لقد راغمتمونا بقتلهم ... فكم ناقمٍ منا عليكم وناقمه
أهم مراراً أن أسير بجحفلٍ ... إلى فئةٍ زاغت عن الحق ظالمه
فكفوا وإلا ذدتكم في كتائبٍ ... أشد عليكم من زحوف الديالمه
ذكر خبر مقتل مرداس بن عمرو بن حدير وفي هذه السنة قتل أبو بلال مرداس بن عمرو بن حدير، من ربيعة بن حنظلة.
ذكر سبب مقتلهقال أبو جعفر الطبري: قد تقدم ذكر سبب خروجه، وما كان من توجيه عبيد الله بن زياد إليه أسلم بن زرعة الكلابي في ألفي رجل، والتقائهم بآسك وهزيمة أسلم وجيشه منه ومن أصحابه فيما مضى من كتابنا هذا.
ولما هزم مرداس أبو بلال أسلم بن زرعة، وبلغ عبيد الله بن زياد، سرح إليه - فيما حدثت عن هشام بن محمد، عن أبي مخنف، قال: حدثني أبو المخارق الراسبي - ثلاثة آلاف، عليهم عباد بن الأخضر التميمي، فأتبعه عباد يطلبه حتى لحقه بتوج، فصف له، فحمل عليهم أبو بلال وأصحابه، فثبتوا. وتعطف الناس عليهم فلم يكونوا شيئاً. وقال أبو بلال لأصحابه: من كان منكم إنما خرج للدنيا فليذهب، ومن كان منكم إنما أراد الآخرة ولقاء ربه فقد سبق ذلك إليه، وقرأ: " من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيبٍ " ، فنزل ونزل أصحابه معه لم يفارقه منهم إنسان، فقتلوا من عند آخرهم، ورجع عباد بن الأخضر، وذلك الجيش الذي كان معه إلى البصرة، وأقبل يريد قصر الإمارة وهو مردف ابناً له غلاماً، صغيراً، فقالوا: يا عبد الله، قف حتى نستفتيك؛ فوقف، فقالوا: نحن إخوةٌ أربعة، قتل أخونا، فما ترى؟ قال: استعدوا الأمير، قالوا: قد استعديناه فلم يعدنا. قال: فاقتلوه، قتله الله! فوثبوا عليه فحكموا، وألقى ابنه فقتلوه.
ذكر خبر ولاية سلم بن زياد على خراسان وسجستان وفي هذه السنة ولى يزيد بن معاوية سلم بن زياد سجستان وخراسان.
ذكر سبب توليته إياه
حدثني عمر، قال: حدثني علي بن محمد، قال: حدثنا مسلمة بن محارب بن سلم بن زياد، قال: وفد سلم بن زياد على يزيد بن معاوية وهو ابن أربع وعشرين سنة، فقال له يزيد: يا أبا حرب، أوليك عمل أخويك: عبد الرحمن وعباد؟ فقال: ما أحب أمير المؤمنين؛ فولاه خراسان وسجستان، فوجه سلم الحارث بن معاوية الحارثي جد عيسى بن شبيب من الشأم إلى خراسان، وقدم سلم البصرة، فتجهز وسار إلى خراسان، فأخذ الحارث بن قيس بن الهيثم السلمي فحبسه، وضرب ابنه شبيباً، وأقامه في سراويل، ووجه أخاه يزيد بن زياد إلى سجستان. فكتب عبيد الله بن زياد إلى عباد أخيه - وكان له صديقاً - يخبره بولاية سلم، فقسم عباد ما في بيت المال في عبيده، وفضل فضلٌ فنادى مناديه: من أراد سلفاً فليأخذ، فأسلف كل من أتاه، وخرج عباد عن سجستان. فلما كان بجيرفت بلغه مكان سلم - وكان بينهما جبل - فعدل عنه، فذهب لعباد تلك الليلة ألف مملوك، أقل ما مع أحدهم عشرة آلاف. قال: فأخذ عباد على فارس، ثم قدم على يزيد، فقال له يزيد: أين المال؟ قال كنت صاحب ثغر، فقسمت ما أصبت بين الناس. قال: ولما شخص سلم إلى خراسان شخص معه عمران بن الفصيل البرجمي، وعبد الله بن خازم السلمي، وطلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي، والمهلب بن أبي صفرة، وحنظلة بن عرادة، وأبو حزابة الوليد بن نهيك أحد بني ربيعة بن حنظلة، ويحيى بن يعمر العدواني حليف هذيل، وخلق كثير من فرسان البصرة وأشرافهم، فقدم سلم بن زياد بكتاب يزيد بن معاوية إلى عبيد الله بن زياد بنخبة ألفي رجل ينتخبهم - وقال غيره: بل نخبة ستة آلاف - قال: فكان سلم ينتخب الوجوه والفرسان. ورغب قوم في الجهاد فطلبوا إليه أن يخرجهم، فكان أول من أخرجه سلم حنظلة بن عرادة، فقال له عبيد الله بن زياد: دعه لي؛ قال: هو بيني وبينك، فإن اختارك فهو لك، وإن اختارني فهو لي، قال: فاختار سلماً؛ وكان الناس يكلمن سلماً ويطلبون إليه أن يكتبهم معه، وكان صلة بن أشيم العدوي يأتي الديوان فيقول له الكاتب: يا أبا الصهباء، ألا أثبت اسمك، فإنه وجهٌ فيه جهادٌ وفضل؟ فيقول له: أستخير الله وأنظر؛ فلم يزل يدافع حتى فرغ من أمر الناس، فقالت له امرأته معاذة ابنة عبد الله العدوية: ألا تكتب نفسك؟ قال: حتى أنظر، ثم صلى واستخار الله؛ قال: فرأى في منامه آتياً أتاه، فقال له: اخرج فإنك تربح وتفلح وتنجح؛ فأتى الكاتب فقال له: أثبتني؛ قال: قد فرغنا ولن أدعك، فأثبته وابنه، فخرج سلم فصيره سلم مع يزيد بن زياد فسار إلى سجستان.
قال: وخرج سلم وأخرج معه أم محمد ابنة عبد الله بن عثمان بن أبي العاص الثقفي، وهي أول امرأة من العرب قطع بها النهر.
قال: وذكر مسلمة بن محارب وأبو حفص الأزدي عن عثمان بن حفص الكرماني أن عمال خراسان كانوا يغزون، فإذا دخل الشتاء قفلوا من مغازيهم إلى مرو الشاهجان، فإذا انصرف المسلمون اجتمع ملوك خراسان في مدينة من مدائن خراسان مما يلي خارزم، فيتعاقدون ألا يغزو بعضهم بعضاً، ولا يهيج أحد أحداً، ويتشاورون في أمورهم، فكان المسلمون يطلبون إلى أمرائهم في غزو تلك المدينة فيأبون عليهم، فلما قدم خراسان غزا فشتا في بعض مغازيه؛ قال: فألح عليه المهلب، وسأله أن يوجهه إلى تلك المدينة، فوجهه في ستة آلاف - ويقال أربعة آلاف - فحاصرهم، فسألهم أن يذعنوا له بالطاعة، فطلبوا إليه أن يصالحهم على أن يفدوا أنفسهم، فأجابهم إلى ذلك، فصالحوه على نيف وعشرين ألف ألف؛ قال: وكان فقي صلحهم أن يأخذ منهم عروضاً، فكان يأخذ الرأس بنصف ثمنه، والدابة بنصف ثمنها، والكيمخت بنصف ثمنه، فبلغت قيمة ما أخذ منهم خمسين ألف ألف، فحظي بها المهلب عند سلم، واصطفى سلم من ذلك ما أعجبه، وبعث به إلى يزيد مع مرزبان مرو، وأوفد في ذلك وفداً.
قال مسلمة وإسحاق بن أيوب: غزا سلم سمرقند بامرأته أم محمد ابنة عبد الله، فولدت لسلم ابناً، فسماه صغدى.
قال علي بن محمد: ذكر الحسن بن رشيد الجوزجاني، عن شيخ من خزاعة، عن أبيه، عن جده، قال: غزوت مع سلم بن زياد خوارزم، فصالحوه على مال كثير، ثم عبر إلى مسرقند فصالحه أهلها، وكانت معه امرأته أم محمد، فولدت له في غزاته تلك ابناً، وأرسلت إلى امرأة صاحب الصغد تستعير منها حلياً، فبعثت إليها بتاجها؛ وقفلوا، فذهبت بالتاج.
وفي هذه السنة عزل يزيد عمرو بن سعيد عن المدينة وولاها الوليد بن عتبة، حدثني بذلك أحمد بن ثابت، عمن حدثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: نزع يزيد بن معاوية عمرو بن سعيد، لهلال ذي الحجة، وأمر الوليد بن عتبة على المدينة، فحج بالناس حجتين سنة إحدى وستين وسنة اثنتين وستين.
وكان عامل يزيد بن معاوية في هذه السنة على البصرة والكوفة عبيد الله بن زياد، وعلى المدينة في آخرها الوليد بن عتبة، وعلى خراسان وسجستان سلم بن زياد، وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة، وعلى قضاء الكوفة شريح.
وفيها أظهر ابن الزبير الخلاف على يزيد وخلعه. وفيها بويع له.
ذكر سبب عزل يزيد عمرو بن سعيد عن المدينة وتوليته عليها الوليد بن عتبة وكان السبب في ذلك وسبب إظهار عبد الله بن الزبير الدعاء إلى نفسه - فيما ذكر هشام، عن أبي مخنف، عن عبد الملك بن نوفل - قال: حدثني أبي، قال: لما قتل الحسين رضي الله عنه قام ابن الزبير في أهل مكة وعظم مقتله، وعاب على أهل الكوفة خاصة، ولام أهل العراق عامة، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد صلى الله عليه وسلم: إن أهل ا لعراق غدرٌ فجرٌ إلا قليلاً، وإن أهل الكوفة شرار أهل العراق؛ وإنهم دعوا حسيناً لينصروه ويولوه عليهم، فلما قدم عليهم ثاروا إليه، فقالوا له: إما أن تضع يدك في أيدينا فنبعث بك إلى ابن زياد بن سمية سلماً فيمضي فيك حكمه، وإما أن تحارب؛ فرأى والله أنه هو وأصحابه قليل في كثير، وإن كان الله عز وجل لم يطلع على الغيب أحداً أنه مقتول، ولكنه اختار الميتة الكريمة على الحياة الذميمة، فرحم الله حسيناً، وأخزى قاتل حسين! لعمري لقد كان من خلافهم إياه وعصيانهم ما كان في مثله واعظ وناهٍ عنهم، ولكنه ما حم نازل، وإذا أراد الله أمراً لن يدفع. أفبعد الحسين نطمئن إلى هؤلاء القوم ونصدق قولهم ونقبل لهم عهداً! لا، ولا نراهم لذلك أهلاً؛ أما والله لقد قتلوه طويلاً بالليل قيامه، كثيراً في النهار صيامه، أحق بما هم فيه منهم وأولى به في الدين والفضل، أما والله ما كان يبدل بالقرآن الغناء، ولا بالبكاء من خشية الله الحداء، ولا بالصيام شرب الحرام، ولا بالمجالس في حلق الذكر الركض في تطلاب الصيد - يعرض بيزيد - فسوف يلقون غياً.
فثار إليه أصحابه فقالوا له: أيها الرجل أظهر بيعتك، فإنه لم يبق أحد إذ هلك حسين ينازعك هذا الأمر. وقد كان يبايع الناس سراً، ويظهر أنه عائذ بالبيت، فقال لهم: لا تعجلوا - وعمرو بن سعيد بن العاص يومئذ عامل مكة، وقد كان أشد شيء عليه وعلى أصحابه، وكان مع شدته عليهم يداري ويرفق - فلما استقر عند يزيد بن معاوية ما قد جمع ابن الزبير من الجموع بمكة، أعطى الله عهداً ليوثقنه في سلسلة، فبعث بسلسلة من فضة، فمر بها البريد على مروان بن الحكم بالمدينة، فأخبر خبر ما قدم له وبالسلسلة التي معه، فقال مروان:
خذها فليست للعزيز بخطةٍ ... وفيها مقالٌ لامرىءٍ متضعف
ثم مضى من عنده حتى قدم على ابن الزبير، فأتى ابن الزبير فأخبره بممر البريد على مروان، وتمثل مروان بهذا البيت، فقال ابن الزبير: لا والله لا أكون أنا ذلك المتضعف؛ ورد ذلك البريد رداً رقيقاً.
وعلا أمر ابن الزبير بمكة، وكاتبه أهل المدينة، وقال الناس: أما إذ هلك الحسين رضي الله عنه فليس أحدٌ ينازع ابن الزبير.
حدثنا نوح بن حبيب القومسي، قال: حدثنا هشام بن يوسف. وحدثنا عبيد الله بن عبد الكريم، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر المديني قال: حدثنا هشام بن يوسف - واللفظ لحديث عبيد الله - قال: أخبرني عبد الله بن مصعب، قال: أخبرني موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبد العزيز بن مروان، قال: لما بعث يزيد بن معاوية بن عضاه الأشعري ومسعدة وأصحابهما إلى عبد الله بن الزبير بمكة ليؤتى به في جامعة لتبر يمين يزيد، بعث معهم بجامعة من ورق وبرنس خز، فأرسلني أبي وأخي معهم وقال: إذا بلغته رسل يزيد الرسالة فتعرضا له، ثم ليتمثل أحدكما:
فخذها فليست للعزيز بخطةٍ ... وفيها مقالٌ لامرىءٍ متذلل
أعامر إن القوم ساموك خطةً ... وذلك في الجيران غزل بمغزل
أراك إذا ما كنت للقوم ناصحاً ... يقال له بالدلو أدبر وأقبل
قال: فلما بلغته الرسل الرسالة تعرضنا، فقاللي أخي: اكفنيها، فسمعني، فقال: أي ابني مروان، قد سمعت ما قلتما، وعلمت ما ستقولانه، فأخبرا أباكما:
إني لمن نبعةٍ صمٍّ مكاسرها ... إذا تناوحت القصباء والعشر
فلا ألين لغير الحق أسأله ... حتى يلين لضرس الماضغ الحجر
قال: فما أدري أيهما كان أعجب! زاد عبد الله في حديثه، عن أبي علي، قال: فذاكرت بهذا الحديث مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، فقال: قد سمعته من أبي علي نحو الذي ذكرت له، ولم أحفظ إسناده.
قال هشام، عن خالد بن سعيد، عن أبيه سعيد بن عمرو بن سعيد: إن عمرو بن سعيد لما رأى الناس قد اشرأبوا إلى ابن الزبير ومدوا إليه أعناقهم، ظن أن تلك الأمور تامةٌ له، فبعث إلى عبد الله بن عمرو بن العاص - وكانت له صحبة، وكان مع أبيه بمصر، وكان قد قرأ كتب دنيال هنالك، وكانت قريش إذ ذاك تعده عالماً - فقال له عمرو بن سعيد: أخبرني عن هذا الرجل، أترى ما يطلب تاماً له؟ وأخبرني عن صاحبي إلى ما ترى أمره صائراً إليه؟ فقال: لا أرى صاحبك إلا أحد الملوك الذين تتم لهم أمورهم حتى يموتوا وهم ملوك. فلم يزدد عند ذاك إلا شدةً على ابن الزبير وأصحابه، مع الرفق بهم، والمدارة لهم.
ثم إن الوليد بن عتبة وناساً معه من بني أمية قالوا ليزيد بن معاوية: لو شاء عمرو بن سعيد لأخذ ابن الزبير وبعث به إليك، فسرح الوليد بن عتبة على الحجاز أميراً، وعزل عمراً.
وكان عزل يزيد عمراً عن الحجاز وتأميره عليها الوليد بن عتبة في هذه السنة - أعني سنة إحدى وستين؛ قال أبو جعفر: حدثت عن محمد بن عمر قال: نزع يزيد عمرو بن سعيد بن العاص لهلال ذي الحجة سنة إحدى وستين وولي الوليد بن عتبة، فأقام الحجة سنة إحدى وستين بالناس، وأعاد ابن ربيعة العامري على قضائه.


وحدثني أحمد بن ثابت، قال: حدثت عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: حج بالناس في سنة إحدى وستين الوليد بن عتبة، وهذا مما لا اختلاف فيه بين أهل السير.
وكان الوالي في هذه السنة على الكوفة والبصرة عبيد الله بن زياد، وعلى قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة، وعلى خراسان سلم بن زياد.
ثم دخلت سنة اثنتين وستين
ذكر الخبر عما كان في هذه السنة من الأحداث

فمن ذلك مقدم وفد أهل المدينة على يزيد بن معاوية.
ذكر الخبر عن سبب مقدمهم عليهوكان السبب في ذلك - فيما ذكر لوط بن يحيى، عن عبد الملك بن نوفل ابن مساحق، عن عبد الله بن عروة - أن يزيد بن معاوية لما سرح الوليد ابن عتبة على الحجاز أميرً، وعزل عمرو بن سعيد، قدم الوليد المدينة فأخذ غلماناً كثيراً لعمرو وموالي له، فحبسهم، فكلمه فيهم عمرو، فأبى أن يخليهم، وقال له: لا تجزع يا عمرو؛ فقال أخوه أبان بن سعيد بن العاص: أعمرٌو يجزع! والله لو قبضتم على الجمر وقبض عليه ما تركه حتى تتركوه؛ وخرج عمرو سائراً حتى نزل من المدينة على ليلتين، وكتب إلى غلمانه ومواليه وهم نحوٌ من ثلثمائة رجل: إني باعث إلى كل رجل منكم جملاً وحقيبةً وأداته، وتناخ لكم الإبل في السوق، فإذا أتاكم رسولي فاكسروا باب السجن، ثم ليقم كل رجل منكم إلى جمله فليركبه، ثم أقبلوا علي حتى تأتوني؛ فجاء رسوله حتى اشترى الإبل، ثم جهزها بما ينبغي لها، ثم أناخها في السوق، ثم أتاهم حتى أعلمهم ذلك، فكسروا باب السجن، ثم خرجوا إلى الإبل فاستووا عليها، ثم أقبلوا حتى انتهوا إلى عمرو بن سعيد فوجدوه حين قدم على يزيد بن معاوية. فلما دخل عليه رحب به وأدنى مجلسه. ثم إنه عاتبه في تقصيره في أشياء كان يأمره بها في ابن الزبير، فلا ينفذ منهها إلا ما أراد؛ فقال: يا أمير المؤمنين، الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، وإن جل أهل مكة وأهل المدينة قد كانوا مالوا إليه وهووه وأعطوه الرضا، ودعا بعضهم بعضاً سراً وعلانية، ولم يكن معي جند أقوى بهم عليه لو ناهضته، وقد كان يحذرني ويتحرز مني، وكنت أرفق به وأداريه لأستمكر منه فأثب عليه، مع أني قد ضيقت عليه، ومنعته من أشياء كثيرة لو تركته وإياها ما كانت له إلا معونةً، وجعلت على مكة وطرقها وشعابها رجالاً لا يدعون أحداً يدخلها حتى يكتبوا إلي باسمه واسم أبيه، ومن أي بلاد الله هو، وما جاء به وما يريد؛ فإن كان من أصحابه أو ممن أرى أنه يريده رددته صاغراً، وإن كان ممن لا أتهم، خليت سبيله. وقد بعثت الوليد، وسيأتيك من عمله وأثره ما لعلك تعرف به فضل مبالغتي في أمرك، ومناصحتي لك إن شاء الله؛ والله يصنع لك، ويكبت عدوك يا أمير المؤمنين.
فقال له يزيد: أنت أصدق ممن رقي هذه الأشياء عنك، وحملني بها عليك، وأنت ممن أثق به، وأرجو معونته، وأدخره لرأب الصدع، وكفاية المهم، وكشف نوازل الأمور العظام؛ فقال له عمرو: وما أرى يا أمير المؤمنين أن أحداً أولى بالقيام بتشديد سلطانك، وتوهين عدوك، والشدة على من نابذك مني. وأقام الوليد بن عتبة يريد ابن الزبير فلا يجده إلا متحذراً متمنعاً، وثار نجدة بن عامر الحنفي باليمامة حين قتل الحسين، وثار ابن الزبير، فكان الوليد يفيض من المعرف، وتفيض معه عامة الناس، وابن الزبير واقف وأصحابه، ونجدة واقفٌ في أصحابه، ثم يفيض ابن الزبير بأصحابه ونجدة بأصحابه، لا يفيض واحد منهم بإفاضة صاحبه. وكان نجدة يلقى ابن الزبير فيكثر حتى ظن الناس أنه سيبايعه. ثم إن ابن الزبير عمل بالمكر في أمر الوليد بن عتبة، فكتب إلى يزيد بن معاوية: إنك بعثت إلينا رجلاً أخرق، لا يتجه لأمر رشد، ولا يرعوي لعظة الحكيم، ولو بعثت إلينا رجلاً سهل الخلق، لين الكتف، رجوت أن يسهل من الأمور ما استوعر منها، وأن يجتمع ما تفرق، فانظر في ذلك، فإن فيه صلاح خواصنا وعوامنا إن شاء الله؛ والسلام.
فبعث يزيد بن معاوية إلى الوليد فعزله وبعث عثمان بن محمد بن أبي سفيان - فيما ذكر أبو مخنف، عن عبد الملك ابن نوفل بن مساحق، عن حميد ابن حمزة؛ مولىً لبني أمية - قال: فقدم فتىً غرٌّ حدثٌ غمرٌ لم يجرب الأمور، ولم يحنكه السن، ولم تضرسه التجارب؛ وكان لا يكاد ينظر في شيء من سلطانه ولا عمله، وبعث إلى يزيد وفداً من أهل المدينة فيهم عبد الله بن حنظلة الغسيل الأنصاري وعبد الله بن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي، والمنذر بن الزبير، ورجالاً كثيراً من أشراف أهل المدينة، فقدموا على يزيد بن معاوية، فأكرمهم، وأحسن إليهم، وأعظم جوائزهم. ثم انصرفوا من عنده، وقدموا المدينة كلهم إلا المنذر ابن الزبير فإنه قدم على عبيد الله بن زياد بالبصرة - وكان يزيد قد أجازه بمائة ألف درهم - فلما قدم أولئك النفر الوفد المدينة قاموا فيهم فأظهروا شتم يزيد وعتبة، وقالوا: إنا قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر، ويعزف بالطنابير، ويضرب عنده القيان، ويلعب بالكلاب، ويسامر الخراب والفتيان، وإنا نشهدكم أنا قد خلعناه؛ فتابعهم الناس.
قال لوط بن يحيى: فحدثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق، أن الناس أتوا عبد الله بن حنظلة الغسيل فبايعوه وولوه عليهم.
قال لوط: وحدثني أيضاً محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عوف: ورجع المنذر من عند يزيد بن معاوية، فقدم على عبيد الله بن زياد البصرة، فأكرمه وأحسن ضيافته، وكان لزياد صديقاً، إذ سقط إليه كتابٌ من يزيد بن معاوية حيث بلغه أمر أصحابه بالمدينة. أن أوثق المنذر بن الزبير واحبسه عندك حتى يأتيك فيه أمري؛ فكره ذلك عبيد الله ابن زياد لأنه ضيفه، فدعاه فأخبره بالكتاب وأقرأه إياه، وقال له: إنك كنت لزياد وداً وقد أصبحت لي ضيفاً، وقد آتيت إليك معروفاً، فأنا أحب أن أسدي ذلك كله بإحسان، فإذا اجتمع الناس عندي فقم فقل: ائذن لي فلأنصرف إلى بلادي، فإذا قلت: لا بل أقم عندي فإن لك الكرامة والمواساة والأثرة، فقل: لي ضيعةٌ وشغلٌ، لا أجد من الانصراف بداًن فأذن لي، فإني آذن لك عند ذلك؛ فالحق بأهلك.
فلما اجتمع الناس عند عبيد الله قام إليه فاستأذنه فقال: لا بل أقم عندي فإني مكرمك ومواسيك ومؤثرك؛ فقال له: إن لي ضيعةً وشغلاً، ولا أجد من الانصراف بداً فأذن لي؛ فأذن له. فانطلق حتى لحق بالحجاز؛ فأتى أهل المدينة، فكان فيمن يحرض الناس على يزيد، وكان من قوله يومئذ: إن يزيد والله لقد أجازني بمائة ألف درهم، وإنه لا يمنعني ما صنع إلي أن أخبركم خبره، وأصدقكم عنه، والله إنه ليشرب الخمر، وإنه ليسكر حتى يدع الصلاة؛ وعابه بمثل ما عابه به أصحابه الذين كانوا معه وأشد، فكان سعيد بن عمرو يحدث بالكوفة أن يزيد بن معاوية بلغه قوله فيه فقال: اللهم إني آثرته وأكرمته، ففعل ما قد رأيت، فاذكره بالكذب والقطيعة.
قال أبو مخنف: فحدثني سعيد بن زيد أبو المثلم أن يزيد بن معاوية بعث النعمان بن بشير الأنصاري فقال له: ائت الناس وقومك فافثأهم عما يريدون، فإنهم إن لم ينهضوا في هذا الأمر لم يجترىء الناس على خلافي، وبها من عشيرتي من لا أحب أن ينهض في هذه الفتنة فيهلك.
فأقبل النعمان بن بشير فأتى قومه، ودعا الناس إليه عامة، وأمرهم بالطاعة ولزوم الجماعة، وخوفهم الفتنة، وقال لهم: إنه لا طاقة لكم بأهل الشأم؛ فقال عبد الله بن مطيع العدوي: ما يحملك يا نعمان على تفريق جماعتنا، وفساد ما أصلح الله من أمرنا! فقال النعمان: أما والله لكأني بك لو قد نزلت تلك التي تدعو إليها، وقامت الرجال على الركب تضرب مفارق القوم وجباههم بالسيوف، ودارت رحا الموت بين الفريقين قد هربت على بغلتك تضرب جبينها إلى مكة، وقد خلفت هؤلاء المساكين - يعني الأنصار - يقتلون في سككهم ومساجدهم، وعلى أبواب دورهم! فعصاه الناس، فانصرف. وكان والله كما قال.
وحج بالناس في هذه السنة الوليد بن عتبة. وكانت العمال في هذه السنة على العراق وخراسان العمال الذينن ذكرت في سنة إحدى وستين.
وفي هذه السنة ولد - فيما ذكر - محمد بن عبد الله بن العباس.
ثم دخلت سنة ثلاث وستين
ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها

فمن ذلك ما كان من إخراج أهل المدينة عامل يزيد بن معاوية عثمان بن محمد بن أبي سفيان من المدينة، وإظهارهم خلع يزيد بن معاوية، وحصارهم من كان بها من بني أمية؛ ذكر هشام بن محمد، عن أبي مخنف، عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق، عن حبيب بن كرة، أن أهل المدينة لما بايعوا عبد الله بن حنظلة الغسيل على خلع يزيد بن معاوية، وثبوا على عثمان ابن محمد بن أبي سفيان ومن بالمدينة من بني أمية ومواليهم ومن رأى رأيهم من قريش، فكانوا نحواً من ألف رجل، فخرجوا بجماعتهم حتى نزلوا دار مروان بن الحكم، فحاصرهم الناس فيها حصاراً ضعيفاً. قال: فدعت بنو أمية حبيب بن كرة، وكان الذي بعث إليه منهم مروان بن الحكم وعمرو ابن عثمان بن عفان، وكان مروان هو يدبر أمرهم. فأما عثمان بن محمد بن أبي سفيان فإنما كان غلاماً حدثاً لم يكن له رأي. قال عبد الملك بن نوفل: فحدثني حبيب بن كرة، قال: كنت مع مروان، فكتب معي هو وجماعة من بني أمية كتاباً إلى يزيد بن معاوية، فأخذ الكتاب عبد الملك بن مروان حتى خرج معي إلى ثنية الوداع، فدفع إلي الكتاب وقال: قد أجلتك اثنتي عشرة ليلةً ذهباً واثنتي عشرة ليلةً مقبلاً، فوافني لأربع وعشرين ليلة في هذا المكان تجدني إن شاء الله في هذه الساعة جالساً أنتظرك. وكان الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد، فإنه قد حصرنا في دار مروان بن الحكم، ومنعنا العذاب، ورمينا بالجيوب، فيا غوثاه يا غوثاه! قال: فأخذت الكتاب ومضيت به حتى قدمت على يزيد وهو جالس على كرسي، واضع قدميه في ماء طست من وجع كان يجده فيهما - ويقال: كان به النقرس - فقرأه ثم قال فيما بلغنا متمثلاً:
لقد بدلوا الحلم الذي من سجيتي ... فبدلت قومي غلظةً بليان
ثم قال: أما يكون بنو أمية ومواليهم ألف رجل بالمدينة؟ قال: قلت: بلى، والله وأكثر؛ قال: فما استطاعوا أن يقاتلوا ساعةً من نهار! قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، أجمع الناس كلهم عليهم، فلم يكن لهم بجمع الناس طاقةٌ؛ قال: فبعث إلى عمرو بن سعيد فأقرأه الكتاب، وأخبره الخبر، وأمره أن يسير إليهم في الناس، فقال له: قد كنت ضبطت لك البلاد، وأحكمت لك الأمور، فأما الآن إذ صارت إنما هي دماء قريش تهراق بالصعيد، فلا أحب أن أكون أنا أتولى ذلك، يتولاها منهم من هو أبعد منهم مني. قال: فبعثني بذلك الكتاب إلى مسلم بن عقبة المري - وهو شيخ كبير ضعيف مريض - فدفعت إليه الكتاب، فقرأه، وسألني عن الخبر فأخبرته، فقال لي مثل مقالة يزيد: أما يكون بنو أمية ومواليهم وأنصارهم بالمدينة ألف رجل! قال: قلت: بلى يكونون؛ قال: فما استطاعوا أن يقاتلوا ساعةً من نهار! ليس هؤلاء بأهل أن ينصروا حتى يجهدوا أنفسهم في جهاد عدوهم، وعز سلطانهم؛ ثم جاء حتى دخل على يزيد فقال: يا أمير المؤمنين، لا تنصر هؤلاء فإنهم الأذلاء؛ أما استطاعوا أن يقاتلوا يوماً واحداً أو شطره أو ساعةً منه! دعهم يا أمير المؤمنين حتى يجهدوا أنفسهم في جهاد عدوهم، وعز سلطانهم، ويستبين لك من يقاتل منهم على طاعتك، ويصبر عليها أو يستسلم؛ قال: ويحك! إنه لا خير في العيش بعدهم، فاخرج فأنبئني نبأك، وسر بالناس؛ فخرج مناديه فنادى: أن سيروا إلى الحجاز على أخذ أعطياتكم كملاً ومعونة مائة دينار توضع في يد الرجل من ساعته، فانتدب لذلك اثنا عشر ألف رجل.
حدثنا ابن حميد قال: حدثنا جرير، عن مغيرة، قال: كتب يزيد إلى ابن مرجانة: أن اغز ابن الزبير؛ فقال: لا أجمعهما للفاسق أبداً، أقتل ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأغزو البيت! قال: وكانت مرجانة امرأة صدق، فقالت لعبيد الله حين قتل الحسين رضي الله عنه: ويلك! ماذا صنعت! وماذا ركبت! رجع الحديث إلى حديث حبيب بن كرة. قال: فاقبلت حتى أوافي عبد الملك بن مروان في ذلك المكان في تلك الساعة أو بعيدها شيئاً. قال: فوجدته جالساً متقنعاً تحت شجرة، فأخبرته بالذي كان، فسر به، فانطلقنا حتى دخلنا دار مروان على جماعة بني أمية، فنبأتهم بالذي قدمت به، فحمدوا الله عز وجل.
قال عبد الملك بن نوفل: حدثني حبيب، أنه بلغه في عشرة. قال: فلم أبرح حتى رأيت يزيد بن معاوية خرج إلى الخيل يتصفحها وينظر إليها؛ قال: فسمعته وهو يقول وهو متقلد سيفاً، متنكبٌ قوساً عربية:
أبلغ أبا بكرٍ إذا الليل سرى ... وهبط القوم على وادي القرى
عشرون ألفاً بين كهلٍ وفتى ... أجمع سكران من القوم ترى!
أم جمع يقظان نفي عنه الكرى! ... يا عجباً من ملحدٍ يا عجبا!
مخادع في الدين يقفو بالعرى
قال عبد الملك بن نوفل: وفصل ذلك الجيش من عند يزيد وعليهم مسلم بن عقبة، وقال له: إن حدث بك حدثٌ فاستخلف على الجيش حصين بن نمير السكوني؛ وقال له: ادع القوم ثلاثاً، فإن هم أجابوك وإلا فقاتلهم، فإذا أظهرت عليهم فأبحها ثلاثاً، فما فيها من مالٍ أو رقةٍ أو سلاح أو طعام فهو للجند، فإذا مضت الثلاث فاكفف عن الناس؛ وانظر علي بن الحسين، فاكفف عنه، واستوص به خيراً، وأدن مجلسه، فإنه لم يدخل في شيء مما دخلوا فيه، وقد أتاني كتابه. وعلي لا يعلم بشيء مما أوصى به يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة، وقد كان علي بن الحسين لما خرج بنو أمية نحو الشأم أوى إليه ثفل مروان بن الحكم، وامرأته عائشة بنت عثمان بن عفان، وهي أم أبان بن مروان.
وقد حدثت عن محمد بن سعد، عن محمد بن عمر، قال: لما أخرج أهل المدينة عثمان بن محمد من المدينة، كلم مروان بن الحكم ابن عمر أن يغيب أهله عنده، فأبى ابن عمر أن يفعل، وكلم علي بن الحسين، وقال: يا أبا الحسن، إن لي رحماً، وحرمي تكون مع حرمك، فقال: أفعل؛ فبعث بحرمه إلى علي بن الحسين، فخرج بحرمه وحرم مروان حتى وضعهم بينبع، وكان مروان شاكراً لعلي بن الحسين، مع صداقة كانت بينهما قديمة.
رجع الحديث إلى حديث أبي مخنف عن عبد الملك بن نوفل، قال: وأقبل مسلم بن عقبة بالجيش حتى إذا بلغ أهل المدينة إقباله وثبوا على من معهم من بني أمية، فحصروهم في دار مروان، وقالوا: والله لا نكف عنكم حتى نستنزلكم ونضرب أعناقكم، أو تعطونا عهد الله وميثاقه لا تبغونا غائلةً، ولا تدلوا لنا على عورة، ولا تظاهروا علينا عدواً، فنكف عنكم ونخرجكم عنا، فأعطوهم عهد الله وميثاقه لا نبغيكم غائلةً، ولا ندل لكم على عورة؛ فأخرجوهم من المدينة، فخرجت بنو أمية بأثقالهم حتى لقوا مسلم بن عقبة بوادي القرى، وخرجت عائشة بنت عثمان بن عفان إلى الطائف، فتمر بعلي بن حسين وهو بمالٍ له إلى جنب المدينة قد اعتزلها كراهية أن يشهد شيئاً من أمرهم، فقال لها: احملي ابن عبد الله معك إلى الطائف، فحملته إلى الطائف حتى نقضت أمور أهل المدينة.
ولما قدمت بنو أمية على مسلم بن عقبة بوادي القرى دعا بعمرو بن عثمان بن عفان أول الناس فقال له: أخبرني خبر ما وراءك، وأشر علي؛ قال: لا أستطيع أن أخبرك، أخذ علينا العهود والمواثيق ألا ندل على عورة، ولا نظاهر عدواً، فانتهره ثم قال: والله لولا أنك ابن عثمان لضربت عنقك، وايم الله لا أقيلها قرشياً بعدك. فخرج بما لقي من عنده إلى أصحابه، فقال مروان بن الحكم لابنه عبد الملك: ادخل قبلي لعله يجترىء بك عني، فدخل عليه عبد الملك، فقال: هات ما عندك، أخبرني خبر الناس، وكيف ترى؟ فقال له: نعم أرى أن تسير بمن معك؛ فتنكب هذا الطريق إلى المدينة، حتى إذا انتهيت إلى أدنى نخل بها نزلت، فاستظل الناس في ظله، وأكلوا من صقره؛ حتى إذا كان الليل أذكيت الحرس الليل كله عقباً بين أهل العسكر، حتى إذا أصبحت صليت بالناس الغداة، ثم مضيت بهم وتركت المدينة ذات اليسار، ثم أدرت بالمدينة حتى تأتيهم من قبل الحرة مشرقاً، ثم تستقبل القوم، فإذا استقبلتهم وقد أشرقت عليهم وطلعت الشمس طلعت بين أكتاف أصحابك، فلا تؤذيهم، وتقع في وجوههم فيؤذيهم حرها، ويصيبهم أذاها، ويرون ما دمتم مشرقين من ائتلاق بيضكم وحرابكم، وأسنة رماحكم وسيوفكم ودروعكم وسواعدكم ما لا ترونه أنتم لشيء من سلاحهم ماداموا مغربين، ثم قاتلهم واستعن بالله عليهم، فإن الله ناصرك؛ إذ خالفوا الإمام، وخرجوا من الجماعة. فقال له مسلم: لله أبوك! أي امرىء ولد إذ ولدك! لقد رأى بك خلفاً. ثم إن مروان دخل عليه فقال له: إيه! قال: أليس قد دخل عليك عبد الملك! قال: بلى، وأي رجل عبد الملك! قلما كلمت من رجال قريش رجلاً به شبيهاً؛ فقال له مروان: إذا لقيت عبد الملك فقد لقيتني؛ قال: أجل، ثم ارتحل من مكانه ذلك، وارتحل الناس معه حتى نزل المنزل الذي أمره به عبد الملك، فصنع فيه ما أمره به، ثم مضى في الحرة حتى نزلها، فأتاهم من قبل المشرق. ثم دعاهم مسلم بن عقبة، فقال: يا أهل المدينة، إن أمير المؤمنين يزيد بن معاوية يزعم أنكم الأصل، وإني أكره هراقة دمائكم، وإني أؤجلكم ثلاثاًن فمن ارعوى وراجع الحق قبلنا منه، وانصرفت عنكم، وسرت إلى هذا الملحد الذي بمكة، وإن أبيتم كنا قد أعذرنا إليكم - وذلك في ذي الحجة من سنة أربع وستين؛ هكذا وجدته في كتابي، وهو خطأ، لأن يزيد هلك في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين،، وكانت وقعة الحرة في ذي الحجة من سنة ثلاث وستين يوم الأربعاء لليلتين بقيتا منه.
ولما مضت الأيام الثلاثة قال: يا أهل المدينة، قد مضت الأيام الثلاثة، فما تصنعون؟ أتسالمون أم تحاربون؟ فقالوا: بل نحارب؛ فقال لهم: لا تفعلوا، بل ادخلوا في الطاعة، ونجعل حدنا وشوكتنا على هذا الملحد الذي قد جمع إليه المراق والفساق من كل أوب. فقالوا لهم: يا أعداء الله، والله لو أردتم أن تجوزوا إليهم ما تركناكم حتى نقاتلكم، نحن ندعكم أن تأتوا بيت الله الحرام، وتخيفوا أهله، وتلحدوا فيه، وتستحلوا حرمته! لا والله لا نفعل.
وقد كان أهل المدينة اتخذوا خندقاً في جانب المدينة، ونزله جمع منهم عظيمٌ، وكان عليهم عبد الرحمن بن زهير بن عوف ابن عم عبد الرحمن ابن عوف الزهري، وكان عبد الله بن مطيع على ربع آخر في جانب المدينة، وكان معقل بن سنان الأشجعي على ربع آخر في جانب المدينة، وكان أمير جماعتهم عبد الله بن حنظلة الغسيل الأنصاري، في أعظم تلك الأرباع وأكثرها عدداً.
قال هشام: وأما عوانة بن الحكم الكلبي، فذكر أن عبد الله بن مطيع كان على قريش من أهل المدينة، وعبد الله بن حنظلة الغسيل على الأنصار، ومعقل بن سنان على المهاجرين.
قال هشام، عن أبي مخنف: قال عبد الملك بن نوفل: وصمد مسلم ابن عقبة بجميع من معه، فأقبل من قبل الحرة حتى ضرب فسطاطه على طريق الكوفة، ثم وجه الخيل نحو ابن الغسيل، فحمل ابن الغسيل على الخيل في الرجال الذين معه حتى كشف الخيل، حتى انتهوا إلى مسلم بن عقبة، فنهض في وجوههم بالرجال، وصاح بهم، فانصرفوا فقاتلوا قتالاً شديداً. ثم إن الفضل بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب جاء إلى عبد الله ابن حنظلة الغسيل فقاتل في نحو من عشرين فارساً قتالاً شديداً حسناً، ثم قال لعبد الله: مر من معك فارساً فليأتني فليقف معي، فإذا حملت فليحملوا، فوالله لا أنتهي حتى أبلغ مسلماً، فإما أن أقتله، وإما أن أقتل دونه. فقال عبد الله بن حنظلة لعبد الله بن الضحاك من بني عبد الأشهل من الأنصار: ناد في الخيل فلتقف مع الفضل بن العباس، فنادى فيهم فجمعهم إلى الفضل، فلما اجتمعت الخيل إليه حمل على أهل الشأم فانكشفوا، فقال لأصحابه: ألا ترونهم كشفاً لئاماً! احملوا أخرى جعلت فداكم! فوالله لئن عاينت أميرهم، لأقتلنه أو لأقتلن دونه، إن صبر ساعة معقبٌ سرور أبد، إنه ليس بعد لصبرنا إلا النصر. ثم حمل وحمل أصحابه معه، فانفرجت خيل أهل الشأم عن مسلم بن عقبة في نحو من خمسمائة راجل جثاة على الركب، مشرعي الأسنة نحو القوم، ومضى كما هو نحو رايته حتى يضرب رأس صاحب الراية، وإن عليه لمغفراً، فقط المغفر، وفلق هامته فخر ميتاً، فقال: خذها مني وأنا ابن عبد المطلب! فظن أنه قتل مسلماً، فقال: قتلت طاغية القوم ورب الكعبة، فقال مسلم: أخطأت استك الحفرة! وإنما كان ذلك غلاماً له، يقال له: رومي، وكان شجاعاً. فأخذ مسلم رايته ونادى: يا أهل الشأم، أهذا القتال قتال قوم يريدون أن يدفعوا به عن دينهم، وأن يعزوا به نصر إمامهم! قبح الله قتالكم منذ اليوم! ما أوجعه لقلبي، وأغيظه لنفسي! أما والله ما جزاؤكم عليه إلا أن تحرموا العطاء، وأن تجمروا في أقاصي الثغور. شدوا مع هذه الراية، ترح الله وجوهكم إن لم تعتبوا! فمشى برايته، وشدت تلك الرجال أمام الراية، فصرع الفضل بن عباس، فقتل وما بينه وبين أطناب مسلم بن عقبة إلا نحو من عشر أذرع، وقتل معه زيد بن عبد الرحمن بن عوف، وقتل معه إبراهيم ابن نعيم العدوي، في رجال من أهل المدينة كثير.
قال هشام، عن عوانة: وقد بلغنا في حديثٍ آخر أن مسلم بن عقبة كان مريضاً يوم القتال، وأنه أمر بسرير وكرسيٍّ فوضع بين الصفين، ثم قال: يا أهل الشأم، قاتلوا عن أميركم أو دعوا. ثم زحفوا نحوهم فأخذوا لا يصمدون لربعٍ من تلك الأرباع إلا هزموه، ولا يقاتلون إلا قليلاً حتى تولوا. ثم إنه أقبل إلى عبد الله بن حنظلة فقاتله أشد القتال، واجتمع من أراد القتال من تلك الأرباع إلى عبد الله بن حنظلة، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فحمل الفضل ابن العباس بن ربيعة في جماعة من وجوه الناس وفرسانهم يريد مسلم بن عقبة، ومسلم على سريره مريض، فقال: احملوني فضعوني في الصف، فوضعوه بعد ما حملوه أمام فسطاطه في الصف، وحمل الفضل بن العباس هو وأصحابه أولئك حتى انتهى إلى السرير، وكان الفضل أحمر، فلما رفع السيف ليضربه صاح بأصحابه: إن العبد الأحمر قاتلي، فأين أنتم يا بني الحرائر! اشجروه بالرماح، فوثبوا إليه فطعنوه حتى سقط.
قال هشام: قال أبو مخنف: ثم إن خيل مسلم ورجاله أقبلت نحو عبد الله ابن حنظلة الغسيل ورجاله بعده - كما حدثني عبد الله بن منقذ - حتى دنوا منه، وركب مسلم بن عقبة فرساً له، فأخذ يسير في أهل الشأم ويحرضهم ويقول: يا أهل الشأم، إنكم لستم بأفضل العرب في أحسابها ولا أنسابها، ولا أكثرها عدداً، ولا أوسعها بلداً، ولم يخصصكم الله بالذي خصكم به من النصر على عدوكم، وحسن المنزلة عند أئمتكم، إلا بطاعتكم واتسقامتكم؛ وإن هؤلاء القوم وأشباههم من العرب غيروا فغير الله بهم، فتموا على أحسن ما كنتم عليه من الطاعة يتمم الله لكم أحسن ما ينيلكم من النصر والفلج. ثم جاء حتى انتهى إلى مكانه الذي كان فيه، وأمر الخيل أن تقدم على ابن الغسيل وأصحابه، فأخذت الخيل إذا أقدمت على الرجال فثاروا في وجوهها بالرماح والسيوف نفرت وابذعرت وأحجمت، فنادى فيهم مسلم بن عقبة: يا أهل الشأم، ما جعلهم الله أولى بالأرض منكم، يا حصين بن نمير، انزل في جندك؛ فنزل في أهل حمص، فمشى إليهم، فلما رآهم قد أقبلوا يمشون تحت راياتهم نحو ابن الغسيل قام في أصحابه فقال: يا هؤلاء؛ إن عدوكم قد أصابوا وجه القتال الذي كان ينبغي أن تقاتلوهم به، وإني قد ظننت ألا تلبثوا إلا ساعةً حتى يفصل الله بينكم وبينهم إما لكم وإما عليكم. أما إنكم أهل البصيرة ودار الهجرة، والله ما أظن ربكم أصبح عن أهل بلد من بلدان المسلمين بأرضى منه عنكم، ولا على أهل بلد من بلدان العرب بأسخط منه على هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم. إن لكل امرىء منكم ميتةً هو ميت بها، والله ما من ميتة بأفضل من ميتة الشهادة، وقد ساقها الله إليكم فاغتنموها، فوالله ما كل ما أردتموها وجدتموها. ثم مشى برايته غير بعيد، ثم وقف، وجاء ابن نمير برايته حتى أدناها، وأمر مسلم بن عقبة عبد الله بن عضاه الأشعري فمشى في خمسمائة مرامٍ حتى دنوا من ابن الغسيل وأصحابه، فأخذوا ينضحونهم بالنبل، فقال ابن الغسيل: علام تستهدفون لهم! من أراد التعجل إلى الجنة فليلزم هذه الراية؛ فقام إليه كل مستميت، فقال: الغدو إلى ربكم، فوالله إني لأرجو أن تكونوا عن ساعة قريري عين؛ فنهض القوم بعضهم إلى بعض فاقتتلوا أشد قتال رئي في ذلك الزمان ساعةً من نهار، وأخذ يقدم بنيه أمامه واحداً واحداً حتى قتلوا بين يديه، وابن الغسيل يضرب بسيفه، ويقول:
بغداً لمن رام الفساد وطغى ... وجانب الحق وآيات الهدى
لا يبعد الرحمن إلا من عصى
فقتل، وقتل معه أخوه لأمه محمد بن ثابت بن قيس بن شماس، استقدم فقاتل حتى قتل، وقال: ما أحب أن الديلم قتلوني مكان هؤلاء القوم؛ ثم قاتل حتى قتل وقتل معه محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، فمر عليه مروان ابن الحكم وكأنه برطيل من فضة، فقال: رحمك الله! فرب سارية قد رأيتك تطيل القيام في الصلاة إلى جنبها.
قال هشام: فحدثني عوانة، قال: فبلغنا أن مسلم بن عقبة كان يجلس على كرسي ويحمله الرجال وهو يقاتل ابن الغسيل يوم الحرة وهو يقول:
أحيا أباه هاشم بن حرمله ... يوم الهباتين ويوم اليعمله
كل الملوك عنده مغربله ... ورمحه للوالدات مثكله
لا يلبث القتيل حتى يجدله ... يقتل ذا الذنب ومن لا ذنب له
قال هشام، عن أبي مخنف: وخرج محمد بن سعد بن أبي وقاص يومئذ يقاتل، فلما انهزم الناس مال عليهم يضربهم بسيفه حتى غلبته الهزيمة، فذهب فيمن ذهب من الناس، وأباح مسلم المدينة ثلاثاً يقتلون الناس ويأخذون الأموال؛ فأفزع ذلك من كان بها من الصحابة، فخرج أبو سعيد الخدري حتى دخل في كهف في الجبل، فبصر به رجل من أهل الشأم، فجاء حتى اقتحم عليه الغار.
قال أبو مخنف: فحدثني الحسن بن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، قال: دخل إلي الشامي يمشي بسيفه، قال: فانتضيت سيفي فمشيت إليه لأرعبه لعله ينصرف عني، فأبى إلا الإقدام علي، فلما رأيت أن قد جد شمت سيفي، ثم قلت له: " لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسطٍ يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين " ، فقال لي: من أنت لله أبوك! فقلت: أنا أبو سعيد الخدري؛ قال: صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: نعم؛ فانصرف عني.
قال هشام: حدثني عوانة، قال: دعا الناس مسلم بن عقبة بقباء إلى البيعة، وطلب الأمان لرجلين من قريش: ليزيد بن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى ومحمد بن أبي الجهم بن حذيفة العدوي ولمعقل ابن سنان الأشجعي، فأتى بهما بعد الوقعة بيوم فقال: بايعا، فقال القرشيان: نبايعك على كتاب الله وسنة نبيه؛ فقال: لا والله لا أقيلكم هذا أبداً، فقد مهما فضرب أعناقهما، فقال له مروان: سبحان الله! أتقتل رجلين من قريش أتيا ليؤمنا فضربت أعناقهما! فنخس بالقضيب في خاصرته ثم قال: وأنت والله لو قلت بمقالتهما ما رأيت السماء إلا برقةً.
قال هشام: قال أبو مخنف: وجاء معقل بن سنان، فجلس مع القوم، فدعا بشراب ليسقى، فقال له مسلم: أي الشراب أحب إليك؟ قال: العسل، قال: اسقوه، فشرب حتى ارتوى، فقال له: أقضيت ريك من شرابك؟ قال: نعم، قال: لا والله لا تشرب بعده شراباً أبداً إلا الحميم في نار جهنم، أتذكر مقالتك لأمير المؤمنين: سرت شهراً، ورجعت شهراً، وأصبحت صفراً، اللهم غير - تعني يزيد! فقدمه فضرب عنقه.
قال هشام: وأما عوانة بن الحكم فذكر أن مسلم بن عقبة بعث عمرو بن محرز الأشجعي فأتاه بمعقل بن سنان فقال له مسلم: مرحباً بأبي محمد! أراك عطشان! قال: أجل، قال: شوبوا له عسلاً بالثلج الذي حملتموه معنا - وكان له صديقاً قبل ذلك - فشابوه له، فلما شرب معقل قال له: سقاك الله من شراب الجنة؛ فقال له مسلم: أما والله لا تشرب بعدها شراباً أبداً حتى تشرب من شراب الحميم؛ قال: أنشدك الله والرحيم! فقال له مسلمٍ: أنت الذي لقيتني بطبرية ليلة خرجت من عند يزيد، فقلت: سرنا شهراً ورجعنا من عند يزيد صفراً، نرجع إلى المدينة فنخلع هذا الفاسق، ونبايع لرجل من أبناء المهاجرين! فيم غطفان وأشجع من الخلع والخلافة! إني آليت بيمين لا ألقاك في حرب أقدر فيه على ضرب عنقك إلا فعلت، ثم أمر به فقتل.
قال هشام: قال عوانة: وأتى بزيد بن وهب بن زمعة؛ فقال: بايع، قال: أبايعك على سنة عمر؛ قال: اقتلوه؛ قال: أنا أبايع، قال: لا والله لا أقيلك عثرتك، فكلمه مروان بن الحكم - لصهر كان بينهما - فأمر بمروان فوجئت عنقه، ثم قال: بايعوا على أنكم خول ليزيد بن معاوية، ثم أمر به فقتل.
قال هشام: قال عوانة، عن أبي مخنف. قال: قال عبد الملك بن نوفل ابن مساحق: ثم إن مروان أتي بعلي بن الحسين، وقد كان علي بن الحسين حين أخرجت بنو أمية منع ثقل مروان وامرأته وآواها، ثم خرجت إلى الطائف، فهي أم أبان ابنة عثمان بن عفان، فبعث ابنه عبد الله معها، فشكر ذلك له مروان - وأقبل علي بن الحسين يمشي بين مروان وعبد الملك يلتمس بهما عند مسلم الأمان، فجاء حتى جلس عنده بينهما، فدعا مروان بشراب ليتحرم بذلك من مسلم، فأتي له بشراب، فشرب منه مروان شيئاً يسيراً، ثم ناوله علياً، فلما وقع في يده قالله مسلم: لا تشرب من شرابنا، فأرعدت كفه، ولم يأمنه على نفسه، وأمسك القدح بكفه لا يشربه ولا يضعه، فقال: إنك إنما جئت تمشي بين هؤلاء لتأمن عندي؛ والله لو كان هذا الأمر إليهما لقتلتك، ولكن أمير المؤمنين أوصاني بك، وأخبرني أنك كاتبته، فذلك نافعك عندي، فإن شئت فاشرب شرابك الذي في يدك، وإن شئت دعونا بغيره، فقال: هذه التي في كفي أريد؛ قال: اشربها، ثم قال: إلي ها هنا، فأجلسه معه.
قال هشام: وقال عوانة بن الحكم: لما أتي بعلي بن الحسين إلى مسلم، قال: من هذا؟ قالوا: هذا علي بن الحين؛ قال: مرحباً وأهلاً؛ ثم أجلسه معه على السرير والطنفسة، ثم قال: إن أمير المؤمنين أوصاني بك قبلاًن وهو يقول: إن هؤلاء الخبثاء شغلوني عنك وعن وصلتك؛ ثم قال لعلي: لعل أهلك فزعوا! قال: إي والله، فأمر بدابته فأسرجت، ثم حمله فرده عليها.
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-03-2014, 07:20 PM   #64 (permalink)
بحرجديد
مشرف التاريخ والحضاره - أمير الأبداع - كاتب مميز - مشرف الشهر المميز
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
قال هشام: وذكر عوانة أن عمرو بن عثمان لم يكن فيمن خرج من بني أمية، وأنه أتي به يومئذ إلى مسلم بن عقبة فقال: يا أهل الشام، تعرفون هذا؟ قالوا: لا؛ قال: هذا الخبيث ابن الطيب، هذا عمرو بن عثمان بن عفان أمير المؤمنين، هيه يا عمرو! إذا ظهر أهل المدينة قلت: أنا رجل منكم، وإن ظهر أهل الشام قلت: أنا ابن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، فأمر به فنتفت لحيته، ثم قال: يا أهل الشام، إن أم هذا كانت تدخل الجعل في فيها ثم تقول: يا أمير المؤمنين حاجيتك، ما في فمي؟ وفي فمها ما ساءها وناءها، فخلى سبيله، وكانت أمه من دوس.
قال أبو جعفر الطبري: فحدثني أحمد بن ثابت، عمن حدثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وحدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، عن محمد بن عمر، قالا: كانت وقعة الحرة يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلاث وستين. وقال بعضهم: لثلاث ليالٍ بقين منه.
وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير. حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عبد الله بن جعفر، عن ابن عوف، قال: حج ابن الزبير بالناس سنة ثلاث وستين، وكان يسمى يومئذ العائذ، ويرون الأمر شورى. قال: فلما كانت ليلة هلال المحرم ونحن في منزلنا إذ قدم علينا سعيدٌ مولى المسور بن محرمة، فخبرنا بما أوقع مسلم بأهل المدينة وما نيل منهم، فجاءهم أمرٌ عظيم، فرأيت القوم شهروا وجدوا وأعدوا وعرفوا أنه نازل بهم.
وقد ذكر من أمر وقعة الحرة ومقتل ابن الغسيل أمرٌ غير الذي روي عن أبي مخنف، عن الذين روى ذلك عنهم، وذلك ما حدثني أحمد بن زهير قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا جويرية بن أسماء، قال: سمعت أشياخ أهل المدينة يحدثون أن معاوية لما حضرته الوفاة دعا يزيد فقال له: إن لك من أهل المدينة يوماً، فإن فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة، فإنه رجل قد عرفت نصيحته. فلما هلك معاوية وفد إليه وفدٌ من أهل المدينة، وكان ممن وفد عليه عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر، وكان شريفاً فاضلاً سيداً عابداً، معه ثمانية بنين له، فأعطاه مائة ألف درهم، وأعطى بنيه لكل واحد منهم عشرة آلاف سوى كسوتهم وحملانهم، فلما قدم المدينة عبد الله بن حنظلة أتاه الناس فقالوا: ما وراءك؟ قال: جئتكم من عند رجل والله لو لم أجد إلا بني هؤلاء لجاهدته بهم؛ قالوا: قد بلغنا أنه أجداك وأعطاك وأكرمك؛ قال: قد فعل، وما قبلت منه إلا لأتقوى به؛ وحضض الناس فبايعوه، فبلع ذلك يزيد، فبعث مسلم بن عقبة إليهم، وقد بعث أهل المدينة إلى كل ماء بينهم وبين الشأم، فصبوا فيه زقاً من قطران، وعور، فأرسل الله السماء عليهم، فلم يستقوا بدلوٍ حتى وردوا المدينة، فخرج إليهم أهل المدينة بجموع كثيرة، وهيئة لم ير مثلها. فلما رآهم أهل الشأم هابوهم وكرهوا قتالهم، ومسلم شديد الوجع، فبينما الناس في قتالهم إذ سمعوا التكبير من خلفهم في جوفالمدينة، وأقحم عليهم بنو حارثة أهل الشأم، وهم على الجد، فانهزم الناس، فكان من أصيب في الخندق أكثر ممن قتل من الناس، فدخلوا المدينة، وهزم الناس وعبد الله بن حنظلة مستندٌ إلى أحد بنيه يغط نوماً، فنبهه ابنه، فلما فتح عينيه فرأى ما صنع الناس أمر أكبر بنيه، فتقدم حتى قتل، فدخل مسلم بن عقبة المدينة، فدعا الناس للبيعة على أنهم خولٌ ليزيد بن معاوية، يحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم ما شاء.
ثم دخلت سنة أربع وستين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث

قال أبو جعفر: فمن ذلك مسير أهل الشأم إلى مكة لحرب عبد الله بن الزبير ومن كان على مثل رأيه في الامتناع على يزيد بن معاوية.
ولما فرغ مسلم بن عقبة من قتال أهل المدينة وإنهاب جنده أموالهم ثلاثاً، شخص بمن معه من الجند متوجهاً إلى مكة، كالذي ذكر هشام ابن محمد، عن أبي مخنف، قال: حدثني عبد الملك بن نوفل، أن مسلماً خرج بالناس إلى مكة يريد ابن الزبير، وخلف على المدينة روح بن زنباع الجذامي.
وأما الواقدي فإنه قال: خلف عليها عمرو بن محرز الأشجعي؛ قال: ويقال: خلف عليها روح بن زنباع الجذامي.
ذكر موت مسلم بن عقبة ورمي الكعبة وإحراقهارجع الحديث إلى أبي مخنف. قال: حتى إذا انتهى إلى المشلل - ويقال: إلى قفا المشلل - نزل به الموت، وذلك في آخر المحرم من سنة أربع وستين، فدعا حصين بن نمير السكوني فقال له: يابن برذعة الحمار، أما والله لو كان هذا الأمر إلي ما وليتك هذا الجند، ولكن أمير المؤمنين ولاك بعدي، وليس لأمر أمير المؤمنين مردٌّ؛ خذ عني أربعاً: أسرع السير، وعجل الوقاع، وعم الأخبار، ولا تمكن قرشياً من أذنك. ثم إنه مات، فدفن بقفا المشلل.
قال هشام بن محمد الكلبي: وذكر عوانة أن مسلم بن عقبة شخص يريد ابن الزبير، حتى إذا بلغ ثنية هرشا نزل به الموت، فبعث إلى رءوس الأجناد، فقال: إن أمير المؤمنين عهد إلي إن حدث بي حدث الموت أن أستخلف عليكم حصين بن نمير السكوني، والله لو كان الأمر إلي ما فعلت، ولكن أكره معصية أمر أمير المؤمنين عند الموت؛ ثم دعا به فقال: انظر يا برذعة الحمار فاحفظ ما أوصيك به؛ عم الأخبار، ولا ترع سمعك قريشاً أبداً، ولا تردن أهل الشأم عن عدوهم، ولا تقميمن إلا ثلاثاً حتى تناجز ابن الزبير الفاسق؛ ثم قال: اللهم إني لم أعمل عملاً قط بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله أحب إلي من قتلي أهل المدينة، ولا أرجى عندي في الآخرة. ثم قال لبني مرة: زراعتي التي بحوران صدقةٌ على مرة، وما أغلقت عليه فلانة بابها فهو لها - يعني أم ولده - ثم مات.
ولما مات خرج حصين بن نمير بالناس، فقدم على ابن الزبير مكة وقد بايعه أهلها وأهل الحجاز.
قال هشام: قال عوانة: قال مسلم قبل الوصية: إن ابني يزعم أن أم ولدي هذه سقتني السم؛ وهو كاذب، هذا داءٌ يصيبنا في بطوننا أهل البيت. قال: وقدم عليه - يعني ابن الزبير - كل أهل المدينة، وقد قدم عليه نجدة بن عامر الحنفي في أناس من الخوارج يمنعون البيت، فقال لأخيه المنذر: ما لهذا الأمر ولدفع هؤلاء القوم غيري وغيرك - وأخوه المنذر ممن شهد الحرة، ثم لحق به - فجرد إليهم أخاه في الناس، فقاتلهم ساعةً قتالاً شديداً. ثم إن رجلاً من أهل الشأم دعا المنذر إلى المبارزة - قال: والشأمي على بغلة له - فخرج إليه المنذر، فضرب كل واحد منهما صاحبه ضربةً خر صاحبه لها ميتاً، فجثا عبد الله بن الزبير على ركبتيه وهو يقول: يا رب أبرها من أصلها ولا تشدها، وهو يدعو على الذي بارز أخاه. ثم إن أهل الشأم شدوا عليهم شدةً منكرة، وانكشف أصحابه انكشافةً، وعثرت بغلته فقال: تعساً! ثم نزل وصاح بأصحابه: إلي؛ فأقبل إليه المسور بن مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة، ومصعب بن عبد الرحمن ابن عوف الزهري، فقاتلوا حتى قتلوا جميعاً. وصابرهم ابن الزبير يجالدهم حتى الليل، ثم انصرفوا عنه؛ وهذا في الحصار الأول. ثم إنهم أقاموا عليه يقاتلونه بقية المحرم وصفر كله، حتى إذا مضت ثلاثة أيام من شهر ربيع الأول يوم السبت سنة أربع وستين قذفوا البيت بالمجانيق، وحرقوه بالنار، وأخذوا يرتجزون ويقولون:
خطارةٌ مثل الفنيق المزبد ... نرمي بها أعواد هذا المسجد
قال هشام: قال أبو عوانة: جعل عمرو بن حوط السدوسي يقول:
كيف ترى صنيع أم فروه ... تأخذهم بين الصفا والمروه
يعني بأم فروة المنجنيق.
وقال الواقدي: سار الحسين بن نمير حين دفن مسلم بن عقبة بالمشلل لسبع بقين من المحرم، وقدم مكة لأربع بقين من المحرم، فحاصر ابن الزبير أربعاً وستين يوماً حتى جاءهم نعي يزيد بن معاوية لهلال ربيع الآخر.
ذكر الخبر عن حرق الكعبةوفي هذه السنة حرقت الكعبة.
ذكر السبب في إحراقهاقال محمد بن عمر: احترقت الكعبة يوم السبت لثلاث ليال خلون من شهر ربيع الأول سنة أربع وستين قبل أن يأتي نعي يزيد بن معاوية بتسعة وعشرين يوماً، وجاء نعيه لهلال ربيع الآخر ليلة الثلاثاء.
قال محمد بن عمر: حدثنا رياح بن مسلم، عن أبيه، قال: كانوا يوقدون حول الكعبة، فأقبلت شررة هبت بها الريح، فاحترقت ثياب الكعبة، واحترق خشب البيت يوم السبت لثلاث ليال خلون من ربيع الأول.
قال محمد بن عمر: وحدثني عبد الله بن زيد، قال: حدثني عروة بن أذينة، قال: قدمت مكة مع أمي يوم احترقت الكعبة قد خلصت إليها النار، ورأيتها مجردة من الحرير، ورأيت الركن قد اسود وانصدع في ثلاثة أمكنة، فقلت: ما أصاب الكعبة؟ فأشاروا إلى رجل من أصحاب عبد الله بن الزبير، قالوا: هذا احترقت بسببه، أخذ قبساً في رأس رمح له فطيرت الريح به، فضربت أستار الكعبة ما بين الركن اليماني والأسود.
ذكر خبر وفاة يزيد بن معاوية وفيها هلك يزيد بن معاوية، وكانت وفاته بقرية من قرى حمص يقال لها حوارين من أرض الشأم، لأربع عشرة ليلةً خلت من ربيع الأول سنة أربع وستين وهو ابن ثمان وثلاثين سنةً في قول بعضهم.
حدثني عمر بن شبة، قال: حدثنا محمد بن يحيى، عن هشام بن الوليد المخزومي، أن الزهري كتب لجده أسنان الخلفاء، فكان فيما كتب من ذلك: ومات يزيد بن معاوية وهو ابن تسع وثلاثين؛ وكانت ولايته ثلاث سنين وستة أشهر في قول بعضهم، ويقال: ثمانية أشهر.
وحدثني أحمد بن ثابت عمن حدثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، أنه قال: توفي يزيد بن معاوية يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وكانت خلافته ثلاث سنين وثمانية أشهر إلا ثمان ليالٍ، وصلى على يزيد ابنه معاوية بن يزيد.
وأما هشام بن محمد الكلبي فإنه قال في سن يزيد خلاف الذي ذكره الزهري؛ والذي قال هشام في ذلك - فيما حدثنا عنه - : استخلف أبو خالد يزيد ابن معاوية بن أبي سفيان وهو ابن اثنتين وثلاثين سنةً وأشهر في هلال رجب سنة ستين، وولي سنتين وثمانية أشهر، وتوفي لأربع عشرة ليلةً خلت من ربيع الأول سنة ثلاثٍ وستين وهو ابن خمس وثلاثين، وأمه ميسون بنت بحدل بن أنيف بن ولجة بن قنافة بن عدي بن زهير بن حارثة الكلبي.
ذكر عدد ولدهفمنهم معاوية بن يزيد بن معاوية، يكنى أبا ليلى، وهو الذي يقول فيه الشاعر:
إني أرى فتنةً قد حان أولها ... والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا
وخالد بن يزيد - وكان يكنى أبا هاشم، وكان يقال: إنه أصاب عمل الكيمياء - وأبو سفيان، وأمههما أم هاشم بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، تزوجها بعد يزيد مروان، وهي التي يقول لها الشاعر:
انعمي أم خالدٍ ... رب ساعٍ لقاعد
وعبد الله بن يزيد، قيل: إنه من أرمى العرب في زمانه، وأمه أم كلثوم بنت عبد الله بن عامر، وهو الأسوار، وله يقول الشاعر:
زعم الناس أن خير قريش ... كلهم حين يذكر الأسوار
وعبد الله الأصغر، وعمر، وأبو بكر، وعتبة؛ وحرب، وعبد الرحمن، والربيع، ومحمد؛ لأمهات أولادٍ شتى.
خلافة معاوية بن يزيد وفي هذه السنة بويع لمعاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بالشأم بالخلافة، ولعبد الله بن الزبير بالحجاز.
ولما هلك يزيد بن معاوية مكث الحصين بن نمير وأهل الشأم يقاتلون ابن الزبير وأصحابه بمكة - فيما ذكر هشام عن عوانة - أربعين يوماً، قد حصروهم حصاراً شديداً، وضيقوا عليهم. ثم بلغ موته ابن الزبير وأصحابه، ولم يبلغ الحصين بن نمير وأصحابه؛ فحدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: حدثنا عبد العزيز بن خالد بن رستم الصنعاني أبو محمد قال: حدثنا زياد بن جيل، قال: بينا حصين بن نمير يقاتل ابن الزبير، إذ جاء موت يزيد؛ فصاح بهم ابن الزبير، فقال: إن طاغيتكم قد هلك، فمن شاء منكم أن يدخل فيما دخل فيه الناس فليفعل، فمن كره فليلحق بشأمه، فغدوا عليه يقاتلونه. قال: فقال ابن الزبير للحصين بن نمير: ادن مني أحدثك، فدنا منه فحدثه، فجعل فرس أحدهما يجفل - والجفل: الروث - فجاء حمام الحرم يلتقط من الجفل، فكف الحصين فرسه عنهن، فقال له ابن الزبير: ما لك؟ قال: أخاف أن يقتل فرسي حمام الحرم؛ فقال له ابن الزبير: أتتحرج من هذا وتريد أن تقتل المسلمين! فقال له: لا أقاتلك؛ فأذن لنا نطف بالبيت، وننصرف عنك، ففعل فانصرفوا.
وأما عوانة بن الحكم فإنه قال - فيما ذكر هشام، عنه - قال: لما بلغ ابن الزبير موت يزيد - وأهل الشأم لا يعلمون بذلك، قد حصروه حصاراً شديداً وضيقوا عليه - أخذ يناديهم هو وأهل مكة: علام تقاتلون؟ قد هلك طاغيتكم؛ وأخذوا لا يصدقونه حتى قدم ثابت بن قيس بن المنقع النخعي من أهل الكوفة في رءوس أهل العراق، فمر بالحصين بن نمير - وكان له صديقاً، وكان بينهما صهر، وكان يراه عند معاوية، فكان يعرف فضله وإسلامه وشرفه - فسأل عن الخبر، فأخبره بهلاك يزيد، فبعث الحصين ابن نمير إلى عبد الله بن الزبير، فقال: موعد ما بيننا وبينك الليلة الأبطح، فالتقيا، فقال له الحصين: إن يك هذا الرجل قد هلك فأنت أحق الناس بهذا الأمر؛ هلم فلنبايعك، ثم اخرج معي إلى الشأم، فإن هذا الجند الذين معي هم وجوه أهل الشأم وفرسانهم، فوالله لا يختلف عليك اثنان، وتؤمن الناس وتهدر هذه الدماء التي كانت بيننا وبينك، والتي كانت بيننا وبين أهل الحرة؛ فكان سعيد بن عمرو يقول: ما منعه أن يبايعهم ويخرج إلى الشأم إلا تطيرٌ، لأن مكة التي منعه الله بها؛ وكان ذلك من جند مروان، وإن عبد الله والله لو سار معهم حتى يدخل الشأم ما اختلف عليه منهم اثنان. فزعم بعض قريش أنه قال: أنا أهدر تلك الدماء! أما والله لا أرضى أن أقتل بكل رجل منهم عشرة، وأخذ الحصين يكلمه سراً، وهو يجهر جهراً، وأخذ يقول: لا والله لا أفعل؛ فقال له الحصين بن نمير: قبح الله من يعدك بعد هذه داهياً قط أو أديباً! قد كنت أظن أن لك رأياً. ألا أراني أكلمك سراً وتكلمني جهراً، وأدعوك إلى الخلافة، وتعدني القتل والهلكة! ثم قام فخرج وصاح في الناس، فأقبل فيهم نحو المدينة، وندم ابن الزبير على الذي صنع، فأرسل إليه: أما أن أسير إلى الشأم فلست فاعلاً، وأكره الخروج من مكة، ولكن بايعوا لي هنالك فإني مؤمنكم وعادلٌ فيكم. فقال له الحصين: أرأيت إن لم تقدم بنفسك، ووجدت هنالك أناساً كثيراً من أهل هذا البيت يطلبونها يجيبهم الناس، فما أنا صانعٌ؟ فأقبل بأصحابه ومن معه نحو المدينة، فاستقبله علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ومعه قتٌّ وشعيرٌ، وهو على راحلة له، فسلم على الحصين، فلم يكد يلتفت إليه، ومع الحصين بن نمير فرسٌ له عتيق، وقد فني قته وشعيره، فهو غرضٌ، وهو يسب غلامه ويقول: من أين نجد هنا لدابتنا علفاً! فقال له علي بن الحسين: هذا علفٌ عندنا، فاعلف منه دابتك، فأقبل على عليٍّ عند ذلك بوجهه، فأمر له بما كان عنده من علف، واجترأ أهل المدينة وأهل الحجاز على أهل الشأم فذلوا حتى كان لا ينفرد منهم رجل إلا أخذ بلجام دابته ثم نكس عنها، فكانوا يجتمعون في معسكرهم فلا يفترقون. وقالت لهم بنو أمية: لا تبرحوا حتى تحملونا معكم إلى الشأم، ففعلوا، ومضى ذلك الجيش حتى دخل الشأم، وقد أوصيى يزيد بن معاوية بالبيعة لابنه معاوية ابن يزيد، فلم يلبث إلا ثلاثة أشهر حتى مات.
وحدثني عمر، عن علي بن محمد، قال: لما استخلف معاوية بن يزيد وجمع عمال أبيه، وبويع له بدمشق، هلك بها بعد أربعين يوماً من ولايته.
ويكنى أبا عبد الرحمن، وهو أبو ليلى، وأمه أم هاشم بنت أبي هاشم ابن عتبة بن ربيعة، وتوفي وهو ابن ثلاث عشرة سنةً وثمانية عشر يوماً.
وفي هذه السنة بايع أهل البصرة عبيد الله بن زياد، على أن يقوم لهم بأمرهم حتى يصطلح الناس على إمام يرتضونه لأنفسهم، ثم أرسل عبيد الله رسولاً إلى الكوفة يدعوهم إلى مثل الذي فعل من ذلك أهل البصرة، فأبوا عليه، وحصبوا الوالي الذي كان عليهم، ثم خالفه أهل البصرة أيضاً، فهاجت بالبصرة فتنة، ولحق عبيد الله بن زياد بالشأم.
ذكر الخبر عما كان من أمر عبيد الله بن زياد وأمر أهل البصرة معه بها بعد موت يزيد وحدثني عمر بن شبة، قال: حدثني موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن، قال: كتب الضحاك ابن قيس إلى قيس بن الهيثم حين مات يزيد بن معاوية: سلامٌ عليك، أما بعد، فإن يزيد بن معاوية قد مات، وأنتم إخواننا، فلا تسبقونا بشيء حتى نختار لأنفسنا.
حدثني عمر، قال: حدثنا زهير بن حرب، قال: حدثنا وهب بن حماد، قال: حدثنا محمد بن أبي عيينة؛ قال: حدثني شهرك، قال: شهدت عبيد الله بن زياد حين مات يزيد بن معاوية قام خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
يا أهل البصرة، انسبوني، فوالله لتجدن مهاجر والدي ومولدي فيكم، وداري، ولقد وليتكم وما أحصى ديوان مقاتلتكم إلا سبعين ألف مقاتل ولقد أحصى اليوم ديوان مقاتلتكم ثمانين ألفاً، وما أحصى ديوان عمالكم إلا تسعين ألفاً، ولقد أحصي اليوم مائة وأربعين ألفاً، وما تركت لكم ذا ظنةٍ أخافه عليكم إلا وهو في سجنكم هذا. وإن أمير المؤمنين يزيد بن معاويةً قد توفي، وقد اختلف أهل الشأم، وأنتم اليوم أكثر عدداً، وأعرضه فناءً، وأغناه عن الناس، وأوسعه بلاداً، فاختاروا لأنفسكم رجلاً ترتضونه لدينكم وجماعتكم، فأنا أول راض من رضيتموه وتابع، فإن اجتمع أهل الشأم على رجل ترتضونه، دخلتم فيما دخل فيه المسلمون، وإن كرهتم ذلك كنتم عى جديلتكم حتى تعطوا حاجتكم، فما بكم إلى أحد من أهل البلدان حاجةٌ، وما يستغني الناس عنكم.
فقامت خطباء أهل البصرة فقالوا: قد سمعنا مقالتك أيها الأمير، وإنا والله ما نعلم أحداً أقوى عليها منك، فهلم فلنبايعك؛ فقال: لا حاجة لي في ذلك، فاختاروا لأنفسكم؛ فأبوا عليه، وأبى عليهم، حتى كرروا ذلك عليه ثلاث مرات، فلما أبوا بسط يده فبايعوه، ثم انصرفوا بعد البيعة وهم يقولون: لا يظن ابن مرجانة أنا نستقاد له في الجماعة والفرقة، كذب والله! ثم وثبوا عليه.
حدثني عمر، قال زهير: قال: حدثنا وهب، قال: وحدثنا الأسود ابن شيبان، عن خالد بن سمير، أن شقيق بن ثور ومالك بن مسمع وحضين ابن المنذر أتوا عبيد الله ليلاً وهو في دار الإمارة، فبلغ ذلك رجلاً من الحي من بني سدوس؛ قال: فانطلقت فلزمت دار الإمارة، فلبثوا معه حتى مضى عليه الليل، ثم خرجوا ومعهم بغلٌ موقرٌ مالاً؛ قال: فأتيت حضيناً فقلت: مر لي من هذا المال بشيء - قال: وعلى المال مولىً له يقال له: أيوب - فقال: يا أيوب، أعطه مائة درهم؛ قلت: أما مائة درهم والله لا أقبلها، فسكت عني ساعةً، وسار هنيهة، فأقبلت عليه فقلت: مر لي من هذا المال بشيء، فقال: يا أيوب، أعطه مائتي درهم، قلت: لا أقبل والله مائتين، ثم أمر بثلثمائة ثم أربعمائة، فلما انتهينا إلى الطفاوة قلت: مر لي بشيء؛ قال: أرأيت إن لم أفعل ما أنت صانع؟ قلت: أنطلق والله حتى إذا توسطت دور الحي وضعت إصبعي في أذني، ثم صرخت بأعلى صوتي: يا معشر بكر بن وائل، هذا شقيق بن ثور وحضين بن المنذر ومالك بن المسمع، قد انطلقوا إلى ابن زياد، فاختلفوا في دمائكم؛ قال: ما له فعل الله به وفعل! ويلك أعطه خمسمائة درهم؛ قال: فأخذتها ثم صبحت غادياً على مالك - قال وهب: فلم أحفظ ما أمر له به مالك - قال: ثم رأيت حضيناً فدخلت عليه، فقال: ما صنع ابن عمك؟ فأخبرته وقلت: أعطني من هذا المال؛ فقال: إنا قد أخذنا هذا المال ونجونا به، فلن نخشى من الناس شيئاً، فلم يعطني شيئاً.
قال أبو جعفر: وحدثني أبو عبيدة معمر بن المثنى أن يونس بن حبيب الجرمي حدثه، قال: لما قتل عبيد الله بن زياد الحسين بن علي رضي الله عنه وبني أبيه، بعث برءوسهم إلى يزيد بن معاوية، فسر بقتلهم أولاً، وحسنت بذلك منزلة عبيد الله عنده، ثم لم يلبث إلا قليلاً حتى ندم على قتل الحسين، فكان يقول: وما كان علي لو احتملت الأذى وأنزلته معي في داري، وحكمته فيما يريد، وإن كان علي في ذلك وكفٌ ووهنٌ في سلطاني، حفظاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورعايةً لحقه وقرابته! لع الله ابن مرجانة، فإنه أخرجه واضطره، وقد كان سأله أن يخلى سبيله ويرجع فلم يفعل، أو يضع يده في يدي، أو يلحق بثغر من ثغور المسلمين، وزرع لي في قلوبهم العداوة، فبغضني البر والفاجر، بما استعظم الناس من قتلي حسيناً؛ مالي ولابن مرجانة لعنه الله وغضب عليه! ثم إن عبيد الله بعث مولىً يقال له أيوب بن حمران إلى الشأم ليأتيه بخبر يزيد، فركب عبد الله ذات يوم حتى إذا كان في رحبة القصابين، إذا هو بأيوب بن حمران قد قدم، فلحقه فأسر إليه موت يزيد بن معاوية، فرجع عبيد الله من مسيره ذلك فأتى منزله، وأمر عبد الله بن حصن أحد بني ثعلبة بن يربوع فنادى: الصلاة جامعة.
قال أبو عبيدة: وأما عمير بن معن الكاتب، فحدثني قال: الذي بعثه عبيد الله حمران مولاه، فعاد عبيد الله عبد الله بن نافع أخي زياد لأمه، ثم خرج عبيد الله ماشياً من خوخة كانت في دار نافع إلى المسجد، فلما كان في صحته إذا هو بمولاه حمران أدنى ظلمة عند المساء - وكان حمران رسول عبيد الله بن زياد إلى معاوية حياته وإلى يزيد - فلما رآه ولم يكن آن له أن يقدم - قال: مهيم! قال: خيرٌ، قال: وما وراءك؟ قال: أدنو منك؟ قال: نعم - وأسر إليه موت يزيد واختلاف أمر الناس بالشأم، وكان يزيد مات يوم الخميس للنصف من شهر ربيع الأول سنة أربع وستين - فأقبل عبيد الله من فوره، فأمر منادياً فنادى: الصلاة جامعة، فلما اجتمع الناس صعد المنبر فنعى يزيد، وعرض بثلبه لقصد يزيد إياه قبل موته حتى يخافه عبيد الله، فقال الأحنف لعبيد الله: إنه قد كانت ليزيد في أعناقنا بيعة، وكان يقال: أعرض عن ذي فنن، فأعرض عنه، ثم قام عبيد الله يذكر اختلاف أهل الشام، وقال: إني قد وليتكم.. ثم ذكر نحو حديث عمر بن شبة، عن زهير بن حرب إلى: فبايعوه عن رضاً منهم ومشورةٍ. ثم قال: فلما خرجوا من عنده جعلوا يمسحون أكفهم بباب الدار وحيطانه، ويقولون: ظن ابن مرجانة أنا نوليه أمرنا في الفرقة! قال: فأقام عبيد الله أميراً غير كثير حتى جعل سلطانه يضعف، ويأمرنا بالأمر فلا يقضى، ويرى الرأي فيرد عليه، ويأمر بحبس المخطىء فيحال بين أعوانه وبينه.
قال أبو عبيدة: فسمعت غيلان بن محمد يحدث عن عثمان البتي، قال: حدثني عبد الرحمن نب جوشن ، قال: تبعت جنازةً فلما كان في سوق الإبل إذا رجلٌ على فرس شهباء متقنعٌ بسلاح وفي يده لواء، وهو يقول: أيها الناس، هلموا إلي أدعكم إلى ما لم يدعكم إليه أحد، أدعوكم إلى العائذ بالحرم - يعني عبد الله بن الزبير. قال: فتجمع إليه نويس، فجعلوا يصفقون على يديه، ومضينا حتى صلينا على الجنازة، فلما رجعنا إذا هو قد انضم إليه أكثر من الأولين، ثم أخذ بين دار قيس بن الهيثم بن أسماء بن الصلت السلمي ودار الحارثيين قبل بني تميم في الطريق الذي يأخذ عليهم، فقال: ألا من أرادني فأنا سلمة بن ذؤيب - وهو سلمة بن ذؤيب بن عبد الله بن محكم بن زيد بن رياح بن يربوع بن حنظلة - قال: فلقيني عبد الرحمن بن بكر عند الرحبة، فأخبرته بخبر سلمة بعد رجوعي، فأتى عبد الرحمن عبيد الله فحدثه بالحديث عني، فبعث إلي، فأتيته، فقال: ما هذا الذي خبر به عنك أبو بحر؟ قال: فاقتصصت عليه القصة حتى أتيت على آخرها، فأمر فنودي على المكان: الصلاة جامعة، فتجمع الناس، فأنشأ عبيد الله يقص أمره وأمرهم، وما قد كان دعاهم إلى من يرتضونه، فيبايعه معهم، وإنكم أبيتم غيري، وإنه بلغني أنكم مسحتم أكفكم بالحيطان وباب الدار، وقلتم ما قلتم، وإني آمر بالأمر فلا ينفذ، ويرد علي رأيي، وتحول القبائل بين أعواني وطلبتي، ثم هذا سلمة بن ذؤيب يدعو إلى الخلاف عليكم، إرادة أن يفرق جماعتكم، ويضرب بعضكم جباه بعض بالسيف. فقال الأحنف صخر بن قيس ابن معاوية بن حصين بن عبادة بن النزال بن مرة بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، والناس جميعاً: نحن نأتيك بسلمة؛ فأتوا سلمة، فإذا جمعه قد كشف، وإذا الفتق قد اتسع على الراتق، وامتنع عليهم، فلما رأوا ذلك قعدوا عن عبيد الله بن زياد فلم يأتوه.
قال أبو عبيدة: فحدثني غير واحد، عن سبرة بن الجارود الهذلي، عن أبيه الجارود، قال: وقال عبيد الله في خطبته: يا أهل البصرة، والله لقد لبسنا الخز واليمنة واللين من الثياب حتى لقد أجمنا ذلك وأجمته جلودنا، فما بنا إلى أن نعقبها الحديد! يا أهل البصرة، والله لو اجتمعتم على ذنب عير لتكسروه وما كسرتموه. قال الجارود: فوالله ما رمي بجماح حتى هرب، فتوارى عند مسعود فلما قتل مسعود لحق بالشأم.
قال يونس: وكان في بيت مال عبيد الله يوم خطب الناس قبل خروج سلمة ثمانية آلاف ألف أو أقل - وقال علي بن محمد: تسعة عشر ألف ألف - فقال للناس: إن هذا فيئكم، فخذوا أعطياتكم وأرزاق ذراريكم منه، وأمر الكتيبة بتحصيل الناس وتخريج الأسماء، واستعجل الكتاب في ذلك حتى وكل بهم من يحبسهم بالليل في الديوان، وأسرجوا بالشمع. قال: فلما صنعوا ما صنعوا وقعدوا عنه، وكان من خلاف سلمة عليه ما كان، كف عن ذلك، ونقلها حين هرب، فهي إلى اليوم تردد في آل زياد، فيكون فيهم العرس أو المأتم فلا يرى في قريش مثلهم، ولا في قريش أحسن منهم في الغضارة والكسوة. فدعا عبيد الله رؤساء خاصة السلطان، فأرادهم أن يقاتلوا معه، فقالوا: إن أمرنا قوادنا قاتلنا معك، فقال إخوة عبيد الله لعبيد الله: والله ما من خليفة فتقاتل عنه فإن هزمت فئت إليه وإن استمددته أمدك، وقد علمت أن الحرب دول، فلا ندري لعلها تدول عليك، وقد اتخذنا بين أظهر هؤلاء اقوم أموالاً، فإن ظفروا أهلكونا وأهلكوها، فلم تبق لك باقية. وقال له أخوه عبد الله لأبيه وأمه مرجانة: والله لئن قاتلت القوم لأعتمدن على ظبة السيف حتى يخرج من صلبي. فلما رأى ذلك عبيد الله أرسل إلى حارث بن قيس بن صهبان بن عون بن علاج بن مازن بن أسود بن جهضم بن جذيمة بن مالك بن فهم، فقال له: يا حار، إن أبي كان أوصاني إن احتجت إلى الهرب يوماً أن أختاركم، وإن نفسي تأبى غيركم، فقال الحارث: قد أبلوك في أبيك ما قد علمت، وأبلوه فلم يجدوا عنده ولا عندك مكافأةً، وما لك مردٌّ إذا اخترتنا، وما أدري كيف أتاني لك إن أخرجتك نهاراً! إني أخاف ألا أصل بك إلى قومي حتى تقتل وأقتل، ولكني أقيم معك حتى إذا وارى دمسٌ دمساً وهدأت القدم، ردفت خلفي لئلا تعرف، ثم أخذتك على أخوالي بني ناجية، قال عبيد الله: نعم ما رأيت، فأقام حتى إذا قيل: أخوك أم الذئب؛ حمله خلفه، وقد نقل تلك الأموال فأحرزها، ثم انطلق به يمر به على الناس، وكانوا يتحارسونه مخافة الحرورية فيسأل عبيد الله أين نحن؟ فيخبره؛ فلما كانوا في بني سليم قال عبيد الله: أين نحن؟ قال: في بني سليم؛ قال: سلمنا إن شاء الله، فلما أتى بني ناجية قال: أين نحن؟ قال: في بني ناجية؛ قال: نجونا إن شاء الله؛ فقال بنو ناجية: من أنت؟ قال: الحارث بن قيس؛ قالوا: ابن أختكم؛ وعرف رجل منهم عبيد الله فقال: ابن مرجانة! فأرسل سهماً فوقع في عمامته، ومضى به الحارث حتى ينزله دار نفسه في الجهاضم، ثم مضى إلى مسعود بن عمرو بن عدي بن محارب بن صنيم بن مليح بن شرطان بن معن بن مالك بن فهم، فقالت الأزد ومحمد بن أبي عيينة، فلما رآه مسعود قال: يا حار، قد كان يتعوذ من سوء طوارق الليل، فنعوذ بالله من شر ما طرقتنا به؛ قال الحارث: لم أطرقك إلا بخير، وقد علمت أن قومك قد أنجوا زياداً فوفوا له، فصارت لهم مكرمة في العرب يفتخرون بها عليهم، وقد بايعتم عبيد الله بيعة الرضا؛ رضاً عن مشورة، وبيعةً أخرى قد كانت في أعناقكم قبل البيعة - يعني بيعة الجماعة - فقال له مسعود: يا حار، أترى لنا أن نعادي أهل مصرنا في عبيد الله، وقد أبلينا في أبيه ما أبلينا، ثم لم نكافأ عليه، ولم نشكر! ما كنت أحسب أن هذا من رأيك؛ قال الحارث: إنه لا يعاديك أحد على الوفاء ببيعتك حتى تبلغه مأمنه.
قال أبو جعفر: وأما عمر فحدثني قال: حدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا أبي، عن الزبير بن الخريت، عن أبي لبيد الجهضمي، عن الحارث بن قيس، قال: عرض نفسه - يعني عبيد الله بن زياد - علي، فقال: أما والله إني لأعرف سوء رأي كان في قومك؛ قال: فوقفت له، فأردفته على بغلتي - وذلك ليلاً - فأخذت على بني سليم، فقال: من هؤلاء؟ قلت: بنو سليم؛ قال: سلمنا إن شاء الله؛ ثم مررنا ببني ناجية وهم جلوسٌ ومعهم السلاح - وكان الناس يتحارسون إذ ذاك في مجالسهم - فقالوا: من هذا؟ قلت: الحارث بن قيس، قالوا: امض راشداً، فلما مضينا قال رجل منهم: هذا والله ابن مرجانة خلفه، فرماه بسهم، فوضعه في كور عمامته، فقال: يا أبا محمد، من هؤلاء؟ قال: الذين كنت تزعم أنهم من قريش، هؤلاء بنو ناجية؛ قال: نجونا إن شاء الله، ثم قال: يا حارث، إنك قد أحسنت وأجملت، فهل أنت صانع ما أشير عليك؟ قد علمت منزلة مسعود بن عمرو في قومه وشرفه وسنه وطاعة قومه له، فهل لك أن تذهب بي إليه فأكون في داره، فهي وسط الأزد، فإنك إن لم تفعل صدع عليك أمر قومك؛ قلت: نعم؛ فانطلقت به، فما شعر مسعودٌ بشيء حتى دخلنا عليه وهو جالسٌ ليلتئذٍ يوقد بقضيب على لبنةٍ، وهو يعالج خفية قد خلع أحدهما وبقي الآخر، فلما نظر في وجوهنا عرفنا وقال: إنه كان يتعوذ من طوارق السوء، فقلت له: أفتخرجه بعد ما دخل عليك بيتك! قال: فأمره فدخل بيت عبد الغافر بن مسعود - وامرأة عبد الغافر يومئذ خيرة بنت خفاف بن عمرو - قال: ثم ركب مسعود من ليلته ومعه الحارث وجماعة من قومه، فطافوا في الأزد ومجالسهم، فقالوا: إن ابن زياد قد فقد، وإنا لا نأمن أن تلطخوا به، فأصبحوا في السلاح، وفقد الناس ابن زياد فقالوا: أين توجه؟ فقالوا: ما هو إلا في الأزد.
قال وهب: فحدثنا أبو بكر بن الفضل، عن قبيصة بن مروان أنهم جعلوا يقولون: أين ترون توجه؟ فقالت عجوز من بني عقيل: أين ترونه توجه! اندحس والله في أجمة أبيه.
وكانت وفاة يزيد حين جاءت ابن زياد وفي بيوت مال البصرة ستة عشر ألف ألف، ففرق ابن زياد طائفةً منها في بني أبيه، وحمل الباقي معه، وقد كا دعا البخارية إلى القتال معه، ودعا بني زياد إلى ذلك فأبوا عليه.
حدثني عمر، قال: حدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا الأسود بن شيبان، عن عبد الله بن جرير المازني، قال: بعث إلي شقيق بن ثور فقال لي: إنه قد بلغني أن ابن منجوف هذا وابن مسمع يدلجان بالليل إلى دار مسعود ليردا ابن زياد إلى الدار ليصلوا بين هذين الغارين، فيهريقوا دماءكم، ويعزوا أنفسهم، ولقد هممت أن أبعث إلى ابن منجوف فأشده وثاقاً، وأخرجه عني؛ فاذهب إلى مسعود فاقرأ عليه السلام مني، وقل له: إن ابن منجوف وابن مسمع يفعلان كذا وكذا، فأخرج هذين الرجلين عنك. قال: وكان معه عبيد الله وعبد الله ابنا زياد. قال: فدخلت على مسعود وابنا زياد عنده: أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، فقلت: السلام عليك أبا قيس، قال: وعليك السلام؛ قلت: بعثني إليك شقيق بن ثور يقرأ عليك السلام ويقول لك: إنه بلغني، فرد الكلام بعينه إلى فأخرجهما عنك؛ قال مسعود: والله فعلت ذاك؛ فقال عبيد الله: كيف أبا ثور - ونسي كنيته، إنما كان يكنى أبا الفضل - فقال أخوه عبد الله: إنا والله لا نخرج عنكم، قد أجرتمونا، وعقدتم لنا ذمتكم، فلا نخرج حتى نقتل بين أظهركم، فيكون عاراً عليكم إلى يوم القيامة.
قال وهب: حدثنا الزبير بن الخريت، عن أبي لبيد، أن أهل البصرة اجتمعوا فقلدوا أمرهم النعمان بن صهبان الراسبي ورجلاً من مضر ليختارا لهم رجلاً فيولوه عليهم، وقالوا: من رضيتما لنا فقد رضيناه. وقال غير أبي لبيد: الرجل المضري في بني أمية، ورأي النعمان في بني هاشم، فقال النعمان: ما أرى أحداً أحق بهذا الأمر من فلان - لرجل من بني أمية - قال: وذلك رأيك؟ قال: نعم؛ قال: قد قلدتك أمري، ورضيت من رضيت. ثم خرجا إلى الناس، فقال المضري: قد رضيت من رضي النعمان، فمن سمي لكم فأنا به راضٍ؛ فقالوا للنعمان: ما تقول! فقال: ما أرى أحداً غير عبد الله ابن الحارث - وهو ببة - فقال المضري: ما هذا الذي سميت لي؟ قال: بلى، لعمري إنه لهو، فرضي الناس بعبد الله وبايعوه.
قال أصحابنا: دعت مضر إلى العباس بن الأسود بن عوف الزهري، ابن أخي عبد الرحمن بن عوف، ودعت اليمن إلى عبد الله بن الحارث بن نوفل، فتراضى الناس أن حكموا قيس بن الهيثم والنعمان بن صهبان الراسبي لينظرا في أمر الرجلين، فاتفق رأيهما على أن يوليا المضري الهاشمي إلى أن يجتمع أمر الناس على إمام؛ فقيل في ذلك:
نزعنا وولينا وبكر بن وائلٍ ... تجر خصاها تبتغي من تحالف
فلما أمروا ببه على البصرة ولى شرطته هميان بن عدي السدوسي.
قال أبو جعفر: وأما أبو عبيدة فإنه - فيما حدثني محمد بن علي، عن أبي سعدان، عنه - قص من خبر مسعود وعبيد الله بن زياد وأخيه غير القصة التي قصتها وهب بن جرير، عمن روى عنهم خبرهم، قال: حدثني مسلمة ابن محارب بن سلم بن زياد وغيره من آل زياد، عمن أدرك ذلك منهم ومن مواليهم والقوم أعلم بحديثهم، أن الحارث بن قيس لم يكلم مسعوداً، ولكنه آمن عبيد الله، فحمل معه مائة ألف درهم، ثم أتى بها إلى أم بسطام امرأة مسعود، وهي بنت عمه، ومعه عبيد الله وعبد الله ابنا زياد، فاستأذن عليها، فأذنت له، فقال لها الحارث: قد أتيتك بأمر تسودين به نساءك وتتمين به شرف قومك، وتعجلين غنىً ودنيا لك خاصة، هذه مائة ألف درهم فاقبضيها، فهي لك، وضمي عبيد الله. قالت، إني أخاف ألا يرضي مسعود بذلك ولا يقبله؛ فقال الحارث: ألبسيه ثوباً من أثوابي، وأدخليه بيتك، وخلي بيننا وبين مسعود؛ فقبضت المال، وفعلت، فلما جاء مسعود أخبرته، فأخذ براسها، فخرج عبيد الله والحارث من حجلتها عليه، فقال عبيد الله: قد أجارتني ابنة عمك عليك، وهذا ثوبك علي، وطعامك في بطني، وقد التف علي بيتك؛ وشهد له على ذلك الحارث، وتلطفا له حتى رضي.
قال أبو عبيدة: وأعطى عبيد الله الحارث نحواً من خمسين ألفاً، فلم يزل عبيد الله في بيت مسعود حتى قتل مسعود؛ قال أبو عبيدة: فحدثني يزيد بن سمير الجرمي، عن سوار بن عبد الله بن سعيد الجرمي؛ قال: فلما هرب عبيد الله غبر أهل البصرة بغير أمير، فاختلفوا فيمن يؤمرون عليهم، ثم تراضوا برجلين يختاران لهم خيرة، فيرضون بها إذا اجتمعا عليها، فتراضوا بقيس بن الهيثم السلمي، وبنعمان بن سفيان الراسبي - راسب بن جرم ابن ربان بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة - أن يختاروا من يرضيان لهم، فذكرا عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب - وأمه هند بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية - وكان يلقب ببة، وهو جد سليمان ابن عبد الله بن الحارث، وذكرا عبد الله بن الأسود الزهري. فلما أطبقا عليهما اتعدا المربد، وواعدا الناس أن تجتمع آراؤهم على أحد هذين.
قال: فحضر الناس، وحضرت معهم قارعة المربد؛ أي أعلاه، فجاء قيس ابن الهيثم، ثم جاء النعمان بعد، فتجاول قيس والنعمان، فأرى النعمان قيساً أن هواه في ابن الأسود، ثم قال: إنا لا نستطيع أن نتكلم معاً، وأراده أن يجعل الكلام إليه، ففعل قيس وقد اعتقد أحدهما على الآخر، فأخذ النعمان على الناس عهداً ليرضون بما يختار. قال: ثم أتى النعمان عبد الله ابن الأسود فأخذ بيده، وجعل يشترط عليه شرائط حتى ظن الناس أنه مبايعه، ثم تركه، وأخذ بيد عبد الله بن الحارث، فاشترط عليه مثل ذلك، ثم حمد الله تعالى وأثنى عليه، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم وحق أهل بيته وقرابته، ثم قال: يأيها الناس، ما تنقمون من رجل من بني عم نبيكم صلى الله عليه وسلم، وأمه هند بنت أبي سفيان! فإن كان فيهم فهو ابن أختكم؛ ثم صفق على يده وقال: ألا إني قد رضيت لكم به، فنادوا: قد رضينا؛ فأقبلوا بعبد الله بن الحارث إلى دار الإمارة حتى نزلها، وذلك في أول جمادى الآخرة سنة أربع وستين، واستعمل على شرطته هميان بن عدي السدوسي، ونادى في الناس: أن احضروا البيعة، فحضروا فبايعوه، فقال الفرزدق حين بايعه:


وبايعت أقواماً وفيت بعهدهم ... وببة قد بايعته غير نادم
قال أبو عبيدة: فحدثني زهير بن هنيد، عن عمرو بن عيسى، قال: كان منزل مالك بن مسمع الجحدري في الباطنة عند باب عبد الله الإصبهاني في خط بني جحدر، الذي عند مسجد الجامع، فكان مالك يحضر المسجد، فبينا هو قاعد فيه - وذلك بعد يسيرٍ من أمر ببة - وافى الحلقة رجلٌ من ولد عبد الله عامر بن كريز القرشي يريد ببة، ومعه رسالة من عبد الله ابن خازم، وبيعته بهراة، فتنازعوا، فأغلظ القرشي لمالك، فلطم رجلٌ من بكر بن وائل القرشي، فتهايج من ثم من مضر وربيعة، وكثرتهم ربيعة الذين في الحلقة، فنادى رجل: يال تميم! فسمعت الدعوة عصبةٌ من ضبة ابن أد - كانوا عند القاضي - فأخذوا رماح حرس من المسجد وترستهم، ثم شدوا على الربعين فهزموهم، وبلغ ذلك شقيق بن ثور السدوسي - وهو يومئذ رئيس بكر بن وائل - فأقبل إلى المسجد فقال: لا تجدن مضرياً إلا قتلتموه، فبلغ ذلك مالك بن مسمع، فأقبل متفضلاً يسكن الناس، فكف بعضهم عن بعض، فمكث الناس شهراً أو أقل، وكان رجل من بني يشكر يجالس رجلاً من بني ضبة في المسجد، فتذاكرا لطمة البكري القرشي، ففخر اليشكري. قال: ثم قال: ذهبت ظلفاً. فأحفظ الضبي بذلك، فوجأ عنقه، فوقذه الناس في الجمعة، فحمل إلى أهله ميتاً - أعني اليشكري - فثارت بكر إلى رأسهم أشيم بن شقيق، فقالوا: سر بنا؛ فقال: بل أبعث إليهم رسولاً، فإن سيبوا لنا حقنا وإلا سرنا إليهم، فأبت ذلك بكر، فأتوا مالك بن مسمع - وقد كان قبل ذلك مملكاً عليهم قبل أبشيم، فغلب أشيم على الرياسة حين شخص أشيم إلى يزيد بن معاوية؛ فكتب له إلى عبيد الله بن زياد أن ردوا الرياسة إلى أشيم، فأبت اللهازم، وهم بنو قيس بن ثعلبة وحلفاؤهم عنزة وشيع اللات وحلفاؤها عجل حتى توافواهم وآل ذهل بن شيبان وحلفاؤها يشكر، وذهل ثعلبة وحلفاؤها ضبيعة بن ربيعة بن نزار؛ أربع قبائل وأربع قبائل، وكان هذا الحلف في أهل الوبر في الجاهلية، فكانت حنيفة بقيت من قبائل بكر لم تكن دخلت في الجاهلية في هذا الحلف، لأنهم أهل مدر، فدخلوا في الإسلام مع أخيهم عجل، فصاروا لهزمةً، ثم تراضوا بحكم عمران بن عصام العنزي أحد بني هميم، وردها إلى أشيم، فلما كانت هذه الفتنة استخفت بكر مالك بن مسمع، فخف وجمع وأعد، فطلب إلى الأزد أن يجددوا الحلف الذي كان بينهم قبل ذلك في الجماعة على يزيد بن معاوية، فقال حارثة بن بدر في ذلك:
نزعنا وأمرنا وبكر بن وائل ... تجر خصاها تبتغي من تحالف
وما بات بكريٌّ من الدهر ليلةً ... فيصبح إلا وهو للذل عارف
قال: فبلغ عبيد الله الخبر - وهو في رحل مسعود - من تباعد ما بين بكر وتميم، فقال لمسعود: الق مالكاً فجدد الحلف الأول؛ فلقيه، فترادا ذلك، وتأبى عليهما نفر من هؤلاء وأولئك، فبعث عبيد الله أخاه عبد الله مع مسعود، فأعطاه جزيلاً من المال، حتى أنفق في ذلك أكثر من مائتي ألف درهم على أن يبايعوهما، وقال عبيد الله لأخيه: استوثق من القوم لأهل اليمن، فجددوا الحلف، وكتبوا بينهم كتاباً سوى الكتابين اللذين كانا كتبا بينهما في الجماعة، فوضعوا كتاباً عند مسعود بن عمرو.
قال أبو عبيدة: فحدثني بعض ولد مسعود، أن أول تسمية من فيه، الصلت بن حريث بن جابر الحنفي، ووضعوا كتاباً عند الصلت بن حريث أول تسميته ابن رجاء العوذي، من عوذ بن سود، وقد كان بينهمه قبل هذا حلف.
قال أبو عبيدة: وزعم محمد بن حفص ويونس بن حبيب وهبيرة بن حدير وزهير بن هنيد، أن مضر كانت تكثر ربيعة بالبصرة، وكانت جماعة الأزد آخر من نزل بالبصرة، كانوا حيث مصرت البصرة، فحول عمر بن الخطاب رحمه الله من تنوخ من المسلمين إلى البصرة، وأقامت جماعة الأزد لم يتحولوا، ثم لحقوا بالبصرة بعد ذلك في آخر خلافة معاوية، وأول خلافة يزيد بن معاوية، فلما قدموا قالت بنو تميم للأحنف: بادر إلى هؤلاء قبل أن تسبقنا إليهم ربيعة، وقال الأحنف: إن أتوكم فاقبلوهم، وإلا لا تأتوهم فإنكم إن أتيتموهم صرتم لهم أتباعاً. فأتاهم مالك بن مسمع ورئيس الأزد يومئذ مسعود بن عمرو المعنى، فقال مالك: جددوا حلفنا وحلف كندة في الجاهلية، وحلف بني ذهل بن ثعلبة في طيىء بن أدد من ثعل؛ فقال الأحنف: أما إذ أتوهم فلن يزالوا لهم أتباعاً أذناباً.
قال أبو عبيدة: فحدثني هبيرة بن حدير، عن إسحاق بن سويد، قال: فلما أن جرت بكر إلى نصر الأزد على مضر، وجددوا الحلف الأول، وأرادوا أن يسيروا، قالت الأزد: لا نسير معكم إلا أن يكون الرئيس منا، فرأسوا مسعوداً عليهم.
قال أبو عبيدة: فحدثني مسلم بن محارب، قال: قال مسعود لعبيد الله: سر معنا حتى نعيدك في الدار؛ فقال: ما أقدر على ذلك، امض أنت، وأمر برواحله فشدوا عليها أدواتها وسوادها، وتزمل في أهبة السفر، وألقوا له كرسياً على باب مسعود، فقعد عليه؛ وسار مسعود، وبعث عبيد الله غلماناً له على الخيل مع مسعود، وقال لهم: إني لا أدري ما يحدث فأقول: إذا كان كذا؛ فليأتني بعضكم بالخبر، ولكن لا يحدثن خير ولا شر إلا أن أتاتي بعضكم به، فجعل مسعو دلا يأتي على سكة، ولا يتجاوز قبيلةً إلا أتى بعض أولئك الغلمان بخبر ذلك، وقدم مسعود ربيعة، وعليهم مالك بن مسمع، فأخذوا جميعاً سكة المربد، فجاء مسعود حتى دخل المسجد، فصعد المنبر، وعبد الله بن الحارث في دار الإمارة، فقيل له: إن مسعوداً وأهل اليمن وربيعة قد ساروا، وسيهيج بين الناس شر، فلو أصلحت بينهم أو ركبت في بني تميم عليهم! فقال: أبعدهم الله! لا والله لا أفسدت نفسي في إصلاحهم، وجعل رجل من أصحاب مسعود يقول:
لأنكحن ببه ... جاريةً في قبه
تمشط رأس لعبه
فهذا قول الأزد وربيعة، فأما مضر فيقولون: إن أمه هند بنت أبي سفيان كانت ترقصه وتقول هذا؛ فلما لم يحل أحد بين مسعود وبين صعود المنبر، خرج مالك بن مسمع في كتيبته حتى علا الجبان من سكة المربد، ثم جعل يمر بعدد دور بني تميم حتى دخل سكة بني العدوية من قبل الجبان، فجعل يحرق دورهم للشحناء التي في صدورهم، لقتل الضبي اليشكري، ولاستعراض ابن خازم ربيعة بهراة؛ قال: فبينا هو في ذلك إذ أتوه فقالوا: قتلوا مسعوداً، وقالوا: سارت بنو تميم إلى مسعود، فأقبل حتى إذا كان عند مسجد بني قيس في سكة المربد، وبلغه قتل مسعود، وقف.
قال أبو عبيدة: فحدثني زهير بن هنيد، قال: حدثنا الضحاك - أو الوضاح بن خيثمة أحد بني عبد الله بن دارم - قال: حدثني مالك بن دينار، قال: ذهبت في الشباب الذين ذهبوا إلى الأحنف ينظرون؛ قال: فأتيته وأتته بنو تميم، فقالوا: إن مسعوداً قد دخل الدار وأنت سيدنا، فقال: لست بسيدكم، إنما سيدكم الشيطان.
وأما هبيرة بن حدير، فحدثني عن إسحاق بن سويد العدوي، قال: أتيت منزل الأحنف في النظارة، فأتوا الأحنف فقالوا: يا أبا بحر، إن ربيعة والأزد قد دخلوا الرحبة، فقال: لستم بأحق بالمسجد منهم؛ ثم أتوه فقالوا: قد دخلوا الدار؛ فقال: لستم بأحق بالدار منهم؛ فتسرع سلمة بن ذؤيب الرياحي، فقال: إلي يا معشر الفتيان، فإنما هذا جبسٌ لا خير لكم عنده، فبدرت ذؤبا بني تميم فانتدب معه خمسمائة، وهم مع ماه أفريذون، فقال لهم سلمة: أين تريدون؟ قالوا: إياكم أردنا؛ قال: فتقدموا.
قال أبو عبيدة: فحدثني زهير بن هنيد، عن أبي نعامة، عن ناشب ابن الحسحاس وحميد بن هلال، قالا: أتينا منزل الأحنف بحضرة المسجد، قالا: فكنا فيمن ينظر، فأتته امرأة بمجمر فقالت: ما لك وللرياسة! تجمر فإنما أنت امرأة؛ فقال: است امرأة أحق بالمجمر؛ فأتوه فقالوا: إن علية بنت ناجية الرياحي - وهي أخت مطر، وقال آخرون: عزة بنت الحر الرياحية - قد سلبت خلاخيلها من ساقيها، وكان منزلها شارعاً في رحبة بني تميم على الميضأة، وقالوا: قتلوا الصباغ الذي على طريقك، وقتلوا المقعد الذي كان على باب المسجد، وقالوا: إن مالك بن مسمع قد دخل سمى بني العدوية من قبل الجبان، فحرق دوراً، فقال الأحنف: أقيموا البينة على هذا، ففي دون هذا ما يحل قتالهم؛ فشهدوا عنده على ذلك، فقال الأحنف: أجاء عباد؟ وهو عباد بن حصين بن يزيد بن عمرو بن أوس بن سيف بن عزم بن حلزة بن بيان بن سعد بن الحارث الحبطة بن عمرو ابن تميم؛ قالوا: لا، ثم مكث غير طويل، فقال: أجاء عباد؟ قالوا: لا؛ قال: فهل ها هنا عبس بن طلق بن ربيعة بن عامر بن بسطام بن الحكم ابن ظالم بن صريم بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد؟ فقالوا: نعم؛ فدعاه، فانتزع معجراً في رأسه، ثم جثا على ركبتيه، فعقده في رمح ثم دفعه إليه، فقال: سر. قالا: فلما ولي قال: اللهم لا تخزها اليوم، فإنك لم تخزها فيما مضى. وصاح الناس: هاجت زبراء - وزبراء أمة للأحنف، وإنما كنوا بها عنه - قالا: فلما سار عبس جاء عباد في ستين فارساً فسأل، ما صنع الناس؟ فقالوا: ساروا؛ قال: ومن عليهم؟ قالوا: عبس بن طلق الصريمي؛ فقال عباد: أنا أسير تحت لواء عبس! فرجع والفرسان إلى أهله.
فحدثني زهير، قال: حدثنا أبو ريحانة العريني، قال: كنت يوم قتل مسعود تحت بطن فرس الزرد بن عبد الله السعدي أعدو حتى بلغنا شريعة القديم.
قال إسحاق بن سويد: فأقبلوا، فلما بلغوا أفواه السكك وقفوا، فقال لهم ماه أفريذو بالفارسية: ما لكم يا معشر الفتيان؟ قالوا: تلقونا بأسنة الرماح؛ فقال لهم بالفارسية: صكوهم بالفنجقان - أي بخمس نشابات في رمية، بالفارسية - والأساورة أربعمائة، فصكوهم بألفي نشابة في دفعة، فأجلوا عن أبواب السكك، وقاموا على باب المسجد، ودلفت التميمية إليهم، فلما بلغوا الأبواب وقفوا، فسألهم ماه أفريذون: ما لكم؟ قالوا: أسندوا إلينا أطراف رماحهم؛ قال: ارموهم أيضاً؛ فرموهم بألفي نشابة، فأجلوهم عن الأبواب، فدخلوا المسجد، فأقبلوا ومسعود يخطب على المنبر ويحضض، فجعل غطفان بن أنيف بن يزيد بن فهدة، أحد بني كعب بن عمرو بن تميم، وكان يزيد بن فهدة فارساً في الجاهلية يقاتل ويحض قومه ويرتجز:
يا لتميمٍ إنها مذكوره ... إن فات مسعودٌ بها مشهوره
فاستمسكوا بجانب المقصوره
أي لا يهرب فيفوت.
قال إسحاق بن يزيد. فأتوا مسعوداً وهو على المنبر يحض، فاستنزلوه فقتلوه، وذلك في أول شوال سنة أربع وستين، فلم يكن القوم شيئاً، فانهزموا. وبادر أشيم بن شقيق القوم بباب المقصورة هارباً، فطعنه أحدهم، فنجا بها، ففي ذلك يقول الفرزدق:
لو أن أشيم لم يسبق أسنتنا ... وأخطأ الباب إذ نيراننا تقد
إذاً لصاحب مسعوداً وصاحبه ... وقد تهافتت الأعفاج والكبد
قال أبو عبيدة: فحدثني سلام بن أبي خيرة، وسمعته أيضاً من أبي الخنساء كسيب العنبري يحدث في حلقة يونس، قالا: سمعنا الحسن ابن أبي الحسن يقول في مجلسه في مسجد الأمير: فأقبل مسعود من ها هنا - وأشار بيده إلى منازل الأزد في أمثال الطير - معلماً بقباء ديباج أصفر مغير بسواد، يأمر الناس بالسنة، وينهى عن الفتنة: ألا إن من السنة أن تأخذ فوق يديك، وهم يقولون: القمر القمر، فوالله ما لبثوا إلا ساعةً حتى صار قمرهم قميراً، فأتوه فاستنزلوه عن المنبر وهو عليه - قد علم الله - فقتلوه.
قال سلام في حديثه: قال الحسن: وجاء الناس من ها هنا - وأشار بيده إلى دور بني تميم.
قال أبو عبيدة: فحدثني مسلمة بن محارب، قال: فأتوا عبيد الله فقالوا: قد صعد مسعود المنبر، ولم يرم دون الدار بكثاب، فبيناه في ذلك يتهيأ ليجيء إلى الدار، إذ جاءوا فقالوا: قد قتل مسعود، فاغترز في ركابه فلحق بالشأم، وذلك في شوال سنة أربع وستين.
قال أبو عبيدة: فحدثني رواد الكعبي، قال: فأتى مالك بن مسمع أناسٌ من مضر، فحصروه في داره، وحرقوا، ففي ذلك يقول غطفان بن أنيف الكعبي في أرجوزة:
وأصبح ابن مسمع محصورا ... يبغي قصوراً دونه ودورا
حتى شببنا حوله السعيرا
ولما هرب عبيد اللهبن زياد اتبعوه، فأعجز الطلبة، فانتهبوا ما وجدوا له، ففي ذلك يقول وافد بن خليفة بن أسماء، أحد بني صخر بن منقر بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد:
يا رب جبار شديد كلبه ... قد صار فينا تاجه وسلبه
منهم عبيد الله حين نسلبه ... جياده وبزه وننهبه
يوم التقى مقنبنا ومقنبه ... لو لم ينج ابن زيادٍ هربه
وقال جرهم بن عبد الله بن قيس، أحد بني العدوية في قتل مسعود في كلمة طويلة:
ومسعود بن عمرو إذ أتانا ... صبحنا حد مطرور سنينا
رجا التأمير مسعودٌ فأضحى ... صريعاً قد أزرناه المنونا
قال أبو جعفر محمد بن جرير: وأما عمر؛ فإنه حدثني في أمر خروج عبيد الله إلى الشأم، قال: حدثني زهير، قال: حدثنا وهب بن جرير بن حازم، قال: حدثنا الزبير بن الخريت، قال: بعث مسعود مع ابن زياد مائةً من الأزد، عليهم قرة بن عمرو بن قيس، حتى قدموا به الشأم.
وحدثني عمر، قال: حدثنا أبو عاصم النبيل، عن عمرو بن الزبير وخلاد بن يزيد الباهلي والوليد بن هشام، عن عمه، عن أبيه، عن عمرو بن هبيرة، عن يساف بن شريح اليشكري، قال؛ وحدثنيه علي بن محمد، قال - قد اختلفوا فزاد بعضهم على بعض - إن ابن زياد خرج من البصرة، فقال ذات ليلة: إنه قد ثقل علي ركوب الإبل، فوطئوا لي على ذي حافر؛ قال: فألقيت له قطيفةٌ على حمار، فركبه وإن رجليه لتكادان تخدان في الأرض. قال اليشكري: فإنه ليسير أمامي إذ سكت سكتةً فأطالها، فقلت في نفسي: هذا عبيد الله أمير العراق أمس نائمٌ الساعة على حمار، لو قد سقط منه أعنته؛ ثم قلت: والله لئن كان نائماً لأنغصن عليه نومه؛ فدنوت منه، فقلت: أنائم أنت؟ قال: لا؛ قلت: فما أسكتك؟ قال: كنت أحدث نفسي؛ قلت: أفلا أحدثك ما كنت تحدث به نفسك؟ قال: هات، فوالله ما أراك تكيس ولا تصيب، قال: قلت: كنت تقول: ليتني لم أقتل الحسين، قال: وماذا؟ قلت: تقول: ليتني لم أكن قتلت من قتلت؛ قال: وماذا؟ قلت: تقول: ليتني لم أكن استعملت الدهاقين، قال: وماذا؟ قلت: تقول: ليتني كنت أسخى مما كنت؛ قال: فقال: والله ما نطقت بصواب، ولا سكت عن خطإ، أما الحسين فإنه سار إلي يريد قتلي، فاخترت قتله على أن يقتلني؛ وأما البيضاء فإني اشتريتها من عبد الله بن عثمان الثقفي، وأرسل يزيد بألف ألف فأنفقتها عليها، فإن بقيت فلأهلي، وإن هلكت لم آس عليها مما لم أعنف فيه؛ وأما استعمال الدهاقين فإن عبد الرحمن بن أبي بكرة وزاذان فروخ وقعا في عند معاوية حتى ذكرا قشور الأرز، فبلغا بخراج العراق مائة ألف ألف، فخيرني معاوية بين الضمان والعزل؛ فكرهت العزل، فكنت إذا استعملت الرجل من العرب فكسر الخراج، فتقدمت إليه أو أغرمت صدور قومه، أو أغرمت عشيرته أضررت بهم، وإن تركته تركت مال الله وأنا أعرف مكانه، فوجدت الدهاقين أبصر بالجباية، وأوفى بالأمانة، وأهون في المطالبة منكم، مع أني قد جعلتكم أمناء عليهم لئلا يظلموا أحداً. وأما قولك في السخاء، فوا الله ما كان لي مال فأجود به عليكم، ولو شئت لأخذت بعض مالكم فخصصت به بعضكم دون بعض، فيقولون: ما أسخاه! ولكني عممتكم، وكان عندي أنفع لكم. وأما قولك: ليتني لم أكن قتلت من قتلت؛ فما عملت بعد كلمة الإخلاص عملاً هو أقرب إلى الله عندي من قتلي من قتلت من الخوارج، ولكني سأخبرك بما حدثت به نفسي؛ قلت: ليتني كنت قاتلت أهل البصرة، فإنهم بايعوني طائعين غير مكرهين، وايم الله لقد حرصت على ذلك؛ ولكن بني زياد أتوني فقالوا: إنك إذا قاتلتهم فظهروا عليك لم يبقوا منا أحداً، وإن تركتهم تغيب الرجل منا عند أخواله وأصهاره؛ فرفقت لهم فلم أقاتل. وكنت أقول: ليتني كنت أخرجت أهل السجن فضربت أعناقهم، فأما إذ فاتت هاتان فليتني كنت أقدم الشأم ولم يبرموا أمراً.
قال بعضهم: فقدم الشأم ولم يبرموا أمراً، فكأنما كانوا معه صبياناً؛ وقال بعضهم: قدم الشأم وقد أبرموا، فنقض ما أبرموا إلى رأيه.
وفي هذه السنة طرد أهل الكوفةعمرو بن حريث وعزلوه عنهم، واجتمعوا على عامر بن مسعود.
ذكر الخبر عن عزلهم عمرو بن حريث وتأميرهم عامراً قال أبو جعفر: ذكر الهيثم بن عدي، قال: حدثنا ابن عياش، قال: كان أول من جمع له المصران: الكوفة والبصرة زياداً وابنه، فقتلا من الخوارج ثلاثة عشر ألفاً، وحبس عبيد الله منهم أربعة آلاف، فلما هلك يزيد قام خطيباً، فقال: إن الذي كنا نقاتل عن طاعته قد مات، فإن أمرتموني جبيت فيئكم، وقاتلت عدوكم. وبعث بذلك إلى أهل الكوفة مقاتل ابن مسمع وسعيد بن قرحا، أحد بني مازن، وخليفته على الكوفة عمرو بن حريث، فقاما بذلك، فقام يزيد بن الحارث بن رويم الشيباني فقال: الحمد لله الذي أراحنا من ابن سمية، لا ولا كرامة! فأمر به عمرو فلبب ومضي به إلى السجن، فحالت بكر بينهم وبينه، فانطلق يزيد إلى أهله خائفاً، فأرسل إليه محمد بن الأشعث: إنك على رأيك، وتتابعت عليه الرسل بذلك، وصعد عمرو المنبر فحصبوه، فدخل داره، واجتمع الناس في المسجد فقالوا: نؤمر رجلاً إلى أن يجتمع الناس على خليفة، فأجمعوا على عمر بن سعد، فجاءت نساء همدان يبكين حسيناً، ورجالهم متقلدو السيوف، فأطافوا بالمنبر، فقال محمد بن الأشعث: جاء أمرٌ غير ما كنا فيه، وكانت كندة تقوم بأمر عمر بن سعد لأنهم أخواله، فاجتمعوا على عامر ابن مسعود، وكتبوا بذلك إلى ابن الزبير، فأقره.
وأما عوانة بن الحكم؛ فإنه قال فيما ذكر هشام بن محمد عنه: لما بايع أهل البصرة عبيد الله بن زياد بعث وافدين من قبله إلى الكوفة: عمرو بن مسمع، وسعد بن القرحا التميمي، ليعلم أهل الكوفة ما صنع أهل البصرة، ويسألانهم البيعة لعبيد الله بن زياد، حتى يصطلح الناس، فجمع الناس عمرو بن حريث، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هذين الرجلين قد أتياكم من قبل أميركم يدعوانكم إلى أمر يجمع الله به كلمتكم، ويصلح به ذات بينكم، فاسمعوا منهما، واقبلوا عنهما، فإنهما برشدٍ ما أتياكم.
فقام عمرو بن مسمع، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر أهل البصرة واجتماع رأيهم على تأمير عبيد الله بن زياد حتى يرى الناس رأيهم فيمن يولون عليهم؛ وقد جئناكم لنجمع أمرنا وأمركم فيكون أميرنا وأميركم واحداً، فإنما الكوفة من البصرة والبصرة من الكوفة، وقام ابن القرحا فتكلم نحواً من كلام صاحبه. قال: فقام يزيد بن الحارث بن يزيد الشيباني - وهو ابن رويم - فحصبهما أول الناس، ثم حصبهما الناس بعد، ثم قال: أنحن نبايع لابن مرجانة! لا ولا كرامة؛ فشرفت تلك الفعلة يزيد في المصر ورفعته، ورجع الوفد إلى البصرة فأعلم الناس الخبر فقالوا: أهل الكوفة يخلعونه، وأنتم تولونه وتبايعونه! فوثب به الناس، وقال: ما كان في ابن زياد وصمةٌ إلا استجارته بالأزد.
قال: فلما نابذه الناس استجار بمسعود بن عمرو الأزدي، فأجاره ومنعه، فمكث تسعين يوماً بعد موت يزيد، ثم خرج إلى الشأم، وبعثت الأزد وبكر ابن وائل رجالاً منهم معه حتى أوردوه الشأم، فاستخلف حين توجه إلى الشأم مسعود بن عمرو على البصرة، فقالت بنو تميم وقيس: لا نرضى ولا نجيز ولا نولي إلا رجلاً ترضاه جماعتنا، فقال مسعود: فقد استخلفني فلا أدع ذلك أبداً؛ فخرج في قومه حتى انتهى إلى القصر فدخله، واجتمعت تميم إلى الأحنف بن قيس فقالوا له: إن الأزد قد دخلوا المسجد؛ قال: ودخل المسجد فمه! إنما هو لكم ولهم، وأنتم تدخلونه؛ قالوا: فإنه قد دخل القصر، فصعد المنبر. وكانت خوارج قد خرجوا، فنزلوا بنهر الأساورة حين خرج عبيد الله بن زياد إلى الشأم، فزعم الناس أن الأحنف بعث إليهم أن هذا الرجل الذي قد دخل البصر لنا ولكم عدو، فما يمنعكم من أن تبدءوا به! فجاءت عصابةٌ منهم حتى دخلوا المسجد، ومسعود بن عمرو على المنبر يبايع من أتاه، فيرميه علج يقال له: مسلم من أهل فارس، دخل البصرة فأسلم ثم دخل في الخوارج، فأصاب قلبه فقتله وخرج، وجال الناس بعضهم في بعض فقالوا: قتل مسعود بن عمرو، قتلته الخوارج، فخرجت الأزد إلى تلك الخوارج فقالوا لهم: تعلمون أن بني تميم يزعمون أنهم قتلوا مسعود بن عمرو، فبعثت الأزد تسأل عن ذلك؛ فإذا أناسٌ منهم يقولونه، فاجتمعت الأزد عند ذلك فرأسوا عليهم زياد بن عمرو العتكي، ثم ازدلفوا إلى بني تميم وخرجت مع بني تميم قيس، وخرج مع الأزد مالك بن مسمع وبكر بن وائل فأقبلوا نحو بني تميم. وأقبلت تميم إلى الأحنف يقولون: قد جاء القوم، اخرج. وهو متمكث، إذ جاءته امرأةٌ من قومه بمجمر فقالت: يا أحنف اجلس على هذا، أي إنما أنت امرأة؛ فقال: استك أحق بها، فما سمع منه بعد كلمةٌ كانت أرفث منها، وكان يعرف بالحلم. ثم إنه دعا برايته فقال: اللهم انصرها ولا تذللها، وإن نصرتها ألا يظهر بها ولا يظهر عليها؛ اللهم احقن دماءنا، وأصلح ذات بيننا. ثم سار وسار ابن أخيه إياس بن معاوية بين يديه، فالتقى القوم فاقتتلوا أشد القتال، فقتل من الفريقين قتلى كثرة، فقالت لهم بنو تميم: الله الله يا معشر الأزد في دائنا ودمائكم! بيننا وبينكم القرآن ومن شئتم من أهل الإسلام، فإن كانت لكم علينا بينةٌ أنا قتلنا صاحبكم، فاختاروا أفضل رجل فينا فاقتلوه بصاحبكم، وإن لم تكن لكم بينة فإنا نحلف بالله ما قتلنا ولا أمرنا، ولا نعلم لصاحبكم قاتلاً، وإن لم تريدوا ذلك فنحن ندي صاحبكم بمائة ألف درهم. فاصطلحوا، فأتاهم الأحنف بن قيس في وجوه مضر إلى زياد بن عمرو العتكي، فقال: يا معشر الأزد، أنتم جيرتنا في الدار، وإخوتنا عند القتال، وقد أتيناكم في رحالكم لإطفاء حشيشتكم، وسل سخيمتمك، ولكم الحكم مرسلاً، فقولوا على أحلامنا وأموالنا، فإنه لا يتعاظمنا ذهاب شيء من أموالنا كان فيه صلاح بيننا، فقالوا: أتدون صاحبنا عشر ديات؟ قال: هي لكم؛ فانصرف الناس واصطلحوا؛ فقال الهيثم بن الأسود:
أعلى بمسعودٍ الناعي فقلت له ... نعم اليماني تجروا على الناعي
أوفى ثمانين ما يسطيعه أحدٌ ... فتىً دعاه لرأس العدة الداعي
آوى ابن حرب وقد سدت مذاهبه ... فأوسع السرب منه أي إيساع
حتى توارت به أرضٌ وعامرها ... وكان ذا ناصرٍ فيها وأشياع
وقال عبيد الله بن الحر:
ما زلت أرجو الأزد حتى رأيتها ... تقصر عن بنيانها المتطاول
أيقتل مسعودٌ ولم يثأروا به ... وصارت سيوف الأزد مثل المناجل
وما خير عقلٍ أورث الأزد ذلةً ... تسب به أحياؤهم في المحافل
على أنهم شمطٌ كأن لحاهم ... ثعالب في أعناقها كالجلاجل
واجتمع أهل البصرة على أن يجعلوا عليهم منهم أميراً يصلي بهم حتى يجتمع الناس على إمام، فجعلوا عبد الملك بن عبد الله بن عامر شهراً، ثم جعلوا ببة - وهو عبد الله بن الحارث بن عبد المطلب - فصلى بهم شهرين، ثم قدم عليهم عمر بن عبيد الله بن معمر من قبل ابن الزبير، فمكث شهراً، ثم قدم الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي بعزله، فوليها الحارث وهو القباع.
قال أبو جعفر: وأما عمر بن شبة؛ فإنه حدثني في أمر عبد الملك بن عبد الله بن عامر بن كريز وأمر ببة ومسعود وقتله، وأمر عمر بن عبيد الله غير ما قال هشام عن عوانة. والذي حدثني عمر بن شبة في ذلك أنه قال: حدثني علي بن محمد، عن ابي مقرن عبيد الله الدهني، قال: لما بايع الناس ببة ولى ببة شرطته هميان بن عدي، وقدم على ببة بعض أهل المدينة، وأمر هميان بن عدي بإنزاله قريباً منه، فأتى هميان داراً للفيل مولى زياد التي في بني سليم وهم بتفريغها لينزلها إياه، وقد كان هرب وأقبل أبوابه، فمنعت بنو سليم هميان حتى قاتلوه، واستصرخوا عبد الملك بن عبد الله بن عامر بن كريز، فأرسل بخاريته ومواليه في السلاح حتى طردوا هميان ومنعوه الدار، وغدا عبد الملك من الغد إلى دار الإمارة ليسلم على ببة، فلقيه على الباب رجلٌ من بني قيس بن ثعلبة، فقال: أنت المعين علينا بالأمس! فرفع يده فلطمه، فضرب قوم من البخارية يد القيسي فأطارها؛ ويقال: بل سلم القيسي، وغضب ابن عامر فرجع، وغضبت له مضر فاجتمعت وأتت بكر بن وائل أشيم بن شقيق بن ثور فاستصرخوه، فأقبل ومعه مالك بن مسمع حتى صعد المنبر فقال: أي مضري وجدتموه فاسلبوه. وزعم بنو مسمع أن مالكاً جاء يومئذ متفضلاً في غير سلاح ليرد أشيم عن رأيه. ثم انصرفت بكر وقد تحاجزوا هم والمضرية، واغتنمت الأزد ذلك، فحالفوا بكراً، وأقبلوا مع مسعود إلى المسجد الجامع، وفزعت تميم إلى الأحنف، فعقد عمامته على قناة، ودفعها إلى سلمة بن ذؤيب الرياحي، فأقبل بين يديه الأساورة حتى دخل المسجد ومسعود يخطب، فاستنزلوه فقتلوه، وزعمت الأزد أن الأزارقة قتلوه، فكانت الفتنة، وسفر بينهم عمر بن عبيد الله بن معمر وعبد الرحمن ابن الحارث بن هشام حتى رضيت الأزد من مسعود بعشر ديات، ولزم عبد الله بن الحارث بيته، وكان يتدين، وقال: ما كنت لأصلح الناس بفساد نفسي.
قال عمر: قال أبو الحسن: فكتب أهل البصرة إلى ابن الزبير، فكتب إلى أنس بن مالك يأمره بالصلاة بالناس، فصلى بهم أربعين يوماً.
حدثني عمر، قال: حدثنا علي بن محمد، قال: كتب ابن الزبير إلى عمر ابن عبيد الله بن معمر التيمي بعهده على البصرة، ووجه به إليه، فوافقه وهم متوجه يريد العمرة، فكتب إلى عبيد الله يأمره أن يصلي بالناس، فصلى بهم حتى قدم عمر.
حدثني عمر، قال: حدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثني أبي، قال: سمعت محمد بن الزبير، قال: كان الناس اصطلحوا على عبد الله بن الحارث الهاشمي، فولي أمرهم أربعة أشهر، وخرج نافع بن الأزرق إلى الأهواز، فقال الناس لعبد الله: إن الناس قد أكل بعضهم بعضاً؛ تؤخذ المرأة من الطريق فلا يمنعها أحد حتى تفضح؛ قال: فتريدون ماذا؟ قالوا: تضع سيفك، وتشد على الناس؛ قال: ما كنت لأصلحهم بفساد نفسي، يا غلام، ناولني نعلي، فانتعل ثم لحق بأهله، وأمر الناس عليهم عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي؛ قال أبي، عن الصعب بن زيد: إن الجارف وقع وعبد الله على البصرة، فماتت أمه في الجارف، فما وجدوا لها من يحملها حتى استأجروا لها أربعة أعلاج فحملوها إلى حفرتها، وهو الأمير يومئذ.
حدثني عمر، قال: حدثني علي بن محمد، قال: كان ببة قد تناول في عمله على البصرة أربعين ألفاً من بيت المال، فاستودعها رجلاً، فلما قدم عمر بن عبيد الله أميراً أخذ عبد الله بن الحارث فحبسه، وعذب مولىً له في ذلك المال حتى أغرمه إياه.
حدثني عمر قال: حدثني علي بن محمد، عن القافلاني، عن يزيد ابن عبد الله بن الشخير، قال: قلت لعبد الله بن الحارث بن نوفل: رأيتك زمان استعملت علينا أصبت من المال، واتقيت الدم، فقال: إن تبعة المال أهون من تبعة الدم.
ذكر الخبر عن ولاية عامر بن مسعود على الكوفة وفي هذه السنة ولى أهل الكوفة عامر بن مسعود أمرهم، فذكر هشام ابن محمد الكلبي، عن عوانة بن الحكم، أنهم لما ردوا وافدي أهل البصرة اجتمع أشراف أهل الكوفة، فاصطلحوا على أن يصلي بهم عامر بن مسعود - وهو عامر بن مسعود بن خلف القرشي، وهو دحروجة الجعل الذي يقول فيه عبد الله بن همام السلولي:
اشدد يديك بزيدٍ إن ظفرت به ... واشف الأرامل من دحروجة الجعل
وكان قصيراً - حتى يرى الناس رأيهم، فمكث ثلاثة أشهر من مهلك يزيد بن معاوية، ثم قدم عليهم عبد الله بن يزيد الأنصاري ثم الخطمي على الصلاة، وإبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله على الخراج، فاجتمع لابن الزبير أهل الكوفة وأهل البصرة ومن بالقبلة من العرب وأهل الشأم، وأهل الجزيرة إلا أهل الأردن.
خلافة مروان بن الحكم وفي هذه السنة بويع لمروان بن الحكم بالخلافة بالشأم.
ذكر السبب في البيعة لهحدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثنا محمد بن عمر، قال: لما بويع عبد الله بن الزبير ولى المدينة عبيدة بن الزبير، وعبد الرحمن بن جحدم الفهري مصر، وأخرج بني أمية ومروان بن الحكم إلى الشأم - وعبد الملك يومئذ ابن ثمان وعشرين - فلما قدم حصين بن نمير ومن معه إلى الشأم أخبر مروان بما خلف عليه ابن الزبير، وأنه دعاه إلى البيعة، فأبى فقال له ولبين أمية: نراكم في اختلاط شديد، فأقموا أمركم قبل أن يدخل عليكم شأمكم، فتكون فتنة عمياء صماء؛ فكان من رأي مروان أن يرحل فينطلق إلى ابن الزبير فيبايعه، فقدم عبيد الله بن زياد واجتمعت عنده بنو أمية، وكان قد بلغ عبيد الله ما يريد مروان، فقال له: استحييت لك مما تريد! أنت كبير قريش وسيدها، تصنع ما تصنعه! فقال: ما فات شيءٌ بعد؛ فقام معه بنو أمية ومواليهم، وتجمع إليه أهل اليمن، فسار وهو يقول: ما فات شيءٌ بعد؛ فقدم دمشق ومن معه، والضحاك بن قيس الفهري قد بايعه أهل دمشق على أن يصلي بهم؛ ويقيم لهم أمرهم حتى يجتمع أمر أمة محمد.
وأما عوانة فإنه قال - فيما ذكر هشام عنه - إن يزيد بن معاوية لما مات وابنه معاوية من بعده، وكان معاوية بن يزيد بن معاوية - فيما بلغني - أمر بعد ولايته فنودي بالشأم: الصلاة جامعة! فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإني قد نظرت في أمركم فضعفت عنه، فابتغيت لكم رجلاً مثل عمر بن الخطاب رحمة الله عليه حين فزع إليه أبو بكر فلم أجده، فابتغيت لكم ستةً في الشورى مثل ستة عمر، فلم أجدها، فأنتم أولى بأمركم، فاختاروا له من أحببتم. ثم دخل منزله ولم يخرج إلى الناس، وتغيب حتى مات. فقال بعض الناس: دس إليه فسقي سماً، وقال بعضهم: طعن.
رجع الحديث إلى حديث عوانة. ثم قدم عبيد الله بن زياد دمشق وعليها الضحاك ابن قيس الفهري، فثار زفر بن الحارث الكلابي بقنسرين يبايع لعبد الله بن الزبير، وبايع النعمان بن بشير الأنصاري بحمص لابن الزبير، وكان حسان ابن مالك بن بحدل الكلبي بفلسطين عاملاً لمعاوية بن أبي سفيان، ثم ليزيد ابن معاوية بعده، وكان يهوى هوى بني أمية، وكان سيد أهل فلسطين، فدعا حسان بن مالك بن بحدل الكلبي روح بن زنباع الجذامي، فقال: إني مستخلفك على فلسطين، وأدخل هذا الحي من لخم وجذام، ولست بدون رجل إذ كنت عينهم قاتلت بمن معك من قومك. وخرج حسان بن مالك إلى الأردن واستخلف روح بن زنباع على فلسطين، فثار ناتل بن قيس بروح بن زنباع فأخرجه، فاستولى على فلسطين، وبايع لابن الزبير، وقد كان عبد الله بن الزبير كتب إلى عامله بالمدينة أن ينفي بني أمية من المدينة، فنفوا بعيالاتهم ونسائهم إلى الشأم، فقدمت بنو أمية دمشق وفيها مروان بن الحكم، فكان الناس فريقين: حسان بن مالك بالأردن يهوى هوى بني أمية، ويدعو إليهم؛ والضحاك ابن قيس الفهري بدمشق يهوى هوى عبد الله بن الزبير، ويدعو إليه. قال: فقام حسان بن مالك بالأردن، فقال: يا أهل الأردن، ما شهادتكم على ابن الزبير وعلى قتلي أهل الحرة؟ قالوا: نشهد أن ابن الزبير منافق وأن قتلى أهل الحرة في النار؛ قال: فما شهادتكم على يزيد بن معاوية وقتلاكم بالحرة؟ قالوا: نشهد أن يزيد على الحق، وأن قتلانا في الجنة؛ قال: وأنا أشهد لئن كان دين يزيد بن معاوية وهي حي حقاً يومئذ إنه اليوم وشيعته على حق؛ وإن كان ابن الزبير يومئذ وشيعته على باطل إنه اليوم على باطل وشيعته؛ قالوا له: قد صدقت، نحن نيايعك على أن نقاتل من خالفك من الناس، وأطاع ابن الزبير، على أن تجنبنا هذين الغلامين، فإنا نكره ذلك - يعنون ابني يزيد بن معاوية عبد الله وخالداً - فإنهما حديثةٌ أسنانهما، ونحن نكره أن يأتينا الناس بشيخ ونأتيهم بصبي. وقد كان الضحاك ابن قيس بدمشق يهوى هوى ابن الزبير؛ وكان يمنعه من إظهار ذلك أن بني أمية كانوا بحضرته، وكان يعمل في ذلك سراً، فبلغ ذلك حسان بن مالك ابن بحدل، فكتب إلى الضحاك كتاباً يعظم فيه حق بني أمية، ويذكر الطاعة والجماعة وحسن بلاء بني أمية عنده وصنيعهم إليه، ويدعوه إلى طاعتهم، ويذكر ابن الزبير ويقع فيه ويشتمه، ويذكر أنه منافق، قد خلع خليفتين، وأمره أن يقرأ كتابه على الناس. ودعا رجلاً من كلب يدعى ناغضة فسرح بالكتاب معه إلى الضحاك بن قيس، وكتب حسان بن مالك نسخة ذلك الكتاب، ودفعه إلى ناغضة، وقال: إن قرأ الضحاك كتابي على الناس وإلا فقم فاقرأ هذا الكتاب على الناس؛ وكتب حسان إلى بني أمية يأمرهم أن يحضروا ذلك، فقدم ناغضة بالكتاب على الضحاك فدفعه إليه ودفع كتاب بني أمية إليهم، فلما كان يوم الجمعة صعد الضحاك المنبر فقام إليه ناغضة، فقال: أصلح الله الأمير! ادع بكتاب حسان فاقرأه على الناس، فقال له الضحاك: اجلس، فجلس؛ ثم قام إليه الثانية فقال له: اجلس؛ ثم قام إليه الثالثة فقال له: اجلس، فلما رآه ناغضة لا يفعل أخرج الكتاب الذي معه فقرأه على الناس، فقام الوليد بن عتبة بن أبي سفيان فصدق حساناً وكذب ابن الزبير وشتمه، وقام يزيد بن أبي النمس الغساني. فصدق مقالة حسان وكتابه، وشتم ابن الزبير، وقام سفيان بن الأبرد الكلبي فصدق مقالة حسان وكتابه، وشتم ابن الزبير.
وقام عمرو بن يزيد الحكمي فشتم حسان وأثنى على ابن الزبير، واضطرب الناس تبعاً لهم، ثم أمر الضحاك بالوليد بن عتبة ويزيد بن أبي النمس وسفيان ابن الأبرد الذين كانوا صدقوا مقالة حسان وشتموا ابن الزبير فحبسوا، وجال الناس بعضهم في بعض، ووثبت كلب على عمرو بن يزيد الحكمي فضربوه وحرقوه بالنار، وخرقوا ثيابه.
وقام خالج بن يزيد بن معاوية فصعد مرقاتين من المنبر وهو يومئذ غلام، والضحاك بن قيس على المنبر، فتكلم خالد بن يزيد بكلام أوجز فيه لم يسمع مثله، وسكن الناس ونزل الضحاك فصلى بالناس الجمعة، ثم دخل فجاءت كلب فأخرجوا سفيان بن الأبرد، وجاءت غسان فأخرجوا يزيد بن أبي النمس، فقال الوليد بن عتبة: لو كنت من كلب أو غسان أخرجت.
قال: فجاء ابنا يزيد بن معاوية: خالج وعبد الله؛ معهما أخوالهما من كلب فأخرجوه من السجن، فكان ذلك اليوم يسميه أهل الشأم يوم جيرون الأول. وأقام الناس بدمشق، وخرج الضحاك إلى مسجد دمشق، فجلس فيه فذكر يزيد بن معاوية، فوقع فيه، فقام إليه شابٌّ من كلب بعصاً معه فضربه بها، والناس جلوس في الحلق متقلدي السيوف، فقام بعضهم إلى بعض في المسجد، فاقتتلوا؛ قيس تدعو إلى ابن الزبير ونصرة الضحاك، وكلب تدعو إلى بني أمية ثم إلى خالد بن يزيد، ويتعصبون ليزيد، ودخل الضحاك دار الإمارة، وأصبح الناس فلم يخرج إلى صلاة الفجر، وكان من الأجناد ناس يهوون هوى بني أمية، وناس يهوون هوى ابن الزبير، فبعث الضحاك إلى بني أمية فدخلوا عليه من الغد، فاعتذر إليهم، وذر حسن بلائهم عند مواليه وعنده، وأنه ليس يريد شيئاً يكرهونه.
قال: فتكتبون إلى حسان ونكتب، فيسير من الأردن حتى ينزل الجابية، ونسير نحن وأنتم حتى نوافيه بها فنبايع لرجل منكم، فرضيت بذلك بنو أمية، وكتبوا إلى حسان، وكتب إليه الضحاك، وخرج الناس وخرجت بنو أمية واستقبلت الرايات، وتوجهوا يريدون الجابية، فجاء ثور بن معن بن يزيد ابن الأخنس السلمي إلى الضحاك، فقال: دعوتنا إلى طاعة ابن الزبير فبايعناك على ذلك، وأنت تسير إلى هذا الأعرابي من كلب تستخلف ابن أخيه خالد ابن يزيد! فقال له الضحاك: فما الرأي؟ قال: الرأي أن نظهر ما كنا نسر وندعو إلى طاعة ابن الزبير، ونقاتل عليها، فمال الضحاك بمن معه من الناس فعطفهم، ثم أقبل يسير حتى نزل بمرج راهط.
واختلف في الوقعة التي كانت بمرج راهط بين الضحاك بن قيس ومروان ابن الحكم، فقال محمد بن عمر الواقدي: بويع مروان بن الحكم في المحرم سنة خمس وستين، وكان مروان بالشأم لا يحدث نفسه بهذا الأمر حتى أطمعه فيه عبيد الله بن زياد حين قدم عليه من العراق، فقال له: أنت كبير قريش ورئيسها، يلي عليك الضحاك بن قيس! فذلك حين كان ما كان، فخرج إلى الضحاك في جيش، فقتلهم مروان والضحاك يومئذ في طاعة ابن الزبير، وقتلت قيس بمرج راهط مقتلةً لم يقتل مثلها في موطن قط.
قال محمد بن عمر: حدثني ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، قال: قتل الضحاك يوم مرج راهط على أنه يدعو إلى عبد الله بن الزبير، وكتب به إلى عبد الله لما ذكر عنه من طاعته وحسن رأيه.
وقال غير واحد: كانت الوقعة بمرج راهط بين الضحاك ومروان في سنة أربع وستين.
وقد حدثت عن ابن سعد، عن محمد بن عمر، قال: حدثني موسى ابن يعقوب، عن أبي الحويرث، قال: قال أهل الأردن وغيرهم لمروان: أنت شيخٌ كبير، وابن يزيد غلام وابن الزبير كهل، وإنما يقرع الحديد بعضه ببعض، فلا تباره بهذا الغلام، وارم بنحرك في نحره، ونحن نبايعك، ابسط يدك، فبسطها، فبايعوه بالجابية يوم الأربعاء لثلاث خلون من ذي القعدة سنة أربع وستين.
قال محمد بن عمر: وحدثني مصعب بن ثابت، عن عامر بن عبد الله أن الضحاك لما بلغه أن مروان قد بايعه من بايعه على الخلافة، بايع من معه لابن الزبير، ثم سار كل واحد منهما إلى صاحبه، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فقتل الضحاك وأصحابه.
قال محمد بن عمر: وحدثني ابن أبي الزناد، عن أبيه؛ قال: لما ولي المدينة عبد الرحمن بن الضحاك كان فتىً شاباً، فقال: إن الضحاك ابن قيس قد كان دعا قيساً وغيرها إلى البيعة لنفسه، فبايعهم يومئذ على الخلافة، فقال له زفر بن عقيل الفهري: هذا الذي كنا نعرف ونسمع، وإن بني الزبير يقولون: إنما كان بايع لعبد الله بن الزبير، وخرج في طاعته حتى قتل، الباطل والله يقولون؛ كان أول ذاك أن قريشاً دعته إليها ، فأبى عليها حتى دخل فيها كارهاً.
ذكر الخبر عن الوقعة بمرج راهط بين الضحاك بن قيس ومروان بن الحكم وتمام الخبر عن الكائن من جليل الأخبار والأحداث في سنة أربع وستين.
قال أبو جعفر: حدثنا نوح بن حبيب، قال: حدثنا هشام بن محمد، عن عوانة بن الحكم الكلبي، قال: مال الضحاك بن قيس بمن معه من الناس حين سار يريد الجابية للقاء حسان بن مالك، فعطفهم، ثم أقبل يسير حتى نزل بمرج راهط، وأظهر البيعة لابن الزبير وخلع بين أمية، وبايعه على ذلك جل أهل دمشق من أهل اليمن وغيرهم.
قال: وسارت بنو أمية ومن تبعهم حتى وافوا حسان بالجابية، فصلى بهم حسان أريعن يوماً، والناس يتشاورون، وكتب الضحاك إلى النعمان بن بشير وهو على حمص، وإلى زفر بن الحارث وهو على قنسرين، وإلى ناتل ابن قيس وهو على فلسطين يستمدهم، وكانوا على طاعة ابن الزبير، فأمده النعمان بشرحبيل بن ذي الكلاع، وأمده زفر بأهل قنسرين، وأمده ناتل بأهل فلسطين، فاجتمعت الأجناد إلى الضحاك بالمرج.
وكان الناس بالجابية لهم أهواء مختلفة، فأما مالك بن هبيرة السكوني فكان يهوى هوى بني يزيد بن معاوية، ويحب أن تكون الخلافة فيهم، وأما الحصين بن نمير السكوني فكان يهوى أن تكون الخلافة لمروان بن الحكم، فقال مالك بن هبيرة لحصين بن نمير: هلم فلنبايع لهذا الغلام الذي نحن ولدنا أباه، وهو ابن أختنا، فقد عرفت منزلتنا كانت من أبيه، فإنه يحملنا على رقاب العرب غداً - يعني خالد بن يزيد - فقال الحصين: لا، لعمر الله، لا تأتينا العرب بشيخ ونأتيهم بصبي؛ فقال مالك: هذا ولم تردى تهامة ولما يبلغ الحزام الطبيين؛ فقالوا: مهلاً يا أبا سليمان! فقال له مالك: والله لئن استخلفت مروان وآل مروان ليحسدنك على سوطك وشراك نعلك وظل شجرة تستظل بها؛ إن مروان أبو عشيرة، وأخو عشيرة، وعم عشيرة، فإن بايعتموه كنتم عبيداً لهم، ولكن عليكم بابن أختكم خالد، فقال حصين: إني رأيت في المنام قنديلاً معلقاً من السماء، وإن من يمد عنقه إلى الخلافة تناوله فلم ينله، وتناوله مروان فناله، والله لنستخلفنه؛ فقال له مالك: ويحك يا حصين! أتبايع لمروان وآل مروان وأنت تعلم أنهم أهل بيت من قيس! فلما اجتمع رأيهم للبيعة لمروان بن الحكم قام روح بن زنباع الجذامي، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إنكم تذكرون عبد الله بن عمر ابن الخطاب وصحبته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدمه في الإسلام، وهو كما تذكرون؛ ولكن ابن عمر رجلٌ ضعيفٌ، وليس بصاحب أمة محمد الضعيف، وأما ما يذكر الناس من عبد الله بن الزبير ويدعون إليه من أمره فهو والله كما يذكرون بأنه لابن الزبير حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن أسماء ابنة أبي بكر الصديق ذات النطاقين، وهو بعد كما تذكرون في قدمه وفضله؛ ولكن ابن الزبير منافق، قد خلع خليفتين: يزيد وابنه معاوية ابن يزيد، وسفك الدماء، وشق عصا المسلمين، وليس صاحب أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم المنافق؛ وأما مروان بن الحكم؛ فوالله ما كان في الإسلام صدعٌ قط إلا كان مروان ممن يشعب ذلك الصدع، وهو الذي قاتل عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان يوم الدار، والذي قاتل علي بن أبي طالب يوم الجمل، وإنا نرى للناس أن يبايعوا الكبير ويستشبوا الصغير - يعني بالكبير مروان بن الحكم، وبالصغير خالد بن يزيد بن معاوية. قال: فأجمع رأي الناس على البيعة لمروان، ثم لخالد بن يزيد من بعده، ثم لعمرو ابن سعيد بن العاص من بعد خالد، على أن إمارة دمشق لعمرو بن سعيد ابن العاص، وإمارة حمص لخالد بن يزيد بن معاوية. قال: فدعا حسان ابن مالك بن بجدل خالد بن يزيد فقال: أبني أختي، إن الناس قد أبوك لحداثة سنك، وإني والله ما أريد هذا الأمر إلا لك ولأهل بيتك، وما أبايع مروان إلا نظراً لكم؛ فقال له خالد بن يزيد: بل عجزت عنا، قال: لا والله ما عجزت عنك، ولكن الرأي لك ما رأيت. ثم دعا حسان بمروان فقال: يا مروان، إن الناس والله ما كلهم يرضى بك، فقال له مروان: إن يرد الله أن يعطينها لا يمنعني إياها أحدٌ من خلقه، وإن يرد أن يمنعنيها لا يعطنيها أحدٌ من خلقه. قال: فقال له حسان: صدقت، وصعد حسان المنبر يوم الاثنين، فقال: يأيها الناس، إنا نستخلف يوم الخميس إن شاء الله؛ فلما كان يوم الخميس بايع لمروان، وبايع الناس له، وسار مروان إلى الجابية في الناس حتى نزل مرج راهط على الضحاك في أهل الأردن من كلب، وأتته السكاسك والسكون وغسان، وربع حسان بن مالك بن بحدل إلى الأردن. قال: وعلى ميمنته - أعني مروان - عمرو بن سعيد بن العاص، وعلى ميسرته عبيد الله بن زياد، وعلى ميمنة الضحاك زياد بن عمرو بن معاوية العقيلي وعلى ميسرته رجل آخر لم أحفظ اسمه، وكان يزيد بن أبي النمس الغساني لم يشهد الجابية؛ وكان مختبئاً بدمشق، فلما نزل مروان مرج راهط ثار يزيد ابن أبي نمس بأهل دمشق في عبيدها، فغلب عليها، وأخرج عامل الضحاك منها، وغلب على الخزائن وبيت المال، وبايع لمروان وأمده بالأموال والرجال والسلاح، فكان أول فتح فتح على بني أمية. قال: وقاتل مروان الضحاك عشرين ليلةً كان، ثم هزم أهل المرج، وقتلوا وقتل الضحاك، وقتل يومئذ من أشراف الناس من أهل الشام ممن كان مع الضحاك ثمانون رجلاً كلهم كان يأخذ القطيفة، والذي كان يأخذ القطيفة يأخذ ألفين في العطاء، وقتل أهل الشأم يومئذ مقتلةً عظيمةً
لم يقتلوا مثلها قط من القبائل كلها، وقتل مع الضحاك يومئذ رجل من كلب من بني عليم يقال له مالك بن يزيد بن مالك بن كعب، وقتل يومئذ صاحب لواء قضاعة حيث دخلت قضاعة الشأم، وهو جد مدلج ابن المقدام بن زمل بن عمرو بن ربيعة بن عمرو الجرشي، وقتل ثور بن معن بن يزيد السلمي، وهو الذي كان رد الضحاك عن رأيه. قال: وجاء برأس الضحاك رجلٌ من كلب؛ وذكروا أن مروان حين أتى برأسه ساءه ذلك وقال: الآن حين كبرت سني ودق عظمي وصرت في مثل ظمء الحمار، أقبلت بالكتائب أضرب بعضها ببعض!م يقتلوا مثلها قط من القبائل كلها، وقتل مع الضحاك يومئذ رجل من كلب من بني عليم يقال له مالك بن يزيد بن مالك بن كعب، وقتل يومئذ صاحب لواء قضاعة حيث دخلت قضاعة الشأم، وهو جد مدلج ابن المقدام بن زمل بن عمرو بن ربيعة بن عمرو الجرشي، وقتل ثور بن معن بن يزيد السلمي، وهو الذي كان رد الضحاك عن رأيه. قال: وجاء برأس الضحاك رجلٌ من كلب؛ وذكروا أن مروان حين أتى برأسه ساءه ذلك وقال: الآن حين كبرت سني ودق عظمي وصرت في مثل ظمء الحمار، أقبلت بالكتائب أضرب بعضها ببعض! قال: وذكروا أنه مر يومئذ برجل قتيل فقال:
وما ضرهم غير حين النفو ... س أي أميري قريش غلب
وقال مروان حين بويع له ودعا إلى نفسه:
لما رأيت الأمر أمراً نهبا ... سيرت غسان لهم وكلبا
والسكسكيين رجالاً غلبا ... وطيئاً تأباه إلا ضربنا
والفين تمشي في الحديد نكبا ... ومن تنوخ مشمخراً صعبا
لا يأخذون الملك إلا غصبا ... وإن دنت قيسٌ فقل لا قربا
قال هشام بن محمد : حدثني أبو مخنف لوط بن يحيى، قال: حدثني رجل من بني عبيد ود من أهل الشأم، قال: حدثني من شهد مقتل الضحاك ابن قيس، قال: مر بنا رجلٌ من كلب يقال له زحنة بن عبد الله، كأنما يرمى بالرجال الجداء، ما يطعن رجلاً إلا صرعه، ولا يضرب رجلاً إلى قتله، فجعلت أنظر إليه أتعجب من فعله ومن قتله الرجال، إذ حمل عليه رجل فصرعه زحنة وتركه، فأتيته فنظرت إلى المقتول فإذا هو الضحاك بن قيس، فأخذت رأسه فأتيت به إلى مروان، فقال: أنت قتلته؟ فقلت: لا، ولن قتله زحنة بن عبد الله الكلب، فأعجبه صدقي إياه، وتركي ادعاءه، فأمر لي بمعروف، وأحسن إلى زحنة.
قال أبو مخنف: وحدثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق، عن حبيب بن كرة، قال: والله إن راية مروان يومئذ لمعي، وإنه ليدفع بنعل سيفه في ظهري، وقال: ادن برايتك لا أبا لك! إن هؤلاء لو قد وجدوا لهم حد السيوف انفرجوا انفراج الرأس، وانفراج الغنم عن راعيها. قال: وكان مروان في ستة آلاف، وكان على خيله عبيد الله بن زياد، وكان على الرجال مالك ابن هبيرة؛ قال عبد الملك بن نوفل: وذكروا أن بشر بن مروان كانت معه يومئذ رايةٌ يقاتل بها وهو يقول:
إن على الرئيس حقاً حقا ... أن يخضب الصعدة أو تندقا
قال: وصرع يومئذ عبد العزيز بن مروان؛ قال: ومر مروان يومئذ برجل من محارب وهو في نفر يسيرٍ تحت راية يقات عن مروان، فقال مروان: يرحمك الله! لو أنك انضممت بأصحابك، فإني أراك في قلة! فقال: إن معنا يا أمير المؤمنين من الملائكة مداداً أضعافاً من تأمرنا ننضم إليه، قال: فسر بذلك مروان وضحك، وضم أناساً إليه ممن كان حوله؛ قال: وخرج الناس منهزمين من المرج إلى أجنادهم، فانتهى أهل حمص إلى حمص والنعمان بن بشير عليها، فلما بلغ النعمان الخبر خرج هارباً ليلاً ومعه امرأته نائلة بنت عمارة الكلبية، ومع ثقله وولده، فتحير ليلته كلها، وأصبح أهل حمص فطلبوه؛ وكان الذي طلبه رجل من الكلاعيين يقال له عمرو بن الخلي فقتله، وأقبل برأس النعمان بن بشير وبنائلة امرأته وولدها، فألقى الرأس في حجر أم أبان ابنة النعمان التي كانت تحت الحجاج بن يوسف بعد. قال: فقالت نائلة: ألقوا الرأس إلي فأنا أحق به منها، فألقي الرأس في حجرها، ثم أقبلوا بهم وبالرأس حتى انتهوا بهم إلى حمص، فجاءت كلب من أهل حمص فأخذوا نائلة وولدها؛ قال: وخرج زفر بن الحارث من قنسرين هارباً فلحق بقرقيسيا، فلما انتهى إليها وعليها عياضٌ الجرشي وهو ابن أسلم بن كعب بن مالك بن لغز بن أسود بن كعب بن حدس بن أسلم - وكان يزيد بن معاوية ولاه قرقيسيا، فحال عياض بين زفر وبين دخول قرقيسيا، فقال له زفر: أوثق لك بالطلاق والعتاق إذا أنا دخلت حمامها أن أخرج منها؛ فلما انتهى إليها ودخلها لم يدخل حمامها وأقام بها، وأخرج عياضاً منها، وتحصن زفر بها وثابت إليه قيس. قال: وخرج ناتل بن قيس الجذامي صاحب فلسطين هارباً، فلحق بابن الزبير بمكة، وأطبق أهل الشأم على مروان، واستوثقوا له، واستعمل عليها عماله.
قال أبو مخنف: حدثني رجل من بني عبد ود من أهل الشأم - يعني الشرقي - قال: وخرج مروان حتى أتى مصر بعد ما اجتمع له أمر الشأم، فقدم مصر وعليها عبد الرحمن بن جحدم القرشي يدعو إلى ابن الزبير، فخرج إليه فيمن معه من بني فهر، وبعث مروان عمرو بن سعيد الأشدق من ورائه حتى دخل مصر، وقام على منبرها يخطب الناس، وقيل لهم: قد دخل عمرو مصر، فرجعوا، وأمر الناس مروان وبايعوه، ثم أقبل راجعاً نحو دمشق، حتى إذا دنا منها بلغه أن ابن الزبير قد بعث أخاه مصعب بن الزبير نحو فلسطين، فسرح إليه مروان عمرو بن سعيد بن العاص في جيش، واستقبله قبل أن يدخل الشأم، فقاتله فهزم أصحاب مصعب، وكان معه رجلٌ من بني عذرة يقال له محمد بن حريث بن سليم، وهو خال بني الأشدق، فقال: والله ما رأيت مثل مصعب بن الزبير رجلاً قط أشد قتالاً فارساً وراجلاً، ولقد رأيته في الطريق يترجل فيطرد بأصحابه، ويشد على رجليه، حتى رأيتهما قد دميتا. قال: وانصرف مروان حتى استقرت به دمشق، ورجع إليه عمرو بن سعيد.
قال: ويقال: إنه لما قدم عبيد الله بن زياد من العراق، فنزل الشأم أصاب بن أمية بتدمر، قد نفاهم ابن الزبير من المدينة ومكة، ومن الحجاز كله، فنزلوا بتدمر، وأصابوا الضحاك بن قيس أميراً على الشأم لعبد الله بن الزبير، فقدم ابن زياد حين قدم ومروان يريد أن يركب إلى ابن الزبير فيبايعه بالخلافة، فيأخذ منه الأمان لبني أمية؛ فقال له ابن زياد: أنشدك الله ألا تفعل، ليس هذا برأي أن تنطلق وأنت شيخ قريش إلى أبي خبيب بالخلافة، ولكن ادع أهل تدمر فبايعهم، ثم سر بهم وبمن معك من بني أمية إلى الضحاك بن قيس حتى تخرجه من الشأم؛ فقال عمرو بن سعيد بن العاص: صدق والله عبيد الله بن زياد، ثم أنت سيد قريش وفرعها، وأنت أحق الناس بالقيام بهذا الأمر، إنما ينظر الناس إلى هذا الغلام - يعني خالد بن يزيد بن معاوية - فتزوج أمه فيكون في حجرك؛ قال: ففعل مروان ذلك، فتزوج أم خالد بن يزيد، وهي فاختة ابنة أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس. ثم جمع بني أمية فبايعوه بالإمارة عليهم، وبايعه أهل تدمر ثم سار في جمع عظيم إلى الضحاك بن قيس، وهو يومئذ بدمشق، فلما بلغ الضحاك ما صنع بنو أمية ومسيرتهم إليه، خرج بمن تبعه من أهل دمشق وغيرهم، فيهم زفر بن الحارث، فالتقوا بمرج راهط، فاقتتلوا قتالاً شديداً فقتل الضحاك بن قيس الفهري وعامة أصحابه، وانهزم بقيتهم، فتفرقوا، وأخذ زفر بن الحارث وجهاً من تلك الوجوه، هو وشابان من بني سليم فجاءت خيل مروان تطلبهم، فلما خاف السلميان أن تلحقهم خيل مروان قالا لزفر: يا هذا، انج بنفسك، فأما نحن فمقتولان، فمضى زفر وتركهما حتى أتى قرقيسيا، فاجتمعت إليه قيس، فرأسوه عليهم، فذلك حيث يقول زفر بن الحارث:
أريني سلاحي لا أبا لك إنني ... أرى الحرب لا تزداد إلا تماديا
أتاني عن مروان بالغيب أنه ... مقيدٌ دمي أو قاطعٌ من لسانيا
ففي العيس منجاةٌ في الأرض مهرب ... إذا نحن رفعنا لهن المثانيا
فلا تحسبوني إن تغيبت غافلاً ... ولا تفرحوا إن جئتكم بلقائيا
فقد ينبت المرعى على دمن الثرى ... وتبقى حزازات النفوس كما هيا
أتذهب كلبٌ لم تنلها رماحنا ... وتترك قتلى راهط هي ما هيا!
لعمري لقد أبقت وقيعة راهطٍ ... لحسان صدعاً بيناً متنائيا
أبعد ابن عمرٍو وابن معنٍ تتابعا ... ومقتل همامٍ أمني الأمانيا!
فلم تر مني نبوةٌ قبل هذه ... فراري وتركي صاحبي ورائيا
عشية أعدو بالقران فلا أرى ... من الناس إلا من علي ولا ليا
أيذهب يومٌ واحدٌ إن أسأته ... بصالح أيامي وحسن بلائيا!
فلا صلح حتى تنحط الخيل بالقنا ... وتثأر من نسوان كلب نسائيا
ألا ليت شعري هل تصيبن غارتي ... تنوخاً وحيي طيىءٍ من شفائيا
فأجابه جواس بن قعطل:
لعمري لقد أبقت وقيعة راهطٍ ... على زفرٍ داءً من الداء باقيا
مقيماً ثوى بين الضلوع محله ... وبين الحشا أعيا الطبيب المداويا
تبكي على قتلي سليم وعامرٍ ... وذبيان معذوراً وتبكي البواكيا
دعا بسلاحٍ ثم أحجم إذ رأى ... سيوف جنابٍ والطوال المذاكيا
عليها كأسد الغاب فتيان نجدةٍ ... إذا شرعوا نحو الطعان العواليا
فأجابه عمر بن المخلا الكلبي من تيم اللات بن رفيدة، فقال:
بكى زفر القيسي من هلك قومه ... بعبرة عينٍ ما يجف سجومها
يبكي على قتلى أصيبت براهطٍ ... تجاوبه هام القفار وبومها
أبحنا حمىً للحي قيسٍ براهط ... وولت شلالاً واستبيح حريمها
يبكيهم حران تجري دموعه ... يرجي نزاراً أن تئوب حلومها
فمت كمداً أو عش ذليلاً مهضماً ... بحسرة نفس لا تنام همومها
إذا خطرت حولي قضاعة بالقنا ... تخبط فعل المصعبات قرومها
خبطت بهم من كادني من قبيلة ... فمن ذا إذا عز الخطوب يرومها
وقال زفر بن الحارث أيضاً:
أفي الله أما بحدلٌ وابن بحدل ... فيحيا وأما ابن الزبير فيقتل!
كذبتم وبيت الله لا تقتلونه ... ولما يكن يومٌ أغر محجل
ولما يكن للمشرفية فوقكم ... شعاعٌ كقرن الشمس حين ترجل
فأجابه عبد الرحمن بن الحكم، أخو مروان بن الحكم، فقال:
أتذهب كلب قد حمتها رماحها ... وتترك قتلى راهطٍ ما أجنت!
لحا الله قيساً قيس عيلان إنها ... أضاعت ثغور المسلمين وولت
فباه بقيسٍ في الرخاء ولا تكن ... أخاها إذا ما المشرفية سلت
قال أبو جعفر: ولما بايع حصين بن نمير مروان بن الحكم وعصا مالك بن هبيرة فيما أشار به عليه من بيعة خالد بن يزيد بن معاوية، واستقر لمروان بن الحكم الملك، وقد كان الحصين بن نمير اشترط على مروان أن ينزل البلقاء من كان بالشأم من كندة، وأن يجعلها لهم مأكلةً، فأعطاه ذلك؛ وإن بني الحكم لما استوثق الأمر لمروان، وقد كانوا اشترطوا لخالد بن يزيد بن معاوية شروطاً؛ قال مروان ذات يوم وهو جالسٌ في مجلسه ومالك بن هبيرة جالس عنده: إن قوماً يدعون شروطاً منهم عطارة مكحلة - يعني مالك بن هبيرة وكان رجلاً يتطيب ويكتحل - فقال مالك بن هبيرة: هذا ولما تردى تهامة، ولما يبلغ الحزام الطبيين؛ فقال مروان: مهلاً يا أبا سليمان، إنما داعبناك؛ فقال مالك: هو ذاك. وقال عويج الطائي يمتدح كلباً وحميد بن بحدل:
لقد علم الأقوام وقع ابن بحدلٍ ... وأخرى عليهم إن بقي سيعيدها
يقودون أولاد الوجيه ولاحقٍ ... من الريف شهراً ما يني من يقودها
فهذا لهذا ثم إني لنافضٌ ... على الناس أقواماً كثيراً حدودها
فلولا أمير المؤمنين لأصبحت ... قضاعة أرباباً وقيس عبيدها
وفي هذه السنة بايع جند خراسان لسلم بن زياد بعد موت يزيد بن معاوية، على أن يقوم بأمرهم حتى يجتمع الناس على خليفة.
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-03-2014, 07:20 PM   #65 (permalink)
بحرجديد
مشرف التاريخ والحضاره - أمير الأبداع - كاتب مميز - مشرف الشهر المميز
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
ذكر الخبر عن فتنة عبد الله بن خازم وبيعة سلم بن زياد وفيها كانت فتنة عبد الله بن خازم بخراسان
ذكر الخبر عن ذلكحدثني عمر بن شبة، قال: حدثنا علي بن محمد، قال: أخبرنا مسلمة ابن محارب، قال: بعث سلم بن زياد بما أصاب من هدايا سمرقند وخوارزم إلى يزيد بن معاوية مع عبد الله بن خازم، وأقام سلم والياً على خراسان حتى مات يزيد بن معاوية ومعاوية بن يزيد، فبلغ سلماً موته، وأتاه مقتل يزيد بن زياد في سجستان وأسر أبي عبيدة بن زياد، وكتم الخبر سلم، فقال ابن عرادة:
يأيها الملك المغلق بابه ... حدثت أمورٌ شأنهن عظيم
قتلى بجنزة والذين بكابلٍ ... ويزيد أعلن شأنه المكتوم
أبني أمية إن آخر ملككم ... جسدٌ بحوارين ثم مقيم
طرقت منيته وعند وساده ... كوبٌ وزقٌّ راعفٌ مرثوم
ومرنةٌ تبكي على نشوانه ... بالصنج تقعد تارةً وتقوم
قال مسلمة: فلما ظهر شعر ابن عرادة أظهر سلمٌ موت يزيد بن معاوية ومعاوية بن يزيد، ودعا الناس إلى البيعة على الرضا حتى يستقيم أمر الناس على خليفة، فبايعوه، ثم مكثوا بذلك شهرين، ثم نكثوا به.
قال علي بن محمد: وحدثنا شيخٌ من أهل خراسان، قال: لم يحب أهل خراسان أميراً قط حبهم سلم بن زياد، فسمي في تلك السنين التي كان بها سلم أكثر من عشرين ألف مولود بسلم، من حبهم سلما.قال: وأخبرنا أبو حفص الأزدي، عن عمه قال: لما اختلف الناس بخراسان ونكثوا بيعة سلم، خرج سلم عن خراسان وخلف عليها المهلب بن أبي صفرة، فلما كان بسرخس لقيه سليمان بن مرثد أحد بني قيس بن ثعلبة، فقال له: من خلفت على خراسان؟ قال: المهلب؛ فقال: ضاقت عليك نزارٌ حتى وليت رجلاً من أهل اليمن! فولاه مرو الروذ والفارياب والطالقان والجوزجان، وولي أوس بن ثعلبة بن زفر - وهو صاحب قصر أوس بالبصرة - هراة، ومضى فلما صار بنيسابور لقيه عبد الله بن خازم فقال: من وليت خراسان؟ فأخبره، فقال: أما وجدت في مضر رجلاً تستعمله حتى فرقت خراسان بين بكر بن وائل ومزون عمان! وقال له: اكتب لي عهداً على خراسان؛ قال: أوالي خراسان أنا! قال: اكتب لي عهداً وخلاك ذم. قال: فكتب له عهداً على خراسان؛ قال: فأعني الآن بمائة ألف درهم فأمر له بها، وأقبل إلى مرو، وبلغ الخبر المهلب بن أبي صفرة، فأقبل واستخلف رجلاً من بني جشم بن سعد بن زيد مناة بن تميم.
قال: وأخبرنا المفضل بن محمد الضبي، عن أبيه، قال: لما صار عبد الله بن خازم إلى مرو بعهد سلم بن زياد، منعه الجشمي، فكانت بينهما مناوشة، فأصابت الجشمي رميةٌ بحجر في جبهته، وتحاجزوا وخلى الجشمي بين مرو الروذ وبينه، فدخلها ابن خازم، ومات الجشمي بعد ذلك بيومين.
قال علي بن محمد المدائني: حدثنا الحسن بن رشيد الجوزجاني، عن أبيه، قال: لما مات يزيد بن معاوية ومعاوية بن يزيد وثب أهل خراسان بعمالهم فأخرجوهم، وغلب كل قوم على ناحية، ووقعت الفتنة، وغلب ابن خازم على خراسان، ووقعت الحرب.
قال أبو جعفر: وأخبرنا أبو الذيال زهير بن هنيد، عن أبي نعامة، قال: أقبل عبد الله بن خازم فغلب على مرو، ثم سار إلى سليمان بن مرثد فلقيه بمرو الروذ، فقاتله أياماً، فقتل سليمان بن مرثد، ثم سار عبد الله بن خازم إلى عمرو بن مرثد وهو بالطالقان في سبعمائة، وبلغ عمراً إقبال عبد الله إليه وقتله أخاه سليمان، فأقبل إليه، فالتقوا على نهر قبل أن يتوافى إلى ابن خازم أصحابه، فأمر عبد الله من كان معه فنزلوا، فنزل وسأل عن زهير بن ذؤيب العدوي، فقالوا: لم يجيء حتى أقبل وهو على حاله، فلما أقبل قيل له: هذا زهير قد جاء؛ فقال له عبد الله: تقدم، فالتقوا فاقتتلوا طويلاً، فقتل عمرو بن مرثد، وانهزم أصحابه، فلحقوا بهراة بأوس بن ثعلبة، ورجع عبد الله ابن خازم إلى مرو.
قال: وكان الذي ولي قتل عمرو بن مرثد زهير بن حيان العدوي فيما يروون فقال الشاعر:
أتذهب أيام الحروب ولم تبىء ... زهير بن حيانٍ بعمرو بن مرثد!
قال: وحدثنا أبو السري الخراساني - وكان من أهل هراة - قال: قتل عبد الله بن خازم سليمان وعمراً ابني مرثد المرثديين من بني قيس بن ثعلبة ثم رجع إلى مرو، وهرب من كان بمرو الروذ من بكر بن وائل إلى هراة، وانضم إليها من كان بكور خراسان من بكر بن وائل، فكان لهم بها جمعٌ كثير عليهم أوس بن ثعلبة؛ قال: فقالوا له: نبايعك على أن تسير إلى ابن خازم، وتخرج مضر من خراسان كلها؛ فقال لهم: هذا بغيٌ، وأهل البغي مخذولون، أقيموا مكانكم هذا، فإن ترككم ابن خازم - وما أراه يفعل - فارضوا بهذه الناحية، وخلوه وما هو فيه؛ فقال بنو صهيب - وهم موالي بني جحدر: لا والله لا نرضى أن نكون نحن ومضر في بلد، وقد قتلوا ابني مرثد، فإن أجبتنا إلى هذا وإلا أمرنا عليك غيرك؛ قال: إنما أنا رجلٌ منكم، فاصنعوا ما بدا لكم؛ فبايعوه، وسار إليهم ابن خازم، واستخلف ابنه موسى، وأقبل حتى نزل على واد بين عسكره وبين هراة؛ قال: فقال البكريون لأوس: اخرج فخندق خندقاً دون المدينة فقاتلهم فيه، وتكون المدينة من ورائنا، فقال لهم أوس: الزموا المدينة فإنها حصينة، وخلوا ابن خازم ومنزله الذي هو فيه؛ فإنه إن طال مقامه ضجر فأعطاكم ما ترضون به، فإن اضطررتم إلى القتال قاتلتم، فأبوا وخرجوا من المدينة فخندقوا خندقاً دونها، فقاتلهم ابن خازم نحواً من سنة.
قال وزعم الأحنف بن الأشهب الضبي، وأخبرنا أبو الذيال زهير بن الهنيد؛ سار ابن خازم إلى هراة وفيها جمعٌ كثير لبكر بن وائل قد خندقوا عليهم، وتعاقدوا على إخراج مضر إن ظفروا بخراسان، فنزل بهم ابن خازم، فقال له هلال الضبي أحد بني ذهل، ثم أحد بني أوس: إنما تقاتل إخوتك من بني أبيك، والله إن نلت منهم فما تريد ما في العيش بعدهم من خير، وقد قتلت بمرو الروذ منهم من قتلت، فلو أعطيتهم شيئاً يرضون به، أو أصلحت هذا الأمر! قال: والله لو خرجت لهم عن خراسان ما رضوا به، ولو استطاعوا أن يخرجوكم من الدنيا لأخرجوكم؛ قال: لا، والله لا أرمي معك بسهم، ولا رجلٌ يطيعني من خندف حتى تعذر إليهم؛ قال: فأنت رسولي إليهم فأرضهم، فأتى هلال إلى أوس بن ثعلبة فناشده الله والقرابة، وقال: أذكرك الله في نزار أن تسفك دماءها، وتضرب بعضها ببعض! قال: لقيت بني صهيب؟ قال: لا والله؛ قال: فالقهم؛ فخرج فلقي أرقم بن مطرف الحنفي، وضمضم بن يزيد - أو عبد الله بن ضمضم بن يزيد - وعاصم بن الصلت بن الحريث الحنفيين، وجماعة من بكر بن وائل وكلمهم بمثل ما كلم به أوساً، فقالوا: هل لقيت بني صهيب؟ فقال: لقد عظم الله أمر بني صهيب عندكم، لا لم ألقهم، قالوا: القهم، فأتى بني صهيب فكلمهم، فقالوا: لولا أنك رسولٌ لقتلناك؛ قال: أفما يرضيكم شيء؟ قالوا: واحدةٌ من اثنين، إما أن تخرجوا عن خراسان ولا يدعو فيها لمضر داعٍ، وإما أن تقيموا وتنزلوا لنا عن كل كراع وسلاح وذهب وفضة؛ قال: أفما شيء غير هاتين؟ قالوا: لا، قال: حسبنا الله ونعم الوكيل! فرجع إلى ابن خازم، فقال: ما عندك؟ قال: وجدت إخوتنا قطعاً للرحم، قال: قد أخبرتك أن ربيعة لم تزل غضاباً على ربها منذ بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم من مضر.
قال أبو جعفر: وأخبرنا سليمان بن مجالد الضبي، قال: أغارت الترك على قصر إسفاد وابن خازم بهراة، فحصروا أهله، وفيه ناس من الأزد هم أكثر من فيه، فهزمتهم، فبعثوا إلى من حولهم من الأزد فجاءوا لينصروهم فهزمتهم الترك، فأرسلوا إلى ابن خازم، فوجه إليهم زهير بن حيان في بني تميم وقال له: إياك ومشاولة الترك، إذا رأيتموهم فاحملوا عليهم، فأقبل فوافاهم في يوم بارد، قال: فلما التقوا شدوا عليهم فلم يثبتوا لهم، وانهزمت الترك واتبعوهم حتى مضى عامة الليل حتى انتهوا إلى قصر في المفازة، فأقامت الجماعة ومضى زهير في فوارس يتبعهم، وكان عالماً بالطريق، ثم رجع في نصف من الليل، وقد يبست يده على رمحه من البرد، فدعا غلامه كعباً، فخرج إليه، فأدخله، وجعل يسخن له الشحم فيضعه على يده، ودهنوه وأوقدوا له ناراً حتى لان ودفىء؛ ثم رجع إلى هراة، فقال في ذلك كعب بن معدان الأشقري:
أتاك أتاك الغوث في برق عارضٍ ... دروعٌ وبيضٌ حشوهن تميم
أبوا أن يضموا حشو ما تجمع القرى ... فضمهم يوم اللقاء صميم
وزرقهم من رائحاتٍ تزينها ... ضروع عريضات الخواصر كوم
وقال ثابت قطنة:
فدت نفسي فوارس من تميمٍ ... على ما كان من ضنك المقام
بق الباهلي وقد أراني ... أحامي حين قل به المحامي
بس عد كسر الرمح فيهم ... أذودهم بذي شطبٍ حسام
أكر عليهم اليحموم كراً ... ككر الشرب آنية المدام
فلولا الله ليس له شريكٌ ... وضربي قونس الملك الهمام
إذاً فاظت نساء بني دثارٍ ... أمام الترك بادية الخدام
قال أبو جعفر: وحدثني أبو الحسن الخراساني، عن أبي حماد السلمي قال: أقام ابن خازم بهراة يقاتل أوس بن ثعلبة أكثر من سنة، فقال يوماً لأصحابه: قد طال مقامنا على هؤلاء، فنادوهم: يا معشر ربيعة، إنكم قد اعتصمتم بخندقكم، أفرضيتم من خراسان بهذا الخندق! فأحفظهم ذلك، فتنادى الناس للقتال، فقال لهم أوس بن ثعلبة: الزموا خندقكم وقاتلوهم كما كنتم تقاتلونهم، ولا تخرجوا إليهم بجماعتكم؛ قال: فعصوه وخرجوا إليهم، فالتقى الناس، فقال ابن خازم لأصحابه: اجعلوه يومكم فيكون الملك لمن غلب، فإن قتلت فأميركم شماس بن دثار العطاردي، فإن قتل فأميركم بكير بن وشاح الثقفي.
قال علي: وحدثنا أبو الذيال زهير بن هنيد، عن أبي نعامة العدوي عن عبيد بن نقيد، عن إياس بن زهير بن حيان: لما كان اليوم الذي هرب فيه أوس بن ثعلبة وظفر ابن خازم ببكر بن وائل، قال ابن خازم لأصحابه حين التقوا: إني قلع، فشدوني على السرج، واعلموا أن علي من السلاح ما لا أقتل قدر جزر جزورين، فإن قيل لكم: إني قد قتلت فلا تصدقوا. قال: وكانت راية بني عدي مع أبي وأنا على فرس مخرم، وقد قال لنا ابن خازم: إذا لقيتم الخيل فاطعنوها في مناخرها، فإنه لن يطعن فرسٌ في نخرته إلا أدبر أو رمى بصاحبه، فلما سمع فرسي قعقعة السلاح وثب بي وادياً كان بيني وبينهم؛ قال: فتلقاني رجل من بكر بن وائل فطعنت فرسه في نخرته، فصرعه، وحمل أبي ببني عدي، واتبعته بنو تميم من كل وجه، فاقتتلوا ساعةً، فانهزمت بكر بن وائل حتى انتهوا إلى خندقهم وأخذوا يميناً وشمالاً، وسقط ناسٌ في الخندق فقتلوا قتلاً ذريعاً، وهرب أوس ابن ثعلبة وبه جراحات، وحلف ابن خازم لا يؤتى بأسيرٍ إلا قتله حتى تغيب الشمس، فكان آخر من أتى به رجلٌ من بني حنيفة يقال له محمية فقالوا لابن خازم: قد غابت الشمس، قال: وفوا به القتلى؛ فقتل.
قال: فأخبرني شيخٌ من بني سعد بن زيد مناة أن أوس بن ثعلبة هرب وبه جراحاتٌ إلى سجستان، فلما صار بها أو قريباً منها مات.
وفي مقتل ابن مرثد وأمر أوس بن ثعلبة يقول المغيرة بن حبناء، أحد بني ربيعة بن حنظلة:
وفي الحرب كنتم في خراسان كلها ... قتيلاً ومسجوناً بها ومسيرا
ويوم احتواكم في الحفير ابن خازمٍ ... فلم تجدوا إلا الخنادق مقبرا
ويوم تركتم في الغبار ابن مرثدٍ ... وأوساً تركتم حيث سار وعسكرا
قال: وأخبرني أبو الذيال زهير بن هنيد، عن جده أبي أمه، قال: قتل من بكر بن وائل يومئذ ثمانية آلاف.
قال: وحدثنا التميمي، رجل من أهل خراسان، عن مولىً لابن خازم، قال: قاتل ابن خازم أوس بن ثعلبة وبكر بن وائل، فظفر بهراة، وهرب أوس وغلبه ابن خازم على هراة، واستعمل عليها ابنه محمداً، وضم إليه شماس بن دثار العطاردي، وجعل بكير بن وشاح على شرطته، وقال لهما: ربياه فإنه ابن أختكما، فكانت أمه من بني سعد يقال لها صفية، وقال له: لا تخالفهما، ورجع ابن خازم إلى مرو.
ذكر الخبر عن تحرك الشيعة للطلب بدم الحسين قال أبو جعفر: وفي هذه السنة تحركت الشيعة بالكوفة، واتعدوا الاجتماع بالنخيلة في سنة خمس وستين للمسير إلى أهل الشأم للطلب بدم الحسين بن علي، وتكاتبوا في ذلك.
ذكر الخبر عن مبدأ أمرهم في ذلكقال هشام بن محمد: حدثنا أبو مخنف، قال: حدثني يوسف بن يزيد عن عبد الله بن عوف بن الأحمر الأزدي، قال: لما قتل الحسين بن علي ورجع ابن زياد من معسكره بالنخيلة، فدخل الكوفة، تلاقت الشيعة بالتلاوم والتندم، ورأت أنها قد أخطأت خطأ كبيراً بدعائهم الحسين إلى النصرة وتركهم إجابته، ومقتله إلى جانبهم لم ينصروه، ورأوا أنه لا يغسل عارهم والإثم عنهم في مقتله إلا بقتل من قتله، أو القتل فيه، ففزعوا بالكوفة إلى خمسة نفر من رءوس الشيعة إلى سليمان بن صرد الخزاعي، وكانت له صحبة مع النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى المسيب بن نجبة الفزاري، وكان من أصحاب علي وخيارهم، وإلى عبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي، وإلى عبد الله بن وال التيمي، وإلى رفاعة بن شداد البجلي.
ثم إن هؤلاء النفر الخمسة اجتمعوا في منزل سليمان بن صرد، وكانوا من خيار أصحاب علي، ومعهم أناس من الشيعة وخيارهم ووجوههم.
قال: فلما اجتمعوا إلى منزل سليمان بن صرد بدأ المسيب بن نجبة القوم بالكلام، فتكلم فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قال:
أما بعد، فإنا قد ابتلينا بطول العمر، والتعرض لأنواع الفتن فنرغب إلى ربنا ألا يجعلنا ممن يقول له غداً: " أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير " ؛ فإن أمير المؤمنين قال: العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة، وليس فينا رجل إلا وقد بلغه، وقد كنا مغرمين بتزكية أنفسنا، وتقريظ شيعتنا، حتى بلا الله أخيارنا فوجدنا كاذبين في موطنين من مواطن ابن ابنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وقد بلغتنا قبل ذلك كتبه، وقدمت علينا رسله، وأعذر إلينا يسألنا نصره عوداً وبدءاً، وعلانيةً وسراً، فبخلنا عنه بأنفسنا حتى قتل إلى جانبنا، لا نحن نصرناه بأيدينا؛ ولا جادلنا عنه بألسنتنا، ولا قويناه بأموالنا، ولا طلبنا له النصرة إلى عشائرنا، فما عذرنا إلى ربنا وعند لقاء نبينا صلى الله عليه وسلم وقد قتل فينا ولده وحبيبه، وذريته ونسله! لا والله، لا عذر دون أن تقتلوا قاتله والموالين عليه، أو تقتلوا في طلب ذلك، فعسى ربنا أن يرضى عنا عند ذلك، وما أنا بعد لقائه لعقوبته بآمن. أيها القوم، ولوا عليكم رجلاً منكم فإنه لابد لكم من أمير تفزعون إليه، وراية تحفون بها، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
قال: فبدر القوم رفاعة بن شداد بعد المسيب الكلام، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: أما بعد، فإن الله قد هداك لأصوب القول، ودعوت إلى أرشد الأمور، بدأت بحمد الله والثناء عليه، والصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم، ودعوت إلى جهاد الفاسقين وإلى التوبة من الذنب العظيم، فمسموعٌ منك، مستجابٌ لك، مقبول قولك؛ قلت: ولوا أمركم رجلاً منكم تفزعون إليه، وتحفون برايته، وذلك رأيٌ قد رأينا مثل الذي رأيت، فإن تكن أنت ذلك الرجل تكن عندنا مرضياً، وفينا متنحصاً، وفي جماعتنا محباً، وإن رأيت رأي أصحابنا ذلك ولينا هذا الأمر شيخ الشيعة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذا السابقة والقدم سليمان ابن صرد المحمود في بأسه ودينه، والموثوق بحزمه. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
قال: ثم تكلم عبد الله بن والٍ وعبد الله بن سعد، فحمدا ربهما وأثنيا عليه، وتكلما بنحو من كلام رفاعة بن شداد، فذكرا المسيب بن نجبة بفضله، وذكرا سليمان بن صرد بسابقته، ورضاهما بتوليته، فقال المسيب ابن نجبة: أصبتم ووفقتم، وأنا أرى مثل الذي رأيتم، فولوا أمركم سليمان ابن صرد.
قال أبو مخنف: فحدثت سليمان بن أبي راشد بهذا الحديث، فقال: حدثني حميد بن مسلم، قال: والله إني لشاهدٌ بهذا اليوم، يوم ولوا سليمان ابن صرد، وإنا يومئذ لأكثر من مائة رجل من فرسان الشيعة ووجوههم في داره.
قال: فتكلم سليمان بن صرد فشدد، وما زال يردد ذلك القول في كل جمعة حتى حفظته، بدأ فقال: أثني على الله خيراً، وأحمد آلاءه وبلاءه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسوله، أما بعد، فإني والله لخائف ألا يكون آخرنا إلى هذا الدهر الذي نكدت فيه المعيشة، وعظمت فيه الرزية وشمل فيه الجور أولي الفضل من هذه الشيعة لما هو خير؛ إنا كنا نمد أعناقنا إلى قدوم آل نبينا، ونمنيهم النصر، ونحثهم على القدوم، فلما قدموا ونينا وعجزنا، وادهنا، وتربصنا، وانتظرنا ما يكون حتى قتل فينا ولد نبينا وسلالته وعصارته وبضعةٌ من لحمه ودمه، إذ جعل يستصرخ فلا يصرخ، ويسأل النصف فلا يعطاه، اتخذه الفاسقون غرضاً للنبل، ودرية للرماح حتى أقصدوه، وعدوا عليه فسلبوه. ألا انهضوا فقد سخط ربكم، ولا ترجعوا إلى الحلائل والأبناء حتى يرضى الله، والله ما أظنه راضياً دون أن تناجزوا من قتله، أو تبيروا. ألا لا تهابوا الموت فوالله ما هابه امرؤٌ قط إلا ذل، كونا كالأولى من بني إسرائيل إذ قال لهم نبيهم: " إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خيرٌ لكم عند بارئكم " ، فما فعل القوم؟ جثوا على الركب والله، ومدوا الأعناق ورضوا بالقضاء حتى حين علموا أنه لا ينجيهم من عظيم الذنب إلا الصبر على القتل، فكيف بكم لو قد دعيتم إلى مثل ما دعي القوم إليه! اشحذوا السيوف، وركبوا الأسنة، " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوةٍ ومن رباط الخيل " ، حتى تدعوا حين تدعون وتستنفرون.
قال: فقام خالد بن سعد بن نفيل، فقال: أما أنا فوالله لو أعلم أن قتلي نفسي يخرجني من ذنبي ويرضي ربي لقتلتها؛ ولكن هذا أمر به قومٌ كانوا قبلنا ونهينا عنه، فأشهد الله ومن حضر من المسلمين أن كل ما أصبحت أملكه سوى سلاحي الذي أقاتل به عدوي صدقةً على المسلمين، أقويهم به على قتال القاسطين.
وقام أبو المعتمر حنش بن ربيعة الكناني فقال: وأنا أشهدكم على مثل ذلك.
فقال سليمان بن صرد: حسبكم؛ من أراد من هذا شيئاً فليأت بماله عبد الله بن وال التيمي تيم بكر بن وائل، فإذا اجتمع عنده كل ما تريدون إخراجه من أموالكم جهزنا به ذوي الخلة والمسكنة من أشياعكم.
قال أبو مخنف لوط بن يحيى، عن سليمان بن أبي راشد، قال: فحدثنا حميد بن مسلم الأزدي أن سليمان بن صرد قال لخالد بن سعد بن نفيل حين قال له: والله لو علمت أن قتلي نفسي يخرجني من ذنبي ويرضى عني ربي لقتلتها، ولكن هذا أمر به قوم غيرنا كانوا من قبلنا ونهينا عنه، قال: أخوكم هذا غداً فريس أول الأسنة؛ قال: فلما تصدق بماله على المسلمين قال له: أبشر بجزيل ثواب الله للذين لأنفسهم يمهدون.
قال أبو مخنف: حدثني الحصين بن يزيد بن عبد الله بن سعد بن نفيل قال: أخذت كتاباً كان سليمان بن صرد كتب به إلى سعد بن حذيفة بن اليمان بالمدائن، فقرأته زمان ولي سليمان، قال: فلما قرأته أعجبني، فتعلمته فما نسيته، كتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم. من سليمان بن صرد إلى سعد بن حذيفة ومن قبله من المؤمنين. سلام عليكم، أما بعد؛ فإن الدنيا دارٌ قد أدبر منها ما كان معروفاً، وأقبل منها ما كان منكراً، وأصبحت قد تشنأت إلى ذوي الألباب، وأزمع بالترحال منها عباد الله الأخيار، وباعوا قليلاً من الدنيا لا يبقي بجزيل مثوبة عند الله لا تفني. إن أولياء من إخوانكم، وشيعة آل نبيكم نظروا لأنفسهم فيما ابتلوا به من أمر ابن بنت نبيهم الذي دعي فأجاب، ودعا فلم يجب، وأراد الرجعة فحبس، وسأل الأمان فمنع، وترك الناس فلم يتركوه، وعدوا عليه فقتلوه، ثم سلبوه وجردوه ظلماً وعدواناً وغرةً بالله وجهلاً، وبعين الله ما يعملون، وإلى الله ما يرجعون، " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون " ، فلما نظروا إخوانكم وتدبروا عواقب ما استقبلوا رأوا أن قد خطئوا بخذلان الزكي الطيب وإسلامه وترك مواساته، والنصر له خطأ كبيراً ليس لهم منه مخرجٌ ولا توبة، دون قتل قاتليه أو قتلهم حتى تفنى على ذلك أرواحهم؛ فقد جد إخوانكم فجدوا، وأعدوا واستعدوا، وقد ضربنا لإخواننا أجلاً يوافوننا إليه، وموطناً يلقوننا فيه؛ فأما الأجل فغرة شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين، وأما الموطن الذي يلقوننا فيه فالنخيلة. أنتم الذين لم تزالوا لنا شيعة وإخواناً، وإلا وقد رأينا أن ندعوكم إلى هذا الأمر الذي أراد الله به إخوانكم فيما يزعمون، ويظهرون لنا أنهم يتوبون، وإنكم جدراء بتطلاب الفضل، والتماس الأجر، والتوبة إلى ربكم من الذنب، ولو كان في ذلك حز الرقاب، وقتل الأولاد، واستيفاء الأموال، وهلاك العشائر؛ ما ضر أهل عذراء الذين قتلوا ألا يكونوا اليوم أحياءً عند ربهم يرزقون، شهداء قد لقوا الله صابرين محتسبين، فأثابهم ثواب الصابرين - يعني حجراً وأصحابه - وما ضر إخوانكم المقتلين صبراً، المصلبين ظلماً، والممثل بهم، المعتدى عليهم، ألا يكونوا أحياء مبتلين بخطاياكم،، قد خير لهم فلقوا ربهم، ووفاهم الله إن شاء الله أجرهم، فاصبروا رحمكم الله على البأساء والضراء وحين البأس، وتوبوا إلى الله عن قريب؛ فوالله إنكم لأحرياء ألا يكون أحدٌ من إخوانكم صبر على شيء من البلاء إرادة ثوابه إلا صبرتم التماس الأجر فيه على مثله، ولا يطلب رضاء الله طالبٌ بشيء من الأشياء ولو أنه القتل إلا طلبتم رضا الله به. إن التقوى أفضل الزاد في الدنيا، وما سوى ذلك يبور ويفنى، فلتعزف عنها أنفسكم، ولتكن رغبتكم في دار عافيتكم، وجهاد عدو الله وعدوكم، وعدو أهل بيت نبيكم حتى تقدموا على الله تائبين راغبين، أحيانا الله وإياكم حياة طيبةً، وأجارنا وإياكم من النار، وجعل منايانا قتلاً في سبيله على يدي أبغض خلقه إليه وأشدهم عداوةً له؛ إنه القدير على ما يشاء، والصانع لأوليائه في الأشياء؛ والسلام عليكم.
قال: وكتب ابن صرد الكتاب وبعث به إلى سعد بن حذيفة بن اليمان مع عبد الله بن مالك الطائي، فبعث به سعد حين قرأ كتابه إلى من كان بالمدائن من الشيعة، وكان بها أقوامٌ من أهل الكوفة قد أعجبتهم فأوطنوها وهم يقدمون الكوفة في كل حين عطاءٍ ورزق، فيأخذون حقوقهم، وينصرفون إلى أوطانهم، فقرأ عليهم سعد كتاب سليمان بن صرد. ثم إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإنكم قد كنتم مجتمعين مزمعين على نصر الحسين وقتال عدوه، فلما يفجأكم أول من قتله، والله مثيبكم على حسن النية وما أجمعتم عليه من النصر أحسن المثوبة، وقد بعث إليكم إخوانكم يستنجدونكم ويستمدونكم، ويدعونكم إلى الحق وإلى ما ترجون لكم به عند الله أفضل الأجر والحظ، فماذا ترون؟ وماذا تقولون؟ فقال القوم بأجمعهم: نجيبهم ونقاتل معهم، ورأينا في ذلك مثل رأيهم.
فقام عبد الله بن الحنظل الطائي ثم الحزمري، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإنا قد أجبنا إخواننا إلى ما دعونا إليه، وقد رأينا مثل الذي قد رأوا، فسرحني إليهم في الخيل، فقال له: رويداً، لا تعجل، استعدوا للعدو، وأعدوا له الحرب، ثم نسير وتسيرون.
وكتب سعد بن حذيفة بن اليمان إلى سليمان بن صرد مع عبد الله بن مالك الطائي: بسم الله الرحمن الرحيم. إلى سليمان بن صرد، من سعد بن حذيفة ومن قبله من المؤمنين، سلام عليكم، أما بعد، فقد قرأنا كتابك، وفهمنا الذي دعوتنا إليه من الأمر الذي عليه رأي الملإ من إخوانك، فقد هديت لحظك، ويسرت لرشدك، ونحن جادون مجدون، معدون مسرجون ملجمون ننتظر الأمر، ونستمع الداعي؛ فإذا جاء الصريخ أقبلنا ولم نعرج إن شاء الله؛ والسلام.
فلما قرأ كتابه سليمان بن صرد قرأه على أصحابه، فسروا بذلك.
قالوا: وكتب إلى المثنى بن مخربة العبدي نسخة الكتاب الذي كان كتب به إلى سعد بن حذيفة بن اليمان وبعث به مع ظبيان بن عمارة التميمي من بني سعد، فكتب إليه المثنى: أما بعد، فقد قرأت كتابك، وأقرأته إخوانك، فحمدوا رأيك، واستجابوا لك، فنحن موافوك إن شاء الله للأجل الذي ضربت وفي الموطن الذي ذكرت؛ والسلام عليك. وكتب في أسفل كتابه:
تبصر كأني قد أتيتك معلماً ... على أتلع الهادي أجش هزيم
طويل القرانهد الشواة مقلصٍ ... ملحٍّ على فأس اللجام أزوم
بكل فتىً لا يملأ الروع نحره ... محسٍّ لعض الحرب غير سئوم
أخي ثقةٍ ينوي الإله بسعيه ... ضروبٍ بنصل السيف غير أثيم
قال أبو مخنف لوط بن يحيى، عن الحارث بن حصيرة، عن عبد الله بن سعد بن نفيل، قال: كان أول ما ابتدعوا به من أمرهم سنة إحدى وستين، وهي السنة التي قتل فيها الحسين رضي الله عنه، فلم يزل القوم في جمع آلة الحرب والاستعداد للقتال، ودعاء الناس في السر من الشيعة وغيرها إلى الطلب بدم الحسين، فكان يجيبهم القوم بعد القوم، والنفر بعد النفر.
فلم يزالوا كذلك وفي ذلك حتى مات يزيد بن معاوية يوم الخميس لأربع عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول سنة أربع وستين، وكان بين قتل الحسين وهلاك يزيد بن معاوية ثلاث سنين وشهران وأربعة أيام، وهلك يزيد وأمير العراق عبيد الله بن زياد، وهو بالبصرة، وخليفته بالكوفة عمرو بن حريث المخزومي، فجاء إلى سليمان أصحابه من الشيعة، فقالوا: قد مات هذا الطاغية، والأمر الآن ضعيف، فإن شئت وثبنا على عمرو بن حريث فأخرجناه من القصر، ثم أظهرنا الطلب بدم الحسين، وتتبعنا قتلته، ودعونا الناس إلى أهل هذا البيت المستأثر عليهم، المدفوعين عن حقهم، فقالوا في ذلك فأكثروا؛ فقال لهم سليمان بن صرد: رويداً، لا تعجلوا، إني قد نظرت فيما تذكرون، فرأيت أن قتلة الحسين هم أشراف أهل الكوفة، وفرسان العرب وهم المطالبون بدمه، ومتى علموا ما تريدون، وعلموا أنهم المطلوبون، كانوا أشد عليكم. ونظرت فيمن تبعني منكم فعلمت أنهم لو خرجوا لم يدركوا ثأرهم، ولم يشفوا أنفسهم، ولم ينكوا في عدوهم، وكانوا لهم جزراً، ولكن بثوا دعاتكم في المصر، فادعوا إلى أمركم هذا، شيعتكم وغير شيعتكم، فإني أرجو أن يكون الناس اليوم حيث هلك هذا الطاغية أسرع إلى أمركم استجابةً منهم قبل هلاكه. ففعلوا؛ وخرجت طائفة منهم دعاةٌ يدعون الناس، فاستجاب لهم ناسٌ كثير بعد هلاك يزيد بن معاوية أضعاف من كان استجاب لهم قبل ذلك.
قال هشام: قال أبو مخنف: وحدثنا الحصين بن يزيد، عن رجل من مزينة قال: ما رأيت من هذه الأمة أحداً كان أبلغ من عبيد الله بن عبد الله المري في منطق ولا عظة، وكان من دعاة أهل المصر زمان سليمان بن صرد، وكان إذا اجتمعت إليه جماعةٌ من الناس فوعظهم بدأ بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يقول: أما بعد، فإن الله اصطفى محمداً صلى الله عليه وسلم على خلقه بنبوته، وخصه بالفضل كله، وأعزكم باتباعه وأكرمكم بالإيمان به، فحقن به دماءكم المسفوكة، وأمن به سبلكم المخوفة، " وكنتم على شفا حفرةٍ من النار فأنقذكم منها، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون " . فهل خلق ربكم في الأولين والآخرين أعظم حقاً على هذه الأمة من نبيها؟ وهل ذرية أحد من النبيين والمرسلين أو غيرهم أعظم حقاً على هذه الأمة من ذرية رسولها؟ لا والله، ما كان ولا يكون. لله أنتم! ألم تروا ويبلغكم ما اجترم إلى ابن بنت نبيكم! أما رأيتم إلى انتهاك القوم حرمته، واستضعافهم وحدته، وترميلهم إياه بالدم، وتجرارهموه على الأرض! لم يرقبوا فيه ربهم ولا قرابته من الرسول صلى الله عليه وسلم؛ اتخذوه للنبل غرضاً، وغادروه للضباع جزراً، فلله عينا من رأى مثله! ولله حسين بن علي، ماذا غدروا به ذا صدق وصبر، وذا أمانة ونجدة وحزم! ابن أول المسلمين إسلاماً، وابن بنت رسول رب العالمين، قلت حماته، وكثرت عداته حوله، فقتله عدوه، وخذله وليه. فويل للقاتل، وملامة للخاذل! إن الله لم يجعل لقاتله حجة، ولا لخاذله معذرةً، إلا أن يناصح لله في التوبة، فيجاهد القاتلين، وينابذ القاسطين؛ فعسى الله عند ذلك أن يقبل التوبة، ويقيل العثرة؛ إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، والطلب بدماء أهل بيته، وإلى جهاد المحلين والمارقين، فإن قتلنا فما عند الله خيرٌ للأبرار، وإن ظهرنا رددنا هذا الأمر إلى أهل بيت نبينا.
قال: وكان يعيد هذا الكلام علينا في كل يوم حتى حفظه عامتنا. قال: ووثب الناس على عمرو بن حريث عند هلاك يزيد بن معاوية، فأخرجوه من القصر، واصطلحوا على عامر بن مسعود بن أمية بن خلف الجمحي. وهو دحروجة الجعل الذي قال له ابن همام السلولي:
اشدد يديك بزيدٍ إن ظفرت به ... واشف الأرامل من دحروجة الجعل
وكان كأنه إبهامٌ قصراً، وزيد مولاه وخازنه، فكان يصلي بالناس. وبايع لابن الزبير، ولم يزل أصحاب سليمان بن صرد يدعون شيعتهم وغيرهم من أهل مصرهم حتى كثر تبعهم، وكان الناس إلى اتباعهم بعد هلاك يزيد ابن معاوية أسرع منهم قبل ذلك، فلما مضت ستة أشهر من هلاك يزيد ابن معاوية، قدم المختار بن أبي عبيد الكوفة، فقدم في النصف من شهر رمضان يوم الجمعة. قال: وقدم عبد الله بن يزيد الأنصاري ثم الخطمي من قبل عبد الله بن الزبير أميراً على الكوفة على حربها وثغرها، وقدم معه من قبل ابن الزبير إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله الأعرج أميراً على خراج الكوفة، وكان قدوم عبد الله بن يزيد الأنصاري ثم الخطمي يوم الجمعة لثمانٍ بقين من شهر رمضان سنة أربع وستين.
قال: وقدم المختار قبل عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بثمانية أيام، ودخل المختار الكوفة، وقد اجتمعت رءوس الشيعة ووجوهها مع سليمان بن صرد فليس يعدلونه به، فكان المختار إذا دعاهم إلى نفسه وإلى الطلب بدم الحسين قالت له الشيعة: هذا سليمان بن صرد شيخ الشيعة، قد انقادوا له واجتمعوا عليه، فأخذ يقول للشيعة: إني قد جئتكم من قبل المهدي محمد بن علي ابن الحنفية مؤتمناً مأموناً، منتجباً ووزيراً، فوالله ما زال بالشيعة حتى انشعبت إليه طائفةٌ تعظمه وتجيبه، وتنتظر أمره، وعظم الشيعة مع سليمان ابن صرد، فسليمان أثقل خلق الله على المختار.
وكان المختار يقول لأصحابه: أتدرون ما يريد هذا؟ يعني سليمان بن صرد - إنما يريد أن يخرج فيقتل نفسه ويقتلكم، ليس له بصرٌ بالحروب، ولا له علمٌ بها.
قال: وأتى يزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم الشيباني عبد الله بن يزيد الأنصاري فقال: إن الناس يتحدثون أن هذه الشيعة خارجةٌ عليك مع ابن صرد، ومنهم طائفة أخرى مع المختار، وهي أقل الطائفتين عدداً، والمختار فيما يذكر الناس لا يريد أن يخرج حتى ينظر إلى ما يصير إليه أمر سليمان بن صرد، وقد اجتمع له أمره، وهو خارج من أيامه هذه، فإن رأيت أن تجمع الشرط والمقاتلة ووجوه الناس، ثم تنهض إليهم، وننهض معك، فإذا دفعت إلى منزله دعوته، فإن أجابك فحسبه، وإن قاتلك قاتلته، وقد جمعت له وعبأت وهو مغتر، فإني أخاف عليك إن هو بدأك وأقررته حتى يخرج عليك أن تشتد شوكته، وأن يتفاقم أمره.
فقال عبد الله بن يزيد: الله بيننا وبينهم، إن هم قاتلونا قتلناهم، وإن تركونا لم نطلبهم، حدثني ما يريد الناس؟ قال: يذكر الناس أنهم يطلبون بدم الحسين بن علي؛ قال: فأنا قتلت الحسين! لعن الله قاتل الحسين! قال: وكان سليمان بن صرد وأصحابه يريدون أن يثبوا بالكوفة، فخرج عبد الله بن يزيد حتى صعد المنبر، ثم قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فقد بلغني أن طائفة من أهل هذا المصر أرادوا أن يخرجوا علينا، فسألت عن الذي دعاهم إلى ذلك ما هو؟ فقيل لي: زعموا أنهم يطلبون بدم الحسين بن علي، فرحم الله هؤلاء القوم، قد والله دللت على أماكنهم، وأمرت بأخذهم، وقيل: ابدأهم قبل أن يبدءوك، فأبيت ذلك، فقلت: إن قاتلوني قاتلتهم، وإن تركوني لم أطلبهم؛ وعلام يقاتلونني! فوالله ما أنا قتلت حسيناً، ولا أنا ممن قاتله، ولقد أصبت بمقتله رحمة الله عليه! فإن هؤلاء القوم آمنون، فليخرجوا ولينتشروا ظاهرين ليسيروا إلى من قاتل الحسين، فقد أقبل إليهم، وأنا لهم على قاتله ظهير؛ هذا ابن زياد قاتل الحسين، وقاتل خياركم وأماثلكم، قد توجه إليكم؛ عهد العاهد به على مسيرة ليلة من جسر منبج، فقتاله والاستعداد له أولى وأرشد من أن تجعلوا بأسكم بينكم، فيقتل بعضكم بعضاً، ويسفك بعضكم دماء بعض، فيلقاكم ذلك العدو غداً وقد رققتم، وتلك والله أمنية عدوكم، وإنه قد أقبل إليكم أعدى خلق الله لكم، من ولي عليكم هو وأبوه سبع سنين، لا يقلعان عن قتل أهل العفاف والدين، هو الذي قتلكم، ومن قبله أتيتم، والذي قتل من تثأرون بدمه، قد جاءكم فاستقبلوه بحدكم وشوكتكم، واجعلوها به، ولا تجعلوها بأنفسكم؛ إني آلكم نصحاً، جمع الله لنا كلمتنا، وأصلح لنا أئمتنا!
قال: فقال إبراهيم بن محمد بن طلحة: أيها الناس، لا يغرنكم من السيف والغشم مقالة هذا المداهن الموادع؛ والله لئن خرج علينا خارج لنقتلنه، ولئن استقينا أن قوماً يريدون الخروج علينا لنأخذن الوالد بولده، والمولود بوالده، ولنأخذن الحميم بالحميم، والعريف بما في عرافته حتى يدينوا للحق، ويذلوا للطاعة. فوثب إليه المسيب بن نجبة فقطع عليه منطقه ثم قال: يابن الناكثين، أنت تهددنا بسيفك وغشمك! أنت والله أذل من ذلك؛ إنا لا نلومك على بغضنا، وقد قتلنا أباك وجدك، والله إني لأرجو ألا يخرجك الله من بين ظهراني أهل هذا المصر حتى يثلثوا بك جدك وأباك، وأما أنت أيها الأمير فقد قلت قولاً سديداً، وإني والله لأظن من يريد هذا الأمر مستنصحاً لك، وقابلاً قولك.
فقال إبراهيم بن محمد بن طلحة: إي والله، ليقتلن وقد أدهن ثم أعلن. فقام إليه عبد الله بن وال التيمي، فقال: ما اعتراضك يا أخا بني تيم بن مرة فيما بيننا وبين أميرنا! فوالله ما أنت علينا بأمير، ولا لك علينا سلطان، إنما أنت أمير الجزية، فأقبل على خراجك، فلعم الله لئن كنت مفسداً ما أفسد أمر هذه الأمة إلا والدك وجدك الناكثان، فكانت بهما اليدان، وكانت عليهما دائرة السوء.
قال: ثم أقبل مسيب بن نجبة وعبد الله بن وال على عبد الله بن يزيد فقالا: أما رأيك أيها الأمير فوالله إنا لنرجو أن تكون به عند العامة محموداً وأن تكون عند الذي عنيت واعتريت مقبولاً. فغضب أناسٌ من عمال إبراهيم بن محمد بن طلحة وجماعة ممن كان معه، فتشاتموا دونه، فشتمهم الناس وخصموهم.
فلما سمع ذلك عبد الله بن يزيد نزل ودخل، وانطلق إبراهيم بن محمد وهو يقول: قد داهن عبد الله بن يزيد أهل الكوفة، والله لأكتبن بذلك إلى عبد الله بن الزبير، فأتى شبث بن ربيع التميمي عبد الله بن يزيد فأخبره بذلك، فركب به وبيزيد بن الحارث بن رويم حتى دخل على إبراهيم بن محمد بن طلحة، فحلف له بالله ما أردت بالقول الذي سمعت إلا العافية وصلاح ذات البين، إنما أتاني يزيد بن الحارث بكذا وكذا، فرأيت أن أقوم فيهم بما سمعت إرادة ألا تختلف الكلمة، ولا تتفرق الألفة، وألا يقع بأس هؤلاء القوم بينهم. فعذره وقبل منه.
قال: ثم إن أصحاب سليمان بن صرد خرجوا ينشرون السلاح ظاهرين، ويتجهزون يجاهرون بجهازهم وما يصلحهم.
ذكر الخبر عن فراق الخوارج عبد الله بن الزبير وفي هذه السنة فارق عبد الله بن الزبير الخوارج الذين كانوا قدموا عليه مكة، فقاتلوا معه حصين بن نمير السكوني، فصاروا إلى البصرة، ثم افترقت كلمتهم فصاروا أحزاباً.
ذكر الخبر عن فراقهم ابن الزبير
والسبب الذي من أجله فارقوه والذي من أجله افترقت كلمتهم

حدثت عن هشام بن محمد الكلبي، عن أبي مخنف لوط بن يحيى قال: حدثني أبو المخارق الراسبي، قال: لما ركب ابن زياد من الخوارج بعد قتل أبي بلال ما ركب، وقد كان قبل ذلك لا يكف عنهم ولا يستبقيهم غير أنه بعد قتل أبي بلال تجرد لاستئصالهم وهلاكهم، واجتمعت الخوارج حين ثار ابن الزبير بمكة، وسار إليه أهل الشأم، فتذاكروا ما أتى إليهم، فقال لهم نافع بن الأزرق: إن الله قد أنزل عليكم الكتاب، وفرض عليكم فيه الجهاد، واحتج عليكم بالبيان، وقد جرد فيكم السيوف أهل الظلم وأولو العدا والغشم، وهذا من قد ثار بمكة، فاخرجوا بنا نأت البيت ونلق هذا الرجل، فإن يكن على رأينا جاهدنا معه العدو، وإن يكن على غير رأينا دافعنا عن البيت ما استطعنا، ونظرنا بعد ذلك في أمورنا. فخرجوا حتى قدموا على عبد الله ابن الزبير، فسر بمقدمهم، ونبأهم أنه على رأيهم، وأعطاهم الرضا من غير توقف ولا تفتيش؛ فقاتلوا معه حتى مات يزيد بن معاوية، وانصرف أهل الشأم عن مكة. ثم إن القوم لقي بعضهم بعضاً، فقالوا: إن هذا الذي صنعتم أمس بغير رأي ولا صواب من الأمر، تقاتلون مع رجل لا تدرون لعله ليس على رأيكم، إنما كان أمس يقاتلكم هو وأبوه ينادي: يال ثارات عثمان! فأتوه وسلوه عن عثمان، فإن برىء منه كان وليكم، وإن أبى كان عدوكم. فمشوا نحوه فقالوا له: أيها الإنسان، إنا قد قاتلنا معك، ولم نفتشك عن رأيك حتى نعلم أمنا أنت أم من عدونا! خبرنا ما مقالتك في عثمان؟ فنظر فإذا من حوله من أصحابه قليلٌ، فقال لهم: إنكم أتيتموني فصادفتموني حين أردت القيام، ولكن روحوا إلي العشية حتى أعلمكم من ذلك الذي تريدون. فانصرفوا، وبعث إلى أصحابه فقال: البسوا السلاح، واحضروني بأجمعكم العشية، ففعلوا، وجاءت الخوارج، وقد أقام أصحابه حوله سماطين عليهم السلاح، وقامت جماعةٌ منهم عظيمة على رأسه بأيديهم الأعمدة، فقال ابن الأزرق لأصحابه: خشي الرجل غائلتكم، وقد أزمع بخلافكم واستعد لكم؛ ما ترون؟ فدنا منه ابن الأزرق، فقال له: يابن الزبير، اتق الله ربك، وأبغض الخائن المستأثر، وعاد أول من سن الضلالة، وأحدث الأحداث، وخالف حكم الكتاب، فإنك إن تفعل ذلك ترض ربك، وتنج من العذاب الأليم نفسك، وإن تركت ذلك فأنت من الذين استمتعوا بخلاقهم، وأذهبوا في الحياة الدنيا طيباتهم.


يا عبيدة بن هلال، صف لهذا الإنسان ومن معه أمرنا الذي نحن عليه، والذي ندعو الناس إليه، فتقدم عبيدة بن هلال.
قال هشام: قال أبو مخنف: وحدثني أبو علقمة الخثعمي، عن قبيصة بن عبد الرحمن القحافي، من خثعم، قال: أنا والله شاهدٌ عبيدة بن هلال، إذ تقدم فتكلم، فما سمعت ناطقاً قط ينطق كان أبلغ ولا أصوب قولاً منه، وكان يرى رأي الخوارج.
قال: وإن كان ليجمع القول الكثير، في المعنى الخطير، في اللفظ اليسير.
قال: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم يدعو إلى عبادة الله، وإخلاص الدين، فدعا إلى ذلك، فأجابه المسلمون، فعمل فيهم بكتاب الله وأمره، حتى قبضه الله إليه صلى الله عليه، واستخلف الناس أبا بكر، واستخلف الناس أبا بكر، واستخلف أبو بكر عمر، فكلاهما عمل بالكتاب وسنة رسول الله، فالحمد لله رب العالمين. ثم إن الناس استخلفوا عثمان بن عفان، فحمي الأحماء، وآثر القربى، واستعمل الفتى ورفع الدرة، ووضع السوط، ومزق الكتاب، وحقر المسلم وضرب منكري الجور، وآوى طريد الرسول صلى الله عليه، وضرب السابقين بالفضل، وسيرهم وحرمهم، ثم أخذ فيء الله الذي أفاءه عليهم فقسمه بين فساق قريش، ومجان العرب، فسارت إليه طائفةٌ من المسلمين أخذ الله ميثاقهم على طاعته، لا يبالون في الله لومة لائم، فقتلوه، فنحن لهم أولياء، ومن ابن عفان وأوليائه برآء، فما تقول أنت يابن الزبير؟ قال: فحمد الله ابن الزبير وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فقد فهمت الذي ذكرتم، وذكرت به النبي صلى الله عليه وسلم، فهو كما قلت صلى الله عليه وفوق ما وصفته، وفهمت ما ذكرت به أبا بكر وعمر، وقد وفقت وأصبت، وقد فهمت الذي ذكرت به عثمان بن عفان رحمة الله عليه، وإني لا أعلم مكان أحد من خلق الله اليوم أعلم بابن عفان وأمره مني، كنت معه حيث نقم القوم عليه، واستعتبوه فلم يدع شيئاً استعتبه القوم فيه إلا أعتبهم منه. ثم إنهم رجعوا إليه بكتاب له يزعمون أنه كتبه فيهم، يأمر فيه بقتلهم فقال لهم: ما كتبته، فإن شئتم فهاتوا بينتكم؛ فإن لم تكن حلفت لكم؛ فوالله ما جاءوه ببينة، ولا استحلفوه. ووثبوا عليه فقتلوه، وقد سمعت ما عبته به، فليس كذلك، بل هو لكل خيرٍ أهل، وأنا أشهدكم ومن حضر أني وليٌّ لابن عفان في الدنيا والآخرة، وولي أوليائه، وعدو أعدائه، قالوا: فبرىء الله منك يا عدو الله؛ قال: فبرىء الله منكم يا أعداء الله.
وتفرق القوم، فأقبل نافع بن الأزرق الحنظلي، وعبد الله بن صفار السعدي من بني صريم بن مقاعس، وعبد الله بن إباض أيضاً من بني صريم، وحنظلة بن بيهس، وبنو الماحوز: عبد الله، وعبيد الله، والزبير، من بني سليط ابن يربوع، حتى أتوا البصرة، وانطلق أبو طالوت من بني زمان بن مالك بن صعب بن علي بن مالك بن بكر بن وائل وعبد الله بن ثور أبو فديك من بني قيس بن ثعلبة وعطية بن الأسود اليشكري إلى اليمامة، فوثبوا باليمامة مع أبي طالوت، ثم أجمعوا بعد ذلك على نجدة ابن عامر الحنفي، فأما البصريون منهم فإنهم قدموا البصرة وهم مجمعون على رأي أبي بلال.
قال هشام: قال أبو مخنف لوط بن يحيى: فحدثني أبو المثنى، عن رجل من إخوانه من أهل البصرة، أنهم اجتمعوا فقالت العامة منهم: لو خرج منا خارجون في سبيل الله، فقد كانت منا فترة منذ خرج أصحابنا، فيقوم علماؤنا في الأرض فيكونون عند الله أحياء.
فانتدب لها نافع بن الأزرق، فاعتقد على ثلثمائة رجل، فخرج، وذلك عود وثوب الناس بعبيد الله بن زياد، وكسر الخوارج أبواب السجون وخروجهم منها، واشتغل الناس بقتال الأزد وربيعة وبني تميم وقيس في دم مسعود بن عمرو، فاغتنمت الخوارج اشتغال الناس بعضهم ببعض، فتهيئوا واجتمعوا، فلما خرج نافع بن الأزرق تبعوه، واصطلح أهل البصرة على عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب يصلي بهم، وخرج ابن زياد إلى الشأم، واصطلحت الأزد وبنو تميم، فتجرد الناس للخوارج، فاتبعوهم وأخافوهم حتى خرج من بقي منهم بالبصرة، فلحق بابن الأزرق، إلا قليلاً منهم ممن لم يكن أراد الخروج يومه ذلك، منهم عبد الله بن صفار، وعبد الله ابن إباض، ورجالٌ معهما على رأيهما. ونظر نافع بن الأزرق ورأى أن ولاية من تخلف عنه لا تبتغي، وأن من تخلف عنه لا نجاة له، فقال لأصحابه: إن الله قد أكرمكم بمخرجكم، وبصركم ما عمي عنه غيركم؛ ألستم تعلمون أنكم إنما خرجتم تطلبون شريعته وأمره! فأمره لكم قائد، والكتاب لكم إمام، وإنما تتبعون سننه وأثره، فقالوا: بلى؛ فقال: أليس حكمكم في وليكم حكم النبي صلى الله عليه وسلم في وليه، وحكمكم في عدوكم حكم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في عدوه، وعدوكم اليوم عدو الله وعدو النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، كما أن عدو النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ هو عدو الله وعدوكم اليوم! فقالوا: نعم؛ قال: فقد أنزل الله تبارك وتعالى: " براءةٌ من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين " .
وقال: " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن " ، فقد حرم الله ولايتهم، والمقام بين أظهرهم، وإجازة شهادتهم، وأكل ذبائحهم وقبول علم الدين عنهم، ومناكحتهم، ومواريثهم، وقد احتج الله علينا بمعرفة هذا، وحق علينا أن نعلم هذا الدين الذين خرجنا من عندهم، ولا نكتم ما أنزل الله، والله عز وجل يقول: " إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون " ، فاستجاب له إلى هذا الرأي جميع أصحابه.
فكتب: من عبيد الله نافع بن الأزرق إلى عبد الله بن صفار وعبد اله ابن إباض ومن قبلهما من الناس. سلامٌ على أهل طاعة الله من عباد الله، فإن من الأمر كيت وكيت؛ فقص هذه القصة، ووصف هذه الصفة، ثم بعث بالكتاب إليهما. فأتيا به، فقرأه عبد الله بن صفار، فأخذه فوضعه خلفه، فلم يقرأه على الناس خشية أن يتفرقوا ويختلفوا، فقال له عبد الله بن إباض: ما لك لله أبوك! أي شيء أصبت! أأن قد أصيب إخواننا، أو أسر بعضهم! فدفع الكتاب إليه، فقرأه، فقال: قاتله الله!، أي رأي رأى! صدق نافع ابن الأزرق، لو كان القوم مشركين كان أصوب الناس رأياً وحكماً فيما يشير به، وكانت سيرته كسيرة النبي صلى الله عليه وسلم في المشركين، ولكنه قد كذب وكذبنا فيما يقول، إن القوم كفار بالنعم والأحكام، وهم برآء من الشرك، ولا تحل لنا إلا دماؤهم، وما سوى ذلك من أموالهم فهو علينا حرام؛ فقال ابن صفار: برىء الله منك، فقد قصرت، وبرىء الله من ابن الأزرق فقد غلا، برىء الله منكما جميعاً؛ وقال الآخر: فبرى الله منك ومنه.
وتفرق القوم، واشتدت شوكة ابن الأزرق، وكثرت جموعه، وأقبل نحو البصرة حتى دنا من الجسر، فبعث إليه عبد الله بن الحارث مسلم بن عبيس بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف في أهل البصرة.
ذكر الخبر عن مقدم المختار بن أبي عبيد الكوفة قال أبو جعفر: وفي النصف من شهر رمضان من هذه السنة كان مقدم المختار بن أبي عبيد الكوفة.
ذكر الخبر عن سبب مقدمه إليها
قال هشام بن محمد الكلبي: قال أبو مخنف: قال النضر بن صالح: كانت الشيعة تشتم المختار وتعتبه لما كان منه في أمر الحسن بن علي يوم طعن في مظلم ساباط، فحمل إلى أبيض المدائن، حتى إذا كان زمن الحسين، وبعث الحسين مسلم بن عقيل إلى الكوفة، نزل دار المختار، وهي اليوم دار سلم بن المسيب، فبايعه المختار بن أبي عبيد فيمن بايعه من أهل الكوفة، وناصحه ودعا إليه من أطاعه، حتى خرج ابن عقيل يوم خرج والمختار في قرية له بخطرنية تدعى لقفا، فجاءه خبر ابن عقيل عند الظهر أنه قد ظهر بالكوفة، فلم يكن خروجه يوم خرج على ميعاد من أصحابه، إنما خرج حين قيل له: إن هانىء بن عروة المرادي قد ضرب وحبس، فأقبل المختار في موالٍ له حتى انتهى إلى باب الفيل بعد الغروب، وقد عقد عبيد الله بن زياد لعمرو بن حريث راية على جميع الناس، وأمره أن يقعد لهم في المسجد، فلما كان المختار وقف على باب الفيل مر به هانىء بن أبي حية الوادعي، فقال للمختار: ما وقوفك ها هنا! لا أنت مع الناس، ولا أنت في رحلك؛ قال: أصبح رأيي مرتجاً لعظم خطيئتكم؛ فقال له: أظنك والله قاتلاً نفسك، ثم دخل على عمرو بن حريث فأخبره بما قال للمختار وما رد عليه المختار.
قال أبو مخنف: فأخبرني النضر بن صالح، عن عبد الرحمن بن أبي عمير الثقفي؛ قال: كنت جالساً عند عمرو بن حريث حين بلغه هانىء بن أبي حية عن المختار هذه المقالة، فقال لي: قم إلى ابن عمك فأخبره أن صاحبه لا يدري أين هو! فلا يجعلن على نفسه سبيلاً، فقمت لآتيه، ووثب إليه زائدة بن قدامة بن مسعود، فقال له: يأتيك على أنه آمن؟ فقال له عمرو بن حريث: أما مني فهو آمن، وإن رقي إلى الأمير عبيد الله بن زياد شيء من أمره أقمت له بمحضره الشهادة، وشفعت له أحسن الشفاعة، فقال له زائدة بن قدامة: لا يكونن مع هذا إن شاء الله إلا خيرٌ.
قال عبد الرحمن: فخرجت، وخرج معي زائدة إلى المختار، فأخبرناه بمقالة ابن أبي حية وبمقالة عمرو بن حريث، وناشدناه بالله ألا يجعل على نفسه سبيلاً، فنزل إلى ابن حريث، فسلم عليه، وجلس تحت رايته حتى أصبح، وتذاكر الناس أمر المختار وفعله، فمشى عمارة بن عقبة بن أبي معيط بذلك إلى عبيد الله بن زياد، فذكر له، فلما ارتفع النهار فتح باب عبيد الله ابن زياد وأذن للناس، فدخل المختار فيمن دخل، فدعاه عبيد الله، فقال له: أنت المقبل في الجموع لتنصر ابن عقيل! فقال له: لم أفعل، ولكني أقبلت ونزلت تحت راية عمرو بن حريث، وبت معه وأصبحت، فقال له عمرو: صدق أصلحك الله! قال: فرفع القضيب، فاعترض به وجه المختار فخبط به عينه فشترها وقال: أولى لك! أما والله لولا شهادة عمرو لك لضربت عنقك؛ انطلقوا به إلى السجن فانطلقوا به إلى فحبس فيه فلم يزل في السجن حتى قتل الحسين. ثم إن المختار بعث إلى زائدة بن قدامة، فسأله أن يسير إلى عبد الله بن عمر بالمدينة فيسأله أن يكتب له إلى يزيد بن معاوية، فيكتب إلى عبيد الله بن زياد بتخلية سبيله، فركب زائدة إلى عبد الله بن عمر فقدم عليه، فبلغه رسالة المختار، وعلمت صفية أخت المختار بمحبس أخيها وهي تحت عبد الله بن عمر، فبكت وجزعت، فلما رأى ذلك عبد الله بن عمر كتب مع زائدة إلى يزيد بن معاوية: أما بعد، فإن عبيد الله بن زياد حبس المختار، وهو صهري، وأنا أحب أن يعافى ويصلح من حاله، فإن رأيت رحمنا الله وإياك أن تكتب إلى ابن زياد فتأمره بتخليته فعلت. والسلام عليك.
فمضى زائدة على رواحله بالكتاب حتى قدم به على يزيد بالشأم، فلما قرأه ضحك ثم قال: يشفع أبو عبد الرحمن، وأهل ذلك هو. فكتب له إلى ابن زياد: أما بعد، فخل سبيل المختار بن أبي عبيد حين تنظر في كتابي، والسلام عليك.
فأقبل به زائدة حتى دفعه، فدعا ابن زياد بالمختار، فأخرجه، ثم قال له قد أجلتك ثلاثاً، فإن أدركتك بالكوفة بعدها قد برئت منك الذمة. فخرج إلى رحله. وقال ابن زياد: والله لقد اجترأ علي زائدة حين يرحل إلى أمير المؤمنين حتى يأتيني بالكتاب في تخلية رجل قد كان من شأني أن أطيل حبسه، علي به. فمر به عمرو بن نافع أبو عثمان - كاتبٌ لابن زياد - وهو يطلب، وقال له: النجاء بنفسك، واذكرها يداً لي عندك.
قال: فخرج زائدة، فتوارى يومه ذلك. ثم إنه خرج في أناس من قومه حتى أتى القعقاع بن شور الذهلي، ومسل بن عمرو الباهلي، فأخذا له من ابن زياد الأمان.
قال هشام: قال أبو مخنف: ولما كان اليوم الثالث خرج المختار إلى الحجاز، قال: فحدثني الصقعب بن زهير، عن ابن العرق، مولىً لثقيف. قال: أقبلت من الحجاز حتى إذا كنت بالبسيطة من وراء واقصة استقبلت المختار بن أبي عبيد خارجاً يريد الحجاز حين خلى سبيله ابن زياد، فلما استقبلته رحبت به، وعطفت إليه، فلما رأيت شتر عينه استرجعت له، وقلت له بعد ما توجعت له: ما بال عينك، صرف الله عنك السوء! فقال: خبط عيني ابن الزانية بالقضيب خبطةً صارت إلى ما ترى. فقلت له: ما له شلت أنامله! فقال المختار: قتلني الله إن لم أقطع أنامله وأباجله وأعضاءه إرباً إرباً؛ قال: فعجبت لمقالته، فقلت له: ما علمك بذلك رحمك الله؟ فقال لي: ما أقول لك فاحفظه عني حتى ترى مصداقه.
قال: ثم طفق يسألني عن عبد الله بن الزبير، فقلت له: لجأ إلى البيت، فقال: إنما أنا عائذٌ برب هذه البنية، والناس يتحدثون أنه يبايع سراً، ولا أراه إلا لو قد اشتدت شوكته واستكثف من الرجال إلا سيظهر الخلاف؛ قال: أجل، لا شك في ذلك، أما إنه رجل العرب اليوم، أما إنه إن يخطط في أثري، ويسمع قولي أكفه أمر الناس، وإلا يفعل فوالله ما أنا بدون أحد من العرب، يابن العرق، إن الفتنة قد أرعدت وأبرقت، وكأن قد انبعثت فوطئت في خطامها، فإذا رأيت ذلك وسمعت به بمكان قد ظهرت فيه فقل: إن المختار في عصائبه من المسلمين، يطلب بدم المظلوم الشهيد المقتول بالطف، سيد المسلمين، وابن سيدها، الحسين ابن علي، فوربك لأقتلن بقتله عدة القتلى التي قتلت على دم يحيى بن زكرياء عليه السلام؛ قال: فقلت له: سبحان الله! وهذه أعجوبة مع الأحدوثة الأولى؛ فقال: هو ما أقول لك فاحفظه عني حتى ترى مصداقه. ثم حرك راحلته، فمضى ومضيت معه ساعةً أدعو الله له بالسلامة، وحسن الصحابة. قال: ثم إنه وقف فأقسم علي لما انصرفت، فأخذت بيده! فودعته، وسلمت عليه، وانصرفت عنهن فقلت في نفسي: هذا الذي يذكر لي هذا الإنسان، - يعني المختار - مما يزعم أنه كائن، أشيءٌ حدث به نفسه! فوالله ما أطلع الله على الغيب أحداً، وإنما هو شيءٌ يتمناه فيرى أنه كائن، فهو يوجب رأيه، فهذا والله الرأي الشعاع، فوالله ما كل ما يرى الإنسان أنه كائن يكون؛ قال: فوالله ما مت حتى رأيت كل ما قاله. قال: فوالله لئن كان ذلك من علمٍ ألقي إليه لقد أثبت له، ولئن كان ذلك رأياً رآه، وشيئاً تمناه، لقد كان.
قال أبو مخنف: فحدثني الصقعب بن زهير، عن ابن العرق، قال: فحدثت بهذا الحديث الحجاج بن يوسف، فضحك ثم قال لي: إنه كان يقول أيضاً:
ورافعةٍ ذيلها ... وداعية ويلها
بدجلة أو حولها
فقلت له: أترى هذا شيئاً كان يخترعه، وتخرصاً يتخرصه، أم هو من علم كان أوتيه؟ فقال: والله ما أدري ما هذا الذي تسألني عنه، ولكن لله دره! أي رجل ديناً، ومسعر حرب، ومقارع أعداء كان!
قال أبو مخنف: فحدثني أبو سيف الأنصاري من بني الخزرج، عن عباس بن سهل بن سعد، قال: قدم المختار علينا مكة، فجاء إلى عبد الله ابن الزبير وأنا جالسٌ عنده، فسلم عليه، فرد عليه ابن الزبير، ورحب به، وأوسع له، ثم قال: حدثني عن حال الناس بالكوفة يا أبا إسحاق؛ قال: هم لسلطانهم في العلانية أولياء، وفي السر أعداء؛ فقال له ابن الزبير: هذه صفة عبيد السوء، إذا رأوا أربابهم خدموهم وأطاعوهم، فإذا غابوا عنهم شتموهم ولعنوهم؛ قال: فجلس معنا ساعةً، ثم إنه مال إلى ابن الزبير كأنه يساره، فقال له: ما تنتظر! ابسط يدك أبايعك، وأعطنا ما يرضينا، وثب على الحجاز فإن أهل الحجاز كلهم معك. وقام المختار فخرج، فلم ير حولاً؛ ثم إني بينا أنا جالسٌ مع ابن الزبير إذ قال لي ابن الزبير: متى عهدك بالمختار بن أبي عبيد؟ فقلت له: ما لي به عهد منذ رأيته عندك عاماً أول؛ فقال: أين تراه ذهب! لو كان بمكة، لقد رئي بها بعد، فقلت له: إني انصرفت إلى المدينة بعد إذ رأيته عندك بشهر أو شهرين، فلبثت بالمدينة أشهراً، ثم إني قدمت عليك، فسمعت نفراً من أهل الطائف جاءوا معتمرين يزعمون أنه قدم عليهم الطائف، وهو يزعم أنه صاحب الغضب، ومبير الجبارين، قال: قاتله الله! لقد انبعث كذاباً متكهناً، إن الله إن يهلك الجبارين يكن المختار أحدهم. فوالله ما كان إلا ريث فراغنا من منطقنا حتى عن لنا في جانب المسجد، فقال ابن الزبير: اذكر غائباً تره؛ أين تظنه يهوى؟ فقلت: أظنه يريد البيت، فأتى البيت فاستقبل الحجر، ثم طاف بالبيت أسبوعاً، ثم صلى ركعتين عند الحجر، ثم جلس، فما لبث أن مر به رجال من معارفه من أهل الطائف وغيرهم من أهل الحجاز، فجلسوا إليه، واستبطأ ابن الزبير قيامه إليه، فقال: ما ترى شأنه لا يأتينا! قلت: لا أدري، وسأعلم لك علمه، فقال: ما شئت، وكأن ذلك أعجبه.
قال: فقمت فمررت به كأني أريد الخروج من المسجد، ثم التفت إليه، فأقبلت نحوه ثم سلمت عليه، ثم جلست إليه، وأخذت بيده، فقلت له: أين كنت؟ وأين بلغت بعدي؟ أبا لطائف كنت؟ فقال لي: كنت بالطائف وغير الطائف، وعمس علي أمره، فملت إليه، فناجيته، فقلت له: مثلك يغيب عن مثل ما قد اجتمع عليه أهل الشرف وبيوتات العرب من قريش والأنصار وثقيف! لم يبق أهل بيت ولا قبيلة إلا وقد جاء زعيمهم وعميدهم فبايع هذا الرجل، فعجباً لك ولرأيك ألا تكون أتيته فبايعته، وأخذت بحظك من هذا الأمر! فقال لي: وما رأيتني؟ أتيته العام الماضي، فأشرت عليه بالرأي، فطوي أمره دوني، وإني لما رأيته استغنى عني أحببت أن أريه أني مستغن عنه، إنه والله لهو أحوج إلي مني إليه؛ فقلت له: إنك كلمته بالذي كلمته وهو ظاهر في المسجد، وهذا الكلام لا ينبغي أن يكون إلا والستور دونه مرخاة والأبواب دونه مغلقة، القه الليلة إن شئت وأنا معك؛ فقال لي: فإني فاعل إذا صلينا العتمة أتيناه، واتعدنا الحجر.
قال: فنهضت من عنده، فخرجت ثم رجعت إلى ابن الزبير، فأخبرته بما كان من قولي وقوله، فسر بذلك، فلما صلينا العتمة، التقينا بالحجر، ثم خرجنا حتى أتينا منزل ابن الزبير، فاستأذنا عليه، فأذن لنا، فقلت: أخليكما؟ فقالا جميعاً: لا سر دونك، فجلست، فإذا ابن الزبير قد أخذ بيده، فصافحه ورحب به، فسأله عن حاله وأهل بيته، وسكتا جميعاً غير طويل.
فقال له المختار وأنا أسمع بعد أن تبدأ في أول منطقه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنه لا خير في الإكثار من المنطق، ولا في التقصير عن الحاجة، إني قد جئتك لأبايعك على ألا تقضي الأمور دوني، وعلى أن أكون في أول من تأذن له، وإذا ظهرت استعنت بي على أفضل عملك. فقال له ابن الزبير: أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم؛ فقال: وشر غلماني أنت مبايعه على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ما لي في هذا الأمر من الحظ ما ليس لأقصى الخلق منك؛ لا والله لا أبايعك أبداً إلا على هذه الخصال.
قال عباس بن سهل: فالتقمت أذن ابن الزبير، فقلت له: اشتر منه دينه حتى ترى من رأيك؛ فقال له ابن الزبير: فإن لك ما سألته، فبسط يده فبايعه، ومكث معه حتى شاهد الحصار الأول حين قدم الحصين بن نمير السكوني مكة؛ فقاتل في ذلك اليوم، فكان من أحسن الناس يومئذ بلاءً، وأعظمهم غناءً. فلما قتل المنذر بن الزبير والمسور بن مخرمة ومصعب بن عبد الرحمن ابن عوف الزهري، نادى المختار: يا أهل الإسلام، إلي إلي! أنا ابن أبي عبيد ابن مسعود، وأنا ابن الكرار لا الفرار، أنا ابن المقدمين غير المحجمين؛ إلي يا أهل الحفاظ وحماة الأوتار. فحمي الناس يومئذ، وأبىل وقاتل قتالاً حسناً.
ثم أقام مع ابن الزبير في ذلك الحصار حتى كان يوم أحرق البيت، فإنه أحرق يوم السبت لثلاث مضين من شهر ربيع الأول سنة أربع وستين، فقاتل المختار يومئذ في عصابة معه نحو من ثلثمائة أحسين قتال قاتله أحدٌ من الناس، إن كان ليقاتل حتى يتبلد، ثم يجلس ويحيط به أصحابه، فإذا استراح نهض فقاتل، فما كان يتوجه نحو طائفة من أهل الشأم إلا ضاربهم حتى يكشفهم.
قال أبو مخنف: فحدثني أبو يوسف محمد بن ثابط، عن عباس بن سهل بن سعد، قال: تولى قتال أهل الشأم يوم تحريق الكعبة عبد الله بن مطيع وأنا والمختار، قال: فما كان فينا يومئذ رجلٌ حسن بلاءً من المختار.
قال: وقاتل قبل أن يطلع أهل الشأم على موت يزيد بن معاوية بيوم قتالاً شديداً، وذلك يوم الأحد لخمس عشرة لية مضت من ربيع الآخر سنة أربع وستين، وكان أهل الشأم قد رجوا أن يظفروا بنا، وأخذوا علينا سكك مكة.
قال: وخرج ابن الزبير، فبايعه رجالٌ كثير على الموت؛ قال: فخرجت في عصابة معي أقاتل في جانب، والمختار في عصابة أخرى يقاتل في جميعةٍ من أهل اليمامة في جانب، وهم خوارج، وإنما قاتلوا ليدافعوا عن البيت، فهم في جانب، وعبد الله بن المطيع في جانب.
قال: فشد أهل الشأم علي، فحازوني في أصحابي حتى اجتمعت أنا والمختار وأصحابه في مكان واحد، فلم أكن أصنع شيئاً إلا صنع مثله، ولا يصنع شيئاً إلا تكلفت أن أصنع مثله، فما رأيت أشد منه قط؛ قال: فإنا لنقاتل إذ شدت علينا رجال وخيل من خيل أهل الشأم، فاضطروني وإياه في نحو من سبعين رجلاً من أهل الصبر إلى جانب دار من دور أهل مكة، فقاتلهم المختار يومئذ، وأخذ يقول رجل لرجل:
لا وألت نفس امرىءٍ يفر
قال: فخرج المختار، وخرجت معه، فقلت: ليخرج منكم إلي رجل فخرج إلي رجل وإليه رجل آخر، فمشيت إلى صاحبي فأقتله، ومشى المختار إلى صاحبه فقتله، ثم صحنا بأصحابنا، وشددنا عليهم، فوالله لضربناهم حتى أخرجناهم من السكك كلها، ثم رجعنا إلى صاحبينا اللذين قتلنا. قال: فإذا الذي قتلت رجلٌ أحمر شديد الحمرة كأنه رومي، وإذا الذي قتل المختار رجل أسود شديد السواد، فقال لي المختار: تعلم والله إني لأظن قتيلينا هذين عبدين؛ ولو أن هذين قتلانا لفجع بنا عشائرنا ومن يرجونا، وما هذان وكلبان من الكلاب عندي إلا سواء، ولا أخرج بعد يومي هذا لرجل أبداً إلا لرجل أعرفه؛ فقلت له: وأنا والله لا أخرج إلا لرجل أعرفه.
وأقام المختار مع ابن الزبير حتى هلك يزيد بن معاوية. وانقضى الحصار، ورجع أهل الشأم إلى الشأم، واصطلح أهل الكوفة على عامر بن مسعود، بعد ما هلك يزيد يصلي بهم حتى يجتمع الناس على إمام يرضونه، فلم يلبث عامر إلا شهراً حتى بعث ببيعته وبيعة أهل الكوفة إلى ابن الزبير، وأقام المختار مع ابن الزبير خمسة أشهر بعد مهلك يزيد وأياماً.
قال أبو مخنف: فحدثني عبد ال ملك بن نوفل بن مساحق، عن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، قال: والله إني لمع عبد الله بن الزبير ومعه عبد الله ابن صفوان بن أمية بن خلف، ونحن نطوف بالبيت. إذ نظر ابن الزبير فإذا هو بالمختار. فقال لابن صفوان: انظر إليه؛ فوالله لهو أحذر من ذئب قد أطافت به السباع؛ قال: فمضى ومضينا معه. فلما قضينا طوافنا وصلينا الركعتين بعد الطواف لحقنا المختار، فقال لابن صفوان: ما الذي ذكرني به ابن الزبير؟ قال: فكتمه، وقال: لم يذكرك إلا بخير؛ بلى ورب هذه البنية إن كنت لمن شأنكما، أما والله ليخطن في أثري أو لأقدنها عليه سعراً. فأقام معه خمسة أشهر، فلما رآه لا يستعمله جعل لا يقدم عليه أحدٌ من الكوفة إلا سأله عن حال الناس وهيئتهم.
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-03-2014, 07:21 PM   #66 (permalink)
بحرجديد
مشرف التاريخ والحضاره - أمير الأبداع - كاتب مميز - مشرف الشهر المميز
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
قال أبو مخنف: فحدثني عطية بن الحارث أبو روق الهمداني؛ أن هانىء ابن أبي حية الوادعي قدم مكة يريد عمرة رمضان، فسأله المختار عن حاله وحال الناس بالكوفة وهيئتهم؛ فأخبره عنهم بصلاح واتساق على طاعة ابن الزبير، إلا أن طائفة من الناس إليهم عدد أهل المصر لو كان لهم رجل يجمعهم على رأيهم أكل بهم الأرض إلى يومٍ ما؛ فقال له المختار: أنا أبو إسحاق أنا والله لهم! أنا أجمعهم على مر الحق. وأنفي بهم ركبان الباطل. وأقتل بهم كل جبار عنيد؛ فقال له هانىء بن أبي حية: ويحك يابن أبي عبيد! إن استطت ألا توضع في الضلال ليكن صاحبهم غيرك، فإن صاحب الفتنة أقرب شيء أجلاً، وأسوأ الناس عملاً؛ فقال له المختار: إني لا أدعو إلى الفتنة إنما أدعو إلى الهدى والجماعة، ثم وثب فخرج وركب رواحله، فأقبل نحو الكوفة حتى إذا كان بالقرعاء لقيه سلمة بن مرثد أخو بنت مرثد القابضي من همدان - وكان من أشجع العرب، وكان ناسكاً - فلما التقيا تصافحا وتساءلا، فخبره المختار؛ ثم قال لسلمة بن مرثد: حدثني عن الناس بالكوفة؛ قال: هم كغنمٍ ضل راعيها؛ فقال المختار بن أبي عبيد: أنا الذي أحسن رعايتها، وأبلغ نهايتها؛ فقال له سلمة: اتق الله واعلم أنك ميت ومبعوث، ومحاسب ومجزيٌّ بعملك إن خيراً فخيرٌ وإن شراً فشر، ثم افترقا. وأقبل المختار حتى انتهى إلى بحر الحيرة يوم الجمعة، فنزل فاغتسل فيه، وادهن دهناً يسيراً، ولبس ثيابه واعتم. وتقلد سيفه، ثم ركب راحلته فمر بمسجد السكون وجبانة كندة؛ لا يمر بمجلس إلا سلم على أهله. وقال: أبشروا بالنصر والفلج، أتاكم ما تحبون، وأقبل حتى مر بمسجد بني ذهل وبني حجر، فلم يجد ثم أحداً، ووجد الناس قد راحوا إلى الجمعة، فأقبل حتى مر ببني بداء، فوجد عبيدة بن عمرو البدي من كندة، فسلم عليه، ثم قال: أبشر بالنصر واليسر والفلج، إنك أبا عمرو على رأي حسن، لن يدع الله لك معه مأثماً إلا غفره، ولا ذنباً إلا ستره - قال: وكان عبيدة من أشجع الناس وأشعرهم، وأشدهم حباً لعلي رضي الله عنه، وكان لا يصبر عن الشراب - فلما قال له المختار هذا القول قال له عبيدة: بشرك الله بخير إنك قد بشرتنا، فهل أنت مفسرٌ لنا؟ قال: نعم، فالقني في الرحل الليلة ثم مضى.
قال أبو مخنف: فحدثني فضيل بن خديج، عن عبيدة بن عمرو قال: قال لي المختار هذه المقالة، ثم قال لي: القني في الرحل، وبلغ أهل مسجدكم هذا عني أنهم قومٌ أخذ الله ميثاقهم على طاعته، يقتلون المحلين، ويطلبون بدماء أولاد النبيين، ويهديهم للنور المبين، ثم مضى فقال لي: كيف الطريق إلى بني هند؟ فقلت له: أنظرني أدلك، فدعوت بفرسي وقد أسرج لي فركبته؛ قال: ومضيت معه إلى بني هند، فقال: دلني على منزل إسماعيل بن كثير. قال: فمضيت به إلى منزله، فاستخرجته، فحياه ورحب به، وصافحه وبشره، وقال له: القني أنت وأخوك الليلة وأبو عمرو فإني قد أتيتكم بكل ما تحبون؛ قال: ثم مضى ومضينا معه حتى مر بمسجد جهينة الباطنة، ثم مضى إلى باب الفيل، فأناخ راحلته، ثم دخل المسجد واستشرف له الناس، وقالوا: هذا المختار قد قدم، فقام المختار إلى جنب سارية من سواري المسجد، فصلى عندها حتى أقيمت الصلاة، فصلى مع الناس ثم ركد إلى سارية أخرى فصلى ما بين الجمعة والعصر، فلما صلى العصر مع الناس انصرف.
قال أبو مخنف: فحدثني المجالد بن سعيد، عن عامر الشعبي، أن المختار مر على حلقة همدان وعليه ثياب السفر، فقال: أبشروا، فإني قد قدمت عليكم بما يسركم، ومضى حتى نزل داره، وهي الدار التي تدعى دار سلم ابن المسيب، وكانت الشيعة تختلف إليها وإليه فيها.
قال أبو مخنف: فحدثني فضيل بن خديج، عن عبيد بن عمرو، وإسماعيل بن كثير من بني هند، قالا: أتيناه من الليل كما وعدنا، فلما دخلنا عليه وجلسنا ساءلنا عن أمر الناس وعن حال الشيعة، فقلنا له: إن الشيعة قد اجتمعت لسليمان بن صرد الخزاعي، وإنه لن يلبث إلا يسيراً حتى يخرج؛ قال: فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: أما بعد، فإن المهدي ابن الوصي، محمد بن علي، بعثني إليكم أميناً ووزيراً ومنتخباً وأميراً، وأمرني بقتال الملحدين، والطلب بدماء أهل بيته والدفع عن الضعفاء.
قال أبو مخنف: قال فضيل بن خديج: فحدثني عبيدة بن عمرو وإسماعيل بن كثير، أنهما كانا أول خلق الله إجابةً وضرباً على يده، وبايعاه. قال: وأقبل المختار يبعث إلى الشيعة وقد اجتمعت عند سليمان بن صرد، فيقول لهم: إني قد جئتكم من قبل ولي الأمر، ومعدن الفضل، ووصي الوصي والإمام المهدي، بأمر فيه الشفاء، وكشف الغطاء، وقتل الأعداء، وتمام النعماء؛ إن سليمان بن صرد يرحمنا الله وإياه إنما هو عشمة من العشم وحفشٌ بالٍ، ليس بذي تجربة للأمور، ولا له علمٌ بالحروب؛ إنما يريد أن يخرجكم فيقتل نفسه ويقتلكم. إني إنا أعمل على مثال قد مثل لي، وأمرٍ قد بين لي، فيه عز وليكم، وقتل عدوكم، وشفاء صدوركم، فاسمعوا مني قولي، وأطيعوا أمري، ثم أبشروا وتباشروا؛ فإني لكم بكل ما تأملون خير زعيم. قال: فوالله ما زال بهذا القول ونحوه حتى استمال طائفةً من الشيعة، وكانوا يختلفون إليه ويعظمونه، وينظرون أمره، وعظم الشيعة يومئذ ورؤساؤهم مع سليمان بن صرد، وهو شيخ الشيعة وأسنهم، فليس يعدلون به أحداً؛ إلا أن المختار قد استمال منهم طائفةً ليسوا بالكثير، فسليمان بن صرد أثقل خلق الله على المختار، وقد اجتمع لابن صرد يومئذ أمره، وهو يريد الخروج والمختار لا يريد أن يتحرك، ولا أن يهيج أمراً حتى ينظر إلى ما يصير إليه أمر سليمان، رجاء أن يستجمع له أمر الشيعة، فيكون أقوى له على درك ما يطلب، فلما خرج سليمان بن صرد ومضى نحو الجزيرة قال عمر بن سعد بن أبي وقاص وشبث بن ربيع ويزيد بن الحارث بن رويم لعبد الله ابن يزيد الخطمي وإبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله: إن المختار أشد عليكم من سليمان بن صرد، إن سليمان إنما خرج يقاتل عدوكم، ويذللهم لكم، وقد خرج عن بلادكم؛ وإن المختار إنما يريد أن يثب عليكم في مصركم، فسيروا إليه فأوثقوه في الحديد، وخلدوه في السجن حتى يستقيم أمر الناس، فخرجوا إليه في الناس، فما شعر بشيء حتى أحاطوا به وبداره فاستخرجوه، فلما رأى جماعتهم قال: ما بالكم! فوالله بعد ما ظفرت أكفكم! قال: فقال إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله لعبد الله بن يزيد: شده كتافاً، ومشه حافياً؛ فقال له عبد الله بن يزيد: سبحان الله! ما كنت لأمشيه ولا لأحفيه ولا كنت لأفعل هذا برجل لم يظهر لنا عدواةً ولا حرباً، وإنما أخذناه على الظن. فقال له إبراهيم بن محمد: ليس بعشك فادرجي، ما أنت وما يبلغنا عنك يابن أبي عبيد! فقال له: ما الذي بلغك عني إلا باطلٌ، وأعوذ بالله من غشٍّ كغش أبيك وجدك! قال: قال فضيل: فوالله إني لأنظر إليه حين أخرج وأسمع هذا القول حين قال له، غير أني لا أدري أسمعه منه إبراهيم أم لم يسمعه؛ فسكت حين تكلم به؛ قال: وأتى المختار ببغلة دهماء يركبها، فقال إبرهيم لعبد الله بن يزيد: ألا تشد عليه القيود؟ فقال: كفى له بالسجن قيداً.


قال أبو مخنف: وأما يحيى بن أبي عيسى فحدثني أنه قال: دخلت إليه مع حميد بن مسلم الأزدي نزوره ونتعاهده، فرأيته مقيداً؛ قال: فسمعته يقول: أما ورب البحار، والنخيل والأشجار، والمهامه والقفار، والملائكة الأبرار، والمصطفين الأخيار، لأقتلن كل جبار، بكل لدن خطار، ومهندٍ بتار، في جموع من الأنصار، ليسوا بميل أغمار، ولا بعزل أشرار، حتى إذا أقمت عمود الدين، ورأبت شعب صدع المسلمين، وشفيت غليل صدور المؤمنين، وأدركت بثأر النبيين، ولم يكبر علي زوال الدنيا ولم أحفل بالموت إذا أتى.
قال: فكان إذا أتيناه وهو في السجن ردد علينا هذا القول حتى خرج منه؛ قال: وكان يتشجع لأصحابه بعد ما خرج ابن صرد.
ذكر الخبر عن هدم ابن الزبير الكعبة قال أبو جعفر: وفي هذه السنة هدم ابن الزبير الكعبة، وكانت قد مال حيطانها مما رميت به من حجارة المجانيق، فذكر محمد بن عمر الواقدي أن إبراهيم بن موسى حدثه عن عكرمة بن خالد، قال: هدم ابن الزبير البيت حتى سواه بالأرض، وحفر أساسه، وأدخل الحجر فيه، وكان الناس يطوفون من وراء الأساس، ويصلون إلى موضع، وجعل الركن الأسود عنده في تابوت في سرقةٍ من حرير، وجعل ما كان من حلي البيت وما وجد فيه من ثياب أو طيب عند الحجبة في خزانة البيت، حتى أعادها لما أعاد بناءه.
قال محمد بن عمر: وحدثني معقل بن عبد الله، عن عطاء؛ قال: رأيت ابن الزبير هدم البيت كله حتى وضعه بالأرض.
وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير.
وكان عامله على المدينة فيها أخوه عبيدة بن الزبير، وعلى الكوفة عبد الله ابن يزيد الخطمي، وعلى قضائها سعيد بن نمران.
وأبى شريح أن يقضي فيها، وقال فيما ذكر عنه: أنا لا أقضي في الفتنة. وعلى البصرة عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، وعلى قضائها هشام بن هبيرة، وعلى خراسان عبد الله ابن خازم.
ثم دخلت سنة خمس وستين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث الجليلة

فمن ذلك ما كان من أمر التوابين وشخوصهم للطلب بدم الحسين بن علي إلى عبيد الله بن زياد.
قال هشام: قال أبو مخنف: حدثني أبو يوسف، عن عبد الله بن عوف الأحمري، قال: بعث سليمان بن صرد إلى وجوه أصحابه حين أراد الشخوص وذلك في سنة خمس وستين، فأتوه، فلما استهل الهلال هلال شهر بيع الآخر، خرج في وجوه أصحابه، وقد كان واعد أصحابه عامة للخروج في تلك الليلة للمعسكر بالنخيلة فخرج حتى أتى عسكره، فدار في الناس ووجوه أصحابه، فلم يعجبه عدة الناس، فبعث حكيم بن منقذ الكندي في خيل، وبعث الوليد بن غصين الكناني في خيل، وقال: اذهبا حتى تدخلا الكوفة فناديا: يا لثارات الحسين! وابلغا المسجد الأعظم فناديا بذلك، فخرجا، وكانا أول خلق الله دعوا: يا لثارات الحسين! قال: فأقبل حكيم بن منقذ الكندي في خيل والوليد بن غصين في خيل، حتى مرا ببني كثير، وإن رجلاً من بني كثير من الأزد يقال له عبد الله بن خازم مع امرأته سهلة بنت سبرة بن عمرو من بني كثير، وكانت من أجمل الناس وأحبهم إليه، سمع الصوت: يا لثارات الحسين! وما هو ممن كان يأتيهم، ولا استجاب لهم. فوثب إلى ثيابه فلبسها، ودعا بسلاحه، وأمر بإسراج فرسه، فقالت له امرأته: ويحك! أجننت! قال: لا والله، ولكني سمعت داعي الله، فأنا مجيبه، أنا طالبٌ بدم هذا الرجل حتى أموت، أو يقضي الله من أمري ما هو أحب إليه، فقالت له: إلى من تدع بنيك هذا؟ قال: إلى الله وحده لا شريك له؛ اللهم إني أستودعك أهلي وولدي، اللهم احفظني فيهم؛ وكان ابنه ذلك يدعى عزره، فبقي حتى قتل بعد مع مصعب بن الزبير؛ وخرج حتى لحق بهم، فقعدت امرأته تبكيه واجتمع إليها نساؤها، ومضى مع القوم، وطافت تلك الليلة الخيل بالكوفة، حتى جاءوا المسجد بعد العتمة، وفيه ناسٌ كثير يصلون، فنادوا: يا لثارات الحسين! وفيهم أبو عزة القابضي وكرب بن نمران يصلي، فقال: يا لثارات الحسين! أين جماعة القوم؟ قيل: بالنخيلة، فخرج حتى أتى أهله، فأخذ سلاحه، ودعا بفرسه ليركبه، فجاءته ابنته الرواع - وكانت تحت ثبيت بن مرثد القابضي. فقالت: يا أبت، ما لي أراك قد تقلدت سيفك، ولبست سلاحك! فقال لها: يا بنية، إن أباك يفر من ذنبه إلى ربه، فأخذت تنتحب وتبكي، وجاءه أصهاره وبنو عمه، فودعهم، ثم خرج فلحق بالقوم؛ قال: فلم يصبح سليمان بن صرد حتى أتاه نحوٌ ممن كان في عسكره حين دخله؛ قال: ثم دعا بديوانه لينظر فيه إلى عدة من بايعه حتى أصبح، فوجدهم ستة عشر ألفاً، فقال: سبحان الله! ما وافانا إلا أربعة آلاف من ستة عشر ألفاً.قال أبو مخنف: عن عطية بن الحارث، عن حميد بن مسلم، قال: قلت لسليمان بن صرد: إن المختار والله يثبط الناس عنك، إني كنت عنده أول ثلاث، فسمعت نفراً من أصحابه يقولون: قد كملنا ألفي رجل؛ فقال: وهب أن ذلك كان؛ فأقام عنا عشرة آلاف، أما هؤلاء بمؤمنين! أما يخافون الله! أما يذكرون الله، وما أعطونا من أنفسنا من العهود والمواثيق ليجاهدن ولينصرن! فأقام بالنخيلة ثلاثاً يبعث ثقاته من أصحابه إلى من تخلف عنه يذكرهم الله وما أعطوه من أنفسهم، فخرج إليه نحوٌ من ألف رجل، فقام المسيب بن نجبة إلى سليمان بن صرد، فقال: رحمك الله، إنه لا ينفعك الكاره، ولا يقاتل معك إلا من أخرجته النية، فلا ننتظرن أحداً، واكمش في أمرك. قال: فإنك والله لنعما رأيت! فقام سليمان بن صرد في الناس متوكئاً على قوس له عربية. فقال: أيها الناس، من كان إنما أخرجته إرادة وجه الله وثواب الآخرة فذلك منا ونحن منه، فرحمة الله عليه حياً وميتاً، ومن كان إنما يريد الدنيا وحرثها فوالله ما نأتي فيئاً نستفيئه، ولا غنيمةً نغنمها، ما خلا رضوان الله رب العالمين، وما معنا من ذهب ولا فضة، ولا خز ولا حرير، وما هي إلا سيوفنا في عواتقنا، ورماحنا في أكفنا، وزادٌ قدر البلغة إلى لقاء عدونا، فمن كان غير هذا ينوي فلا يصحبنا.
فقم صخير بن حذيفة بن هلال بن مالك المزني، فقال: آتاك الله رشدك، ولقاك حجتك؛ والله الذي لا إله غيره ما لنا خيرٌ في صحبة من الدنيا همته ونيته. أيها الناس، إنما أخرجتنا التوبة من ذنبنا، والطلب بدم من نبينا، صلى الله عليه وسلم ليس معنا دينارٌ ولا درهم، إنما نقدم على حد السيوف وأطراف الرماح؛ فتنادى الناس من كل جانب: إنا لا نطلب الدنيا، وليس لها خرجنا.
قال أبو مخنف: عن إسماعيل بن يزيد الأزدي، عن السري بن كعب الأزدي، قال: أتينا صاحبنا عبد الله بن سعد بن نفيل نودعه، قال: فقام فقمنا معه، فدخل على سليمان ودخلنا معه، وقد أجمع سليمان بالمسير، فأشار عليه عبد الله بن سعد بن نفيل أن يسير إلى عبيد الله بن زياد، فقال هو ورءوس أصحابه: الرأي ما أشار به عبد الله بن سعد بن نفيل أن نسير إلى عبيد الله بن زياد قاتل صاحبنا، ومن قبله أتينا، فقال له عبد الله بن سعد وعنده رءوس أصحابه جلوس حوله: إني قد رأيت إن يكن صواباً فالله وفق، وإن يكن ليس بصواب فمن قبلي، فإني ما آلوكم ونفسي نصحاً؛ خطأ كان أم صواباً، إنما خرجنا نطلب بدم الحسين، وقتلة الحسين كلهم بالكوفة، منهم عمر بن سعد بن أبي وقاص، ورءوس الأرباع وأشراف القبائل، فأنى نذهب ها هنا وندع الأقتال والأوتار! فقال سليمان بن صرد: فماذا ترون؟ فقالوا: والله لقد جاء برأيٍ، وإن ما ذكر لكما ذكر، والله ما نلقى من قتلة الحسين إن نحن مضينا نحو الشام غير ابن زياد، وما طلبتنا إلا ها هنا بالمصر؛ فقال سليمان بن صرد: لكن أنا ما أرى ذلك لكم، إن الذي قتل صاحبكم، وعبأ الجنود إليه، وقال: لا أمان له عندي دون أن يستسلم فأمضي فيه حكمي هذا الفاسق ابن الفاسق ابن مرجانة، عبيد الله بن زياد؛ فسيروا إلى عدوكم على اسم الله؛ فإن يظهركم الله عليه رجونا أن يكون من بعده أهون شوكةً منه، ورجونا أن يدين لكم من وراءكم من أهل مصركم في عافية، فتنظرون إلى كل من شرك في دم الحسين فتقاتلونه ولا تغشموا، وإن تستشهدوا فإنما قاتلتم المحلين، وما عند الله خيرٌ للأبرار والصديقين؛ إني لأحب أن تجعلوا حدكم وشوكتكم بأول المحلين القاسطين. والله لو قاتلتم غداً أهل مصركم ما عدم رجلٌ أن يرى رجلاً قد قتل أخاه وأباه وحميمه، أو رجلاً لم يكن يريد قتله؛ فاستخيروا الله وسيروا. فتهيأ الناس للشخوص. قال: وبلغ عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة خروج ابن صرد وأصحابه، فنظرا في أمرهما، فرأيا أن يأتياهم فيعرضا عليهم الإقامة، وأن تكون أيديهم واحدةً، فإن أبوا إلا الشخوص سألوهم النظرة حتى يعبوا معهم جيشاً فيقاتلوا عدوهم بكثفٍ وحدٍّ؛ فبعث عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة سويد بن عبد الرحمن إلى سليمان ابن صرد، فقال له: إن عبد الله وإبراهيم يقولان: إنا نريد أن نجيئك الآن لأمر عسى أن يجعل لنا ولك فيه صلاحاً؛ فقال: قل لهما فليأتيانا، وقال سليمان لرفاعة بن شداد البجلي: قم أنت فأحسن تعبئة الناس؛ فإن هذين الرجلين قد بعثا بكيت وكيت، فدعا رءوس أصحابه فجلسوا حوله فلم يمكثوا إلا ساعةً حتى جاء عبد الله بن يزيد في أشراف أهل الكوفة والشرط وكثير من المقاتلة، وإبراهيم بن محمد بن طلحة في جماعة من أصحابه، فقال عبد الله بن يزيد لكل رجل معروف قد علم أنه قد شرك في دم الحسين: لا تصحبني إليهم مخافة أن ينظروا إليه فيعدوا عليه؛ وكان عمر بن سعد تلك الأيام التي كان سليمان معسكراً فيها بالنخيلة لا يبيت إلا في قصر الإمارة مع عبد الله بن يزيد مخافة أن يأتيه القوم في داره، ويذمروا عليه في بيته وهو فاعل لا يعلم فيقتل. وقال عبد الله بن يزيد: يا عمرو بن حريث، إن أنا أبطأت عنك فصل بالناس الظهر.
فلما انتهى عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد إلى سليمان بن صرد دخلا عليه، فحمد الله عبد الله بن يزيد وأثنى عليه ثم قال: إن المسلم أخو المسلم لا يخونه، ولا يغشه، وأنتم إخواننا، وأهل بلدنا، وأحب أهل مصر خلقه الله إلينا، فلا تفجعونا بأنفسكم، ولا تستبدوا علينا برأيكم، ولا تنقصوا عددنا بخروجكم من جماعتنا؛ أقيموا معنا حتى نتيسر ونتهيأ، فإذا علمنا أن عدونا قد شارف بلدنا خرجنا إليهم بجماعتنا فقاتلناهم. وتكلم إبراهيم بن محمد بنحو من هذا الكلام. قال: فحمد الله سليمان بن صرد وأثنى عليه ثم قال لهما: إني قد علمت أنكما قد محضتما في النصيحة، واجتهدتما في المشورة، فنحن بالله وله، وقد خرجنا لأمر، ونحن نسأل الله العزيمة على الرشد والتسديد لأصوبه، ولا نرانا إلا شاخصين إن شاء الله ذلك. فقال عبد الله بن يزيد: فأقيموا حتى نعبىء معكم جيشاً كثيفاً، فتلقوا عدوكم بكثف وجمع وحدٍّ. فقال سليمان: تنصرفون، ونرى فيما بيننا، وسيأتيكم إن شاء الله رأيٌ.
قال أبو مخنف: عن عبد الجبار - يعني ابن عباس الهمداني - عن عون ابن أبي جحيفة السوائي، قال: ثم إن عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد ابن طلحة عرضا على سليمان أن يقيم معهما حتى يلقوا جموع أهل الشأم على أن يخصاه وأصحابه بخراج جوخي خاصة لهم دون الناس، فقال لهما سليمان: إنا ليس للدنيا خرجنا؛ وإنما فعلا ذلك لما قد كان بلغهما من إقبال عبيد الله بن زياد نحو العراق. وانصرف إبراهيم بن محمد وعبد الله بن يزيد إلى الكوفة، وأجمع القوم على الشخوص واستقبال ابن زياد، ونظروا فإذا شيعتهم من أهل البصرة لم يوافوهم لميعادهم ولا أهل المدائن، فأقبل ناس من أصحابه يلزمونهم، فقال سليمان: لا تلزموهم فإني لا أراهم إلا سيسرعون إليكم، لو قد انتهى إليهم خبركم وحين مسيركم، ولا أراهم خلفهم ولا أقعدهم إلا قلة النفقة وسوء العدة، فأقيموا ليتيسروا ويتجهزوا ويلحقوا بكم وبهم قوة، وما أسرع القوم في آثاركم. قال: ثم إن سليمان بن صرد قام في الناس خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد أيها الناس، فإن الله قد علم ما تنوون، وما خرجتم تطلبون، وإن للدنيا تجاراً، وللآخرة تجاراً، فأما تاجر الآخرة فساعٍ إليها، منتصب بتطلابها، لا يشتري بها ثمناً، لا يرى إلا قائماً وقاعداً، وراكعاً وساجداً، لا يطلب ذهباً ولا فضة، ولا دنيا ولا لذة، وأما تاجر الدنيا فمكبٌّ عليها، راتع فيها، لا يبتغي بها بدلاً؛ فعليكم يرحمكم الله في وجهكم هذا بطول الصلاة في جوف الليل، وبذكر الله كثيراً على كل حال، وتقربوا إلى الله جل ذكره بكل خير قدرتم عليه، حتى تلقوا هذا العدو والمحل القاسط فتجاهدوه، فإن تتوسلوا إلى ربكم بشيء هو أعظم عنده ثواباً من الجهاد والصلاة؛ فإن الجهاد سنام العمل. جعلنا الله وإياكم من العباد الصالحين، المجاهدين الصابرين على اللأواء! وإنا مدلجون الليلة من منزلنا هذا إن شاء الله فادلجوا.
فادلج عشية الجمعة لخمس مضين من شهر بيع الآخر سنة خمس وستين للهجرة.
قال: فلما خرج سليمان وأصحابه من النخيلة دعا سليمان بن صرد حكيم ابن منقذ فنادى في الناس: ألا لا يتبين رجل منكم دون دير الأعور. فبات الناس بدير الأعور، وتخلف عنه ناسٌ كثير، ثم سار حتى نزل الأقساس؛ أقساس مالك على شاطىء الفرات، فعرض الناس، فسقط منهم نحوٌ من ألف رجل، فقال ابن صرد: ما أحب أن من تخلف عنكم معكم، ولو خرجوا معكم ما زادوكم إلا خبالاً؛ إن الله عز وجل كره انبعاثهم فثبطهم، وخصكم بفضل ذلك، فاحمدوا ربكم. ثم خرج من منزله ذلك دلجةً، فصبحوا قبر الحسين، فأقاموا به ليلةً ويوماً يصلون عليه، ويستغفرون له؛ قال: فلما انتهى الناس إلى قبر الحسين صاحوا صيحةً واحدة، وبكوا؛ فما رئي يومٌ كان أكثر باكياً منه.
قال أبو مخنف: وقد حدث عبد الرحمن بن جندب، عن عبد الرحمن ابن غزية، قال: لما انتهينا إلى قبر الحسين رضي الله عنه بكى الناس بأجمعهم، وسمعت جل الناس يتمنون أنهم كانوا أصيبوا معه؛ فقال سليمان: اللهم ارحم حسيناً الشهيد ابن الشهيد، المهدي ابن المهدي، الصديق ابن الصديق، اللهم إنا نشهدك أنا على دينهم وسبيلهم، وأعداء قاتليهم، وأولياء محبيهم. ثم انصرف ونزل، ونزل أصحابه.
قال أبو مخنف: حدثنا الأعمش، قال: حدثنا سلمة بن كهيل، عن أبي صادق، قال: لما انتهى سليمان بن صرد وأصحابه إلى قبر الحسين نادوا صيحةً واحدةً: يا رب إنا قد خذلنا ابن بنت نبينا، فاغفر لنا ما مضى منا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وارحم حسيناً وأصحابه الشهداء الصديقين، وإنا نشهدك يا رب أنا على مثل ما قتلوا عليه، فإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين؛ قال: فأقاموا عنده يوماً وليلة يصلون عليه ويبكون ويتضرعون؛ فما انفك الناس من يومهم ذلك يترحمون عليه وعلى أصحابه، حتى صلوا الغداة من الغد عند قبره، وزادهم ذلك حنقاً. ثم ركبوا، فأمر سليمان الناس بالمسير، فجعل الرجل لا يمضي حتى يأتي قبر الحسين فيقوم عليه، فيترحم عليه، ويستغفر له، قال: فوالله لرأيتهم ازدحموا على قبره أكثر من ازدحام الناس على الحجر الأسود.
قال: ووقف سليمان عند قبره، فكلما دعا له قوم وترحموا عليه قال لهم المسيب بن نجبة وسلمان بن صرد: الحقوا بإخوانكم رحمكم الله! فما زال كذلك حتى بقي نحو من ثلاثين من أصحابه، فأحاط سليمان بالقبر هو وأصحابه، فقال سليمان: الحمد لله الذي لو شاء أكرمنا بالشهادة مع الحسين، اللهم إذ حرمتناها معه فلا تحرمناها فيه بعده.
وقال عبد الله بن وال: أما والله إني لأظن حسيناً وأباه وأخاه أفضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم وسيلةً عند يوم القيامة، أفما عجبتم لما ابتليت به هذه الأمة منهم! إنهم قتلوا اثنين، وأشفوا بالثالث على القتل؛ قال: يقول المسيب بن نجبة: فأنا من قتلهم ومن كان على رأيهم بريءٌ، إياهم أعادي وأقاتل. قال: فأحسن الرءوس كلهم المنطق، وكان المثنى بن مخربة صاحب أحد الرءوس والأشراف، فساءني حيث لم أسمعه تكلم مع القوم بنحو ما تكلموا به؛ قال: فوالله ما لبث أن تكلم بكلمات ما كن بدون كلام أحد من القوم، فقال: إن الله جعل هؤلاء الذين ذكرتم بمكانهم من نبيهم صلى الله عليه وسلم أفضل ممن هو دون نبيهم، وقد قتلهم قوم نحن لهم أعداء، ومنهم براء، وقد خرجنا من الديار والأهلين والأموال إرادة استئصال من قتلهم؛ فوالله لو أن القتال فيهم بمغرب الشمس أو بمنقطع التراب يحق علينا طلبه حتى نناله، فإن ذلك هو الغنم، وهي الشهادة التي ثوابها الجنة، فقلنا له: صدقت وأصبت ووفقت.
قال: ثم إن سليمان بن صرد سار من موضع قبر الحسين وسرنا معه، فأخذنا على الحصاصة، ثم على الأنبار، ثم على الصدود، ثم على القيارة.
قال أبو مخنف: عن الحارث بن حصيرة وغيره: إن سليمان بعث على مقدمته كريب بن يزيد الحميري.
قال أبو مخنف: حدثني الحصين بن يزيد، عن السري بن كعب، قال: خرجنا مع رجال الحي نشيعهم، فلما انتهينا إلى قبر الحسين وانصرف سليمان بن صرد وأصحابه عن القبر، ولزموا الطريق، استقدمهم عبد الله ابن عوف بن الأحمر على فرس له مهلوب كميت مربوع، يتأكل تأ:لاً، وهو يرتجز ويقول:
خرجن يلمعن بنا أرسالا ... عوابساً يحملننا أبطالا
نريد أن نلقي به الأقتالا ... القاسطين الغدر الضلالا
وقد رفضنا الأهل والأموالا ... والخفرات البيض والحجالا
نرضي به ذا النعم المفضالا
قال أبو مخنف: عن سعد بن مجاهد الطائي، عن المحل بن خليفة الطائي، أن عبد الله بن يزيد كتب إلى سليمان بن صرد، أحسبه قال: بعثني به، فلحقته بالقيارة، واستقدم أصحابه حتى ظن أن قد سبقهم، قال: فوقف وأشار إلى الناس، فوقفوا عليه، ثم أقرأهم كتابه، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله بن يزيد إلى سليمان بن صرد ومن معه من المسلمين. سلامٌ عليكم، أما بعد فإن كتابي هذا إليكم كتاب ناصح ذي إرعاء، وكم من ناصح مستغش، وكم من غاش مستنصح محب، إنه بلغني أنكم تريدون المسير بالعدد اليسير إلى الجمع الكثير، وإنه من يرد أن ينقل الجبال عن مراتبها تكل معاوله، وينزع وهو مذموم العقل والفعل. يا قومنا لا تطمعوا عدوكم في أهل بلادكم، فإنكم خيارٌ كلكم، ومتى ما يصبكم عدوكم يعلموا أنكم أعلام مصركم، فيطمعهم ذلك فيمن وراءكم يا قومنا، " إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذاً أبداً " ، يا قوم، إن أيدينا وأيديكم اليوم واحدة، وإن عدونا وعدوكم واحد، ومتى تجتمع كلمتنا نظهر على عدونا، ومتى تختلف تهن شوكتنا على من خالفنا؛ يا قومنا لا تستغشوا نصحي، ولا تخالفوا أمري، وأقبلوا حتى يقرأ عليكم كتابي. أقبل الله بكم إلى طاعته، وأدبر بكم عن معصيته، والسلام.
قال: فلما قرىء الكتاب على ابن صرد وأصحابه قال للناس: ما ترون؟ قالوا: ماذا ترى؟ قد أبينا هذا عليكم وعليهم، ونحن في مصرنا وأهلنا، فالآن خرجنا ووطنا أنفسنا على الجهاد، ودنونا من أرض عدونا! ما هذا برأي. ثم نادوه أن أخبرنا برأيك، قال: رأيي والله أنكم لم تكونوا قط أقرب من إحدى الحسنيين منكم يومكم هذا؛ الشهادة والفتح، ولا أرى أن تنصرفوا عما جمعكم الله عليه من الحق، وأردتم به من الفضل؛ إنا وهؤلاء مختلفون؛ إن هؤلاء لو ظهروا دعونا إلى الجهاد مع ابن الزبير، ولا أرى الجهاد مع ابن الزبير إلا ضلالاً، وإنا إن نحن ظهرنا رددنا هذا الأمر إلى أهله، وإن أصبنا فعلى نياتنا، تائبين من ذنوبنا، إن لنا شكلاً، وإن لابن الزبير شكلاً؛ وإن وإياهم كما قال أخو بني كنانة:
أرى لك شكلاً غير شكلي فأقصري ... عن اللوم إذ بدلت واختلف الشكل
قال: فانصرف الناس معه حتى نزل هيت، فكتب سليمان: بسم الله الرحمن. للأمير عبد الله بن يزيد، من سليمان بن صرد ومن معه من المؤمنين، سلامٌ عليك، أما بعد، فقد قرأنا كتابك، وفهمنا ما نويت، فنعم والله الوالي، ونعم الأمير، ونعم أخو العشيرة، أنت والله من نأمنه بالغيب، ونستنصحه في المشورة، ونحمده على كل حال؛ إنا سمعنا الله عز وجل يقول في كتابه: " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة " - إلى قوله: " وبشر المؤمنين " . إن القوم قد استبشروا ببيعتهم التي بايعوا، إنهم قد تابوا من عظيم جرمهم، وقد توجهوا إلى الله، وتوكلوا عليه ورضوا بما قضى الله، " ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير " ، والسلام عليك فلما أتاه هذا الكتاب قال: استمات القوم، أول خبر يأتيكم عنهم قتلهم، وايم الله ليقتلن كراماً مسلمين، ولا والذي هو ربهم لا يقتلهم عدوهم حتى تشتد شوكتهم، وتكثر القتلى فيما بينهم.
قال أبو مخنف: فحدثني يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن عوف بن الأحمر، وعبد الرحمن بن جندب، عن عبد الرحمن بن غزية، قالا: خرجنا من هيت حتى انتهينا إلى قرقيسيا، فنزلنا قريباً منها، وبها زفر بن الحارث الكلابي قد تحصن بها من القوم، ولم يخرج إليهم، فبعث سليمان المسيب بن نجبة، فقال: ائت ابن عمك هذا فقل له: فليخرج إلينا سوقاً، فإنا لسنا إياه نريد، إنما صمدنا لهؤلاء المحلين. فخرج المسيب بن نجبة حتى انتهى إلى باب قرقيسيا، فقال: افتحوا، ممن تحصنون؟ فقالوا: من أنت؟ قال: أنا المسيسب بن نجبة، فأتى الهذيل بن زفر أباه فقال: هذا رجلٌ حسن الهيئة، يستأذن عليك، وسألناه من هو؟ فقال: المسيب بن نجبة - قال: وأنا إذ ذاك لا علم لي بالناس، ولا أعلم أي الناس هو - فقال لي أبي: أما تدري أي بني من هذا؟ هذا فارس مضر الحمراء كلها، وإذا عد من أشرافها عشرة كان أحدهم، وهو بعد رجلٌ ناسكٌ له دين، ائذن له. فأذنت له، فأجلسه أبي إلى جانبه، وساءله وألطفه في المسألة، فقال المسيب ابن نجبة: ممن تتحصن؟ إنا والله ما إياكم نريد، وما اعترينا إلى شيء إلا أن تعيننا على هؤلاء القوم الظلمة المحلي، فاخرج لنا سوقاً، فإنا لا نقيم بساحتكم إلا يوماً أو بعض يوم. فقال له زفر بن الحارث: إنا لم نغلق أبواب هذه المدينة إلا لنعلم إيانا اعتريتم أم غيرنا! إنا والله ما بنا عجزٌ عن الناس ما لم تدهمنا حيلة، وما نحب أنا بلينا بقتالكم؛ وقد بلغنا عنكم صلاح، وسيرةٌ حسنة جميلة.
ثم دعا ابنه فأمره أن يضع لهم سوقاً، وأمر للمسيب بألف درهم وفرس، فقال له المسيب: أما المال فلا حاجة لي فيه، والله ما له خرجنا، ولا إياه طلبنا، وأما الفرس فإني أقبله لعلي أحتاج إليه إن ظلع فرسي، أو غمز تحتي. فخرج به حتى أتى أصحابه وأخرجت لهم السوق، فتسوقوا، وبعث زفر بن الحارث إلى المسيب بن نجبة بعد إخراج الأسواق والأعلاف والطعام الكثير بعشرين جزوراً، وبعث إلى سليمان بن صرد مثل ذلك، وقد كان زفر أمر ابنه أن يسأل عن وجوه أهل العسكر، فسمي له عبد الله بن سعد بن نفيل وعبد الله بن والٍ ورفاعة بن شداد، وسمي له أمراء الأرباع. فبعث إلى هؤلاء الرءوس الثلاثة بعشر جزائر عشر جزائر، وعلف كثير وطعام، وأخرج للعسكر عيراً عظيمة وشعيراً كثيراً، فقال غلمان زفر: هذه عير فاجتزروا منها ما أحببتم، وهذا شعير فاحتملوا منه ما أردتم، وهذا دقيق فتزودوا منه ما أطقتم، فظل القوم يومهم ذلك مخصبين لم يحتاجوا إلى شراء شيء من هذه الأسواق التي وضعت، وقد كفوا اللحم والدقيق والشعير إلا أن يشتري الرجل ثوباً أو سوطاً. ثم ارتحلوا من الغد، وبعث إليهم زفر: إني خارج إليكم فمشيعكم؛ فأتاهم وقد خرجوا على تعبيةٍ حسنة، فسايرهم، فقال زفر لسليمان: إنه قد بعث خمسة أمراء قد فصلوا من الرقة فيهم الحصين بن نمير السكوني، وشرحبيل بن ذي كلاع، وأدهم بن محرز الباهلي وأبو مالك بن أدهم، وربيعة بن المخارق الغنوي، وجبلة بن عبد الله الخثعمي؛ وقد جاءوكم في مثل الشوك والشجر، أتاكم عدد كثير، وحدٌّ حديد، وايم الله لقل ما رأيت رجالاً هم أحسن هيئةً ولا عدةً، ولا أخلق لكل خير من رجال أراهم معك؛ ولكنه قد بلغني أنه قد أقبلت إليكم عدة لا تحصى؛ فقال ابن صرد: على الله توكلنا، وعليه فليتوكل المتوكلون، ثم قال زفر: فهل لكم في أمر أعرضه عليكم؛ لعل الله أن يجعل لنا ولكم فيه خيراً؟ إن شئتم فتحنا لكم مدينتنا فدخلتموها فكان أمرنا واحداً وأيدينا واحدةً، وإن شئتم نزلتم على باب مدينتنا، وخرجنا فعسكرنا إلى جانبكم، فإذا جاءنا هذا العدو قاتلناهم جميعاً. فقال سليمان لزفر: قد أرادنا أهل مصرنا على مثل ما أردتنا عليه، وذكروا مثل الذي ذكرت، وكتبوا إلينا به بعد ما فصلنا، فلم يوافقنا ذلك، فلسنا فاعلين؛ فقال زفر: فانظروا ما أشير به عليكم فاقبلوه، وخذوا به، فإني للقوم عدو، وأحب أن يجعل الله عليهم الدائرة، وأنا لكم وادٌّ، أحب أن يحوطكم الله بالعافية؛ إن القوم قد فصلوا من الرقة، فبادروهم إلى عين الوردة، فاجعلوا المدينة في ظهوركم، ويكون الرستاق والماء والماد في أيديكم، وما بين مدينتنا ومدينتكم فأنتم له آمنون، والله لو أن خيولي كرجالي لأمددتكم، اطووا المنازل الساعة إلى عين الوردة؛ فإن القوم يسيرون سير العساكر، وأنتم على خيول، والله لقل ما رأيت جماعة خيل قط أكرم منها؛ تأهبوا لها من يومكم هذا فإني أرجو أن تسبقوهم أليها، وإن بدرتموهم إلى عين الوردة فلا تقاتلوهم في فضاء ترامونهم وتطاعنونهم، فإنهم أكثر منكم فلا آمن أن يحيطوا بكم، فلا تقفوا لهم ترامونهم وتطاعنونهم، فإنه ليس لكم مثل عددهم، فإن استهدفتم لهم لم يلبثوكم أن يصرعوكم، ولا تصفوا لهم حين تلقونهم، فإني لا أرى معكم رجالةً، ولا أراكم كلكم إلا فرساناً، والقوم لا قوكم بالرجال والفرسان؛ فالفرسان تحمي رجالها، والرجال تحمي فرسانها، وأنتم ليس لكم رجال تحمي فرسانكم، فالقوهم في الكتائب والمقانب، ثم بثوها ما بين ميمنتهم وميسرتهم، واجعلوا مع كل كتيبة كتيبةً إلى جانبها فإن حمل على إحدى الكتيبتين ترجلت الأخرى فنفست عنها الخيل والرجال، ومتى ما شاءت كتيبة ارتفعت، ومتى ما شاءت كتيبة انحطت، ولو كنتم في صف واحد فزحفت إليكم الرجال فدفعتم عن الصف انتفض وكانت الهزيمة؛ ثم وقف فودعهم، وسأل الله أن يصحبهم وينصرهم. فأثنى الناس عليه، ودعوا له، فقال له سليمان بن صرد: نعم المنزول به أنت! أكرمت النزول، وأحسنت الضيافة، ونصحت في المشورة. ثم إن القوم جدوا في المسير، فجعلوا يجعلون كل مرحلتين مرحلة؛ قال: فمررنا بالمدن حتى بلغنا ساعا. ثم إن سليمان بن صرد عبى الكتائب كما أمره زفر، ثم أقبل حتى انتهى إلى عين الوردة فنزل في غربيها، وسبق القوم إليها، فعسكروا، وأقام بها خمساً لا يبرح، واستراحوا واطمأنوا، وأراحوا خيلهم.
قال هشام: قال أبو مخنف، عن عطية بن الحارث، عن عبد الله بن غزية، قال: أقبل أهل الشأم في عساكرهم حتى كانوا من عين الوردة على مسيرة يوم وليلة، قال عبد الله بن غزية: فقام فينا سليمان فحمد الله فأطال، وأثنى عليه فأطنب، ثم ذكر السماء والأرض، والجبال والبحار وما فيهن من الآيات، وذكر آلاء الله ونعمه، وذكر الدنيا فزهد فيها، وذكر الآخرة فرغب فيها، فذكر من هذا ما لم أحصه، ولم أقدر على حفظه، ثم قال: أما بعد، فقد أتاكم الله بعدوكم الذي دأبتم في المسير إليه آناء الليل والنهار، تريدون فيما تظهرون التوبة النصوح، ولقاء الله معذرين، فقد جاءوكم بل جئتموهم أنتم في دارهم وحيزهم، فإذا لقيتموهم فاصدقوهم، واصبروا إن الله مع الصابرين، ولا يولينهم امرؤٌ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة. لا تقتلوا مدبراً، ولا تجهزوا على جريح، ولا تقتلوا أسيراً من أهل دعوتم، إلا أن يقاتلوكم بعد أن تأسروه، أو يكون من قتلة إخواننا بالطف رحمة الله عليهم؛ فإن هذه كانت سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في أهل هذه الدعوة. ثم قال سليمان: إن أنا قتلت فأمير الناس المسيب بن نجبة فإن أصيب المسيب فأمير الناس عبد الله بن سعد بن نفيل، فإن قتل عبد الله ابن سعد فأمير الناس عبد الله بن والٍ، فإن قتل عبد الله بن وال فأمير الناس رفاعة بن شداد، رحم اله امرأً صدق ما عاهد الله عليه! ثم بعث المسيب ابن نجبة في أربعمائة فارس، ثم قال: سر حتى تلقى أول عسكر من عساكرهم فشن فيهم الغارة، فإذا رأيت ما تحبه وإلا انصرفت إلي في أصحابك؛ وإياك أن تنزل أو تدع أحداً من أصحابك أن ينزل، أو يستقبل آخر ذلك، حتى لا تجد منه بداً.
قال أبو مخنف: فحدثني أبي عن حميد بن مسلم أنه قال: أشهد أني في خيل المسيب بن نجبة تلك، إذ أقبلنا نسير آخر يومنا كله وليلتنا، حتى إذا كان في آخر السحر نزلنا فعلقنا على دوابنا مخاليه، ثم هومنا تهويمةً بمقدار تكون مقدار قضمها ثم ركبناها، حتى إذا انبلج لنا الصبح نزلنا فصلينا، ثم ركب فركبنا. فبعث أبا الجويرية العبدي بن الأحمر في مائة من أصحابه، وعبد الله بن عوف بن الأحمر في مائة وعشرين، وحنش بن ربيعة أبا المعتمر الكناني في مثلها، وبقي هو في مائة؛ ثم قال: انظروا أول من تلقون فأتوني به، فكان أول من لقينا أعرابي يطرد أحمرةً وهو يقول:
يا مال لا تعجل إلى صحبي ... واسرح فإنك آمن السرب
قال: يقول عبد الله بن عوف بن الأحمر: يا حميد بن مسلم، أبشر بشرى ورب الكعبة، فقال له ابن عوف بن الأحمر: ممن أنت يا أعرابي؟ قال: أنا من بني تغلب؛ قال: غلبتم ورب الكعبة إن شاء الله. فانتهى إلينا المسيب بن نجبة، فأخبرناه بالذي سمعنا من الأعرابي وأتيناه به، فقال المسيب ابن نجبة. أما لقد سررت بقولك: أبشر، وبقولك: يا حميد بن مسلم، وإني لأرجو أن تبشروا بما يسركم، وإنما سركم أن تحمدوا أمركم، وأن تسلموا من عدوكم، وإن هذا الفأل لهو الفأل الحسن، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل. ثم قال المسيب بن نجبة للأعرابي: كم بيننا وبين أدنى هؤلاء القوم منا؟ قال: أدنى عسكر من عساكرهم منك عسكر ابن ذي الكلاع، وكان بينه وبين الحصين اختلاف، ادعى الحصين أنه على جماعة الناس، وقال ابن ذي الكلاع: ما كنت لتولي علي، وقد تكاتبا إلى عبيد الله بن زياد، فهما ينتظران أمره، فهذا عسكر ابن ذي الكلاع منكم على رأس ميل؛ قال: فتركنا الرجل، فخرجنا نحوهم مسرعين، فوالله ما شعروا حتى أشرفنا عليهم وهم غارون، فحملنا في جانب عسكرهم فوالله ما قاتلوا كثير قتال حتى انهزموا، فأصبنا منهم رجالاً، وجرحنا فيهم فأكثرنا الجراح، وأصبنا لهم دواب، وخرجوا عن عسكرهم وخلوه لنا، فأخذنا منه ما خف علينا، فصاح المسيب فينا: الرجعة، إنكم قد نصرتم، وغنمتم وسلمتم، فانصرفوا، فانصرفنا حتى أتينا سليمان.
قال: فأتى الخبر عبيد الله بن زياد، فسرح إلينا الحصين بن نمير مسرعاً حتى نزل في اثني عشر ألفاً، فخرجنا إليهم يوم الأربعاء لثمانٍ بقين من جمادى الأولى؛ فجعل سليمان بن صرد عبد الله بن سعد بن نفيل على ميمنته، وعلى ميسرته المسيب بن نجبة، ووقف هو في القلب، وجاء حصين بن نمير وقد عبأ لنا جنده، فجعل على ميمنته جبلة بن عبد الله، وعلى ميسرته ربيعة بن المخارق الغنوي، ثم زحفوا إلينا، فلما دنوا دعونا إلى الجماعة على عبد الملك بن مروان وإلى الدخول في طاعته، ودعوناهم إلى أن يدفعوا إلينا عبيد الله بن زياد فنقتله ببعض من قتل من إخواننا، وأن يخلعوا عبد الملك بن مروان، وإلى أن يخرج من ببلادنا من آل ابن الزبير، ثم نرد هذا الأمر إلى أهل بيت نبينا الذين آتانا الله من قبلهم بالنعمة والكرامة؛ فأبى القوم وأبينا.
قال حميد بن مسلم: فحملت ميمنتنا على ميسرتهم وهزمتهم، وحملت ميسرتنا على ميمنتهم، وحمل سليمان في القلب على جماعتهم، فهزمناهم حتى اضطررناهم إلى عسكرهم. فما زال الظفر لنا عليهم حتى حجز الليل بيننا وبينهم، ثم انصرفنا عنهم وقد حجزنا في عسكرهم، فلما كان الغد صبحهم ابن ذي الكلاع في ثمانية آلاف، أمدهم بهم عبيد الله ابن زياد، وبعث إليه يشتمه، ويقع فيه، ويقول: إنما عملت عمل الأغمار، تضيع عسكرك ومسالحك! سر إلى الحصين بن نمير حتى توافيه وهو على الناس، فجاءه، فغدوا علينا وغاديناهم، فقاتلناهم قتالاً لم ير الشيب والمرد مثله قط يومنا كله، لا يحجز بيننا وبين القتال إلا الصلاة حتى أمسينا فتحاجزنا، وقد والله أكثروا فينا الجراح، وأفشيناها فيهم؛ قال: وكان فينا قصاصٌ ثلاثة: رفاعة بن شداد البجلي، وصحير بن حذيفة بن هلال بن مالك المري، وأبو الجويرية العبدي، فكان رفاعة يقص ويحضض الناس في الميمنة، لا يبرحها، وجرح أبو الجويرية اليوم الثاني في أول النهار، فلزم الرحال، وكان صحير ليلته كلها يدور فينا ويقول: أبشروا عباد الله بكرامة الله ورضوانه، فحق والله لمن ليس بينه وبين لقاء الأحبة ودخول الجنة والراحة من إبرام الدنيا وأذاها إلا فراق هذه النفس الأمارة بالسوء أن يكون بفراقها سخياً، وبلقاء ربه مسروراً. فمكثنا كذلك حتى أصبحنا، وأصبح ابن نمير وأدهم بن محرز الباهلي في نحو من عشرة آلاف، فخرجوا إلينا، فاقتتلنا اليوم الثالث يوم الجمعة قتالاً شديداً إلى ارتفاع الضحى. ثم إن أهل الشأم كثرونا وتعطفوا علينا من كل جانب، ورأى سليمان بن صرد ما لقي أصحابه، فنزل فنادى: عباد الله، من أراد البكور إلى ربه، والتوبة من ذنبه، والوفاء بعهده، فإلي؛ ثم كسر جفن سيفه، ونزل معه ناسٌ كثير، فكسروا جفون سيوفهم، ومشوا معه، وانزوت خيلهم حتى اختلطت مع الرجال، فقاتلوهم حتى نزلت الرجال تشتد مصلتةً بالسيوف، وقد كسروا الجفون، فحمل الفرسان على الخيل ولا يثبتون، فقاتلوهم وقتلوا من أهل الشأم مقتلةً عظيمة، وجرحوا فيهم فأكثروا الجراح. فلما رأى الحصين بن نمير صبر القوم وبأسهم، بعث الرجال ترميهم بالنبل، واكتنفتهم الخيل والرجال، فقتل سليمان بن صرد رحمه الله، رماه يزيد بن الحصين بسهم فوقع، ثم وثب ثم وقع؛ قال: فلما قتل سسليمان بن صرد أخذ الراية المسيب بن نجبة، وقال لسليمان بن صرد: رحمك الله يا أخي! فقد صدقت ووفيت بما عليك، وبقي ما علينا، ثم أخذ الراية فشد بها، فقاتل ساعةً ثم رجع، ثم شد بها فقاتل ثم رجع، ففعل ذلك مراراً يشد ثم يرجع، ثم قتل رحمه الله.
قال أبو مخنف: وحدثنا فروة بن لقيط، عن مولىً للمسيب بن نجبة الفزاري، قال: لقيته بالمدائن وهو مع شبيب بن يزيد الخارجي، فجرى الحديث حتى ذكرنا أهل عين الوردة.
قال هشام عن أبي مخنف؛ قال: حدثنا هذا الشيخ، عن المسيب بن نجبة، قال: والله ما رأيت أشجع منه إنساناً قط، ولا من العصابة التي كان فيها، ولقد رأيته يوم عين الوردة يقاتل قتالاً شديداً، ما ظننت أن رجلاً واحداً يقدر أن يبلي مثل ما أبلى، ولا ينكأ في عدوه مثل ما نكأ، لقد قتل رجالاً؛ قال: وسمعته يقول قبل أن يقتل وهو يقاتلهم:
قد علمت ميالة الذوائب ... واضحة اللبات والترائب
أني غداة الروع والتغالب ... أشجع من ذي لبدٍ مواثب
قطاع أقرانٍ مخوف الجانب
قال أبو مخنف: حدثني أبي وخالي، عن حميد بن مسلم وعبد الله بن غزية. قال أبو مخنف: وحدثني يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن عوف، قال: لما قتل المسيب بن نجبة أخذ الراية عبد الله بن سعد بن نفيل، ثم قال رحمه الله: أخوي منهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً. وأقبل بمن كان معه من الأزد، فحفوا برايته، فوالله إنا لكذلك إذ جاءنا فرسان ثلاثة: عبد الله بن الخضل الطائي، وكثير بن عمرو المزني، وسعر بن أبي سعر الحنفي، كانوا خرجوا مع سعد بن حذيفة بن اليمان في سبعين ومائة من أهل المدائن، فسرحهم يوم خرج في آثارنا على خيول مقلمة مقدحة، فقال لهم: اطووا المنازل حتى تلحقوا بإخواننا فتبشروهم بخروجنا إليهم لتشتد بذلك ظهروهم، وتخبروهم بمجيء أهل البصرة أيضاً، كان المثنى بن مخربة العبدي أقبل في ثلثمائة من أهل البصرة، فجاء حتى نزل مدينة بهرسير بعد خروج سعد بن حذيفة من المدائن لخمس ليال، وكان خروجه من البصرة قبل ذلك قد بلغ سعد بن حذيفة قبل أن يخرج من المدائن، فلما انتهوا إلينا قالوا: أبشروا فقد جاءكم إخوانكم من أهل المدائن وأهل البصرة؛ فقال عبد الله بن سعد بن نفيل: ذلك لو جاءونا ونحن أحياء؛ قال: فنظروا إلينا، فلما رأوا مصارع إخوانهم وما بنا من الجراح، بكى القوم وقالوا: وقد بلغ منكم ما نرى! إنا لله وإنا إليه راجعون! قال: فنظروا والله إلى ما ساء أعينهم؛ فقال لهم عبد الله بن نفيل: إنا لهذا خرجنا، ثم اقتتلنا فما اضطربنا إلا ساعةً حتى قتل المزني، وطعن الحنفي فوقع بين القتلى، ثم ارتث بعد ذلك فنجا، وطعن الطائي فجزم أنفه، فقاتل قتالاً شديداً، وكان فارساً شاعراً، فأخذ يقول:
قد علمت ذات القوم الرود ... أن لست بالواني ولا الرعديد
يوماً ولا بالفرق الحيود
قال: فحمل علينا ربيعة بن المخارق حملةً منكرة، فاقتتلنا قتالاً شديداً. ثم إنه اختلف هو وعبد الله بن سعد بن نفيل ضربتين، فلم يصنع سيفاهما شيئاً، واعتنق كل واحد منهما صاحبه، فوقعا إلى الأرض، ثم قاما فاضطربا، ويحمل ابن أخي ربيعة بن المخارق على عبد الله بن سعد، فطعنه في ثغرة نحره، فقتله، ويحمل عبد الله بن عوف بن الأحمر على ربيعة بن المخارق، فطعنه فصرعه. فلم يصب مقتلاً؛ فقام فكر عليه الثانية، فطعنه أصحاب ربيعة فصرعوه؛ ثم إن أصحابه استنقذوه. وقال خالد بن سعد بن نفيل: أروني قاتل أخي، فأريناه ابن أخي ربيعة بن المخارق؛ فحمل عليه فقنعه بالسيف واعتنقه الآخر فخر إلى الأرض، فحمل أصحابه وحملنا، وكانوا أكثر منا فاستنقذوا صاحبهم، وقتلوا صاحبنا، وبقيت الراية ليس عندها أحدٌ. قال: فنادينا عبد الله بن والٍ بعد قتلهم فرساننا، فإذا هو قد استلحم في عصابة معه إلى جانبنا، فحمل عليه رفاعة بن شداد، فكشفهم عنه، ثم أقبل إلى رايته وقد أمسكها عبد الله بن خازم الكثيري، فقال لابن وال: أمسك عني رايتك؛ قال: امسكها عني رحمك الله، فإني بي مثل حالك فقال له: أمسك عني رايتك، فإني أريد أن أجاهد؛ قال: فإن هذا الذي أنت فيه جهاد وأجر؛ قال: فصحنا: يا أبا عزة، أطع أميرك يرحمك الله! قال: فأمسكها قليلاً، ثم إن ابن والٍ أخذها منه.
قال أبو مخنف: قال أبو الصلت التيمي الأعور: حدثني شيخ للحي كان معه يومئذ، قال: قال لنا ابن وال: من أراد الحياة التي ليس بعدها موت، والراحة التي ليس بعدها نصبٌ، والسرور الذي ليس بعده حزنٌ، فليتقرب إلى ربه بجهاد هؤلاء المحلين، والرواح إلى الجنة رحمكم الله! وذلك عند العصر؛ فشد عليهم، وشددنا معه، فأصبنا والله منهم رجالاً، وكشفناهم طويلاً، ثم إنهم بعد ذلك تعطفوا علينا من كل جانب، فحازونا حتى بلغوا بنا المكان الذي كنا فيه، وكنا بمكان لا يقدرون أن يأتونا فيه إلا من وجه واحد، وولي قتالنا عند المساء أدهم بن محرز الباهلي؛ فشد علينا في خيله ورجاله، فقتل عبد الله بن وال التيمي.
قال أبو مخنف، عن فروة بن لقيط، قال: سمعت أدهم بن محرز الباهلي في إمارة الحجاج بن يوسف وهو يحدث ناساً من أهل الشأم، قال: دفعت إلى أحد أمراء العراق؛ رجل منهم يقولون له عبد الله بن وال وهو يقول: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون، فرحين.... " ، الآيات الثلاث، قال: فغاظني، فقلت في نفسي: هؤلاء يعدوننا بمنزلة أهل الشرك، يرون أن من قتلنا منهم كان شهيداً. فحملت عليه أضرب يده اليسرى فأطنتها، وتنحيت قريباً، فقلت له: أما إني أراك وددت أنك في أهلك، فقال: بئسما رأيت! أما والله ما أحب أنها يدك الآن إلا أن يكون لي فيها من الأجر مثل ما في يدي؛ قال: فقلت له: لم؟ قال: لكيما يجعل الله عليك وزرها، ويعظم لي أجرها؛ قال: فغاظني فجمعت خيلي ورجالي؛ ثم حملنا عليه وعلى أصحابه، فدفعت إليه فطعنته فقتلته، وإنه لمقبل إلي ما يزول؛ فزعموا بعد أنه كان من فقهاء أهل العراق الذين كانوا يكثرون الصوم والصلاة ويفتون الناس.
قال أبو مخنف: وحدثني الثقة، عن حميد بن مسلم وعبد الله بن غزية قال: لما هلك عبد الله بن والٍ نظرنا، فإذا عبد الله بن خازم قتيل إلى جنبه، ونحن نرى أنه رفاعة بن شداد البجلي، فقال له رجل من بني كنانة يقال له الوليد بن غضين: أمسك رايتك؛ قال: لا أريدها؛ فقلت له: إنا لله! ما لك! فقال: ارجعوا بنا لعل الله يجمعنا ليوم شر لهم، فوثب عبد الله بن عوف بن الأحمر إليه، فقال: أهلكتنا، والله لئن انصرفت ليركبن أكتافنا فلا نبلغ فرسخاً حتى نهلك من عند آخرنا، فإن نجا منا ناج أخذه الأعراب وأهل القرى، فتقربوا إليهم به فيقتل صبراً، أنشدك الله أن تفعل، هذه الشمس قد طفلت للمغيب، وهذا الليل قد غشينا، فنقاتلهم على خيلنا هذه فإنا الآن ممتنعون، فإذا غسق الليل ركبنا خيولنا أول الليل فرمينا بها، فكان ذلك الشأن حتى نصبح ونسير ونحن على مهل، فيحمل الرجل منا جريحه وينتظر صاحبه. وتسير العشرة معاً، ويعرف الناس الوجه الذي يأخذون، فيتبع فيه بعضهم بعضا. ولو كان الذي ذكرت لم تقف أمٌّ على ولدها، ولم يعرف رجل وجهه، ولا أين يسقط، ولا أين يذهب! ولم نصبح إلا ونحن بين مقتول ومأسور. فقال له رفاعة بن شداد: فإنك نعم ما رأيت. قال: ثم أقبل رفاعة على الكناني فقال له: أتمسكها أم آخذها منك؟ فقال له الكناني: إني لا أريد ما تريد، إني أريد لقاء ربي، واللحاق بإخواني، والخروج من الدنيا إلى الآخرة، وأنت تريد ورق الدنيا، وتهوى البقاء، وتكره فراق الدنيا، أما والله إني لأحب لك أن ترشد، ثم دفع إليه الراية، وذهب ليستقدم. فقال له ابن أحمر: قاتل معنا ساعةً رحمك الله ولا تلق بيدك إلى التهلكة، فما زال به يناشده حتى احتبس عليه، وأخذ أهل الشأم يتنادون: إن الله قد أهلكهم؛ فأقدموا عليهم فافرغوا منهم قبل الليل. فأخذوا يقدمون عليهم، فيقدمون على شوكة شديدة؛ ويقاتلون فرساناً شجعاناً ليس فيهم سقط رجل، وليسوا بمضجرين فيتمكنوا منهم، فقاتلوهم حتى العشاء قتالاً شديداً، وقتل الكناني قبل المساء، وخرج عبد الله بن عزيز الكندي ومعه ابنه محمد غلام صغير، فقال: يا أهل الشأم، هل فيكم أحدٌ من كندة؟ فخرج إليه منهم رجال، فقالوا: نعم، نحن هؤلاء. فقال لهم: دونكم أخوكم فابعثوا به إلى قومكم بالكوفة، فأنا عبد الله بن عزيز الكندي، فقالوا له: أنت ابن عمنا، فإنك آمن؛ فقال لهم: والله لا أرغب عن مصارع إخواني الذين كانوا للبلاد نوراً، وللأرض أوتاداً، وبمثلهم كان الله يذكر؛ قال: فأخذ ابنه يبكي في أثر أبيه، فقال: يا بني، لو أن شيئاً كان آثر عندي من طاعة ربي إذاً لكنت أنت، وناشده قومه الشاميون لما رأوا من جزع ابنه وبكائه في أثره، وأروا الشأميون له ولابنه رقة شديدة حتى جزعوا وبكوا، ثم اعتزل الجانب الذي خرج إليه منه قومه، فشد على صفهم عند المساء، فقاتل حتى قتل.
قال أبو مخنف: حدثني فضيل بن خديج، قال: حدثني مسلم بن زحر الخولاني، أن كريب بن زيد الحميري مشى إليهم عند المساء ومعه راية بلقاء في جماعة، قلما تنقص من مائة رجل إن نقصت، وقد كانوا تحدثوا بما يريد رفاعة أن يصنع إذا أمسى، فقام لهم الحميري وجمع إليه رجالاً من حمير وهمدان، فقال: عباد الله! روحوا إلى ربكم، والله ما في شيء من الدنيا خلف من رضاء الله والتوبة إليه، إنه قد بلغني أن طائفة منكم يريدون أن يرجعوا إلى ما خرجوا منه إلى دنياهم، وإن هم ركنوا إلى دنياهم رجعوا إلى خطاياهم، فأما أنا فوالله لا أولي هذا العدو ظهري حتى أرد موارد إخواني؛ فأجابوه وقالوا: رأينا مثل رأيك، ومضى برايته حتى دنا من القوم، فقال ابن ذي الكلاع: والله إني لأرى هذه الراية حميرية أو همدانية، فدنا منهم فسألهم، فأخبروه، فقال لهم: إنكم آمنون. فقال له صاحبهم: إنا قد كنا آمنين في الدنيا، وإنما خرجنا نطلب أمان الآخرة؛ فقاتلوا القوم حتى قتلوا، ومشى صخير بن حذيفة بن هلال بن مالك المزني في ثلاثين من مزينة، فقال لهم: لا تهابوا الموت في الله، فإنه لاقيكم، ولا ترجعوا إلى الدنيا التي خرجتم منها إلى الله فإنها لا تبقى لكم، ولا تزهدوا فيما رغبتم فيه من ثواب الله فإن ما عند الله خيرٌ لكم؛ ثم مضوا فقاتلوا حتى قتلوا، فلما أمسى الناس ورجع أهل الشأم إلى معسكرهم، نطر رفاعة إلى كل رجل قد عقر به، وإلى كل جريح لا يعين على نفسه؛ فدفعه إلى قومه، ثم سار بالناس ليلته كلها حتى أصبح بالتنينير فعبر الخابور، وقطع المعابر، ثم مضى لا يمر بمعبر إلا قطعه، وأصبح الحصين بن نمير فبعث فوجدهم قد ذهبوا، فلم يبعث في آثارهم أحداً، وسار بالناس فأسرع، وخلف رفاعة وراءهم أبا الجويرية العبدي في سبعين فارساً يسترون الناس؛ فإذا مروا برجل قد سقط حمله، أو بمتاع قد سقط قبضه حتى يعرفه، فإن طلب أو ابتغى بعث إليه فأعلمه، فلم يزالوا كذلك حتى مروا بقرقيسيا من جانب البر، فبعث إليهم زفر من الطعام والعلف مثل ما كان بعث إليهم في المرة الأولى، وأرسل إليهم الأطباء وقال: أقيموا عندنا ما أحببتم، فإن الكرامة والمواساة؛ فأقاموا ثلاثاً، ثم زود كل امرىء منهم ما أحب من الطعام والعلف؛ قال: وجاء سعد بن حذيفة بن اليمان حتى انتهى إلى هيت، فاستقبله الأعراب فأخبروه بما لقي الناس، فانصرف، فتلقى المثنى بن مخربة العبدي بصندوداء، فأخبره، فأقاموا حتى جاءهم الخبر: إن رفاعة قد أظلكم، فخرجوا حتى دنا من القرية، فاستقبلوه فسلم الناس بعضهم على بعض، وبكى بعضهم إلى بعض، وتناعوا إخوانهم فأقاموا بها يوماً وليلة؛ فانصرف أهل المدائن إلى المدائن، وأهل البصرة إلى البصرة، وأقبل أهل الكوفة إلى الكوفة، فإذا المختار محبوس.
قال هشام: قال أبو مخنف، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أدهم بن محرز الباهلي، أنه أتى عبد الملك بن مروان ببشارة الفتح، قال: فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن الله قد أهلك من رءوس أهل العراق ملقح فتنة، ورأس ضلالة، سليمان بن صرد، ألا وإن السيوف تركت رأس المسيب بن نجبة خذاريف، ألا وقد قتل الله من رءوسهم رأسين عظيمين ضالين مضلين: عبد الله بن سعد أخا الأزد، وعبد الله بن وال أخا بكر بن وائل، فلم يبق بعد هؤلاء أحدٌ عنده دفاع ولا امتناع.
قال هشام، عن أبي مخنف: وحدثت أن المختار مكث نحواً من خمس عشرة ليلةً، ثم قال لأصحابه: عدوا لغازيكم هذا أكثر من عشر، ودون الشهر. ثم يجيئكم نبأ هتر، من طعن نتر، وضرب هبرن وقتل جم، وأمر رجم. فمن لها؟ أنا لها، لا تكذبن، أنا لها.
قال أبو مخنف: حدثنا الحصين بن يزيد، عن أبان بن الوليد، قال: كتب المختار وهو في السجن إلى رفاعة بن شداد حين قدم من عين الوردة: أما بعد، فمرحباً بالعصب الذين أعظم الله لهم الأجر حين انصرفوا، ورضي انصرافهم حين قفلوا. أما ورب البنية التي بنى ما خطا خاطٍ منكم خطوةً، ولا رتا رتوة، إلا كان ثواب الله له أعظم من ملك الدنيا. إن سليمان قد قضى ما عليه، وتوفاه الله فجعل روحه مع أرواح الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، ولم يكن بصاحبكم الذي به تنصرون، إني أنا الأمير المأمور، والأمين المأمون، وأمير الجيش، وقاتل الجبارين، والمنتقم من أعداء الدين، والمقيد من الأوتار، فأعدوا واستعدوا، وأبشروا واستبشروا؛ أدعوكم إلى كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإلى الطلب بدماء أهل البيت والدفع عن الضعفاء، وجهاد المحلين؛ والسلام.
قال أبو مخنف: وحدثني أبو زهير العبسي، أن الناس تحدثوا بهذا من أمر المختار، فبلغ ذلك عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد، فخرجا في الناس حتى أتيا المختار، فأخذاه.
قال أبو مخنف: فحدثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم قال: لما تهيأنا للانصراف قام عبد الله بن غزية ووقف على القتلى فقال: يرحمكم الله، فقد صدقتم وصبرتم، وكذبنا وفررنا؛ قال: فلما سرنا وأصبحنا إذا عبد الله بن غزية في نحو من عشرين قد أرادوا الرجوع إلى العدو والاستقتال، فجاء رفاعة وعبد الله بن عوف بن الأحمر وجماعة من الناس فقالوالهم: ننشدكم الله ألا تزيدونا فلولاً ونقصاناً، فإنا لا نزال بخير ما كان فينا مثلكم من ذوي النيات، فلم يزالوا بهم كذلك يناشدونهم حتى ردوهم غير رجل من مزينة يقال له عبيدة بن سفيان، رحل مع الناس، حتى إذا غفل عنه انصرف حتى لقي أهل الشأم، فشد بسيفه يضاربهم حتى قتل.
قال أبو مخنف: فحدثني الحصين بن يزيد الأزدي، عن حميد بن مسلم الأزدي، قال: كان ذلك المزني صديقاً لي، فلما ذهب لينصرف ناشدته الله، فقال: أما إنك لم تكن لتسألني شيئاً من الدنيا إلا رأيت لك من الحق علي إيتاءكه، وهذا الذي تسألني أريد الله به؛ قال: ففارقني حتى لقي القوم فقتل؛ قال: فوالله ما كان شيء بأحب إلي من أن ألقى إنساناً يحدثني عنه كيف صنع حين لقي القوم! قال: فلقيت عبد الملك بن جزء بن الحدرجان الأزدي بمكة، فجرى حديثٌ بيننا، جرى ذكر ذلك اليوم، فقال: أعجب ما رأيت يوم عين الوردة بعد هلاك القوم أن رجلاً أقبل حتى شد علي بسيفه، فخرجنا نحوه، قال: فانتهى إليه وقد عقر به وهو يقول:
إني من الله إلى الله أفر ... رضوانك الله أبدي وأسر
قال: فقلنا له: ممن أنت؟ قال: من بني آدم؛ قال: فقلنا: ممن؟ قال: لا أحب أن أعرفكم ولا أن تعرفوني يا مخربي البيت الحرام؛ قال: فنزل إليه سليمان بن عمرو بن محصن الأزدي من بني الخيار؛ قال: وهو يومئذ من أشد الناس؛ قال: فكلاهما أثخن صاحبه؛ قال: وشد الناس عليه من كل جانب، فقتلوه؛ قال: فوالله ما رأيت واحداً قط هو أشد منه؛ قال: فلما ذكر لي، وكنت أحب أن أعلم علمه، دمعت عيناي، فقال: أبينك وبينه قرابة؟ فقلت له: لا، ذلك رجل من مضر كان لي وداً وأخاً، فقال لي: لا أرقأ الله دمعك، أتبكي على رجل من مضر قتل على ضلالة! قال: قلت: لا، والله ما قتل على ضلالة، ولكنه قتل على بينة من ربه وهدىً؛ فقال لي: أدخلك الله مدخله؛ قلت: آمين، وأدخلك الله مدخل حصين بن نمير، ثم لا أرقأ الله لك عليه دمعاً؛ ثم قمت وقام.
وكان مما قيل من الشعر في ذلك قول أعشى همدان، وهي إحدى المكتمات، كن يكتمن في ذلك الزمان:
ألم خيالٌ منك يا أم غالب ... فحييت عنا من حبيبٍ مجانب
وما زلت لي شجواً وما زلت مقصداً ... لهمٍّ عراني من فراقك ناصب
فما أنس لا أنس انفتالك في الضحى ... إلينا مع البيض الوسام الخراعب
تراءت لنا هيفاء مهضومة الحشا ... لطيفة طي الكشح ريا الحقائب
مبتلةً غراء، رؤدٌ شبابها ... كشمس الضحى تنكل بين السحائب
فلما تغشاها السحاب وحوله ... بدا حاجبٌ منها وضنت بحاجب
فتلك الهوى وهي الجوى لي والمنى ... فأجيب بها من خلةٍ لم تصاقب
ولا يبعد الله الشباب وذكره ... وحب تصافي المعصرات الكواعب
ويزداد ما أحببته من عتابنا ... لعاباً وسقياً للخدين المقارب
فإني وإن لم أنسهن لذاكرٌ ... رزيئة مخباتٍ كريم المناصب
توسل بالتقوى إلى الله صادقاً ... وتقوى الإله خير تكساب كاسب
وخلي عن الدنيا فلم يلتبس بها ... وتاب إلى الله الرفيع المراتب
تخلى عن الدنيا وقال أطرحتها ... فلست إليها ما حييت بآيب
وما أنا فيما يكبر الناس فقده ... ويسعى له الساعون فيها براغب
فوجهه نحو الثوية سائراً ... إلى ابن زياد في الجموع الكباكب
بقوم هم أهل التقية والنهى ... مصاليت أنجادٌ سراة مناجب
مضوا تاركي رأي ابن طلحة حسبه ... ولم يستجيبوا للأمير المخاطب
فساروا وهم من بين ملتمس التقى ... وآخر مما جر بالأمس تائب
فلاقوا بعين الوردة الجيش فاصلاً ... إليهم فحسوهم ببيضٍ قواضب
يمانيةٍ تذري الأكف وتارةً ... بخيلٍ عتاقٍ مقرباتٍ سلاهب
فجاءهم جمعٌ من الشأم بعده ... جموعٌ كموج البحر من كل جانب
فما برحوا حتى أبيدت سراتهم ... فلم ينج منهم ثم غير عصائب
وغودر أهل الصبر صرعى فأصبحوا ... تعاورهم ريح الصبا والجنائب
فأضحى الخزاعي الرئيس مجدلاً ... كأن لم يقاتل مرةً ويحارب
ورأس بني شمخٍ وفارس قومه ... شنوءة والتيمي هادي الكتائب
وعمرو بن بشرٍ والوليد وخالدٌ ... وزيد بن بكر والحليس بن غالب
وضارب من همدان كل مشيعٍ ... إذا شد لم ينكل كريم المكاسب
ومن كل قومٍ قد أصيب زعيمهم ... وذو حسبٍ في ذروة المجد ثاقب
أبوا غير ضربٍ يفلق الهام وقعه ... وطعنٍ بأطراف الأسنة صائب
وإن سعيداً يوم يدمر عامراً ... لأشجع من ليثٍ بدرني مواثب
فيا خير جيشٍ للعراق وأهله ... سقيتم روايا كل أسحم ساكب
فلا يبعدن فرساننا وحماتنا ... إذا البيض أبدت عن خدام الكواعب
فإن يقتلوا فالقتل أكرم ميتةٍ ... وكل فتىً يوماً لإحدى الشواعب
وما قتلوا حتى أثاروا عصابةً ... محلين ثوراً كالليوث الضوارب
وقتل سليمان بن صرد ومن قتل معه بعين الوردة من التوابين في شهر ربيع الآخر.
ذكر الخبر عن بيعة عبد الملك وعبد العزيز ابني مروان وفي هذه السنة أمر مروان بن الحكم أهل الشأم بالبيعة من بعده لابنيه عبد الملك وعبد العزيز، وجعلهما ولي العهد.
ذكر الخبر عن سبب عقد مروان ذلك لها قال هشام، عن عوانة قال: لما هزم عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق مصعب بن الزبير حين وجهه أخوه عبد الله إلى فلسطين وانصرف راجعاً إلى مروان، ومروان يومئذ بدمشق، قد غلب على الشأم كلها ومصر، وبلغ مروان أن عمراً يقول: إن هذا الأمر لي من بعد مروان، ويدعي أنه قد كان وعده وعداً، فدعا مروان حسان بن مالك بن بحدل فأخبره أنه يريد أن يبايع لعبد الملك وعبد العزيز ابنيه من بعده، وأخبره بما بلغه عن عمرو بن سعيد، فقال: أنا أكفيك عمراً، فلما اجتمع الناس عند مروان عشياً قام ابن بحدل فقال: إنه قد بلغنا أن رجالاً يتمنون أماني، قوموا فبايعوا لعبد الملك ولعبد العزيز من بعده؛ فقام الناس، فبايعوا من عند آخرهم.
ذكر الخبر عن موت مروان بن الحكم وفي هذه السنة مات مروان بن الحكم بدمشق مستهل شهر رمضان.
ذكر الخبر عن سبب هلاكه
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني موسى بن يعقوب، عن أبي الحويرث، قال: لما حضرت معاوية ابن يزيد أبا ليلى الوفاة، أبى أن يستخلف أحداً، وكان حسان بن مالك بن بحدل يريد أن يجعل الأمر بعد معاوية بن يزيد لأخيه خالد بن يزيد بن معاوية، وكان صغيراً، وهو خال أبيه يزيد بن معاوية، فبايع لمروان، وهو يريد أن يجعل الأمر بعده لخالد بن يزيد، فلما بايع لمروان وبايعه معه أهل الشأم قيل لمروان: تزوج أم خالد - وأمه أم خالد ابنة أبي هشام بن عتبة - حتى تص شأنه، فلا يطلب الخلافة؛ فتزوجها، فدخل خالد يوماً على مروان وعنده جماعةٌ كثيرة، وهو يمشي بين الصفين، فقال: إنه والله ما علمت لأحمق، تعال يابن الرطبة الاست - يقصر به ليسقطه من أعين أهل الشأم - فرجع إلى أمه فأخبرها، فقالت له أمه: لا يعرفن ذلك منك، واسكت فإني أكفيكه؛ فدخل عليها مروان، فقال لها: هل قال لك خالد في شيئاً؟ فقالت: وخالد يقول فيك شيئاً! خالد أشد لك إعظاماً من أن يقول فيك شيئاً؛ فصدقها، ثم مكثت أياماً، ثم إن مروان نام عندها، فغطته بالوسادة حتى قتلته.
قال أبو جعفر: وكان هلاك مروان في شهر رمضان بدمشق، وهو ابن ثلاث وستين سنة في قول الواقدي؛ وأما هشام بن محمد الكلبي فإنه قال: كان يوم هلك ابن إحدى وستين سنة؛ وقيل: توفي وهو ابن إحدى وسبعين سنة؛ وقيل: ابن إحدى وثمانين سنة؛ وكان يكنى أبا عبد الملك، وهو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، وأمه آمنة بنت علقمة ابن صفوان بن أمية الكناني، وعاش بعد أن بويع له بالخلافة تسعة أشهر؛ وقيل: عاش بعد أن بويع له بالخلافة عشرة أشهر إلا ثلاث ليال، وكان قبل هلاكه قد بعث بعثين: أحدهما إلى المدينة، عليهم حبيش بن دلجة القيني، والآخر منهما إلى العراق، عليهم عبيد الله بن زياد، فأما عبيد الله ابن زياد فسار حتى نزل الجزيرة، فأتاه الخبر بها بموت مروان، وخرج إليه التوابون من أهل الكوفة طالبين بدم الحسين، فكان من أمرهم ما قد مضى ذكره، وسنذكر إن شاء الله باقي خبره إلى أن قتل.
ذكر خبر مقتل حبيش بن دلجة وفي هذه السنة قتل حبيش بن دلجة. وأما حبيش بن دلجة؛ فإنه سار حتى انتهى - فيما ذكر عن هشام، عن عوانة بن الحكم - إلى المدينة، وعليهم جابر ابن الأسود بن عوف، ابن أخي عبد الرحمن بن عوف؛ من قبل عبد الله بن الزبير، فهرب جابر من حبيش. ثم إن الحارث بن أبي ربيعة - وهو أخو عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة - وجه جيشاً من البصرة، وكان عبد الله بن الزبير قد ولاه البصرة، عليهم الحنيف بن السجف التميمي لحرب حبيش ابن دلجة، فلما سمع حبيش بن دلجة سار إليهم من المدينة، وسرح عبد الله ابن الزبير عباس بن سهل بن سعد الأنصاري على المدينة، وأمره أن يسير في طلب حبيش بن دلجة حتى يوافي الجند من أهل البصرة الذين جاءوا ينصرون ابن الزبير، عليهم الحنيف، وأقبل عباس في آثارهم مسرعاً حتى لحقهم بالربذة، وقد قال أصحاب ابن دلجة له: دعهم، لا تعجل إلى قتالهم؛ فقال: لا أنزل حتى آكل من مقندهم، - يعني السويق الذي فيه القند - فجاءه سهم غرب فقتله، وقتل معه المنذر بن قيس الجذامي، وأبو عتاب مولى أبي سفيان، وكان معه يومئذ يوسف بن الحكم، والحجاج بن يوسف، وما نجوا يومئذ إلا على جمل واحد، وتحرز منهم نحوٌ من خمسمائة في عمود المدينة، فقال لهم عباس: انزلوا على حكمي، فنزلوا على حكمه فضرب أعناقهم، ورجع فل حبيش إلى الشأم.
حدثني أحمد بن زهير، عن علي بن محمد أنه قال: الذي قتل حبيش ابن دلجة يوم الربذة يزيد بن سياه الأسواري، رماه بنشابة فقتله، فلما دخلوا المدينة وقف يزيد بن سياه على برذون أشهب وعليه ثيابٌ بياض، فما لبث أن اسودت ثيابه، ورأيته مما مسح الناس به ومما صبوا عليه من الطيب.
ذكر خبر حدوث الطاعون الجارف قال أبو جعفر: وفي هذه السنة وقع بالبصرة الطاعون الذي يقال له الطاعون الجارف، فهلك به خلقٌ كثير من أهل البصرة.
حدثني عمر بن شبة، قال: حدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثني أبي، عن المصعب بن زيد أن الجارف وقع وعبيد الله بن عبيد الله بن معمر على البصرة، فماتت أمه في الجارف، فما وجدوا لها من يحملها حتى استأجروا لها أربعة علوج فحملوها إلى حفرتها وهو الأمير يومئذ.
مقتل نافع بن الأزرق واشتداد أمر الخوارج وفي هذه السنة اشتدت شوكة الخوارج بالبصرة، وقتل فيها نافع بن الأزرق.
ذكر الخبر عن مقتلهحدثني عمر بن شبة، قال: حدثنا زهير بن حرب، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا أبي، عن محمد بن الزبير، أن عبيد الله بن عبيد الله بن معمر بعث أخاه عثمان بن عبيد الله إلى نافع بن الأزرق في جيش، فلقيهم بدولاب، فقتل عثمان وهزم جيشه.
قال عمر: قال زهير: قال وهب: وحدثنا محمد بن أبي عيينة، عن سبرة بن نخف، أن ابن معمر عبيد الله بعث أخاه عثمان إلى ابن الأزرق، فهزم جنده وقتل؛ قال وهب: فحدثنا أبي أن أهل البصرة بعثوا جيشاً عليهم حارثة بن بدر، فلقيهم، فقال لأصحابه:
كرنبوا ودولبوا ... وحيث شئتم فاذهبوا
حدثنا عمر، قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا وهب، قال: حدثنا أبي ومحمد بن أبي عيينة، قالا: حدثنا معاوية بن قرة، قال: خرجنا مع ابن عبيس فلقيناهم، فقتل ابن الأزرق وابنان أو ثلاثة للماحوز، وقتل ابن عبيس.
قال أبو جعفر: وأما هشام بن محمد فإنه ذكر عن أبي مخنف، عن أبي المخارق الراسبي من قصة ابن الأزرق، وبني الماحوز قصةً هي غير ما ذكره عمر، عن زهير بن حرب، عن وهب بن جرير؛ والذي ذكر من خبرهم أن نافع بن الأزرق اشتدت شوكته باشتغال أهل البصرة بالاختلاف الذي كان بين الأزد وربيعة وتميم بن مسعود بن عمرو، وكثرت جموعه، فأقبل نحو البصرة حتى دنا من الجسر، فبعث إليه عبد الله بن الحارث مسلم ابن عبيس بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف في أهل البصرة، فخرج إليه، فأخذ يحوزه عن البصرة، ويدفعه عن أرضها، حتى بلغ مكاناً من أرض الأهواز يقال له: دولاب، فتهيأ الناس بعضهم لبعض وتزاحفوا، فجعل مسلم بن عبيس على ميمنته الحجاج بن باب الحميري، وعلى ميسرته حارثة بن بدر التميمي، ثم الغداني، وجعل ابن الأزرق على ميمنته عبيدة بن هلال اليشكري، وعلى ميسرته الزبير بن الماحوز التميمي؛ ثم التقوا فاضطربوا، فاقتتل الناس قتالاً لم ير قتال قط أشد منه، فقتل مسلم ابن عبيس أمير أهل البصرة، وقتل نافع بن الأزرق رأس الخوارج، وأمر أهل البصرة عليهم الحجاج بن باب الحميري، وأمرت الأزارقة عليهم عبد الله ابن الماحوز، ثم عادوا فاقتتلوا أشد قتال، فقتل الحجاج بن باب الحميري أمير أهل البصرة، وقتل عبد الله بن الماحوز أمير الأزارقة. ثم إن أهل البصرة أمروا عليهم ربيعة الأجذم التميمي، وأمرت الخوارج عليهم عبيد الله بن الماحوز، ثم عادوا فاقتتلوا حتى أمسوا، وقد كره بعضهم بعضاً، وملوا القتال، فإنهم لمتواقفون متحاجزون حتى جاءت الخوارج سرية لهم جامة لم تكن شهدت القتال، فحملت على الناس من قبل عبد القيس، فانهزم الناس، وقاتل أمير البصرة ربيعة الأجذم، فقتل، وأخذ راية أهل البصرة حارثة بن بدر، فقاتل ساعةً وقد ذهب الناس عنه، فقاتل من وراء الناس في حماتهم، وأهل الصبر منهم، ثم أقبل بالناس حتى نزل بهم منزلاً بالأهواز ففي ذلك يقول الشاعر من الخوارج:
يا كبدا من غير جوعٍ ولا ظمإٍ ... ويا كبدي من حب أم حكيم
ولو شهدتني يوم دولاب أبصرت ... طعان امرىءٍ في الحرب غير لئيم
غداة طفت في الماء بكر بن وائل ... وعجنا صدور الخيل نحو تميم
وكان لعبد القيس أول حدنا ... وذلت شيوخ الأزد وهي تعوم
وبلغ ذلك أهل البصرة، فهالهم وأفزعهم، وبعث ابن الزبير الحارث ابن عبد الله بن أبي ربيعة القرشي على تلك الحرة، فقدم، وعزل عبد الله ابن الحارث، فأقبلت الخوارج نحو البصر، وقدم المهلب بن أبي صفرة على تلك من حال الناس من قبل عبد الله بن الزبير، معه عهده على خراسان، فقال الأحنف للحارث بن أبي ربيعة وللناس عامة: لا والله، ما لهذا الأمر إلا المهلب بن أبي صفرة، فخرج أشراف الناس، فكلموه أن يتولى قتال الخوارج؛ فقال: لا أفعل، هذا عهد أمير المؤمنين معي على خراسان، فلم أكن لأدع عهده وأمره، فدعاه ابن أبي ربيعة فكلمه في ذلك، فقال له مثل ذلك، فاتفق رأي ابن أبي ربيعة فكلمه في ذلك، فقال له مثل ذلك، فاتفق رأي ابن أبي ربيعة ورأي أهل البصرة على أن كتبوا على لسان ابن الزبير:
بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله بن الزبير إلى المهلب بن أبي صفرة، سلامٌ عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإن الحارث بن عبد الله كتب إلي أن الأزارقة المارقة أصابوا جنداً للمسلمين كان عددهم كثيراً، وأشرافهم كثيراً، وذكر أنهم قد أقبلوا نحو البصرة، وقد كنت وجهتك إلى خراسان، وكتبت لك عليها عهداً، وقد رأيت حيث دكر هذه الخوارج أن تكون أنت تلي قتالهم، فقد رجوت أن يكون ميموناً طائرك، مباركاً على أهل مصرك، والأجر في ذلك أفضل من المسير إلى خراسان، فسر إليهم راشداً، فقاتل عدو الله وعدوك، ودافع عن حقك وحقوق أهل مصرك، فإنه لن يفوتك من سلطاننا خراسان ولا غير خراسان إن شاء الله، والسلام عليك ورحمة الله.
فأتى بذلك الكتاب، فلما قرأه قال: فإني والله لا أسير إليهم إلا أن تجعلوا لي ما غلبت عليه، وتعطوني من بيت المال ما أقوي به من معي، وأنتخب من فرسان الناس ووجوههم وذوي الشرف من أحببت؛ فقال جميع أهل البصرة: ذلك لك؛ قال: فاكتبوا لي على الأخماس بذلك كتاباً ففعلوا، إلا ما كان من مالك بن مسمع وطائفة من بكر بن وائل، فضطغنها عليهم المهلب، وقال الأحنف وعبيد الله بن زياد بن ظبيان وأشراف أهل البصرة للمهلب: وما عليك ألا يكتب لك مالك بن مسمع ولا من تابعه من أصحابه، إذا أعطاك الذي أردت من ذلك جميع أهل البصرة! من تابعه من أصحابه، إذا أعطاك الذي أردت من ذلك جميع أهل البصرة! ويستطيع مالك خلاف جماعة الناس أوله ذلك! انكمش أيها الرجل، واعزم على أمرك، وسر إلى عدوك؛ ففعل ذلك المهلب، وأمر على الأخماس، فأمر عبيد الله بن زياد بن ظبيان على خمس بكر بن وائل، وأمر الحريش ابن هلال السعدي على خمس بني تميم، وجاءت الخوارج حتى انتهت إلى الجسر الأصغر، عليهم عبيد الله بن الماحوز، فخرج إليهم في أشراف الناس وفرسانهم ووجوههم، فحازهم عن الجسر، ودفعهم عنه، فكان أول شيء دفعهم عنه أهل البصرة، ولم يكن بقي لهم إلا أن يدخلوا؛ فارتفعوا إلى الجسر الأكبر. ثم إنه عبأ لهم، فسار إليهم في الخيل والرجال، فلما أن رأوا أن قد أظل عليهم، وانتهى إليهم، ارتفعوا فوق ذلك مرحلة أخرى، فلم يزل يحوزهم ويرفعهم مرحلةً بعد مرحلة، ومنزلة بعد منزلة، حتى انتهوا إلى منزل من منازل الأهواز يقال له سلى وسلبرى، فأقاموا به؛ ولما بلغ حارثة بن بدر الغداني أن المهلب قد أمر على قتال الأزارقة، قال لمن معه من الناس:
كرنبوا ودولبوا ... وحيث شئتم فاذهبوا
قد أمر المهلب
فأقبل من كان معه نحو البصرة، فصرفهم الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة إلى المهلب؛ ولما نزل المهلب بالقوم خندق عليه، ووضع المسالح، وأذكى العيون، وأقام الأحراس، ولم يزل الجند على مصافهم، والناس على راياتهم وأخماسهم، وأبواب الخنادق عليها رجال موكلون بها، فكانت الخوارج إذا أرادوا بيات المهلب وجدوا أمراً محكماً، فرجعوا، فلم يقاتلهم إنسانٌ قط كان أشد عليهم ولا أغيظ لقلوبهم منه.
قال أبو مخنف: فحدثني يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن عوف بن الأحمر، أن رجلاً كان في تلك الخوارج حدثه أن الخوارج بعثت عبيدة ابن هلال والبير بن الماحوز في خيلين عظيمين ليلاً إلى عسكر المهلب، فجاء الزبير من جانبه الأيمن، وجاء عبيدة من جانبه الأيسر، ثم كبروا وصاحوا بالناس، فوجدوا على تعبيتهم ومصافهم حذرين مغذين، فلم يصيبوا للقوم غرةً، ولم يظفروا منهم بشيء، فلما ذهبوا ليرجعوا ناداهم عبيد الله ابن زياد بن ظبيان فقال:
وجتمونا وقراً أنجادا ... لا كشفاً خوراً ولا أوغادا
هيهات! إنا إذا صيح بنا أتينا، يا أهل النار، ألا ابكروا إليها غداً، فإنها مأواكم ومثواكم؛ قالوا: يا فاسق، وهل تدخر النار إلا لك ولأشباهك! إنها أعدت للكافرين وأنت منهم؛ قال: أتسمعون! كل مملوك لي حر إن دخلتم أنتم الجنة إن بقي فيما بين سفوان إلى أقصى حجر من أرض خراسان مجوسيٌّ ينكح أمه وابنته وأخته إلا دخلها؛ قال له عبيدة: اسكت يا فاسق فإنما أنت عبد للجبار العنيد، ووزيرٌ للظالم الكفور؛ قال: يا فاسق، وأنت عدو المؤمن التقي، ووزير الشيطان الرجيم؛ فقال الناس لابن ظبيان: وفقك الله يابن ظبيان؛ فقد والله أجبت الفاسق بجوابه، وصدقته. فلما أصبح الناس أخرجهم المهلب على تعبيتهم وأخماسهم، ومواقفهم الأزد، وتميم ميمنة الناس، وبكر بن وائل وعبد القيس ميسرة الناس، وأهل العالية في القلب وسط الناس.
وخرجت الخوارج على ميمنتهم عبيدة بن هلال اليشكري، وعلى ميسرتهم الزبير بن الماحوز، وجاءوا وهم أحسن عدة، وأكرم خيولاً، وأكثر سلاحاً من أهل البصرة؛ وذلك لأنهم مخروا الأرض وجردوها، وأكلوا ما بين كرمان إلى الأهواز، فجاءوا عليهم مغافر تضرب إلى صدورهم، وعليهم دروعٌ يسحبونها، وسوق من زرد يشدونها بكلاليب الحديد إلى مناطقهم، فالتقى الناس فاقتتلوا كأشد القتال، فصبر بعضهم عامة النهار. ثم إن الخوارج شدت على الناس بأجمعها شدةً منكرة، فأجفل الناس وانصاعوا منهزمين لا تلوي أمٌّ على ولد حتى بلغ البصرة هزيمة الناس، وخافوا السباء، وأسرع المهلب حتى سبقهم إلى مكان يفاع في جانب عن سنن المنهزمين.
ثم إنه نادى الناس: إلي إلي عباد الله، فثاب إليه جماعةٌ من قومه، وثابت إليه سرية عمان فاجتمع إليه منهم نحوٌ من ثلاثة آلاف، فلما نظر إلى من قد اجتمع رضي جماعتهم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن الله ربما يكل الجمع الكثير إلى أنفسهم فيهزمون، وينزل النصر على الجمع اليسير فيظهرون، ولعمري ما بكم الآن من قلة، إني لجماعتكم لراضٍ؛ وإنكم لأنتم أهل الصبر، وفرسان أهل المصر، وما أحب أن أحداً ممن انهزم معكم، فإنهم لو كانوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً. عزمت على كل امرىءٍ منكم لما أخذ عشرة أحجار معه، ثم امشوا بنا نحو عسكرهم، فإنهم الآن آمنون، وقد خرجت خيلهم في طلب إخوانكم؛ فوالله إني لأرجوا ألا ترجع إليهم خيلهم حتى تستبيحوا عسكرهم، وتقتلوا أميرهم. ففعلوا، ثم أقبل بهم راجعاً، فلا والله ما شعرت الخوارج إلا بالمهلب يضاربهم بالمسلمين في جانب عسكرهم. ثم استقبلوا عبيد الله بن الماحوز وأصحابه، وعليهم الدروع والسلاح كاملاً، فأخذ الرجل من أصحاب المهلب يستقبل الرجل منهم، فيستعرض وجهه بالحجارة فيرميه حتى يثخنه، ثم يطعنه بعد ذلك برمحه، أو يضربه بسيفه، فلم يقاتلهم إلا ساعة حتى قتل عبيد الله ابن الماحوز، وضرب الله وجوه أصحابه؛ وأخذ المهلب عسكر القوم وما فيه، وقتل الأزارقة قتلاً ذريعاً، وأقبل من كان في طلب أهل البصرة منهم راجعاً؛ وقد وضع لهم المهلب خيلاً ورجالاً في الطريق تختطفهم وتقتلهم، فانكفئوا راجعين مفلولين، مقتولين محروبين، مغلوبين؛ فارتفعوا إلى كرمان وجانب أصفهان، وأقام المهلب بالأهواز، ففي ذلك اليوم يقول الصلتان العبدي:
بسلى وسلبرى مصارع فتيةٍ ... كرامٍ وقتلى لم توسد خدودها
وانصرفت الخوارج حين انصرفت؛ وإن أصحاب النيران الخمس والست ليجتمعون علىالنار الواحدة من الفلول وقلة العدد، حتى جاءتهم مادةٌ لهم من قبل البحرين، فخرجوا نحو كرمان وأصبهان؛ فأقام المهلب بالأهواز فلم يزل ذلك مكانه حتى جاء مصعب البصرة، وعزل الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة عنها.
ولما ظهر المهلب على الأزارقة كتب:
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-03-2014, 07:21 PM   #67 (permalink)
بحرجديد
مشرف التاريخ والحضاره - أمير الأبداع - كاتب مميز - مشرف الشهر المميز
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
بسم الله الرحمن الرحيم. للأمير الحارث بن عبد الله، من المهلب بن أبي صفرة. سلام عليك؛ فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد فالحمد لله الذي نصر أمير المؤمنين، وهزم الفاسقين، وأنزل بهم نقمته، وقتلهم كل قتلة، وشردهم كل مشرد. أخبر الأمير أصلحه الله أنا لقينا الأزارقة بأرض من أرض الأهواز يقال لها سلى وسلبرى؛ فزحفنا إليهم ثم ناهضناهم، فاقتتلنا كأشد القتال ملياً من النهار. ثم إن كتائب الأزارقة اجتمع بعضها إلى بعض، ثم حملوا على طائفة من المسلمين فهزموهم؛ وكانت في المسلمين جولة قد كنت أشفقت أن تكون هي الأصرى منهم. فلما رأيت ذلك عمدت إلى مكان يفاع فعلوته، ثم دعوت إلي عشيرتي خاصة والمسلمين عامة، فثاب إلي أقوام شروا أنفسهم ابتغاء مرضاة الله من أهل الدين والصبر والصدق والوفاء، فقصدت بهم إلى عسكر القوم؛ وفيه جماعتههم وحدهم وأميرهم قد أطاف به أولو فضلهم فيهم، وذوو النيات منهم؛ فاقتتلنا ساعة رمياً بالنبل، وطعناً بالرماح. ثم خلص الفريقان إلى السيوف؛ فكان الجلاد بها ساعة من النهار مبالطةً ومبالدةً. ثم إن الله عز وجل أنزل نصره على المؤمنين، وضرب وجوه الكافرين ونزل طاغيتهم في رجال كثير من حماتهم وذوي نياتهم، فقتلهم الله في المعركة. ثم اتبعت الخيل شرادهم فقتلوا في الطريق والآخاذ والقرى، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليك ورحمة الله.
فلما أتى هذا الكتاب الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة بعث به إلى الزبير فقرىء على الناس بمكة.
وكتب الحارث بن أبي ربيعة إلى المهلب: أما بعد؛ فقد بلغني كتابك، تذكر فيه نصر الله إياك، وظفر المسلمين، فهنيئاً لك يا أخا الأزد بشرف الدنيا وعزها، وثواب الآخرة وفضلها، والسلام عليك ورحمة الله.
فلما قرأ المهلب كتابه ضحك ثم قال: أما تظنونه يعرفني إلا بأخي الأزد! ما أهل مكة إلا أعرابٌ.
قال أبو مخنف: فحدثني أبو المخارق الراسبي أن أبا علقمة اليحمدي قاتل يوم سلى وسلبرى قتالاً لم يقاتله أحدٌ من الناس؛ وأن أخذ ينادي في شباب الأزد وفيتان اليحمد: أعيرونا جماجمكم ساعةً من نهار؛ فأخذ فتيانٌ منهم يكرون، فيقاتلون ثم يرجعون إليه؛ يضحكون ويقولون: يا أبا علقمة، القدور تستعار! فلما ظهر المهلب ورأى من بلائه ما رأى وفاه مائة ألف.
وقد قيل: إن أهل البصرة قد كانوا سألوا الأحنف قبل المهلب أن يقاتل الأزارقة، وأشار عليهم بالمهلب، وقال: هو أقوى على حربهم مني، وإن المهلب إذ أجابهم إلى قتالهم شرط على أهل البصرة أن ما غلب عليه من الأرض فهو له ولمن خف معه من قومه وغيرهم ثلاث سنين، وأنه ليس لمن تخلف عنه منه شيء. فأجابوه إلى ذلك، وكتب بذلك عليهم كتاباً، وأوفدوا بذلك وفداً إلى ابن الزبير.
وإن ابن الزبير أمضى تلك الشروط كلها للمهلب وأجازها له، وإن المهلب لما أجيب إلى ما سأل وجه ابنه حبيباً في ستمائة فارس إلى عمرو القنا، وهو معسكر خلف الجسر الأصغر في ستمائة فارس، فأمر المهلب بعقد الجسر الأصغر، فقطع حبيب الجسر إلى عرمو ومن معه؛ فقاتلهم حتى نفاهم عما بين الجسر، وانهزموا حتى صاروا من ناحية الفرات، وتجهز المهلب فيمن خف من قومه معه، وهم اثنا عشر ألف رجل، ومن سائر الناس سبعون رجلاً، وسار المهلب حتى نزل الجسر الأكبر، وعمرو القنا بإزائه في ستمائة. فبعث المغيرة بن المهلب في الخيل والرجالة، فهزمتهم الرجالة بالنبل، واتبعتهم الخيل، وأمر المهلب بالجسر فعقد، فعبر هو وأصحابه، فلحق عمرو القنا حينئذ بابن الماحوز وأصحابه؛ وهو بالمفتح، فأخبروهم الخبر، فساروا فعسكروا دون الأهواز بثمانية فراسخ، وأقام المهلب بقية سنته، فجبى كور دجلة، ورزق أصحابه، وأتاه المدد من أهل البصرة لما بلغهم ذلك؛ فأثبتهم في الديوان وأعطاهم حتى صاروا ثلاثين ألفاً.
قال أبو جعفر: فعلى قول هؤلاء كانت الوقعة التي كانت فيها هزيمة الأزارقة وارتحالهم عن نواحي البصرة والأهواز إلى ناحية أصبهان وكرمان في سنة ست وستين. وقيل: إنهم ارتحلوا عن الأهواز وهم ثلاثة آلاف، وإنه قتل منهم في الوقعة التي كانت بينهم وبين المهلب بسلى وسلبرى سبعة آلاف.
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة وجه مروان بن الحكم قبل مهلكه ابنه محمداً إلى الجزيرة، وذلك قبل مسيره إلى مصر.
وفي هذه السنة عزل عبد الله بن الزبير عبد الله بن يزيد عن الكوفة، وولاها عبد الله بن مطيع، ونزع عن المدينة أخاه عبيدة بن الزبير، وولاها أخاه مصعب بن الزبير، وكان سبب عزله أخاه عبيدة عنها أنه - فيما ذكر الواقدي - خطب الناس فقال لهم: قد رأيتم ما صنع بقوم في ناقة قيمتها خمسمائة درهم، فسمي مقوم الناقة؛ وبلغ ذلك ابن الزبير فقال: إن هذا لهو التكلف.
ذكر خبر بناء عبد الله بن الزبير البيت الحرام وفي هذه السنة بنى عبد الله بن الزبير البيت الحرام، فأدخل الحجر فيه.
أخبرنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: حدثني عبد العزيز بن خالد بن رستم الصنعاني أبو محمد، قال: حدثني زياد بن جيل أنه كان بمكة يوم غلب ابن الزبير، فسمعه يقول: إن أمي أسماء بنت أبي بكر حدثتني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: لولا حداثة عهد قومك بالكفر رددت الكعبة على أساس إبراهيم؛ فأزيد في الكعبة من الحجر. فأمر به ابن الزبير فحفر، فوجدوا قلاعاً أمثال الإبل، فحركوا منها صخرة، فبرقت بارقة فقال: أقروها على أساسها، فبناها ابن الزبير، وجعل لها بابين: يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر.
قال أبو جعفر: وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير، وكان على المدينة أخوه مصعب بن الزبير، وعلى الكوفة في آخر السنة عبد الله بن مطيع، وعلى البصرة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي؛ وهو الذي يقال له القباع. وعلى قضائها هشام بن هبيرة، وعلى خراسان عبد الله بن خازم.
خروج بني تميم بخراسان على عبد الله بن خازم وفي هذه السنة خالف من كان بخراسان من بني تميم عبد الله بن خازم حتى وقعت بينهم حروب.
ذكر الخبر عن سبب ذلكوكان السبب في ذلك - فيما ذكر - أن من كان بخراسان من بني تميم أعانوا عبد الله بن خازم على من كان بها من ربيعة، وعلى حرب بن أوس بن ثعلبة حتى قتل من قتل منهم، وظفر به؛ وصفا له خراسان، فلما صفا له ولم ينازعه به أحد جفاهم. وكان قد ضم هراة إلى ابنه محمد واستعمله عليها؛ وجعل بكير بن وشاح على شرطته، وضم إليه شماس بن دثار العطاردي؛ وكانت أم ابنه محمد امرأةً من تميم تدعى صفية، فلما جفا ابن خازم بني تميم من دخول هراة؛ فأما شماس بن دثار فأبى ذلك، وخرج من هراة، فصار من بني تميم، وأما بكير فمنعهم من الدخول.
فذكر علي بن محمد أن زهير بن الهنيد حدثه أن بكير بن وشاح لما منع بني تميم من دخول هراة أقاموا ببلاد هراة، وخرج إليهم شماس بن دثار فأرسل بكير إلى شماس: إني أعطيك ثلاثين ألفاً، وأعطى كل رجل من بني تميم ألفاً على أن ينصرفوا، فأبوا، فدخلوا المدينة، وقتلوا محمد بن عبد الله ابن خازم. قال علي: فأخبرنا الحسن بن رشيد، عن محمد بن عزيز الكندي قال: خرج محمد بن عبد الله بن خازم يتصيد بهراة، وقد منع بني تميم من دخولها، فرصدوه، فأخذوه فشدوه وثاقاً، وشربوا ليلتهم، وجعل كلما أراد رجل منهم البول بال عليه، فقال لهم شماس بن دثار: أما إذ بلغتم هذا منه فاقتلوه بصاحبيكما اللذين قتلهما بالسياط. قال: وقد كان أخذ قبيل ذلك رجلين من بني تميم، فضربهما بالسياط حتى ماتا. قال: فقتلوه، قال: فزعم لنا عمن شهد قتله من شيوخهم أن جيهان بن مشجعة الضبي نهاهم عن قتله، وألقى نفسه عليه، فشكر له ابن خازم ذلك، فلم يقتله فيمن قتل يوم فرتنا. قال: فزعم عامر بن أبي عمر أنه سمع أشياخهم من بني تميم يزعمون أن الذي ولي قتل محمد بن عبد الله بن خازم رجلان من بني مالك بن سعد، يقال لأحدهما: عجلة، وللآخر كسيب. فقال ابن خازم: بئس ما اكتسب كسيبٌ لقومه، ولقد عجل عجلة لقومه شراً.
قال علي: وحدثنا أبو الذيال زهير بن هنيد العدوي، قال: لما قتل بنو تميم محمد بن عبد الله بن خازم انصرفوا إلى مرو، فطلبهم بكير بن وشاح فأدرك رجلاً من بني عطارد يقال له شميخ؛ فقتله، وأقبل شماس وأصحابه إلى مرو، فقالوا لبني سعد: قد أدركنا لكم بثأركم؛ قتلنا محمد بن عبد الله ابن خازم بالجشمي الذي أصيب بمرو، فأجمعوا على قتال ابن خازم، وولوا عليهم الحريش بن هلال القريعي.
قال: فأخبرني أبو الفوارس عن طفيل بن مرداس، قال: أجمع أكثر بني تميم على قتال عبد الله بن خازم، قال: وكان مع الحريش فرسان لم يدرك مثلهم؛ إنما الرجل منهم كتيبة؛ منهم شماس بن دثار، وبحير بن ورقاء الصريمي، وشعبة بن ظهير النهشلي، وورد بن الفلق العنبري، والحجاج بن ناشب العدوي - وكان من أرمى الناس - وعاصم بن حبيب العدوي، فقاتل الحريش بن هلال عبد الله بن خازم سنتين.
قال: فلما طالت الحرب والشر بينهم ضجروا؛ قال: فخرج الحريش فنادى ابن خازم، فخرج إليه فقال: قد طالت الحرب بيننا؛ فعلام تقتل قومي وقومك! فأينا قتل صاحبه صارت الأرض له؛ فقال ابن خازم؛ وأبيك لقد أنصفتني؛ فبرز له، فتصاولا تصاول الفحلين، لا يقدر أحدٌ منهما على ما يريد. وتغفل ابن خازم غفلة، وضربه الحريش على رأسه، فرمى بفروة رأسه على وجهه، وانقطع ركابا الحريش، وانتزع السيف. قال: فلزم ابن خازم عنق فرسه راجعاً إلى أصحابه وبه ضربة قد أخذت من رأسه، ثم غاداهم القتال، فمكثوا بذلك بعد الضربة أياماً؛ ثم مل الفريقان فتفرقوا ثلاث فرق؛ فمضى بحير بن ورقاء إلى أبرشهر في جماعة، وتوجه شماس بن دثار العطاردي ناحيةً أخرى، وقيل: أتى سجستان، وأخذ عثمان بن بشر بن المحتفز إلى فرتنا، فنزل قصراً بها، ومضى الحريش إلى ناحية مرو الروذ، فاتبعه ابن خازم؛ فلحقه بقرية من قراها يقال لها قرية الملحمة - أو قصر الملحمة - والحريش بن هلال في اثني عشر رجلاً؛ وقد تفرق عنه أصحابه؛ فهم في خربة؛ وقد نصر رماحاً كانت معه وترسةً.
قال: وانتهى إليه ابن خازم؛ فخرج إليه في أصحابه، ومع ابن خازم مولىً له شديد البأس، فحمل على الحريش فضربه فلم يصنع شيئاً، فقال رجل من بني ضبة للحريش: أما ترى ما يصنع العبد! فقال له الحريش: عليه سلاح كثير، وسيفي لا يعمل في سلاحه، ولكن انظر لي خشبةً ثقيلة؛ فقطع له عوداً ثقيلاً من عناب - ويقال: أصابه في القصر - فأعطاه إياه؛ فحمل به على مولى ابن خازم؛ فضربه فسقط وقيذاً. ثم أقبل على ابن خازم؛ فقال: ما تريد إلي وقد خليتك والبلاد! قال: إنك تعود إليها، قال: فإني لا أعود، فصالحه على أن يخرج له من خراسان ولا يعود إلى قتاله، فوصله ابن خازم بأربعين ألفاً. قال: وفتح له الحريش باب القصر، فدخل ابن خازم، فوصله وضمن له قضاء دينه، وتحدثا طويلاً. قال: وطارت قطنة كانت على رأس ابن خازم ملصقة على الضربة التي كان الحريش ضربه، فقام الحريش فتناولها، فوضعها على رأسه، فقال له ابن خازم: مسك اليوم يا أبا قدامة ألين من مسك أمس، قال: معذرة إلى الله وإليك؛ أما والله لولا أن ركابي انقطعا لخالط السيف أضراسك. فضحك ابن خازم، وانصرف عنه، وتفرق جمع بني تميم، فقال بعض شعراء بني تميم:
فلو كنتم مثل الحريش صبرتم ... وكنتم بقصر الملح خير فوارس
إذاً لسقيتم بالعوالي ابن خازمٍ ... سجال دمٍ يورثن طول وساوس
قال: وكان الأشعث بن ذؤيب أخو زهير بن ذؤيب العدوي قتل في تلك الحرب، فقال له أخوه زهير وبه رمق: من قتلك؟ قال: لا أدري؛ طعنني رجل على برذون أصفر، قال: فكان زهير لا يرى أحداً على برذون أصفر إلا حمل عليه؛ فمنهم من يقتله، ومنهم من يهرب؛ فتحامى أهل العسكر البراذين الصفر؛ فكانت مخلاةً في العسكر لا يركبها أحد. وقال الحريش في قتاله ابن خازم:
أزال عظم يميني عن مركبه ... حمل الردينى في الإدلاج والسحر
حولين ما اغتمضت عيني بمنزلةٍ ... إلا وكفي وسادٌ لي على حجر
بزي الحديد وسربالي إذا هجعت ... عني العيون محال القارح الذكر
الجزء السادس
بسم الله الرحمن الرحيم

ثم دخلت سنة ست وستين

ذكر الخبر عن الكائن الذي كان فيها من الأمور الجليلة

فمما كان فيها من ذلك وثوب المختار بن أبي عبيد بالكوفة طالباً بدم الحسين بن علي بن أبي طالب وإخراجه منها عامل ابن الزبير عبد الله بن مطيع العدوى . ذكر الخبر عما كان من أمرهما في ذلك وظهور المختار للدعوة إلى ما دعا إليه الشيعة بالكوفة: ذكر هشام بن محمد، عن أبي مخنف، أن فضيل بن خديج، حدثه عن عبيدة بن عمرو وإسماعيل بن كثير من بنى هند، أن أصحاب سليمان بن صرد لما قدموا كتب إليهم المختار: أما بعد، فإن الله أعظم لكم الأجر، وحط عنكم الوزر، بمفارقة القاسطين، وجهاد المحلين؛ إنكم لم تنفقوا نفقة، ولم تقطعوا عقبة، ولم تخطوا خطوة إلا رفع الله لكم بها درجة، وكتب لكم بها حسنة، إلى مالا يحصيه إلا الله من التضعيف؛ فأبشروا فإني لو قد خرجت إليكم قد جردت فما بين المشرق و المغرب في عدوكم السيف بإذن الله، فجعلتهم بإذن الله ركاماً؛ وقتلتهم فذاً وتؤاماً؛ فرحب الله بمن قارب منكم واهتدى؛ ولا يبعد الله إلا من عصى وأبى؛ و السلام يا أهل الهدى. فجاءهم بهذا الكتاب سيحان بن عمرو، من بنى ليث من عبد القيس قد أدخله في قلنسوته يبين الظهارة و البطانة؛ فأتى بالكتاب رفاعة بن شداد والمثنى بن مخربة العبدى وسعد بن حذيفة بن اليمان ويزيد بن أنس وأحمر بن شميط الأحمسى وعبد الله بن شداد البجلى وعبد الله بن كامل؛ فقرأ عليهم الكتاب؛ فبعثوا إليه ابن كامل؛ فقالوا:قل له: قد قرأنا الكتاب؛ ونحن حيث يسرك؛ فإن شئت أن نأتيك حتى نخرجك فعلنا. فأتاه؛ فدخل عليه السجن؛ فأخبره بما أرسل إليه به؛ فسر باجتماع الشيعة له؛ وقال لهم: لا تريدوا هذا؛ فإني أخرج في أيامي هذه. قال: وكان المختار قد بعث غلاماً يدعى زربياً إلى عبد الله بن عمر ابن الخطاب، وكتب إليه: أما بعد: فإني قد حبست مظلوماً، وظن بي الولاة ظنوناً كاذبة؛ فاكتب في يرحمك الله إلى هذين الظالمين كتاباً لطيفاً؛ عسى الله أن يخلصني من أيديهما بلطفك وبركتك ويمنك؛ والسلام عليك. فكتب إليهما عبد الله بن عمر: أما بعد؛ فقد علمتما الذي بيني وبين المختار بن أبى عبيد من الصهر، و الذي بيني وبينكما من الود؛ فأقسمت عليكما بحق ما بيني وبينكما لما خليتما سبيله حين تنظران في كتابي هذا، و السلام عليكما ورحمة الله. فلما أتى عبد الله بن يزيد و إبراهيم بن محمد بن طلحة كتاب عبد الله ابن عمر دعوا للمختار بكفلاء يضمنونه بنفسه، فأتاه أناس من أصحابه كثير، فقال يزيد بن الحارث بن يزيد بن رؤيم لعبد الله بن يزيد: ما تصنع بضمان هؤلاء كلهم! ضمنه عشرة منهم أشرافاً معروفين، ودع سائرهم. ففعل ذلك، فلما ضمنوه، دعا به عبد الله بن يزيد و إبراهيم بن محمد بن طلحة فحلفاه بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم؛ لا يبغيهما غائلة، ولا يخرج عليهما ما كان لهما سلطان؛ فإن هو فعل فعليه ألف بدنة ينحرها لدى رتاج الكعبة؛ ومما ليكه كلهم ذكرهم وأنثاهم أحرار. فحلف لهما بذلك، ثم خرج فجاء داره فنزلها. قال أبومخنف: فحدثني يحيى بن أبى عيسى، عن حميد بن مسلم، قال: سمعت المختار بعد ذلك يقول: قاتلهم الله! ما أحمقهم حين يرون أنى أفي لهم بأيمانهم هذه! أما حلفي لهم بالله؛ فإنه ينبغي لي إذا حلفت على يمين فرأيت ما هو خير منها أن أدع ما حلفت عليه وآتى الذي هو خير؛ وأكفر يميني، وخروجي عليهم خير من كفى عنهم؛ و أكفر يميني؛ وأما هدى ألف بدنة فهو أهون علي من بصقة؛ وماثمن ألف بدنة فيهولني! وأما عتق مما ليكي فوالله لو ددت أنه قد استتب لي أمري، ثم لم أملك مملوكاً أبداً. قال: ولما نزل المختار داره عند خروجه من السجن، اختلف إليه الشيعة واجتمعت عليه؛ واتفق رأيها على الرضا به، وكان الذي يبايع له الناس وهو في السجن خمسة نفر: السائب بن مالك الأشعري، ويزيد بن أنس، وأحمر بن شميط، ورفاعة بن شداد الفتياني، وعبد الله بن شداد الجشمي. قال: فلم تزل أصحابه يكثرون، وأمره يقوى ويشتد حتى عزل ابن الزبير عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة، وبعث عبد الله بن مطيع على عملهما إلى الكوفة. قال أبو مخنف: فحدثني الصقعب بن زهير، عن عمر بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام، قال: دعا ابن الزبير عبد الله بن مطيع أخا بنى عدى ابن كعب و الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي؛ فبعث عبد الله بن مطيع على الكوفة، وبعث الحارث بن عبد الله
بن أي ربيعة على البصرة. قال: فبلغ ذلك بحير بن ريسان الحميري؛ فلقيهما، فقال لهما: ياهذان؛ إن القمر الليلة بالناطح، فلا تسيرا. فأما ابن أبى ربيعة؛ فأطاعه؛ فأقام يسيرا ثم شخص إلى عمله فسلم؛ عبد الله بن مطيع فقال له: وهل نطلب إلا النطح! قال: فلقي والله نطحاً وبطحاً، قال: يقول عمر: والبلاء موكل بالقول. قال عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: بلغ عبد الملك بن مروان أن ابن الزبير بعث عمالاً على البلاد؛ فقال: من بعث على البصرة؟ فقيل: بعث عليها الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة؛ قال: لا حر بوادي عوف، بعث عوفاً وجلس! ثم فال: من بعث على الكوفة؟ قالوا: عبد الله بن مطيع، قال: حازم وكثيراً ما يسقط، وشجاع وما يكره أن يفر، قال: من بعث على المدينة؟ قالوا: بعث أخاه مصعب بن الزبير، قال: ذاك الليث النهد، وهو رجل أهل بيته. قال هشام: قال أبو مخنف: وقدم عبد الله بن مطيع الكوفة في رمضان سنة خمس وستين يوم الخميس لخمس بقين من شهر رمضان، فقال لعبد الله ابن يزيد: إن أحببت أن تقيم معي أحسنت صحبتك، وأكرمت مثواك؛ وإن لحقت بأمير المؤمنين عبد الله بن الزبير فبك عليه كرامة، وعلى من قبله من المسلمين. وقال لإبراهيم بن محمد بن طلحة: الحق بأمير المؤمنين؛ فخرج إبراهيم حتى قدم المدينة، وكسر على ابن الزبير الحراج؛ وقال: إنما كانت فتنة؛ فكف عنه ابن الزبير. قال: وأقام ابن مطيع على الكوفة على الصلاة و الخراج؛ وبعث على شرطته إياس بن مضارب العجلى، وأمره أن يحسن السيرة و الشدة على المريب. قال أبو مخنف: فحدثني حصيرة بن عبد الله بن الحارث بن دريد الأزدى - وكان قد أدرك ذلك الزمان، وشهد قتل مصعب بن الزبير - قال: إني لشاهد المسجد حيث قدم عبد الله بن مطيع، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أما بعد؛ فإن أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير بعثنى على مصركم وثغوركم، وأمرني بحباية فيئكم؛ وألا أحمل فضل فيئكم عنكم إلى برضاً منكم، ووصية عمر بن الخطاب التي أوصى بها عند وفاته، وبسيرة عثمان ابن عفان التي سار بها في المسلمين؛ فاتقوا الله واستقيموا ولا تختلفوا، وخذوا على أيدي سفهائكم؛ وإلا تفعلوا فلوموا أنفسكم ولا تلوموني؛ فوالله لأوقعن بالسقيم العاصي؛ ولأقيمن درء الأصعر المرتاب.فقام إليه السائب بن مالك الأشعري، فقال: أما امر ابن الزبير إياك ألا تحمل فضل فيئنا عن إلا برضانا فإنا نشهدك أنا لا نرضى أن تحمل فضل فيئنا عنا؛ وألا يقسم إلا فينا؛ وألا يسار فينا إلا بسيرة على بن أبي طالب التي سار بها في بلادناهذه حتى هلك رحمة الله عليه، ولا حاجة لنا في سيرة عثمان في فيئنا ولا في أنفسنا؛ فإنها إنما كانت أثرة وهوى، ولا في سيرة عمر بن الخطاب في فيئنا؛ وإن كانت أهون السيرتين علينا ضراً؛ وقد كان لا يألو الناس خيراً. فقال يزيد ابن أنس: صدق السائب بن مالك وبر، رأينا مثل رأيه، وقولنا مثل قوله.فقال ابن مطيع: نسير فيكم بكل سيرة أحببتموها وهويتموها ثم نزل. فقال: يزيد بن أنس الأسدى: ذهبت بفضلها يا سائب؛ لا يعدمك المسلمون!أما والله لقد قمت وإني لأريد أن أقوم فأقول له نحواً من مقالتك، وما أحب أن الله ولي الرد عليه رجلاً من أهل المصر ليس من شيعتنا. وجاء إياس بن مضارب إلى ابن مطيع. فقال له: إن السائب بن مالك من رؤوس أصحاب المختار، ولست آمن المختار؛ فابعث إليه فليأتك؛ فإذا جاءك فاحبسه في سجنك حتى يستقيم أمر الناس؛ فإن عيوني قد أتتني فخبرتني أن أمره قد استجمع له؛ وكأنه قد وثب بالمصر. قال: فبعث إليه ابن مطيع زائدة بن قدامة وحسين بن عبد الله البرسمى من همدان. فدخلا عليه،فقالا: أجب الأمير، فدعا بثيابه وأمر بإسراج دابته، وتحشخش للذهاب معهما؛ فلما رأى زائدة بن قدامة ذلك قرأ قول الله تبارك وتعالى: " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله و الله خير الماكرين " ، ففهمها المختار، فجلس ثم ألقى ثيابه عنه، ثم قال: ألقوا على القطيفة؛ ما أراني إلا قد وعكت؛ إني لأجد قفقفة شديدة ، ثم تمثل قول عبد العزى بن صهل الأزدى:بن أي ربيعة على البصرة. قال: فبلغ ذلك بحير بن ريسان الحميري؛ فلقيهما، فقال لهما: ياهذان؛ إن القمر الليلة بالناطح، فلا تسيرا. فأما ابن أبى ربيعة؛ فأطاعه؛ فأقام يسيرا ثم شخص إلى عمله فسلم؛ عبد الله بن مطيع فقال له: وهل نطلب إلا النطح! قال: فلقي والله نطحاً وبطحاً، قال: يقول عمر: والبلاء موكل بالقول. قال عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: بلغ عبد الملك بن مروان أن ابن الزبير بعث عمالاً على البلاد؛ فقال: من بعث على البصرة؟ فقيل: بعث عليها الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة؛ قال: لا حر بوادي عوف، بعث عوفاً وجلس! ثم فال: من بعث على الكوفة؟ قالوا: عبد الله بن مطيع، قال: حازم وكثيراً ما يسقط، وشجاع وما يكره أن يفر، قال: من بعث على المدينة؟ قالوا: بعث أخاه مصعب بن الزبير، قال: ذاك الليث النهد، وهو رجل أهل بيته. قال هشام: قال أبو مخنف: وقدم عبد الله بن مطيع الكوفة في رمضان سنة خمس وستين يوم الخميس لخمس بقين من شهر رمضان، فقال لعبد الله ابن يزيد: إن أحببت أن تقيم معي أحسنت صحبتك، وأكرمت مثواك؛ وإن لحقت بأمير المؤمنين عبد الله بن الزبير فبك عليه كرامة، وعلى من قبله من المسلمين. وقال لإبراهيم بن محمد بن طلحة: الحق بأمير المؤمنين؛ فخرج إبراهيم حتى قدم المدينة، وكسر على ابن الزبير الحراج؛ وقال: إنما كانت فتنة؛ فكف عنه ابن الزبير. قال: وأقام ابن مطيع على الكوفة على الصلاة و الخراج؛ وبعث على شرطته إياس بن مضارب العجلى، وأمره أن يحسن السيرة و الشدة على المريب. قال أبو مخنف: فحدثني حصيرة بن عبد الله بن الحارث بن دريد الأزدى - وكان قد أدرك ذلك الزمان، وشهد قتل مصعب بن الزبير - قال: إني لشاهد المسجد حيث قدم عبد الله بن مطيع، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أما بعد؛ فإن أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير بعثنى على مصركم وثغوركم، وأمرني بحباية فيئكم؛ وألا أحمل فضل فيئكم عنكم إلى برضاً منكم، ووصية عمر بن الخطاب التي أوصى بها عند وفاته، وبسيرة عثمان ابن عفان التي سار بها في المسلمين؛ فاتقوا الله واستقيموا ولا تختلفوا، وخذوا على أيدي سفهائكم؛ وإلا تفعلوا فلوموا أنفسكم ولا تلوموني؛ فوالله لأوقعن بالسقيم العاصي؛ ولأقيمن درء الأصعر المرتاب.فقام إليه السائب بن مالك الأشعري، فقال: أما امر ابن الزبير إياك ألا تحمل فضل فيئنا عن إلا برضانا فإنا نشهدك أنا لا نرضى أن تحمل فضل فيئنا عنا؛ وألا يقسم إلا فينا؛ وألا يسار فينا إلا بسيرة على بن أبي طالب التي سار بها في بلادناهذه حتى هلك رحمة الله عليه، ولا حاجة لنا في سيرة عثمان في فيئنا ولا في أنفسنا؛ فإنها إنما كانت أثرة وهوى، ولا في سيرة عمر بن الخطاب في فيئنا؛ وإن كانت أهون السيرتين علينا ضراً؛ وقد كان لا يألو الناس خيراً. فقال يزيد ابن أنس: صدق السائب بن مالك وبر، رأينا مثل رأيه، وقولنا مثل قوله.فقال ابن مطيع: نسير فيكم بكل سيرة أحببتموها وهويتموها ثم نزل. فقال: يزيد بن أنس الأسدى: ذهبت بفضلها يا سائب؛ لا يعدمك المسلمون!أما والله لقد قمت وإني لأريد أن أقوم فأقول له نحواً من مقالتك، وما أحب أن الله ولي الرد عليه رجلاً من أهل المصر ليس من شيعتنا. وجاء إياس بن مضارب إلى ابن مطيع. فقال له: إن السائب بن مالك من رؤوس أصحاب المختار، ولست آمن المختار؛ فابعث إليه فليأتك؛ فإذا جاءك فاحبسه في سجنك حتى يستقيم أمر الناس؛ فإن عيوني قد أتتني فخبرتني أن أمره قد استجمع له؛ وكأنه قد وثب بالمصر. قال: فبعث إليه ابن مطيع زائدة بن قدامة وحسين بن عبد الله البرسمى من همدان. فدخلا عليه،فقالا: أجب الأمير، فدعا بثيابه وأمر بإسراج دابته، وتحشخش للذهاب معهما؛ فلما رأى زائدة بن قدامة ذلك قرأ قول الله تبارك وتعالى: " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله و الله خير الماكرين " ، ففهمها المختار، فجلس ثم ألقى ثيابه عنه، ثم قال: ألقوا على القطيفة؛ ما أراني إلا قد وعكت؛ إني لأجد قفقفة شديدة ، ثم تمثل قول عبد العزى بن صهل الأزدى:
إذا ما معشر تركوا نداهم ... ولم يأتوا الكريهة لم يهابوا
ارجعا إلى ابن مطيع، فأعلماه حالي التي أنا عليها. فقال له زائدة بن قدامة: أما أنا ففاعل؛ فقال: وأنت ياأخا همدان فاعذرني عنده فإنه خير لك.قال أبو مخنف: فحدثني إسماعيل بن نعيم الهمداني، عن حسين بن عبد الله، قال: قلت في نفسي: والله إن أنا لم أبلغ عن هذا يرضيه ما أنا بآمن من أن يظهر غداً فيهلكني. قال: فقلت له، نعم، أنا أضع عند ابن مطيع عذرك،وأبلغه كل ما تحب؛ فخرجنا من عنده؛ فإذا أصحابه على بابه، وفي داره منهم جماعة كثيرة. قال: فأقبلنا نحو ابن مطيع، فقلت لزائدة بن قدامة: أما إني قد فهمت قولك حين قرأت تلك الآية؛ وعلمت ما أردت بها، وقد علمت أنها هي ثبطته عن الخروج معنا بعد ما كان قد لبس ثيابه، وأسرج دابته؛ وعلمت حين تمثل البيت الذي تمثل أنما أراد يخبرك أنه قد فهم عنك ما أردت أن تفهمه، وأنه لن يأتيه. قال: فجاحدني أن يكون أراد شيئاً من ذلك؛ فقلت له: لا تحلف؛ والله ما كنت لأبلغ عنك ولا عنه شيئاً تكرهانه؛ ولقد علمت أنك مشفق عليه، تجد له ما يجد المرء
لابن عمه. فأقبلنا إلى ابن مطيع؛ فأخبرناه بعلته وشكواه؛ فصدقنا ولها عنه. قال: وبعث المختار إلى أصحابه؛ فأخذ يجمعهم في الدور حوله، وأراد أن يثب بالكوفة في المحرم؛ فجاء رجل من أصحابه من شبام - وكان عظيم الشرف يقال له عبد الرحمن بن شريح - فلقى سعيد بن منقذ الثوري وسعر ابن أبي سعر الحنفي والأسود بن جراد الكندي وقدامة بن مالك جشمي؛ فاجتمعوا في منزل سعر الحنفي، فحمد الله و أثنى عليه ثم قال: أمابعد؛ فإن المختار يريد أن يخرج بنا، وقد بايعناه ولا ندري أرسله إلينا ابن الحنفية أم لا؛ فانهضوا بنا إلى ابن الحنفية فلنخبره بما قدم علينا به وبما دعانا إليه؛ فإن رخص لنا في اتباعه اتبعناه؛ وإن نهانا عنه اجتنبناه؛ فوالله ما ينبغي أن يكون شئ من أمر الدنيا آثر عندنا من سلامة ديننا.فقالوا له: أرشدك الله! فقد أصبت ووفقت؛ اخرج بنا إذا شئت .فأجمع رأيهم على أن يخرجوا من أيامهم، فخرجوا، فلحقوا بابن الحنفية؛ وكان إمامهم عبد الرحمن بن شريح، فلما قدموا عليه سألهم عن حال الناس فخبروه عن حالهم وما هم عليه. قال أبو مخنف: فحدثني خليفة بن ورقاء، عن الأسود بن جراد الكندي قال: قلنا لابن الحنفية؛ إن لنا إليك حاجة؛ قال: فسر هي أم علانية؟ قال: قلنا: لا؛ بل سر، قال: فرويداً إذاً؛ قال: فمكث قليلاً، ثم تنحى جانباً فدعانا فقمنا إليه، فبدأ عبد الرحمن بن شريح، فتكلم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد؛ فإنكم أهل بيت خصكم الله بالفضيلة، وشرفكم بالنبوة، وعظم حقكم على هذه الأمة؛ فلا يجهل حقكم إلا مغبون الرأي، مخسوس النصيب؛ قد أصبتم بحسين رحمة الله عليه. عظمت مصيبة اختصصتم بها، بعد ما عم بها المسلمون، وقد قدم علينا المختار بن أبي عبيد يزعم لنا أنه قد جاءنا من تلقائكم، وقد دعانا إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم؛ والطلب بدماء أهل البيت،والدفع عن الضعفاء؛ فبايعناه على ذلك. ثم إنا رأينا أن نأتيك فنذكر لك ما دعانا إليه، وندبنا له؛ فإن أمرتنا باتباعه اتبعناه، وإن نهيتنا عنه إجتنبناه. ثم تكلمنا واحداً واحداً بنحو مما تكلم به صاحبنا؛ وهو يسمع، حتى إذا فرغنا حمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أما بعد؛ فأما ما ذكرتم مما خصصنا الله به من فضل؛ فإن الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم؛ فلله الحمد!وأما ما ذكرتم من مصيبتنا بحسين؛ فإن ذلك كان في الذكر الحكيم وهي ملحمة كتبت عليه، وكرامة أهداها الله له، رفع بما كان منها درجات قوم عنده، ووضع بها آخرين، وكان أمر الله مفعولا، وكان أمر الله قدراً مقدوراً وأما ما ذكرتم من دعاء من دعاكم إلى الطلب بدمائنا؛ فوالله لوددت أن الله انتصر لنا من عدونا بمن شاء من خلقه؛ أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.قال: فخرجنا من عنده، ونحن نقول:قد أذن لنا ؛ قد قال: لوددت أن الله انتصر لنا من عدونا بمن شاء من خلقه، ولو كره لقال: لا تفعلوا. قال: فجئنا وأناس من الشيعة ينتظرون مقدمنا ممن كنا قد أعلمناه بمخرجنا وأطلعناه على ذات أنفسنا؛ ممن كان على رأينا من إخواننا؛ وقد كان بلغ المختار مخرجنا، فشق ذلك عليه، وخشي أن نأتيه بأمر يخذل الشيعة عنه،فكان قد أرادهم على أن ينهض بهم قبل قدومنا؛ فلم يتهيأ ذلك له؛ فكان المختار يقول: إن نفيراً منكم ارتابوا وتحيروا وخابوا؛ فإن هم أصابوا أقبلوا وأنابوا وإن هم كبوا وهابوا، واعترضوا وانجابوا، فقد ثبروا وخابوا؛ فلم يكن إلا شهراً وزيادة شئ؛ حتى أقبل القوم على رواحلهم؛ حتى دخلواعلى المختار قبل دخولهم إلى رحالهم، فقال لهم: ما وراءكم؟ فقد فتنتم وارتبتم فقالوا له: قد أمرنا بنصرتك فقال: الله أكبر! أن أبو إسحاق، اجمعوا إلى الشيعة، فجمع له منهم من كان منه قريباً فقال: يا معشر الشيعة؛ إن نفراً منكم أحبوا أن يعلموا مصداق ما جئت به، فرحلوا إلى إمام الهدى، والنجيب المرتضى ابن خير من طشى ومشى؛ حاشا النبي المجتبى؛ فسألوه عما قدمت به عليكم؛ فنبأهم أني وزيره وظهيره. ورسوله وخليله؛ وأمركم باتباعي وطاعتي فيما دعوتكم إليه من قتال المحلين، و الطلب بدماء أهل بيت نبيكم المصطفين.فقام عبد الله بن شريح، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد يا معشر الشيعة؛ فإنا قد كنا أحببنا أن نستثبت لأنفسنا خاصة ولجميع إخواننا عامة؛ فقدمنا على
المهدي بن علي، فسألناه عن حربنا هذه، وعما دعانا إليه المختار منها فأمرنا بمظاهرته ومؤازرته وإجابته إلى ما دعانا إليه،فأقبلنا طيبة أنفسنا، منشرحة صدورنا، قد أذهب الله منها الشك والغل والريب، واستقامت لنا في قتال عدونا؛ فليبلغ ذلك شاهد كم،غائبكم، واستعدوا وتأهبوا. ثم جلس وقمنا رجلاً فرجلاً؛ فتكلمنا بنحو من كلامه؛ فاستجمعت له الشيعة وحدبت عليه. قال أبو مخنف: فحدثني نمير بن وعلة والمشرقي،عن عامر الشعبي،قال: كنت أنا وأبي أول من أجاب المختار. قال: فلما تهيأ أمره ودنا خروجه؛ قال له احمر بن شميط ويزيد بن أنس وعبد الله بن كامل وعبد الله بن شداد: إن أشرف أهل الكوفة مجتمعون على قتالك مع ابن مطيع؛ فإن جامعنا على أمرنا إبراهيم بن الأشر رجونا بإذن الله القوة علىعدونا، وألا يضرتا خلاف من خالفنا، فإنه فتى بئيس، وابن رجل شريف بعيد الصيت؛ وله عشيرة ذات عز وعدد. قال لهم المختار: فالقوه فادعوه،وأعلموه الذي أمرنا به من الطلب بدم الحسين وأهل بيته. قال الشعبى: فخرجوا إليه وأنا فيهم، وأبى، فتكلم يزيد بن أنس، فقال له: إنا قد أتيناك في أمر نعرضه عليك.وندعوك إليه؛ فإن قبلته كان خيراً لك،وإن تركته فقد أدينا إليك فيه النصيحة؛ ونحن نحب أن يكون عندك مستوراً.فقال لهم إبراهيم بن الأشتر: وإن مثلي لا تخاف غائلته ولا سعايته؛ ولاالتقرب إلى سلطانه باغتياب الناس، إنما أولئك الصغار الأخطار الدقاق همماً. فقال له: إنما ندعوك إلى أمر أجمع عليه رأي الملإ من الشيعة؛إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه، والطلب بدماء أهل البيت، وقتال المحلين، والدفع عن الضعفاء. قال: ثم تكلم أحمر بن شميط، فقال له: إني لك ناصح، ولحظك محب، وإن أباك قد هلك وهو سيد الناس وفيك منه إن رعيت حق الله خلف؛ قد دعوناك إلى أمر إن أجبتنا إليه عادت لك منزلة أبيك في الناس، وأحييت من ذلك أمراً قد مات؛ إنما يكفي مثلك اليسير حتى تبلغ الغاية التي لا مذهب وراءها، إنه قد بنى لك أولك مفتخراً. وأقبل القوم كلهم عليه يدعونه إلى أمرهم ويرغبونه فيه. فقال لهم إبراهيم بن الأشتر:فإني قد أجبتكم إلى ما دعوتموني إليه من الطلب بدم الحسين وأهل بيته، علىأن تولوني الأمر،فقالوا: أنت لذلك أهل؛ ولكن ليس إلى ذلك سبيل؛ هذا المختار قد جاءنا من قبل المهدي؛ وهو الرسول والمأمور بالقتال؛ وقد أمرنابطاعته. فسكت عنهم ابن الأشتر ولم يجبهم. فانصرفنا من عنده إلى المختار فأخبرناه بما رد علينا؛ قال: فغبر ثلاثاً؛ ثم إن المختار دعا بضعة عشر رجلاً من وجوه أصحابه - قال الشعبي: أنا وأبي فيهم - قال: فسار بنا ومضى أمامنا يقد بنا بيوت الكوفة قداً لا ندري أين يريد؛ حتى وقف على باب إبراهيم بن الأشتر؛ فاستأذنا عليه فأذن لنا، وألقيت لنا وسائد؛ فجلسنا عليها وجلس المختار معه على فراشه؛ فقال المختار: الحمد لله، وأشهد أن لا اله إلا الله، وصلى الله على محمد، والسلام عليه،أما بعد، فإن هذا كتاب إليك من المهدي محمد بن أمير المؤمنين الوصى؛ وهو خير أهل الأرض اليوم، وابن خير أهل الأرض كلها قبل اليوم بعد أنبياء الله ورسله؛ وهو يسألك أن تنصرنا وتؤازرنا، فإن فعلت اغتبطت،وإن لم تفعل فهذا الكتاب حجة عليك، وسيغني الله المهدي محمداً وأولياءه عنك.قال الشعبي: وكان المختار قد دفع الكتاب إلى حين خرج من منزله؛فلما قضى كلامه قال لي: ادفع الكتاب إليه، فدفعته إليه، فدعا بالمصباح وفض خاتمه، وقرأه فإذا هو: " بسم الله الرحمن الرحيم " . ن محمد المهدي إلى إبراهيم بن مالك الأشتر، سلام عليك؛ فإني أحمد إليك الله الذي لا اله إلا هو؛ أما بعد فإني قد بعثت إليكم بوزيري وأميني ونجيي الذي ارتضيته لنفسي، وقد أمرته بقتال عدوي والطلب بدماء أهل بيتي؛ فانهض معه بنفسك وعشيرتك ومن أطاعك؛ فإنك إن تنصرني وأجبت دعوتي وساعدت وزيري كانت لك عندي بذلك فضيلة؛ ولك بذلك أعنة الخيل وكل جيش غاز، وكل مصر ومنبر وثغر ظهرت عليه فيما بين الكوفة ة وأقصى بلاد أهل الشأم،على الوفاء بذلك على عهد الله؛ فإن فعلت ذلك نلت به عند الله أفضل الكرامة، وإن أبيت هلكت هلاكاً لا تستقيله أبداً، والسلام عليك. فلما قضى إبراهيم قراءة الكتاب، قال: لقد كتب إلى ابن الحنفية؛ وقد كتبت إليه قبل اليوم؛ فما كان يكتب إلي إلا باسمه واسم أبيه، قال له المختار: إن
ذلك زمان وهذا زمان، قال إبراهيم: فمن يعلم أن هذا كتاب ابن الحنفية إلى؟ فقال له: يزيد بن أنس وأحمر بن شميط وعبد الله بن كامل وجماعتهم - قال الشعبي: إلا أنا وأبي - فقالوا نشهد أن هذا كتاب محمد ابن علي إليك، فتأخر إبراهيم عن ذلك عن صدر الفراش فأجلس المختار عليه، فقال أبسط يدك أبايعك؛ فبسط المختار يده فبايعه إبراهيم، ودعا لنابفاكهة، فأصبنا منها؛ ودعا لنا بشراب من عسل فشربنا ثم نهضنا؛ وخرج معنا ابن الأشتر؛ فركب مع المختار حتى دخل رحله؛ فلما رجع إبراهيم منصرفاً اخذ بيدي، فقال: انصرف بنا يا شعبي، قال: فانصرفت معه ومضى بي حتى دخل بي رحله، فقال: يا شعبي، إني قد حفظت أنك لم تشهد أنت ولا أبوك؛ أفترى هؤلاء شهدوا على حق؟ قال قلت له: قد شهدوا على ما رأيت وهم سادة القراء ومشيخة المصر وفرسان العرب، ولا أرى مثل هؤلاء يقولون إلا حقاً. قال: فقلت له هذه المقالة؛ وأنا والله لهم على شهادتهم متهم؛ غير أني يعجبني الخروج وأنا أرى رأي القوم؛ وأحب تمام ذلك الأمر؛ فلم أطلعه على ما في نفسي من ذلك؛ فقال لي ابن الأشتر: أكتب لي أسماءهم فإني ليس كلهم أعرف. ودعا بصحيفة ودواة، وكتب فيها: " بسم الله الرحمن الرحيم " ؛ هذا ما شهد عليه السائب بن مالك الأشعري،ويزيد بن أنس الأسدي وأحمر بن شميط الأحمسي ومالك بن عمرو النهدي؛ حتى على أسماء القوم؛ ثم كتب: شهدوا أن محمد بن علي كتب إلى إبراهيم بن الأشتر يأمره بموآزرة المختار ومظاهرته على قتال المحلين، والطلب بدماء أهل البيت، وشهد على هؤلاء النفر الذين شهدوا على هذه الشهادة شراحيل ابن عبد - وهو أبو عامر الشعبي الفقيه - وعبد الرحمن بن عبد الله النخعي، وعامر بن شراحيل الشعبي. فقلت له: ما تصنع بهذا رحمك الله؟ فقال:دعه يكون. ودعا إبراهيم عشيرته وإخوانه ومن أطاعه، وأقبل يختلف إلى المختار.مان وهذا زمان، قال إبراهيم: فمن يعلم أن هذا كتاب ابن الحنفية إلى؟ فقال له: يزيد بن أنس وأحمر بن شميط وعبد الله بن كامل وجماعتهم - قال الشعبي: إلا أنا وأبي - فقالوا نشهد أن هذا كتاب محمد ابن علي إليك، فتأخر إبراهيم عن ذلك عن صدر الفراش فأجلس المختار عليه، فقال أبسط يدك أبايعك؛ فبسط المختار يده فبايعه إبراهيم، ودعا لنابفاكهة، فأصبنا منها؛ ودعا لنا بشراب من عسل فشربنا ثم نهضنا؛ وخرج معنا ابن الأشتر؛ فركب مع المختار حتى دخل رحله؛ فلما رجع إبراهيم منصرفاً اخذ بيدي، فقال: انصرف بنا يا شعبي، قال: فانصرفت معه ومضى بي حتى دخل بي رحله، فقال: يا شعبي، إني قد حفظت أنك لم تشهد أنت ولا أبوك؛ أفترى هؤلاء شهدوا على حق؟ قال قلت له: قد شهدوا على ما رأيت وهم سادة القراء ومشيخة المصر وفرسان العرب، ولا أرى مثل هؤلاء يقولون إلا حقاً. قال: فقلت له هذه المقالة؛ وأنا والله لهم على شهادتهم متهم؛ غير أني يعجبني الخروج وأنا أرى رأي القوم؛ وأحب تمام ذلك الأمر؛ فلم أطلعه على ما في نفسي من ذلك؛ فقال لي ابن الأشتر: أكتب لي أسماءهم فإني ليس كلهم أعرف. ودعا بصحيفة ودواة، وكتب فيها: " بسم الله الرحمن الرحيم " ؛ هذا ما شهد عليه السائب بن مالك الأشعري،ويزيد بن أنس الأسدي وأحمر بن شميط الأحمسي ومالك بن عمرو النهدي؛ حتى على أسماء القوم؛ ثم كتب: شهدوا أن محمد بن علي كتب إلى إبراهيم بن الأشتر يأمره بموآزرة المختار ومظاهرته على قتال المحلين، والطلب بدماء أهل البيت، وشهد على هؤلاء النفر الذين شهدوا على هذه الشهادة شراحيل ابن عبد - وهو أبو عامر الشعبي الفقيه - وعبد الرحمن بن عبد الله النخعي، وعامر بن شراحيل الشعبي. فقلت له: ما تصنع بهذا رحمك الله؟ فقال:دعه يكون. ودعا إبراهيم عشيرته وإخوانه ومن أطاعه، وأقبل يختلف إلى المختار.
قال هشام بن محمد: قال أبومخنف: حدثني يحيى بن أبي عيسى الأزدي،قال: كان حميد بن مسلم الأزدي صديقاً لإبراهيم بن الأشتر؛ وكان يختلف إليه، ويذهب به معه؛ وكان أبراهيم يروح في كل عشية عند المساء،فيأتي المختار، فيمكث عنده حتى تصوب النجوم، ثم ينصرف؛ فمكثوا بذلك يدبرون أمورهم؛ حتى أجتمع رأيهم على أن يخرجوا ليلة الخميس لأربع
عشرة من ربيع الأول سنة ست وستين، ووطن على ذلك شيعتهم ومن أجابهم.فلما كان عند غروب الشمس، قام إبراهيم بن الأشتر؛ فأذن؛ ثم إنه استقدم، فصلى بنا المغرب، ثم خرج بنا بعد المغرب حين قلت: أخوك أوالذئب - وهو يريد المختار، - فأقبلنا علينا السلاح، وقد أتى إياس بن مضارب عبد الله بن مطيع فقال: إن المختار خارج عليك إحدى الليلتين؛ قال: فخرج إياس في الشرط، فبعث ابنه إلى الكناسة، وأقبل يسيرحول السوق في الشرط.
ثم إن إياس بن مضارب دخل على ابن مطيع، فقال له: إني قد بعثت ابني إلى الكناسة، فلو بعث في كل جبانة في الكوفة عظيمة رجلاً من أصحابك في جماعة من أهل الطاعة؛ هاب المريب الخروج عليك. وقال:فبعث ابن مطيع عبد الرحمن بن سعيد بن قيس إلى جبانة السبيع، وقال: أكفني قومك،لا أوتين من قبلك، وأحكم أمر الجبانة التي وجهتك إليها،لا يحدثن بها حدث؛ فأوليك العجز والوهن. وبعث كعب بن أبي كعب الخثعمي إلى جبانة بشر، وبعث زحر بن قيس إلى جبانة كندة، وبعث شمر بن ذي الجوشن إلى جبانة سالم، وبعث عبد الرحمن بن مخنف بن سليم إلى جبانة الصائديين، وبعث يزيد بن الحارث بن رؤيم أبا حوشب إلى جبانة مراد، وأوصى كل رجل أن يكفيه قومه، وألا يؤتى من قبله، وأن يحكم الوجه الذي وجهه فيه؛ وبعث شبث بن ربعى إلى السبخة، وقال: إذا سمعت صوت القوم فوجه نحوهم؛ فكان هؤلاء قد خرجوا يوم الاثنين؛ فنزلوا هذه الجبابين، وخرج إبراهيم بن الأشتر من رحله بعد المغرب يريد إتيان المختار؛وقد بلغه ان الجبابين قد حشيت رجالاً، وأن الشرط قد أحاطت بالسوق والقصر.
قال أبو مخنف: فحدثني يحيى بن أبي عيسى،عن حميد بن مسلم، قال: خرجت مع إبراهيم من منزله بعد المغرب ليلة الثلاثاء حتى مررنا بدارعمرو بن حريث، ونحن مع ابن الأشتر كتيبة نحو من مائة، علينا بالدروع،قد كفرنا عليها بالأقبية، ونحن متقلدو السيوف؛ ليسي معنا سلاح إلا السيوف في عواتقنا، والدروع قد سترناها بأقبيتنا؛ فلما مررنا بدار سعيد بن قيس فجزناها إلى دار أسامة، قلنا: مر بنا على دار خالد بن عرفطة، ثم امض بنا إلى بجيلة، فلنمر في دورهم حتى نخرج إلى دار المختار - وكان إبراهيم فتىً حدثاً شجاعاً؛ فكان لا يكره أن يلقاهم - فقال والله لأمرن على دار عمرو بن حريث إلى جانب القصر وسط السوق، ولأرعبن به عدونا ولأرينهم هوانهم علينا. قال: فأخذنا على باب الفيل على دار ابن هبار؛ ثم أخذ ذات اليمين على دار عمرو بن حريث؛ حتى إذا جاوزها ألفيناإياس بن مضارب في الشرط مظهرين السلاح فقال لنا: من أنتم؟ ما أنتم؟ فقال له إبراهيم: أنا إبراهيم بن الأشتر، فقال له ابن مضارب: ما هذا الجمع معك؟وما تريد؟ والله إن أمرك لمريب وقد بلغني أنك تمر كل عشية هاهنا، وما أنا بتاركك حتى آتي بك الأمير فيرى فيك رأيه. فقال إبراهيم: لا أباً لغيرك!
خل سبيلنا، فقال: كلا والله لا أفعل - ومع إياس بن مضارب رجل من همدان، يقال له أبو قطن، كان يكون مع إمرة الشرطة فهم يكرمونه ويؤثرونه، وكان لابن الأشتر صديقاً - فقال له ابن الأشتر: يا أبا قطن،أدن مني - ومع أبي قطن رمح له طويل - ؛ فدنا منه أبو قطن؛ ومعه الرمح؛ هو يرى أن ابن الأشتر يطلب إليه أن يشفع له إلى ابن مضارب ليخلىسبيله؛ فقال إبراهيم - وتناول الرمح من يده: إن رمحك هذا لطويل؛ فحمل به إبراهيم على ابن مضارب، فطعنه في ثغرة نحره فصرعه، وقال لرجل من قومه: انزل عليه فاحتز رأسه،فنزل إليه فاحتز رأسه، وتفرق أصحابه ورجعوا إلى ابن مطيع. فبعث ابن مطيع ابنه راشد بن إياس مكان أبيه على الشرطة، وبعث مكان راشد بن إياس إلى الكناسة تلك الليلة سويد بن عبد الرحمن المنقري أبا القعقاع بن سويد. وأقبل إبراهيم بن الأشتر إلىالمختار ليلة الأربعاء. فدخل عليه فقال له إبراهيم: إنا اتعدنا للخروج للقابلة ليلة الخميس. وقد حدث أمر لا بد من الخروج الليلة، قال المختار: ماهو؟ قال: عرض لي إياس بن مضارب في الطريق ليحبسني بزعمه، فقتلته؛ وهذا رأسه مع أصحابي على الباب. فقال المختار: فبشرك الله بخير! فهذا طير صالح، وهذا أول الفتح إن شاء الله. ثم قال المختار: قم يا سعيد بن منقذ، فأشعل في الهرادي النيران ثم ارفعها للمسلمين، وقم أنت يا عبد الله بن شداد؛ فناد " يا منصور أمت " ؛ وقم أنت ياسفيان بن ليل، وأنت يا قدامة ابن مالك، فناد: يا لثأرات الحسين! ثم قال المختار: على بدرعي وسلاحي، فأتى به؛ فأخذ يلبس سلاحه ويقول:
قد علمت بيضاء حسناء الطلل ... واضحة الخدين عجزاء الكفل
أنى غداة الروع مقدام بطل
ثم إن إبراهيم قال للمختار: إن هؤلاء الرؤس الذين وضعهم ابن مطيع في الجبابين يمنعون إخواننا أن يأتونا، ويضيقون عليهم؛ فلو أنى خرجت بمن معي من أصحابي حتى آتى قومي؛ فيأتيني كل من قد بايعني من قومي، ثم سرت بهم في نواحي الكوفة، ودعوت بشعارنا؛ فخرج إلى من أراد الخروج إلينا، ومن قدر على إتيانك من الناس؛ فمن أتاك حبسته عندك إلى من معك ولم تفرقهم؛ فإن عوجلت فأتيت كان معك من تمتنع به؛ وأنا لو قد فرغت من هذا الأمر عجلت إليك في الخيل و الرجال. قال له. إمالا فاعجل وإياك أن بسير إلى أميرهم تقاتله. ولا تقاتل أحداً وأنت تستطيع ألا تقاتل،واحفظ ما أوصيتك به إلا أن يبدأك أحد بقتال. فخرج إبراهيم بن الأشتر من عنده في الكتيبة التي أقبل فيها؛ حتى أتى قومه، واجتمع إليه جل من كان بايعه وأجابه. ثم إنه سار بهم في سكك الكوفة طويلاً من الليل؛ وهو في ذلك يتجنب السكك التي فيها الأمراء، فجاء إلى الذين معهم الجماعات الذين وضع ابن مطيع في الجبابين وأفواه الطرق العظام، حتى انتهى إلى مسجد السكون، وعجلت إليه خيل من خيل زحر بن قيس الجعفي ليس لهم قائد ولا عليهم أمير. فشد عليهم إبراهيم بن الأشتر وأصحابه،فكشفوهم حتى دخلوا جبانة كندة. فقال إبراهيم: من صاحب الخيل في جبانة كندة؟ فشد إبراهيم وأصحابه عليهم، وهو يقول: اللهم إنك تعلم أنا غضبنا لأهل بيت نبيك، وثرنا لهم. فانصرنا عليهم، وتمم لنا دعوتنا؛ حتى أنتهى إليهم هو وأصحابه. فخالطوهم وكشفوهم فقيل له: زحر بن قيس؛ فقال: انصرفوا بنا عنهم. فركب بعضهم بعضاً كلما لقيهم زقاق دخل منهم طائفة، فانصرفوا يسيرون.
ثم خرج إبراهيم يسير حتى انتهى إلى جبانة أثير، فوقف فيها طويلاً،ونادى أصحابه بشعارهم، فبلغ سويد بن عبد الرحمن المنقري مكانهم في جبانة أثير، فرجا أن يصيبهم فيحظى بذلك عند ابن مطيع، فلم يشعر ابن الأشتر إلا وهم معه في الجبانة، فلما رأى ذلك ابن الأشتر قال لأصحابه: يا شرطة الله، انزلوا فإنكم أولى بالنصر من الله من هؤلاء الفساق الذين خاضوا
دماء أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنزلوا ثم شد عليهم إبراهيم،فضربهم حتى أخرجهم من الصحراء، ولوا منهزمين يركب بعضهم بعضاً،وهم يتلاومون،فقال قائل منهم: إن هذا الأمر يراد؛ ما يلقون لنا جماعة إلا هزموهم! فلم يزل يهزمهم حتى أدخلهم الكناسة. وقال أصحاب إبراهيم لإبراهيم: اتبعهم واغتنم ما قد دخلهم من الرعب، فقد علم الله إلىمن ندعو وما نطلب. وإلى من يدعون وما يطلبون! قال: لا، ولكن سيروا بنا إلى صاحبنا حتى يؤمن الله بنا وحشته، ونكون من أمره على علم،ويعلم هو أيضاً ما كان من عنائنا، فيزداد هو وأصحابه قوة وبصيرة إلى قواهم وبصيرتهم، مع أنى لا آمن أن؟؟؟ يكون قد أتى. فأقبل إبراهيم في أصحابه حتى مر بمسجد الأشعث، فوقف به ساعة،ثم مضى حتى أتى دار المختار، فوجد الأصوات عالية، والقوم يقتلون،وقد جاء شبث بن ربعى من قبل السبخة، فعبى له المختار يزيد بن أنس،وجاء حجار بن أبجر العجلي. فجعل المختار في وجهه أحمر بن شميط،فالناس يقتلون، وجاء إبراهيم من قبل القصر، فبلغ حجاراً وأصحابه أن إبراهيم قد جاءهم من ورائهم، فتفرقوا قبل أن يأتيهم إبراهيم، وذهبوا في الأزقة و السكك، وجاء قيس بن طهفة في قريب من مائة رجل من بني نهد من أصحاب المختار، فحمل على شبث بن ربعي وهو يقاتل يزيد بن أنس، فخلى لهم الطريق حتى اجتمعوا جميعاً. ثم إن شبث بن ربعي ترك لهم السكة، وأقبل حتى لقي ابن مطيع، فقال: ابعث إلى أمراء الجبابين فمرهم فليأتوك، فاجمع إليك جميع الناس، ثم انهد إلى هؤلاء القوم فقاتلهم وابعث إليهم من تثق به فليكفك قتالهم، فإن أمر القوم قد قوي، وقد خرج المختار وظهر، واجتمع له أمره. فلما بلغ ذاك المختار من مشورة شبث بن ربعي على ابن مطيع خرج المختار في جماعة من أصحابه حتى نزل في ظهر دير هند مما يلي بستان زائدة في السبخة. قال: وخرج أبو عثمان النهدي فنادى في شاكر وهم مجتمعون في دورهم،يخافون أن يظهروا في الميدان لقرب كعب بن أبي كعب الخثمعي منهم، وكان كعب في جبانة بشر، فلما بلغه أن شاكراً تخرج جاء يسير حتى نزل بالميدان،وأخذ عليهم بأفواه سككهم وطرقهم. قال: فلما أتاهم أبو عثمان النهدي في عصابة من أصحابه، نادى: يا لثأرات الحسين! يا منصور أمت! يا أيها الحي المهتدون، ألا إن أمير آل محمد ووزيرهم. قد خرج فنزل دير هند، وبعثني إليكم داعياً ومبشراً، فاخرجوا إليه يرحمكم الله! قال:فخرجوا من الدور يتداعون: يا لثأرات الحسين! ثم ضاربوا كعب بن أبي كعب حتى خلى لهم الطريق، فأقبلوا إلى المختار حتى نزلوا معه في عسكره، وخرج عبد الله بن قراد الخثمعي في جماعة من خثعم نحو المائتين حتى لحق بالمختار، فنزلوا معه في عسكره، وقد كان عرض له كعب بن أبي كعب فصافه. فلما عرفهم ورأى أنهم قومه خلى عنهم. ولم يقاتلهم. وخرجت شبام من آخر ليلتهم فاجتمعوا إلى جبانة مراد، فلمابلغ ذلك عبد الرحمن بن سعيد بن قيس بعث إليهم: إن كنتم تريدون اللحاق بالمختار فلا تمروا على جبانة السبيع، فلحقوا بالمختار. فتوافى إلى المختارثلاثة آلاف وثمانمائة من اثني عشر ألفاً كانوا بايعوه، فاستجمعوا له قبل انفجار الفجر. فأصبح قد فرغ من تعبيتة. قال أبو مخنف: فحدثني الوالي قال: خرجت أنا وحميد بن مسلم؛والنعمان بن أبي الجعد إلى المختار ليلة خرج. فأتيناه في داره، وخرجنا معه إلى معسكره؛ قال: فو الله ما انفجر الفجر حتى فرغ من تعبيته؛ فلماأصبح استقدم، فصلى بنا الغداة بغلس، ثم قرأ " والنازعات " و " عبس وتولى " قال: فما سمعنا إماماً أم قوماً أفصح لهجة منه.
قال أبو مخنف: حدثني حصيرة بن عبد الله، أن ابن مطيع بعث إلى أهل الجبابين. فأمرهم أن ينضموا إلى المسجد، وقال لراشد بن إياس بن مضارب: ناد في الناس فليأتوا المسجد، فنادى المنادي: ألا برئت الذمة من رجل لم يحضر المسجد الليلة! فتوافى الناس في المسجد، فلما اجتمعوا بعث ابن مطيع شبث بن ربعي في نحو من ثلاثة ألاف إلى المختار، وبعث
راشد بن إياس في أربعة آلاف من الشرط. قال أبو مخنف: فحدثني أبو الصلت التيمي عن أبي سعيد الصيقل،قال: لما صلى المختار الغداة ثم انصرف سمعنا أصواتاً مرتفعة فيما بين بني سليم وسكة البريد، فقال المختار: من يعلم لنا علم هؤلاء ما هم؟ فقلت له: أنا أصلحك الله! فقال المختار: إما لا فألق سلاحك وانطلق حتى تدخل فيهم كأنك نظار، ثم تأتيني بخبرهم. قال: ففعلت، فلما دنوت منهم إذا مؤذنهم يقيم، فجئت حتى دنوت منهم فإذا شبث بن ربعي معهم خيل عظيمة، وعلى خيله شيبان بن حريث الضبي، وهو في الرجالة معهم منهم كثرة، فلما أقام مؤذنهم تقدم فصلى بأصحابه، فقرأ: " إذا زلزلت الأرض زلزالها " ، فقلت في نفيس: أما والله إني لأرجو أن يزلزل الله بكم، وقرأ: " والعاديات ضبحاً " ، فقال أناس من أصحابه: لو كنت قرأت سورتين هما أطول من هاتين شيئاً! فقال شبث: ترون الديلم قد نزلت بساحتكم، وأنتم تقولون: لو قرأت سورة البقرة وآل عمران! قال: وكانوا ثلاثة آلاف قال: فأبلت سريعاً حتى أتيت المختار فأخبرته بخبر شبث و أصحابه، وأتاه معي ساعة أتيته سعر بن أبي سعر الحنفي يركض من قبل مراد، وكان ممن بايع المختار فلم يقدر على الخروج معه ليلة خرج مخافة الحرس، فلما أصبح أقبل على فرسه، فمر بجبانة مراد؛ وفيها راشد بن إياس، فقالوا: كما أنت! ومن أنت؟ فراكضهم حتى جاء المختار، فأخبره خبر راشد، وأخبرته أنا خبر شبث، قال: فسرح إبراهيم بن الأشتر قبل راشد بن إياس في تسعمائة - ويقال ستمائة فارس وستمائة راجل - وبعث نعيم بن هبيرة أخا مصقلة بن هبيرة في ثلثمائة فارس وستمائة راجل، وقال لهما:امضيا حتى تلقيا عدوكما، فإذا لقيتماهم فانزلا في الرجال وعجلا الفراغ وابدآهم بالإقدام، ولا تستهدفا لهم؛ فإنهم أكثر منكم، ولا ترجعا إلي حتى تظهرا أن تقتلا. فتوجه إبراهيم إلى راشد، وقدم المختار يزيد بن أنس في موضع مسجد شبث في تسعمائة أمامه. وتوجه نعيم بن هبيرة قبل شبث.قال أبو مخنف: قال أبو سعيد الصيقل: كنت أنا فيمن توجه مع نعيم ابن هبيرة إلى شبث ومعي سعر بن أبي سعر الحنفي، فلما انتهينا إليه قاتلناه قتالاً شديداً، فجعل نعيم بن هبيرة سعر بن أبي سعر الحنفي على الخيل، ومشى هو في الرجال فقاتلهم حتى أشرقت الشمس وانبسطت، فضربناهم حتى أدخلناهم البيوت؛ ثم إن شبث بن ربعي ناداهم: يا حماة السوء! بئس فرسان الحقائق أنتم! أمن عبيدكم تهربون! قال: فثابت إليه منهم جماعة فشد علينا وقد تفرقنا فهزمنا، وصبر نعيم بن هبيرة فقتل، ونزل سعر فأسروأسرت أنا وخليد مولى حسان بن محدوج، فقال شبث لخليد - وكان وسيماً جسيماً: من أنت؟ فقال: خليد مولى حسان بن محدوج الذهلي، فقال له شبث:يا بن المتكاء، تركت بيع الصحناة بالكناسة وكان جزاء من أعتقك أن تعدو عليه بسيفك تضرب رقابه! اضربوا عنقه، فقتل، ورأى سعراً الحنفي فعرفه، فقال: أخو بني حنيفة؟ فقال له: نعم، فقال: ويحك! ما أردت إلى اتباع هذه السبيئة! قبح الله رأيك، دعوا ذا. فقلت في نفسي: قتل المولى وترك العربي؛ إن علم و الله إني مولى قتلني.فلما عرضت عليه قال:من أنت؟ فقلت: من بني تيم الله؛ قال: أعربي أنت أو مولى؟ فقلت: لا بل عربي، أنا من آل زياد بن خصفة، فقال: بخ بخ! ذكرت الشريف المعروف، الحق بأهلك. قال: فأقبلت حتى انتهيت إلى الحمراء،وكانت لي في قتال القوم بصيرة، فجئت حتى انتهيت إلى المختار؛ وقلت في نفسي: والله لآتين أصحابي فلأواسينهم بنفسي، فقبح الله العيش بعدهم! قال: فأتيتهم وقد سبقني إليهم سعر الحنفي، وأقبلت إليه خيل شبث،وجاءه قتل نعيم بن هبيرة، فدخل من ذلك أصحاب المختار أمر كبير؛ قال: فدنوت من المختار، فأخبرته بالذي كان من أمري، فقال لي: اسكت، فليس هذا بمكان الحديث. وجاء شبث حتى أحاط بالمختار وبيزيد بن أنس وبعث ابن مطيع يزيد بن الحارث بي رؤيم في ألفين من قبل سكة لحام جرير،فوقفوا في أفواه تلك السكك. وولى المختار يزيد بن أنس خيله، وخرج هو في الرجالة. قال أبو مخنف: فدثني الحارث بن كعب الوالي؛ والبة الأزد، قال: حملت علينا خيل شبث بن ربعي حملتين. فما يزول من رجل من مكانه، فقال يزيد بن أنس لنا: يا معشر الشيعة، قد كنتم تقتلون وتقطع أيديكم وأرجلكم، وتسمل أعينكم، وترفعون على جذوع النخل في حب أهل بيت نبيكم؛ وأنتم مقيمون في بيوتكم، وطاعة عدوكم. فما
ظنكم بهؤلاء القوم إن ظهروا عليكم اليوم! إذاً والله لا يدعون منكم عيناً تطرف، وليقتلنكم صبراً، ولترون منهم في أولادكم وأزواجكم وأموالكم ما الموت خير منه، والله لا ينجيكم منهم إلى الصدق و الصبر. و الطعن الصائب في أعينهم، والضرب الدراك على هامهم. فتيسروا للشدة. وتهيئوا للحملة، فإذا ركت رايتي مرتين فاحملوا. قال الحارث: فتهيأنا وتيسرنا، وجشوناً على الركب، وانتظرنا أمره. قال أبو مخنف: وحدثني فضيل بن خديج الكندي أن إبراهيم بن الأشتركان حين توجه إلى راشد بن إياس، مضى حتى لقيه في مراد، فإذا معه أربعة آلاف، فقال إبراهيم لأصحابه: لا يهولنكم كثرة هؤلاء، فو الله لرب رجل خير من عشرة، ولرب فئة قليلة قد غلبت فئة كثيرةً بإذن الله و الله مع الصابرين، ثم قال: يا خزيمة بن نصر، سر إليهم في الخيل. ونزل هو يمشي في الرجال، ورايته مع مزاحم بن طفيل، فأخذ إبراهيم يقول له: ازدلف برايتك، امض بها قدماً قدماً، واقتتل الناس،فاشتد قتالهم، وبصر خزيمة بن نصر العبسي براشد بن إياس، فحمل عليه فطعنه، فقتله، ثم نادى: قتلت راشداً ورب الكعبة. وانهزم أصحاب راشد، وأقبل إبراهيم بن الأشتر وخزيمة بن نصر ومن كان معهم بعد قتل راشد نحو المختار، وبعث النعمان بن أبي الجعد بيشر المختار بالفتح عليه وبقتل راشد، فلما أن جاءهم البشير بذلك كبروا، واشتدت أنفسهم، ودخل أصحاب ابن مطيع الفشل، وسرح ابن مطيع حسان بن فائد بن بكير العبسي في جيش كثيف نحو من ألفين. فاعترض إبراهيم بن الأشتر فوبق الحمراء ليرده عمن في السبخة من أصحاب ابن مطيع، فقدم إبراهيم خزيمة بن نصر إلى حسان بن فائد في الخيل، ومشي إبراهيم نحوه في الرجال.فقال:والله ما اطعنا برمح، ولا اضطربنا بسيف، حتى، انهزموا. وتخلف حسان بن فائد في أخريات الناس يحميهم، وحمل عليه خزيمة بن نصر،فلما رآه عرفه، فقال له: يا حسان بن فائد، أما و الله لولا القرابة لعرفت أني سألتمس قتلك بجهدي، ولكن النجاء، فعثر بحسان فرسه فوقع.فقال: تعساً لك؛ أبا عبد الله! وابتدره الناس فأحاطوا به. فضاربهم ساعةً بسيفه، فناداه خزيمة بن نصر، قال: إنك آمن يا أبا عبد الله، لا تقتل نفسك، وجاء حتى وقف عليه ونهنه الناس عنه، ومر به إبراهيم، فقال لهنكم بهؤلاء القوم إن ظهروا عليكم اليوم! إذاً والله لا يدعون منكم عيناً تطرف، وليقتلنكم صبراً، ولترون منهم في أولادكم وأزواجكم وأموالكم ما الموت خير منه، والله لا ينجيكم منهم إلى الصدق و الصبر. و الطعن الصائب في أعينهم، والضرب الدراك على هامهم. فتيسروا للشدة. وتهيئوا للحملة، فإذا ركت رايتي مرتين فاحملوا. قال الحارث: فتهيأنا وتيسرنا، وجشوناً على الركب، وانتظرنا أمره. قال أبو مخنف: وحدثني فضيل بن خديج الكندي أن إبراهيم بن الأشتركان حين توجه إلى راشد بن إياس، مضى حتى لقيه في مراد، فإذا معه أربعة آلاف، فقال إبراهيم لأصحابه: لا يهولنكم كثرة هؤلاء، فو الله لرب رجل خير من عشرة، ولرب فئة قليلة قد غلبت فئة كثيرةً بإذن الله و الله مع الصابرين، ثم قال: يا خزيمة بن نصر، سر إليهم في الخيل. ونزل هو يمشي في الرجال، ورايته مع مزاحم بن طفيل، فأخذ إبراهيم يقول له: ازدلف برايتك، امض بها قدماً قدماً، واقتتل الناس،فاشتد قتالهم، وبصر خزيمة بن نصر العبسي براشد بن إياس، فحمل عليه فطعنه، فقتله، ثم نادى: قتلت راشداً ورب الكعبة. وانهزم أصحاب راشد، وأقبل إبراهيم بن الأشتر وخزيمة بن نصر ومن كان معهم بعد قتل راشد نحو المختار، وبعث النعمان بن أبي الجعد بيشر المختار بالفتح عليه وبقتل راشد، فلما أن جاءهم البشير بذلك كبروا، واشتدت أنفسهم، ودخل أصحاب ابن مطيع الفشل، وسرح ابن مطيع حسان بن فائد بن بكير العبسي في جيش كثيف نحو من ألفين. فاعترض إبراهيم بن الأشتر فوبق الحمراء ليرده عمن في السبخة من أصحاب ابن مطيع، فقدم إبراهيم خزيمة بن نصر إلى حسان بن فائد في الخيل، ومشي إبراهيم نحوه في الرجال.فقال:والله ما اطعنا برمح، ولا اضطربنا بسيف، حتى، انهزموا. وتخلف حسان بن فائد في أخريات الناس يحميهم، وحمل عليه خزيمة بن نصر،فلما رآه عرفه، فقال له: يا حسان بن فائد، أما و الله لولا القرابة لعرفت أني سألتمس قتلك بجهدي، ولكن النجاء، فعثر بحسان فرسه فوقع.فقال: تعساً لك؛ أبا عبد الله! وابتدره الناس فأحاطوا به. فضاربهم ساعةً بسيفه، فناداه خزيمة بن نصر، قال: إنك آمن يا أبا عبد الله، لا تقتل نفسك، وجاء حتى وقف عليه ونهنه الناس عنه، ومر به إبراهيم، فقال له
خزيمة: هذا ابن عمي وقد آمنته؛ فقال له إبراهيم: أحسنت، فأمر خزيمة بطلب فرسه حتى أتى به، فحمله عليه. وقال: الحق بأهلك. قال: وأقبل إبراهيم نحو المختار، وشبث محيط بالمختار ويزيد بن أنس.فلما رآه يزيد بن الحارث وهو على أفواه سكك الكوفة التي تلي السبخة،وإبراهيم مقبل نحو شبث، أقبل نحوه ليصده عن شبث وأصحابه، فبعث إبراهيم طائفةً من أصحابه مع خزيمة بن نصر، فقال: أغن عنا يزيد بن الحارث. وصمد هو في بقية أصحابه نحو شبث بن ربعي. قال أبو مخنف: فحدثني الحارث بن كعب أن إبراهيم لما أقبل نحونارأينا شبشاً وأصحابه ينكصون وراءهم رويداً، فلما دنا إبراهيم من شبث وأصحابه. حمل عليهم. وأمرنا يزيد بن أنس بالحملة عليهم،فحملنا عليهم، فانكشفوا حتى انتهوا إلى أبيات الكوفة، وحمل خزيمة
ابن نصر على يزيد بن الحارث بن رؤيم فهزمه، وازدحموا على أفواه السكك،وقد كان يزيد بن الحارث وضع راميةً على أفواه السكك فوق البيوت، وأقبل المختار في جماعة الناس إلى يزيد بن الحارث، فلما انتهى أصحاب المختار إلى أفواه السكك رمته تلك الرامية بالنبل، فصدوهم عن دخول الكوفة من ذلك الوجه، ورجع الناس من السبخة منهزمين إلى ابن مطيع، وجاءه قتل راشد بن إياس. فأسقط في يده. قال أبو مخنف: فحدثني يحيى بن هانئ، قال: قال عمرو بن الحجاج الزبيدي لا بن مطيع: أيها الرجل لا يسقط في خلدك، ولا تلق بيدك، اخرج إلى الناس فاندبهم إلى عدوك فاغزهم، فإن الناس كثيرعددهم، وكلهم معك إلى هذه الطاغية التي خرجت على الناس، والله مخزيها ومهلكها، وأنا أول منتدب، فاندب معي طائفة، ومع غيري طائفة. قال: فخرج ابن مطيع، فقام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أيها الناس، إن من أعجب العجب عجزكم عن عصبة منكم قليل عددها، خبيث دينها. ضالة مضلة. اخرجوا إليهم فامنعوا منهم حريمكم وقاتلوهم عن مصركم، وامنعوا منهم فيئكم، وإلى و الله ليشاركنكم في فيئكم من لا حق له فيه. والله لقد بلغني أن فيهم خمسمائة رجل من محرريكم عليهم أمير منهم، وإنما ذهاب عزكم وسلطانكم وتغير دينكم حين يكثرون. " ثم نزل. قال: ومنعهم يزيد بن الحارث أن يدخلوا الكوفة. قال: ومضى المختارمن السبخة حتى ظهر على الجبانة، ثم ارتفع إلى البيوت؛ بيوت مزينة وأحمس وبارق، فنزل عند مسجدهم وبيوتهم، وبيوتهم شاذة منفردةمن بيوت أهل الكوفة، فاستقبلوه بالماء، فسقى أصحابه، وأبى المختار أن يشرب. قال: فظن أصحابه أنه صائم، وقال أحمر بن هديج من همدان لابن كامل: أترى الأمير صائماً؟ فقال له: نعم، هو صائم، فقال له: فلو أنه كان في هذا اليوم مفطراً كان أقوى له: إنه معصوم،وهو أعلم بما يصنع؛ فقال له: صدقت. أستغفر الله. وقال المختار: نعم مكان المقاتل هذا، فقال له: إبراهيم بن الأشتر: قد هزمهم الله وفلهم، وأدخل الرعب قلوبهم، وتنزل هاهنا! سر بنا، فو الله ما دون القصر أحد يمنع،ولا يمتنع لبير امتناع؛ فقال المختار: ليقم هاهنا كل شيخ ضعيف وذي علة. وضعوا ما كان لكم من ثقل ومتاع بهذا الموضع حتى تسيروا إلى عدونا. ففعلوا، فاستخلف المختار عليهم أبا عثمان النهدي، وقدم إبراهيم بن الأشتر أماه، وعبى أصحابه على الحال التي عليها في السبخة. قال: وبعث عبد الله بن مطيع عمرو بن الحجاج في ألفي رجل، فخرج عليهم من سكة الثوريين، فبعث المختار إلى إبراهيم أن اطوه ولا تقم عليه. فطواه إبراهيم، ودعا المختار يزيد بن أنس، فأمره أن يصمد لعمرو بن الحجاج، فمضى نحوه، وذهب المختار في إبراهيم، فمضوا جميعاً حتى إذا انتهى المختار إلى موضع مصلى خالد بن عبد الله وقف، وأمر إبراهيم أن يمضى على وجهه حتى يدخل الكوفة من قبل الكناسة، فمضى، فخرج إليه من سكة ابن محرز، وأقبل شمر بن ذي الجوشن في ألفين، فسرح المختارإليه سعيد بن منقذ الهمداني فواقعه، وبعث إلى إبراهيم أن اطوه، وامض على وجهك. فمضى حتى انتهى إلى سكة شبث، وإذا نوفل بن مساحق بن عبد الله بن مخرمة في نحو من ألفين - أو قال: خمسة آلاف.وهو الصحيح - وقد أمر ابن مطيع سويد بن عبد الرحمن فنادى في الناس: أن الحقوا بابن مساحق. قال: واستخلف شبث بن ربعي على القصر،وخرج ابن مطيع حتى وقف بالكناسة. قال أبو مخنف: حدثني حصيرة بن عبد الله، قال: إني لأنظر إلى ابن الأشتر حين أقبل في أصحابه، حتى إذا دنا منهم قال لهم: انزلوا، فنزلوا، فقال:قربوا خيولكم بعضها إلى بعض، ثم امشوا إليهم مصلتين بالسيوف،ولا يهولنكم أن يقال: جاءكم شبث بن ربعي وآل عتيبة بن النهاس وآلاالأشعث وآل فلان وآل يزيد بن الحارث قال: فسمى بيوتات من بيوتات أهل الكوفة، ثم قال: إن هؤلاء لو قد وجدوا لهم حر السيوف قد انصفقوا عن ابن مطيع انصفاق المعزي عن الذئب. قال حصيرة: فإني لأنظر إليه وإلى أصحابه حين قربوا خيولهم وحين أخذ ابن الأشتر أسفل قبائه فرفعه فأدخله في منطقة له حمراء من حواشي البرود، وقد شد بها على القباء،وقد كفر بالقباء على الدرع، ثم قال لأصحابه: شدوا عليهم فدى لكم عمي وخالي! قال: فو الله ما لبثهم أن هزمهم؛ فركب بعضهم بعضاً على فم السكة وازدحموا، وانتهى ابن الأشتر إلى ابن مساحق، فأخذ بلجام دابته، ورفع
السيف عليه، فقال له ابن مساحق: يابن الأشتر،لسيف عليه، فقال له ابن مساحق: يابن الأشتر
أنشدك الله، أتطلبني بثأر! هل بيني وبينك من إحنة! فخلى ابن الأشتر سبيله،وقال له: اذكرها؛ فكان بعد ذلك ابن مساحق يذكرها لابن الأشتر،وأقبلوا يسيرون حتى دخلوا الكناسة في آثار القوم حتى دخلوا السوق والمسجد،وحصروا ابن مطيع ثلاثاً. قال أبو مخنف: وحدثني النضر بن صالح أن ابن مطيع مكث ثلاثاً،يرزق أصحابه في القصر حيث حصر الدقيق، ومعه أشراف الناس، إلاما كان من عمرو بن حريث، فإنه أتى داره ولم يلزم نفسه الحصار، ثم خرج حتى نزل البر، وجاء المختار حتى نزل جانب السوق، وولى حصارالقصر إبراهيم بن الأشتر، ويزيد بن أنسن وأحمر بن شميط، فكان ابن الأشتر مما يلي المسجد وباب القصر، ويزيد بن أنس مما يلي بني حذيفةوسكة دار الروميين، وأحمر بن شميط مما يلي دار عمارة ودار أبي موسى.فلما اشتد الحصار على ابن مطيع وأصحابه كلمه الأشراف، فقام إليه شبث فقال: أصلح الله الأمير! انظر لنفسك ولمن معك، فو الله ما عندهم غناء عنك ولا عن أنفسهم. قال ابن مطيع: هاتوا، أشيروا علي برأيكم؛قال شبث: الرأي أن تأخذ لنفسك من هذا الرجل أماناً ولنا، وتخرج ولا تهلك نفسك ومن معك. قال ابن مطيع: والله إني لأكره أن آخذ منه أماناً و الأمور مستقيمة لأمير المؤمنين بالحجاز كله وبأرض البصرة؛ قال: فتخرج لا يشعر بك أحد حتى تنزل منزلا بالكوفة عند من تستنصحه وتثق به، ولا يعلم بمكانك حتى تخرج فتلحق بصاحبك؛ فقال لأسماء بن خارجة وعبد الرحمن بن مخنف وعبد الرحمن بن سعيد بن قيس وأشراف أهل الكوفة: ما ترون في هذا الرأي الذي أشار به على شبث؟ فقالوا: مانرى الرأي إلا ما أشار به عليك ، قال: فرويداً حتى أمسي. قال أبو مخنف: فحدثني أبو المغلس الليثي، أن عبد الله بن عبد الله الليثي أشرف على أصحاب المختار من القصر من العشي يشتمهم، وينتحي له مالك بن عمرو أبو نمران النهدي بسهم، فيمر بحلقه، فقطع جلدةً من حلقه فمال فوقع؛ قال: ثم إنه قام وبرأ بعد؛ وقال النهدي حين أصابه: خذها من مالك، من فاعل كذا. قال أبو مخنف: وحدثني النضر بن صاح، عن حسان بن فائد بن بكير، قال لما أمسينا في القصر في اليوم الثالث، دعانا ابن مطيع، فذكرالله بما هو أهله. وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم وقال: أما بعد،فقد علمت الذين صنعوا هذا منكم من هم؛ وقد علمت أنما هم أراذلكم وسفهاؤكم وطغامكم وأخساؤكم، ما عدا الرجل أو الرجلين، وأن أشرافكم وأهل الفضل منكم لم يزالوا سامعين مناصحين، وأنا مبلغ ذلك صاحبي،ومعلمه طاعتكم وجهادكم عدوه، حتى كان الله الغالب على أمره، وقد كان من رأيكم وما أشرتم به على ما قد علمتم، وقد رأيت أن أخرج الساعة. فقال له شبث: جزاك الله من أمير خيراً! فقد و الله عففت عن أموالنا، أكرمت أشرافنا، ونصحت لصاحبك، وقضيت الذي عليك، والله ما كنا لنفارقك أبداً إلا ونحن منك في إذن، فقال: جزاكم الله خيراً، أخذ امرؤ حيث أحب، ثم خرج من نحو دروب الروميين حتى أتى دار أبي موسى، وخلى القصر، وفتح أصحابه الباب، فقالوا: يا ابن الأشتر، آمنون نحن؟ قال: أنتم آمنون؛ فخرجوا فبايعوا المختار. قال أبو مخنف: فحدثني موسى بن عامر العدوى؛ من عدى جهينة - وهو أبو الأشعر - أن المختار جاء حتى دخل القصر، فبات به، وأصبح أشراف الناس في المسجد وعلى باب القصر، وخرج المختار فصعد المنبرفحمد الله وأثنى عليه، فقال: الحمد لله الذي وعد وليه النصر، وعدوه الخسر، وجعله فيه آخر الدهر، وعداً مفعولاً، وقضاءً مقضياً، وقد خاب من افترى. أيها الناس، إنه رفعت لنا راية، ومدت لنا غاية، فقيل لنا في الراية: أن ارفعوها ولا تضعوها، وفي الغاية: أن اجروا إليها ولا تعدوها،فسمعنا دعوة الداعي، ومقالة الواعي؛ فكم من ناع وناعية، لقتلي في الواعية! وبعداً لمن طغى وأدبر، وعصى وكذب وتولى، ألا فادخلوا أيها الناس فبايعوا بيعة هدى، فلا و الذي جعل السماء سقفاً مكفوفاً، والأرض فجاجاً سبلا، ما بايعتم بعد على بن أبي طالب وآل على أهدى منها .ثم نزل فدخل، ودخلنا عليه وأشراف الناس، فبسط يده، وابتدره الناس فبايعوه،وجعل يقول: تبايعوني على كتاب الله وسنة نبيه، والطلب بدماء أهل البيت، وجهاد المحلين، والدفع عن الضعفاء، وقتال من قاتلنا، وسلم من سالمنا، والوفاء ببيعتنا، لا نقيلكم ولا نستقيلكم؛ فإذا قال الرجل: نعم، بايعته. قال: فكأني والله أنظر إلى
المنذر بن حسان بن ضرار الضبي إذأتاه حتى سلم عليه بالإمرة، ثم بايعه وانصرف عنه، فلما خرج من القصر استقبل سعيد بن منقذ الثوري في عصابة من الشيعة واقفاً عن المصطبة،فلما رأوه ومعه ابنه حيان بن المنذر، قال رجل من سفهائهم: هذا والله من رءوس الجبارين، فشدوا عليه وعلى ابنه، فقتلوهما، فصاح به سعيد بنالمنذر بن حسان بن ضرار الضبي إذأتاه حتى سلم عليه بالإمرة، ثم بايعه وانصرف عنه، فلما خرج من القصر استقبل سعيد بن منقذ الثوري في عصابة من الشيعة واقفاً عن المصطبة،فلما رأوه ومعه ابنه حيان بن المنذر، قال رجل من سفهائهم: هذا والله من رءوس الجبارين، فشدوا عليه وعلى ابنه، فقتلوهما، فصاح به سعيد بن منقذ: لا تعجلوا، لاتعجلوا حتى ننظر مارأى أميركم فيه، قال: وبلغ المختار ذلك ، فكرهه حتى رئى ذلك في وجهه، وأقبل المختار يمني الناس ، ويستجر مودتهم ومودة الأشراف، ويسحن السيرة جهده. قال: وجاءه ابن كامل فقال للمختار، أعلمت أن ابن مطيع في دار أبي موسى؟ فلم يجبه بشئ، فأعادها عليه ثلاث مرات فلم يجبه، ثم أعادها فلم يجيبه، فظن ابن كامل أن ذلك لا يوافقه، وكان ابن مطيع قبل للمختار صديقاً، فلما أمسى بعث إلى أبن مطيع بمائة ألف درهم فقال له: تجهز بهذه واخراج؛ فإني قد شعرت بمكانك، وقد ظننت أنه لم يمنعك من الخروج إلى أنه ليس في يديك ما يقويك على الخروج. وأصاب المختار تسعة آلاف ألف في بيت مال الكوفة، فأعطى أصحابه الذين قاتل بهم حين حصر ابن مطيع في القصر - وهم ثلاثة آلاف وثمانمائة رجل - كل رجل خمسمائة درهم خمسمائة درهم، وأعطى ستة آلاف من أصحابه أتوه بعد ما أحاط بالقصر، فأقاموا معه تلك الليلة وتلك الثلاثة الأيام حتى دخل القصر مائتين مائتين، واستقبل الناس بخير، ومناهم العدل وحسن السيرة، وأدنى الأشراف، فكانوا جلساءه وحداثه، واستعمل على شرطته عبد الله بن كامل الشاكري، وعلى حرسه كيسان أبا عمرة مولى عربته؛ فقام ذات يوم على رأسه، فرأى الأشراف يحدثونه، ورآه قد أقبل بوجهه وحديثه عليهم، فقال لأبي عمرة بعض أصحابه من الموالي: أما ترىأبا إسحاق قد أقبل على العرب ما ينظر إلينا! فدعاه المختار فقال له: ما يقول لك أولئك الذين رأيتهم يكلمونك؟ فقال له - وأسر إليه: شق عليهم أصلحك الله صرفك وجهك عنهم إلى العرب، فقال له : قل لهم: لايشقن
ذلك عليكم، فأنتم مني وأنا منكم، ثم سكت طويلاً، ثم قرأ: " إنا من المجرمين منتقمون " قال: فحدثني أبو الأشعر موسى بن عامر قال: ماهو إلى أن سمعها الموالي منه، فقال بعضهم لبعض: أبشروا،كأنكم والله به قد قتلهم . قال أبو مخنف: حدثني حصيرة بن عبد الله الأزدي وفضيل بن خديج الكندي والنضر بن صالح العبسي، قالوا: أول رجل عقد له المختارراية عبد الله بن الحارث أخو الأشتر، عقد له على أرمينية، وبعث محمد ابن عمير بن عطارد على آذربيجان، وبعث عبد الرحمن بن سعيد بن قيس على الموصل، وبعث إسحاق بن مسعود على المدائن وأرض جوخى،وبعث قدامة بن أبي عيسى بن ربيعة النصري، وهو حليف لثقيف على بهقباذ الأعلى، وبعث محمد بن كعب بن قرظة على بهقباذ الأوسط، وبعثحبيب بن منقذ الثوري على بهقباذ الأسفل، وبعث سعد بن حذيفة بن اليمان على حلوان، وكان مع سعد بن حذيفة ألفا فارس بحلوان. قال:ورزقه ألف درهم في كل شهر، وامره بقتال الأكراد، وبإقامة الطرق، وكتب إلى عماله على الجبال يأمرهم أن يحملوا أموال كورهم إلى سعد بن حذيفة بحلوان،وكان عبد الله بن الزبير قد بعث محمد بن الأشعث بن قيس على الموصل وأمر بمكاتبة ابن مطيع وبالسمع له والطاعة، غير أن ابن مطيع لا يقدر على عزله إلا بأمر ابن الزبير، وكان قبل ذلك في إمارة عبد الله بن يزيد،وإبراهيم بن محمد منقطعاً بإمارة الموصل، لا يكاتب أحداً دون ابن الزبير. فلما قدم عليه عبد الرحمنبن سعيد بن قيس من قبل المختار أميراً تنحى له عن الموصل، وأقبل حتى نزل تكريت، وأقام بها مع أناس من أشراف قومه وغيرهم، وهو معتزل ينظر ما يصنع الناس، وإلى ما يصير أمرهم، ثم شخص إلى المختار فبايع له، ودخل فيما دخل فيه أهل بلده. قال أبو مخنف: وحدثني صلة بن زهير النهدي، عن مسلم بن عبد الله الضبابي، قال: لما ظهر المختار واستمكن، ونفى ابن مطيع وبعث عماله،أقبل يجلس للناس غدوةً وعشية، فيقضى بين الخصمين، ثم قال: والله إن لي فيما أزاول وأحاول لشغلا عن القضاء بين الناس، قال: فأجلس للناس شريحاً، وقضى بين الناس، ثم إنه خافهم فمارض، وكانوا يقولون: إنه عثماني، وإنه ممن شهد على حجر بن عدي، وإنه لم يبلغ عن هاني ابن عروة ما أرسله به - وقد كان علي بن أبي طالب عزله عن القضاء - فلماأن سمع بذلك ورآهم يذمونه ويسندون إليه مثل هذا القول تمارض، وجعلالمختار مكانه عبد الله بن عتبة بن مسعود. ثم إن عبد الله مرض، فجعل مكانهعبد الله بن مالك الطائي قاضياً. قال مسلم بن عبد الله: وكان قبد الله بن همام سمع أبا عمرة يذكر الشيعة وينال من عثمان بن عفان، فقنعه بالسوط، فلما ظهر المختار كان معتزلاًحتى استأمن له عبد الله بن شداد، فجاء إلى المختار ذات يوم فقال:
ألا انتسأت بالود عنك وأدبرت ... معالنةً بالهجر أم سريع
وحملها واش سعى غير مؤتل ... فابت بهم في الفؤاد جميع
فخفض عليك الشأن لايردك الهوى ... فليس انتقال خلة ببديع
وفي ليلة المختارما يذهل الفتى ... ويلهيه عن رؤد الشباب شموع
دعا يالثأرات الحسين فأقبلت ... كتائب من همدان بعد هزيع
ومن مذحج جاء الئيس ابن مالك ... يقود جموعاً عبيت بجموع
ومن أسد وافى يزيد لنصره ... بكل فتى حامي الذمار منيع
وجاء نعيم خير شيبان كلها ... بأمر لدى الهيجا أحد جميع
وما ابن شميط إذ يحرض قومه ... هناك بمخذول ولا بمضيع
ولا قيس نهد لا ولا ابن هوزان ... وكل أخو إخباتة وخشوع
وسار أبو النعمان لله سعيه ... إلى ابن إياس مصحراً لوقوع
بخيل عليها يوم هيجا دروعها ... وأخرى حسوراً غير ذات دروع
فكر الخيول كرةً ثقفتهم ... وشد بأولاها على ابن مطيع
فولى بضرب يشدخ الهام وقعه ... وطعن غداة السكتين وجيع
فحوصر في دار الإمارة بائياً ... بذل وإرغام له وخضوع
فمن وزير ابن الوصى عليهم ... وكان له في الناس خير شفيع
وآب الهدى حقاً إلى مستقره ... بخير إياب آبه ورجوع
إلى الهاشمي المهتدى به ... فنحن له من سامع ومطيع
قال: فلما أنشدها المختار قال المختار لأصحابه: قد أثنى عليكم كما تسمعون، وقد أحسن الثناء عليكم، فأحسنوا له الجزاء. ثم قام المختار،فدخل وقال لأصحابه: لا تبرحوا حتى أخرج إليكم؛ قال: وقال عبد الله ابن شداد الجشمي: يابن همام: إن لك عندي فرساً ومطرفاً، وقال قيس بن طهفة النهدي - وكانت عنده الرباب بنت الأشعث: فإن لك عندي فرساً ومطرفاً، واستحيا أن يعطيه صاحبه شيئاً لا سعطى مثله، فقال ليزيد بن أنس: فما تعطيه؟ فقال يزيد: إن كان ثواب الله أراد بقوله فما عندالله خير له، وإن كان إنما اعترى بهذا القول أموالنا، فو الله ما في أموالنا ما يسعه؛ قد كانت بقيت من عطائي يقية فقويت بها إخواني؛ فقال أحمر بن شميط مبادراً لهم قبل أن يكلموه: يا بن همام، إن كنت أردت بهذا القول وجه الله فاطلب ثوابك من الله، وإن كنت إنما اعتريت به رضاالناس وطلب أموالهم، فاكدم الجندل؛ فو الله ما من قال قولا لغير الله وفي غير ذات الله بأهل أن ينحل، ولايوصل؛ فقال به : عضضت بأيرأبيك! فرفع يزيد بن أنس السوط وقلا لابن همام: تقول هذا القول يافاسق!وقال لابن شميط: اضربه بالسيف، فرفع ابن شميط عليه السيف ووثب ووثب أصحابهما يتفلتون على ابن همام. وأخذ بيده إبراهيم بن الأشتر فألقاه وراءه، وقال: أنا له جار، لم تأتون إليه ما أرى! فو الله إنه لواصل الولاية،راض بما نحن عليه، حسن الثناء، فإن أنتم لم تكافئوه بحسن ثنائه، فلا تشتموا عرضه، ولا تسفكوا دمه. ووثبت مذحج فحالت دونه، وقالوا:أجاره ابن الأشتر، لا والله لا يوصل إليه. قال: وسمع لغطهم المختار، فخرج إليهم، وأومأ بيده إليهم، أن اجلسوا، فجلسوا، فقال لهم: إذا قيل لكم خير فاقبلوه، وإن قدرتم على مكافأة فافعلوا، وإن لم تقدروا على مكافأة فتنصلوا، واتقوا لسان الشاعر. فإن شره حاضر، وقوله فاجر،وسعيه بائر. وهو بكم غداً غادر. فقالوا: أفلا تقتله؟ قال: إنا قدآمناه وأجرناه، وقد أجاره أخوكم إبراهيم بن الاشتر، فجلس مع الناس.قال: ثم إن إبراهيم قام فانصرف إلى منزله فأعطاه ألفاً وفرساً ومطرفاً فرجع بها وقال: لا والله، لا جاورت هؤلاء أبداً وأقبلت هوازن وغضبت واجتمعت في المسجد غضباً لابن همام. فبعث إليهم المختار فسألهم أن يصفحوا عما اجتمعوا له، ففعاوا، وقال ابن همام لابن الأشتر يمدحه:
أطفأ عني نار كلبين ألبا ... على الكلاب ذو الفعال ابن مالك
فتى حين يلقى الخيل يفرق بينها ... بطعن دراك أو بضرب مواشك
وقد غضبت لي من هوازن عصبة ... طوال الذرا فيها عراض المبارك


إذا ابن شميط أو يزيد تعرضا ... لها وقعا في مستحار المهالك
وثبتم علينا يا موالي طيئ ... مع ابن شميط شر ماش وراتك
وأعظم ديار على الله فرية ... وما مفتر طاغ كآخر ناسك
فيا عجباً من أحمس اينة أحمس ... توثب حولي بالقنا والنيازك
كأنكم في العز قيس وخثعم ... وهل أنتم إلى لئام عوارك
وأقبل عبد الله بن شداد من الغد فجلس في المسجد يقول: علينا توثب بنو أسد وأحمس! والله لا نرضى بهذا أبداً. فبلغ ذلك المختار، فبعث إليه فدعاه، ودعا بيزيد بن أنس وبابن شميط، فحمد الله وأثنى عليه وقال: يابن شداد، إن الذي فعلت نزغة من نزغات الشيطان، فتب إلى الله، قال: قد تبت، وقال: إن هذين أخواك، فأقبل إليهما، واقبل منهما، وهب لي هذا الأمر؛ قال: فهو لك، وكان ابن همام قد قال قصيدةً أخرى في أمر المختار، فقال:
أضحت سليمي بعد طول عتاب ... وتجرم ونفاد غرب شباب
قد أزمعت بصريمتي وتجنبي ... وتهوك مذ ذاك في إعتاب
لما رأيت القصر أغلق بابه ... وتوكلت همدان بالأسباب
ورأيت أصحاب الدقيق كأنهم ... حول البيوت ثعالب الأسراب
ورأيت أبواب الأزقة حولنا ... دربت بكل هراوة وذباب
أيقنت أن خيول شيعة راشد ... لم يبق منها فيش أير ذباب
ذكر الخبر عن أمر المختار مع قتلة الحسين بالكوفة

قال أبو جعفر: وفي هذه السنة وثب المختار بمن كان بالكوفة من قتلةالحسين و المشايعين على قتله، فقتل من قدر عليه منهم، وهرب من الكوفةبعضهم، فلم يقدر عليه.ذكر الخبر عن سبب وثوبه بهم وتسمية من قتل منهم ومن هرب فلم يقدر عليه منهم: وكان سبب ذلك - فيما ذكره هشام بن محمد، عن عوانة بن الحكم - أن مروان بن الحكم لما استوسقت له الشأم بالطاعة، بعث جيشين أحدهما إلى الحجاز عليه حبيش بن دلجة القيني - وقد ذكرنا أمره وخبر مهلكه قبل - والآخر منهما إلى العراق عليهم عبيد الله بن زياد - وقد ذكرنا ما كان من أمره وأمر التوابين من الشيعة بعين الوردة - وكان مروان جعل لعبيد الله بن زياد إذ وجهه إلى العراق ما غلب عليه، وأمره أن ينهب الكوفة إذا هوظفر بأهلها ثلاثاً. قال عوانة: فمر بأرض الجزيرة فاحتبس بها وبها قيس عيلان علىطاعة ابن الزبير، وقد كان مروان أصاب قيساً يوم مرج راهط وهم مع الضحاك بن قيس مخالفين على مروان، وعلى ابنه عبد الملك من بعده،فلم يزل عبيد الله مشغلا بهم عن العراق نحواً من سنة. ثم إنه أقبل إلى الموصل، فكتب عبد الرحمن بن سعيد بن قيس عامل المختار على الموصل إلى المختار: أما بعد، فإني أخبرك أيها الأمير أن عبيد الله بن زياد قد دخل أرض الموصلن وقد وجه قبلي خيله ورجاله. وأني انحزت إلى تكريت حتىيأتيني رأيك وأمرك، والسلام عليك. فكتب إليه المختار: أما بعد، فقد بلغني كتابك، وفهمت كل ما ذكرت فيه، فقد أصبت بانحيازك إلى تكريت، فلا تبرحن مكانك الذي أنت به حتى يأتيك أمري إن شاء الله، والسلام عليك. قال هشام. عن أبي مخنف: حدثني موسى بن عامر، أن كتاب عبد الرحمن بن سعيد لما ورد على المختار بعث إلى يزيد بن أنس فدعاه، فقال له: يا يزيد بن أنس، إن العلم ليس كالجاهل، وإن الحق ليس كالباطل، وإني أخبرك خبر من لم يكذب ولم يكذب، ولم يخالف ولم يرتب، وإنا المؤمنون الميامين، الغالبون المساليم، وإنك صاحب الخيل التي تجر جعبها، وتضفر أذنابها، حتى توردها منابت الزيتون، غائرة عيونها،لاحقة بطونها. اخرج إلى الموصل حتى تنزل أدانيها، فإني ممدك بالرجال بعد الرجال. فقال له يزيد بن أنس: سرح معي ثلاثة آلاف فارس أنتخبهم، وخلني والفرج الذي توجهنا إليه، فإن احتجت إلى الرجال فسأكتب إليك؛ قال له المختار: فاخرج فانتخب على اسم الله من أحببت فخرج فانتخب ثلاثة آلاف فارس، فجعل على ربع المدينة النعمان بن عوف بن أبي جابر الأزدي، وعلى ربع تميم وهمدان عاصم بن قيس بن حبيب الهمداني، وعلى مذحج وأسد ورقاء بن عازب الأسدي، وعلى ربع ربيعة وكندة سعر بن أبي سعر الحنفي. ثم إنه فصل من الكوفة، فخرج وخرج معه المختار والناس يشيعونه، فلما بلغ دير أبي موسى ودعه المختار وانصرف، ثم قال له: إذا لقيت عدوك فلا تناظرهم، وإذا أمكنتك الفرصة فلا تؤخرها، وليكن خبرك في كل يوم عندي، وإن احتجت إلى مدد فاكتب إلى؛ مع أني ممدك ولو لم تستمدد، فإنه أشد لعضدك، وأعز لجندك، وأرعب لعدوك. فقال له يزيد بن أنس: لا تمدني إلى بدعائك، فكفى به مدداً. وقال له الناس: صحبك الله وأداك وأيدك. وودعوه فقال لهم يزيد: سلوا الله لي الشهادة وايم الله لئن لقيتهم ففاتني النصر لا تفتني الشهادة إن شاء الله. فكتب المختار إلى عبد الرحمن بن سعيد بن قيس: أما بعد، فخل بين يزيد وبين البلاد إن شاء الله، والسلام عليك. فخرج يزيد بن أنس بالناس حتى بات بسوراً، ثم غدا بهم سائراً حتى بات بهم بالمدائن؛ فشكا الناس إليه ما دخلهم من شدة السير عليهم، فأقام بها يوماً وليلة. ثم إنه اعترض بهم أرض جوخى حتى خرج بهم في الراذانات، حتى قطع بهم إلى أرض الموصل، فنزلت ببنا تلى، وبلغ مكانه ومنزله الذي نزل به عبيد الله بن زياد،فسأل عن عدتهم، فأخبرته عيونه أنه خرج معه من الكوفة ثلاثة آلاف فارس، فقال عبيد الله: فأنا أبعث إلى كل ألف ألفين. ودعا ربيعة بن المخارق الغنوي وعبد الله بن حملة الخثعمي، فبعثهما في ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف، وبعث ربيعة بن المخارق أولا، ثم مكث يوماً، ثم بعث خلفه عبد الله بن حملة، ثم كتب إليهما: أيكما سبق فهو أمير على صاحبه،وإن انتهيتما جميعاً فأكبركما سنا أمير على صاحبه والجماعة. قال: فسبق ربيعة بن المخارق فنزل بيزيد بن أنس وهو ببنات تلى، فخرج إليه يزيد بن أنس وهو مريض مضنى. قال أبو مخنف: فحدثني أبو الصلت، عن أبي سعيد الصيقل، قال: خرج علينا يزيد بن أنس وهو مريض على حمار يمشي معه الرجال يمسكونه عن يمينه وعن شماله، بفخذيه وعضديه
وجنبيه، فجعل يقف على الأرباع:ربع ربع ويقول: يا شرطة الله، اصبروا تؤجروا، وصابروا عدوكم تظفروا، وقاتلوا أولياء الشيطان. إن كيد الشيطان كان ضعيفاً، إن هلكت فأميركم ورقاء بن عازب الأسدي، فإن هلك فأميركم عبد الله بن ضمرة العذري، فإن هلك فأميركم سعر بن أبي سعر الحنفي. قال: و أنا والله فيمن يمشي معه ويمسك يعضده، وإني لأعرف في وجهه أن الموت قد نزل به. قال: فجعل يزيد بن أنس عبد الله بن ضمرة العذري على ميمنته، وسعر بن أبي سعر على ميسرته، وجعل ورقاء بن عازب الأسدي على الخيل، ونزل هو فوضع بين الرجال على السرير، ثم قال لهم: ابرزوا لهم بالعراء، وقد موني في الرجال، ثم إن شئتم فقاتلوا عن أميركم،وإن شئتم ففروا عنه. قال: فأخرجناه في ذي الحجة يوم عرفة سنة ست وستين، فأخذنا نمسك أحياناً بظهره فيقول: اصنعوا كذا ، اصنعوا كذا،وافعلوا كذا، فيأمر بأمره، ثم لا يكون بأسرع من أن يغلبه الوجع فيوضع هنيهة ويقتتل الناس، وذلك عند شفق الصبح قبل شروق الشمس . قال: فحملت ميسرتهم على ميمنتنا، فاشتد قتالهم، وتحمل ميسرتنا على ميمنتهم فتهمزمها، ويحمل ورقاء بن عازب الاسدي في الخيل فهزمهم، فلم يرتفع الضحى حتى هزمناهم، وحوينا عسكرهم.ه، فجعل يقف على الأرباع:ربع ربع ويقول: يا شرطة الله، اصبروا تؤجروا، وصابروا عدوكم تظفروا، وقاتلوا أولياء الشيطان. إن كيد الشيطان كان ضعيفاً، إن هلكت فأميركم ورقاء بن عازب الأسدي، فإن هلك فأميركم عبد الله بن ضمرة العذري، فإن هلك فأميركم سعر بن أبي سعر الحنفي. قال: و أنا والله فيمن يمشي معه ويمسك يعضده، وإني لأعرف في وجهه أن الموت قد نزل به. قال: فجعل يزيد بن أنس عبد الله بن ضمرة العذري على ميمنته، وسعر بن أبي سعر على ميسرته، وجعل ورقاء بن عازب الأسدي على الخيل، ونزل هو فوضع بين الرجال على السرير، ثم قال لهم: ابرزوا لهم بالعراء، وقد موني في الرجال، ثم إن شئتم فقاتلوا عن أميركم،وإن شئتم ففروا عنه. قال: فأخرجناه في ذي الحجة يوم عرفة سنة ست وستين، فأخذنا نمسك أحياناً بظهره فيقول: اصنعوا كذا ، اصنعوا كذا،وافعلوا كذا، فيأمر بأمره، ثم لا يكون بأسرع من أن يغلبه الوجع فيوضع هنيهة ويقتتل الناس، وذلك عند شفق الصبح قبل شروق الشمس . قال: فحملت ميسرتهم على ميمنتنا، فاشتد قتالهم، وتحمل ميسرتنا على ميمنتهم فتهمزمها، ويحمل ورقاء بن عازب الاسدي في الخيل فهزمهم، فلم يرتفع الضحى حتى هزمناهم، وحوينا عسكرهم.
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-03-2014, 07:22 PM   #68 (permalink)
بحرجديد
مشرف التاريخ والحضاره - أمير الأبداع - كاتب مميز - مشرف الشهر المميز
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
قال أبو مخنف: وحدثني موسى بن عامر العدوي، قال: انتهينا إلى ربيعة ابن المخارق صاحبهم، وقد انهزم عنه أصحابه وهو نازل ينادي: يا أولياءالحق، ويا أهل السمع والطاعة، إلى أنا ابن المخارق؛ قال موسى: فأما أنا فكنت غلاماً حدثاً، فهبته ووقفت، ويحمل عليه عبد الله بن ورقاء الأسدي وعبد الله بن ضمرة العذري، فقتلاه. قال أبو مخنف: وحدثني عمرو بي مالك أبو كبشة القيني؛ قال: كنت غلاماً حين راهقت مع أحد عمومي في ذلك العسكر، فلما نزلنا بعسكر الكوفيين عبأنا ربيعة بن المخارق فأحسن التعبئة، وجعل على ميمنته ابن أخيه، وعلى ميسرته عبد ربه السلمي، وخرج هو في الخيل و الرجال وقال: ياأهل الشأم، إنكم إنما تقاتلون العبيد الأباق، وقوماً قد تركوا الإسلام وخرجوا منه. ليست لهم تقية، ولا ينطقون بالعربية؛ قال: فو الله إن كنت لأحسب أن ذلك كذلك حتى قاتلناهم؛ قال: فو الله ما هو إلى أن اقتتل الناس إذا رجل من أهل العراق يعترض الناس بسيفه وهو يقول:
برئت من دين المحكمينا ... وذاك فينا شر دين دينا
ثم إن قتالنا وقتالهم اشتد ساعة من النهار، ثم إنهم هزمونا حين ارتفع الضحى فقتلوا صاحبنا. وحووا عسكرنا؛ فخرجنا منهزمين حتى تلقانا عبد الله بن حملة على مسيرة ساعة من تلك القرية التي يقال لها بنات تلى، فردنا، فأقبلنا معه حتى نزل بيزيد بن أنس، فبتنا متحارسينحتى أصبحنا فصلينا الغداة، ثم خرجنا على تعبئة حسنة، فجعل على ميمنته الزبير بن خزيمة؛ من خثعم، وعلى ميسرته ابن أقيصر القحافي من خثعم، وتقدم في الخيل والرجال، وذلك يوم الاضحى، فاقتتلنا قتالاً شديداً، ثم إنهم هزمونا هزيمة قبيحة، وقتلونا قتالاً ذريعاً، وحووا عسكرنا، وأقبلناحتى انتهينا إلى عبيد الله بن زياد فحدثناه بما لقينا. قال أيو مخنف: وحدثني موسى بن عامر، قال: أقبل إلينا عبد الله بن حملة الخثعمي؛ فاستقبل فل ربيعة بن المخارق الغنوي فردهم، ثم جاء حتى نزل ببنات تلى، فلما أصبح غادوا غادينا، فتطاردت الخيلان من أول النهار، ثم انصرفوا وانصرفنا؛ حتى إذا صلينا الظهر خرجنا فاقتتلنا، ثم هزمناهم.
قال: ونزل عبد الله بن حملة فأخذ ينادي أصحابه: الكرة بعد الفرة، ياأهل السمع والطاعة؛ فحمل عليه عبد الله بن قراد الخثعمي فقتله، وحوينا عسكرهم وما فيه، وأتى يزيد بن أنس بثلثمائة أسير وهو في السوق، فأخذ يومئ بيده أن اضربوا أعناقهم، فقتلوا من عند آخرهم.
وقال يزيد بن أنس: إن هلكت فأميركم ورقاء بن عازب الأسدي، فما أمسى حتى مات، فصلى عليه ورقاء بن عازب ودفنه، فلما رأى ذلك أصحابه أسقط في أيديهم، وكسر موته قلوب أصحابه، وأخذوا في دفنه، فقال لهم ورقاء: ياقوم. ماذا ترون؟ إنه قد بلغني أن عبيد الله بن زياد قد أقبل إلينا في ثمانين ألفاً من أهل الشأم، فأخذوا يتسللون ويرجعون. ثم إن ورقاء دعا رءوس الأرباع وفرسان أصحابه فقال لهم: ياهؤلاء، ماذا ترون فيما أخبرتكم؟ إنما أنا رجل منكم، ولست بأفضلكم رأباً. فأشيروا على. فإن ابن زياد قد جاءكم في جند أهل الشأم الأعظم، وبجلتهم فرسانهم وأشرافهم. ولا أرى لنا ولكم بهم طاقة على هذه الحال، وقد هلك يزيد بن أنس أميرنا، وتفرقت عنا طائفة منا، فلو انصرفنا اليوم من تلقاء أنفسنا قبل أن نلقاهم، وقبل أن نبلغهم، فيعلموا أنا إنما ردنا عنهم هلاك صاحبنا، فلا يزالوا لنا هائبين لقتلنا منهم أميرهم! ولأنا إنما نعتل لانصرافنا بموت صاحبنا. وإنا لقيناهم اليوم كنا مخاطرين، فإن هزمنا اليوم لم تنفعنا هزيمتنا إياهم من قبل اليوم. قالوا: فإنك نعماً رأيت، انصرف رحمك الله. فانصرف، فبلغ منصرفهم ذلك المختار وأهل الكوفة، فأرجف الناس، ولم يعلموا كيف كان الأمر أن يزيد بن أنس هلك، وأن الناس هزموا، فبعث إلى المختار عامله على المدائن عيناً له من أنباط السواد فأخبره الخبر، فدعا المختار إبراهيم بن الأشتر فعقد له على سبعة آلاف رجل، ثم قال له: سر حتى إذا أنت لقيت جيش ابن أنس فارددهم معك، ثم سر حتى تلقى عدوك فتناجزهم. فخرج إبراهيم فوضع عسكره بحمام أعين. قال أبو مخنف: فحدثني أبو زهير النضر بن صالح، قال: لما مات يزيد أنس التقى أشراف الناس بالكوفة فارجفوا بالمختار وقالوا: قتل يزيد بن أنس، ولم يصدقوا أنه مات، وأخذوا يقولون: والله لقد بأمر علينا هذا الرجل بغير رضاً منا، ولقد أدنى موالينا، فحملهم على الدواب، وأعطاهم وأطعمهم فيئنا، ولقد عصتنا عبيدنا، فحرب بذلك أيتامنا وأراملنا. فاتعدوا منزل شبث بن ربعي وقالوا: نجتمع في منزل شيخنا - وكان شبث جاهلياً إسلامياً - فاجتمعوا فأتوا منزله، فصلى بأصحابه، ثم تذاكروا هذا النحو من الحديث قال: ولم يكن فيما أحدث المختار عليهم شئ هو أعظم من أن جعل للموالي الفئ نصيباً - فقال لهم شبث: دعوني حتى ألقاه؛ فذهب فلقيه، فلم يدع شيئاً مما أنكره أصحابه إلى وقد ذاكره إياه، فأخذ لا يذكر خصلة إلا قال له المختار: أرضيهم في هذه الخصلة، وآتى كل شئ أحبوا؛ قال: فذكر المماليك؛ قال: فأنا أرد عليهم عبيدهم، فذكر له الموالي، فقال: عمدت إلى موالينا، وهم فئ أفاءه الله علينا وهذه البلاد جميعاً فأعتقنا رقابهم، نأمل الأجر في ذلك و الثواب و الشكر، فلم ترض لهم بذلك حتى جعلتهم شركاءنا في فيئنا، فقال لهم المختار: إن أنا تركت لكم موالينا، وجعلت فيئكم فيكم، أتقاتلون معي بني أمية وابن الزبير، وتعطون على الوفاء بذلك عهد الله وميثاقه، وما أطمئن إليه من الأيمان؟ فقال شبث: ما أدري حتى أخرج إلى أصحابي فأذاكرهم ذلك، فخرج فلم يرجع إلى المختار.قال: وأجمع رأى أشراف أهل الكوفة على قتال المختار.
قال أبو مخنف: فحدثني قدامة بن حوشب، قال: جاء شبث ابن ربعي وشمر بن ذي الجوشن ومحمد بن الأشعث وعبد الرحمن بن سعيد بي قيس حتى دخلوا على كعب بن أبي الخثعمي، فتكلم شبث، فحمد الله وأثنى عليه، ثم أخبره باجتماع رأيهم على قتال المختار، وسأله أن يجيبهم إلى ذلك، وقال فيما يعيب به المختار: إنه تأمر علينا بغير رضاً منا، وزعم أن ابن الحنفية بعثه إلينا، وقد علمنا أن ابن الحنفية لم يفعل، وأطعم موالينا فيئنا. وأخذ عبيدنا، فحرب بهم يتامانا وأراملنا، وأظهر هو وسبئيته البراءة من أسلافنا الصالحين. قال: فرحب بهم كعب بن أبي كعب، وأجابهم إلى ما دعوه إليه. قال أبو مخنف: حدثني أبي يحيى بن سعيد أن أشراف أهل الكوفة قد كانوا دخلوا على عبد الرحمن بن مخنف، فدعوه إلى أن يجيبهم إلى قتال المختار، فقال لهم: ياهؤلاء، إنكم إن أبيتم إلا أن تخرجوا لم أخذلكم، وإن أنتم أطعتموني لم تخرجوا. فقالوا: لم؟ قال: لأني أخاف أن تتفرقوا وتختلفوا وتتخاذلوا؛ ومع الرجل والله شجعاؤكم وفرسانكم من أنفسكم؛ أليس معه فلان وفلان! ثم معه عبيد كم ومواليكم، وكلمة هؤلاء واحدة، وعبيدكم و مواليكم أشد حنقاً عليكم من عدوكم، فهو مقاتلكم بشجاعة العرب، وعداوة العجم، وإن انتظرتموه قليلا كفيتموه بقدوم أهل الشأم، أو بمجئ أهل البصرة، فتكونوا قد كفيتموه بغيركم، ولم تجعلوا بأسكم بينكم؛ قالوا: ننشدك الله أن تخالفنا، وأن تفسد علينا رأينا وما قد اجتمعت عليه جماعتنا. قال: فأنا رجل منكم، فإذا شئتم فاخرجوا.فسار بعضهم إلى بعض وقالوا: انتظروا حتى يذهب عنه إبراهيم بن الأشتر؛ قال: فأمهلوا حتى إذا بلغ ابن الأشتر ساباط، وثبوا بالمختار. قال: فخرج عبد الرحمن ابن سعيد بن قيس الهمداني في همدان في جبانة السبيع، وخرج زحر بن قيس الجعفي وإسحاق بن محمد بن الأشعث في جبانة كندة.
قال هشام: فحدثني سليمان بن محمد الحضرمي، قال: خرج إليهما جبير الحضرمي فقال لهما: أخرجا عن جبانتنا، فإنا نكره أن نعرى بشر؛ فقال له إسحاق بن محمد: وجبانتكم هي؟ قال: نعم، فانصرفوا عنه؛ وخرج كعب بن أبي كعب الخثعمي في جبانة بشر، وسار بشير بن جرير بن عبد الله إليهم في بمجيلة، وخرج عبد الرحمن بن مخنف في جبانة مخنف، وسار إسحاق بن محمد وزحر بن قيس إلى عبد الرحمن ابن سعيد بن قيس بجبانة السبيع، وسارت بجيلة وخشعم إلى عبد الرحمن ابن مخنف وهو بالأزد. وبلغ الذين في جبانة السبيع أن المختار قد عبأ لهم خيلا ليسير إليهم فبعثوا الرسل يتلو بعضها بعضاً إلى الأزد وبجيلةو ثعم، يسألونهم بالله والرحم لما عجلوا إليهم. فساروا إليهم واجتمعوا جميعاً في جبانة السبيع، ولما أن بلغ ذلك المختار سره اجتماعهم في مكان واحد، وخرج شمر بن ذي الجوشن حتى نزل بجبانة بني سلول في قيس، ونزل شبث بن ربعي وحسان بن فائد العبسي وربيعة بن ثروان الضبي في مضر بالكناسة، ونزل حجار بن أبحر ويزيد بن الحارث بن رؤيم في ربيعة فيما
بي التمارين والسبخة، ونزل عمرو بن الحجاج الزبيدي في جبانة مراد بمن تبعه من مذحج، فبعث إليه أهل اليمن: أن ائتنا، فأبى أن يأتيهم وقال لهم: جدوا، فكأني قد أتيتكم. قال: وبعث المختار رسولا من يومه يقال له عمرو بن توبة بالركض إلى إبراهيم بن الأشتر وهو بساباط ألا تضع كتابي من يدك حتى تقبل بجميع من معك إلى قال: وبعث إليهم المختار في ذلك اليوم: أخبروني ما تريدون؟ فإني صانع كل ما أحببتم، فقالوا: فإنا نريد أن تعتزلنا، فإنك زعمت أن ابن الحنفية بعثك ولم يبعثك. فأرسل إليهم المختار أن ابعثوا إليه من قبلكم وفداً، وأبعث إليه من قبلي وفداً، ثم انظروا في ذلك حتى تتبينوه؛ وهو يريد أن يريثهم بهذه المقالة ليقدم عليه إبراهيم بن الأشتر، وقد أمر أصحابه فكفوا أيديهم، وقد أخذ أهل الكوفة عليهم بأفواه السكك، فليس شئ يصل إلى المختار ولا إلى أصحابه من الماء إلا القليل الوتح، يجيئهم إذا غفلوا عنه. قال: وخرج عبد الله بن سبيع في الميدان، فقاتلته شاكر قتالاً شديداً، فجاءه عقبة بن طارق الجشمي فقاتل معه ساعة حتى رد عاديتهم عنه، ثم أقبلا على حاميتهما يسيران حتى نزل عقبة بن طارق مع قيس في جبانة بني سلول، وجاء عبد الله بن سبيع حتى نزل مع أهل اليمن في جبانة السبيع. قال أبو مخنف: حدثني يونس بن أبي إسحاق، أن شمر بن ذي الجوشن أتى أهل اليمن فقال لهم: إن اجتمعتم في مكان نجعل فيه مجنبتين ونقاتل من وجه واحد فأنا صاحبكم، وإلا فلا، والله لا أقاتل في مثل هذا المكان في سكك ضيقة، ونقاتل من غير وجه. وانصرف إلى جماعة قومه في جبانة بني سلول. قال: ولما خرج رسول المختار إلى ابن الأشتر بلغه من يومه عشية، فنادى في الناس: أن ارجعوا إلى الكوفة، فسار بقية عشيته تلك، ثم نزل حين أمسى، فتعشى أصحابه، وأراحوا الدواب شيئاً كلا شئ، ثم نادى في الناس، فسار ليلته كلها، ثم صلى الغداة بسورا، ثم سار من يومه فصلى العصر على باب الجسر من الغد، ثم إنه جاء حتى بات ليلته في المسجد ومعه من أصحابه أهل القوة والجلد، حتى إذا كانت صبيحة اليوم الثالث من مخرجهم على المختار، خرج المختار إلى المنبر فصعده. قال أبو مخنف: فحدثني أبو جناب الكلبي أن شبث بن ربعي بعث إليه أبنه عبد المؤمن فقال: إنما نحن عشيرتك، وكف يمينك، لا والله لا نقاتلك، فثق بذلك منا؛ وكان رأيه قتاله، ولكنه كاده. ولما أن اجتمع أهل اليمن بجبانة السبيع حضرت الصلاة. فكره كل رأس من رءوس أهل اليمن أن يتقدمه صاحبه، فقال لهم عبد الرحمن بن مخنف: هذا أول الإختلاف، قدموا الرضا فيكم فإن في عشيرتكم سيد قراء أهل مصر، فيلصل بكم رفاعو بن شداد الفتياني من بجيلة، ففعلوا، فلم يزل يصلي بهم حتى كانت الوقعة. قال أبو مخنف: وحدثني وازع بن السرى أن أنس بن عمرو الأزدي انطلق فدخل في أهل اليمن، وسمعهم وهم يقولون: إن سار المختار إلى إخواننا من مضر سرنا إليهم، وإن سار إلينا ساروا إلينا، فسمعها منهم رجل، وأقبل جواداً حتى صعد إلى المختار على المنبر، فاخبره بمقالتهم، فقال: أما هم فخلقاء لو سرت إلى مضر أن يسيروا إليهم، وأما أهل اليمن فأشهد لئن سرت إليهم لا تسير إليهم مضر، فكان بعد ذلك يدعو ذلك الرجل ويكرمه . ثم إن المختار نزل فعبأ أصحابه في السوق - والسوق إذ ذاك ليس فيها هذا البناء - فقال لإبراهيم بن الأشتر: إلى أي الفريقين أحب إليك أن تسير؟ فقال: إلى أي الفريقين أحببت، فنظر المختار - وكان ذا رأي، فكره أن يسير إلى قومه فلا يبالغ في قتالهم - فقال: سر إلى مضر بالكناسة وعليهم شبث بن ربعي ومحمد بن عمير بن عطارد، وأنا أسير إلى أهل اليمن.
قال: ولم يزل المختار يعرف بشدة النفس، وقلة البقيا على أهل اليمن وغيرهم إذا ظفر، فسار إبراهيم بن الأشتر إلى الكناسة، وسار المختار إلى جبانة السبيع، فوقف المختار عند دار عمر بن سعد بن أبي وقاص، وسرح بين أيديه أحمر بن شميط البجلي ثم الأحمسي، وسرح عبد الله بن كامل الشاكري، وقال لابن شميط: الزم هذه السكة حتى تخرج إلى أهل جبانة السبيع من بين دور قومك . وقال لعبد الله بن كامل: الزم هذه السكة حتى تخرج على جبانة السبيع من دار آل الأخنس بن شريق، ودعاهما فأسر إليهما أن شباماً قد بعثت تخبرني أنهم قد أتوا القوم من ورائهم، فمضيا فسلكا الطريقين اللذين أمرهما بهما، وبلغ أهل اليمن مسير هذين الرجلين إليهم، فاقتسموا تينك السكتين، فأما السكة التي في دبر المسجد أحمس فإنه وقف فيها عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني وإسحاق بن الأشعث وزحر بن قيس، وأما السكة التي تلى الفرات فإنه وقف فيها عبد الرحمن بن مخنف، وبشير بن جرير بن عبد الله، وكعب بن أبي كعب. ثم إن القوم اقتتلوا كأشد قتال اقتتله قوم. ثم إن أصحاب أحمر بن شميط انكشفوا وأصحاب عبد الله بن كامل أيضاً، فلم يرع المختار إلا وقد جاءه الفل قد أقبل؛ فقال: ما وراءكم؟ قالوا: هزمنا؛ قال: فما فعل أحمر بن شميط؟ قالوا: تركناه قد نزل عند مسجد القصاص - يعنون مسجد ألي دواد في وادعة، وكان يعتاده رجال أهل ذلك الزمان يقصون
فيه، وقد نزل معه أناس من أصحابه - وقال أصحاب عبد الله: ما ندري ما فعل ابن كامل! فصاح بهم: أن انصرفوا. ثم أقبل بهم حتى انتهى إلى دار أبي عبد الله الجدلي، وبعث عبد الله بن قراد الخثعمي - وكان على أربعمائة رجل من أصحابه - فقال: سر في أصحابك إلى ابن كامل، فإن يك هلك فأنت مكانه، فقاتل القوم بأصحابك وأصحابه، وإن تجده حياً صالحاً فسر في مائة من أصحابك كلهم فارس، وادفع إليه بقية أصحابك ومر بالجد معه والمناصحة له، فغنهم إنما يناصحونني، ومن ناصحني فليبشر، ثم امض في المائة حتى تأتي أهل جبانة السبيع مما يلي حمام قطن ابن عبد الله. فمضى فوجد ابن كامل واقفاً عند حمام عمرو بن حريث معه أناس من أصحابه قد صبروا وهو يقاتل القوم. فدفع إليه ثلثمائة من أصحابه ثم مضى حتى نزل إلى جبانة السبيع. ثم أخذ في تلك السكك حتى انتهى إلى مسجد عبد القيس، فوقف عنده وقال لأصحابه: ماترون؟ قالوا: أمرنا لأمرك تبع وكل من كان معه من حاشد من قومه وهم مئة؛ فقال لهم: والله إني لأحب أن يظهر المختار. ووالله إني لكاره أن يهلك أشراف عشيرتي اليوم، ووالله لأن أموت أحب إلى من أن يحل بهم الهلاك على يدي، ولكن قفوا قليلا فإني قد سمعت شباماً يزعمون أنهم سيأتونهم من ورائهم، فلعل شباماً تكون هي تفعل ذلك، ونعافى نحن منه. قال له أصحابه: فرأيك. فثبت كما هو عند مسجد عبد القيس، وبعث المختار مالك بن عمرو النهدي في مائتي رجل - وكان من أشد الناس بأساً - وبعث عبد الله بن شريك النهدي في مائتي فارس إلى أحمر بن شميط، وثبت مكانه، فانتهوا إليه وقد علاه القوم وكشروه، فاقتتلوا عند ذلك كأشد القتال، ومضى ابن الأشتر حتى لقي شبث بن ربعي، وأناساً معه من مضر كثيراً ، وفيهم حسان بن فائد العبسي، فقال لهم إبراهيم : ويحكم! انصرفوا، فو الله ما أحب أن يصاب أحد من مضر على يدي، فلا تهلكوا أنفسكم، فأبوا، فقاتلوه فهزمهم، واحتمل حسان بن فائد إلى أهله، فمات حين أدخل إليهم، وقد كان وهو على فراشه قبل موته أفاق إفاقة فقال: أما والله ما كنت أحب أن أعيش من جراحتي هذه، وما كنت أحب أن تكون منيتي إلا بطعنة رمح، أو بضربة بالسيف؛ فلم يتكلم بعدها كلمة حتى مات. وجاءت البشرى إلى المختار من قبل إبراهيم بهزيمة مضر، فبعث المختار البشرى من قبله إلى أحمر بن شميط وإلى ابن كامل، فالناس على أحوالهم كل أهل سكة منهم قد أغنت ما يليها. قال: فاجتمعت شبام وقد رأسو عليهم أبا القلوص، وقد أجمعوا واجتمعوا بأن يأتوا أهل اليمن من ورائهم، فقال بعضهم لبعض: أما والله لو جعلتم جدكم هذا على من خالفكم من غيركم لكان أصوب، فسيروا إلى مضر أو إلى ربيعة فقاتلوهم - وشيخهم أبو القلوص ساكت لا يتكلم - فقالوا: يا أبا القلوص، مارأيك؟ فقال: قال الله جل ثناؤه: " قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة " قوموا؛ فقاموا؛ فمشى بهم قيس رمحين أو ثلاثة ثم قال لهم: اجلسوا فجلسوا. ثم مشى بهم أنفس من ذلك شيئاً، ثم قعد بهم، ثم قال لهم: قوموا، ثم مشى بهم الثالثة أنفس من ذلك شيئاً، ثم قعد بهم، فقالوا له: يا أبا القلوص، و الله إنك عندنا لأشجع العرب، فما يحملك على الذي تصنع! قال: إن المجرب ليس كمن لم يجرب، إني أردت أن ترجع إليكم أفئدتكم، وأن توطنوا على القتال أنفسكم، وكرهت أن أقحمكم على القتال وأنتم على حال دهش؛ قالوا: أنت أبصر بما صنعت. فلما خرجوا إلى جبانة السبيع استقبلهم على فم السكة الأعسر الشاكري، فحمل عليه الجندعي وأبو الزبير بن كريب فصرعاه، ودخلا الجبانة، ودخل الناس الجبانة في آثارهم، وهم ينادون: يالثارات الحسين! فأجابهم أصحاب ابن شميط يالثارات الحسين! فسمعها يزيد بن عمير بن ذي مران من همدان فقال: يالثارات عثمان! فقال لهم رفاعة بن شداد: مالنا ولعثمان! لاأقاتل مع قوم يبغون دم عثمان، فقال له أناس من قومه: جئت بنا وأطعناك. حتى إذا رأينا قومنا تأخذهم السيوف قلت: انصرفوا ودعوهم! فعطف عليهم وهو يقول:
أنا ابن شداد على دين علي ... لست لعثمان بن أروى بولى
لأصلين اليوم فيمن يصطلي ... بحر نار الحرب غير مؤتل
فقاتل حتى قتل، وقتل يزيد بن عمير بن ذي مران، وقتل النعمان ابن صهبان الجرمي ثم الراسي - وكان ناسكاً - ورفاعة بن شداد بن عوسجة الفتياني عند حمام المهبذان الذي بالسبخة - وكان ناسكاً - وقتيل الفرات ابن زحر بن قيس الجعفي، وارتث بن قيس، وقتل عبد الرحمن ابن سعيد بن قيس. وقتل عمر بن مخنف، وقاتل عبد الرحمن بن مخنف حتى أرتث، وحملته الرجال على أيديها يشعر، وقاتل حوله رجال من الأزد، فقال حميد بن مسلم:
لأضربن عن أبي حكيم ... مفارق الأعبد و الصميم
وقال سراقة بن مرداس البارقي:
يا نفس إلا تصبري تليمي ... لا تتولى عن أبي حكيم
واستخرج من دور الوادعين خمسمائة أسير، فأتى بهم المختار مكتفين، فأخذ رجل من بني نهد وهو من رؤساء أصحاب المختار يقول له: عبد الله ابن شريك، لا يخلو بعربي إلا خلى سبيله، فرفع ذلك إلى المختار درهم مولى لبني نهد. فقال له المختار: اعرضوهم على، وانظروا كل من شهد منهم قتل الحسين فأعلموني به، فأخذوا لا يمر عليه برجل قد شهد قتل الحسين إلا قيل له: هذا ممن شهد قتله، فيقدمه فيضرب عنقه، حتى قتل منهم قبل أن يخرج مائتين وثمانية وأربعين قتيلاً، وأخذ أصحابه كلما رأوا رجلاً قد كان يؤذيهم أو يماريهم أو يضربهم خلوا به فقتلوه حتى قتل ناس كثير منهم وما يشعر بهم المختار، فأخبر بذلك المختار بعد، فدعا بمن بقي من الأسارى فأعتقهم، وأخذ عليهم المواثيق ألا يجامعوا عليه عدوا، ولا أصحابه غائلة، إلا سراقة بن مرداس البارقي، فإنه أمر أن يساق معه إلى المسجد. قال: ونادى منادي المختار: إنه من أغلق بابه فهو آمن، إلا رجلاً شرك في دم آل محمد صلى عليه وسلم. قال أبو مخنف: حدثني المجالد بن سعيد، عن عمامر الشعبي.، أن يزيد ابن الحارث بن يزيد بن رؤيم وحجار بن أبجر بعثا رسلا لهما، فقالا لهم: كونوا من أهل اليمن قريباً، فإن أيتموهم قد ظهروا فأيكم سبق إلينا فليقل صرفان، وإن كانوا هزموا فليقل جمزان، فلما عزم أهل اليمن أتتهم رسلهم، فقال لهم أول من انتهى إليهم: جمزان، فقام الرجلان فقالا لقومهما: انصرفوا إلى بيوتكم، فانصرفوا، وخرج عمرو بن الحجاج الزبيدي - وكان ممن شهد قتل الحسين - فركب راحلته، ثم ذهب عليها، فأخذ طريق شراف وواقصة، فلم ير حتى الساعة. ولا يدري أرض بخسته، أم سماء حصبته! وأما فرات بن زحر بن قيس فإنه لما قتل بعثت عائشة بنت خليفة بن عبد الله الجعفية - وكانت امرأة الحسين بن علي - إلى المختار تسأله أن يأذن له أن تواري جسده، ففعل؛ فدفنته. وبعث المختار غلاماً له يدعى زريباً في طلب شمر بن ذي الجوشن قال أبو مخنف: فحدثني يونس بن أبي إسحاق، عن مسلم بن عبد الله الضبابي، قال: تبعنا زربي غلام المختار، فلحقنا وقد خرجنا من الكوفة على خيول لنا ضمر، فأقبل يتمطر به فرسه، فلما دنا منا قال لنا شمر: اركضوا وتباعدوا عني لعل العبد يطمع في؛ قال: فركضنا، فأمعنا، وطمع العبد في شمر، وأخذ شمر ما يستطرد له، حتى إذا انقطع من أصحابه حمل عليه شمر فدق ظهره، وأتى المختار فأخبر بذلك، فقال: بؤساً لزربى، أما لو يستشيرني ما أمرته أن يخرج لأبي السابغة. قال أبو مخنف: حدثني أبو محمد الهمداني، عن مسلم بن عبد الله الضبابي، قال: لما خرج شمر بن ذي الجوشن وأنا معه حين هزمنا المختار، وقتل أهل اليمن بجبانة السبيع، ووجه غلامه زربياً في طلب شمر، وكان من قتل شمر إياه ما كان، مضى شمر حتى ينزل ساتيدما، ثم مضى حتى ينزل إلى جانب قرية يقال لها الكلتانية على شاطئ نهر، إلى جانب تل، ثم أرسل إلى تلك القرية فأخذ منها علجاً فضربه، ثم قال: النجاء بكتابي هذا إلى المصعب بن الزبير وكتب عنوانه: للأمير المصعب بن الزبير من شمر بن ذي الجوشن. قال: فمضى العلج حتى يدخل قرية فيها بيوت،وفيها أبو عمرة، وقد كان المختار بعثه في تلك الأيام إلى تلك القرية لتكون مسلحة فيما بينه وبين أهل البصرة، فلقى ذلك العلج علجاً من تلك القرية، فأقبل يشكو إلية ما لفي من شمر، فإنه لقائم معه يكلمه إذ مر به رجل من أصحاب أبي عمرة، فرأى الكتاب مع العلج، وعنوانه: لمصعب من شمر، فسألوا العلج عن مكانه الذي هو به، فأخبرهم، فإذا ليس بينهم وبينه إلا ثلاثة فراسخ. قال: فأقبلوا يسيرون إليه. قال أبو مخنف: فحدثني مسلم بن عبد الله قال: وأنا والله مع شمر تلك الليلة، فقلنا: لو أنك ارتحلت بنا من هذا المكان فإنا نتخوف به! فقال: أو كل هذا فرقاً من الكذاب! والله لا أحول منه ثلاثة أيام، ملأ الله قلوبكم رعباً! قال: وكان بذلك المكان الذي كنا فيه دبى كثير، فو الله إني لبين اليقظان والنائم، إذ سمعت وقع حوافر الخيل، فقلت في نفسي: هذا صوت الدبى، ثم سمعته أشد من ذلك، فانتبهت ومسحت عيني، وقلت: لا والله، ما هذا بالدبي. قال: وذهبت لأقوم، فإذا أنا بهم قد أشرفوا علينا من التل، فكبروا، ثم أحاطوا بأبياتنا، وخرجنا نشتد على أرجلنا، وتركنا خيلنا. قال: فأمر على شمر، وإنه لمتزر ببرد محقق - وكان أبرص - فكأني أنظر


إلى بياض كشحيه من فوق البرد، فإنه ليطاعنهم بالرمح، قد أعجلوه أن يلبس سلاحه وثيابه، فمضينا وتركناه قال: فما هو إلا أن أمعنت ساعةً، إذ سمعت: الله أكبر، قتل الله الخبيث! قال أبو مخنف: حدثني المشرقي، عن عبد الرحمن بن عبيد أبي الكنود، قال: أنا والله صاحب للكتاب الذي رأيته مع العلج، وأتيت به أبا عمرة وأنا قتلت شمراً؛ قال: قلت: هل سمعته يقول شيئاً ليلتئذ؟ قال: نعم، خرج علينا فطاعننا برمحه ساعة، ثم ألقى رمحه، ثم دخل بيته فأخذ سيفه، ثم خرج علينا وهو يقول:ى بياض كشحيه من فوق البرد، فإنه ليطاعنهم بالرمح، قد أعجلوه أن يلبس سلاحه وثيابه، فمضينا وتركناه قال: فما هو إلا أن أمعنت ساعةً، إذ سمعت: الله أكبر، قتل الله الخبيث! قال أبو مخنف: حدثني المشرقي، عن عبد الرحمن بن عبيد أبي الكنود، قال: أنا والله صاحب للكتاب الذي رأيته مع العلج، وأتيت به أبا عمرة وأنا قتلت شمراً؛ قال: قلت: هل سمعته يقول شيئاً ليلتئذ؟ قال: نعم، خرج علينا فطاعننا برمحه ساعة، ثم ألقى رمحه، ثم دخل بيته فأخذ سيفه، ثم خرج علينا وهو يقول:
نبهتم ليث عرين باسلا ... جهما محياه يدق الكاهلا
لم ير يوماً عن عدو ناكلا ... إلا كذا مقاتلاً أو قاتلا
يبرحهم ضرباً ويروي العاملا قال أبو مخنف، عن يونس بن أبي إسحاق: ولما خرج المختار من جبانة السبيع، وأقبل إلى القصر، أخذ سراقة بن مرداس يناديه بأعلى صوته:
امنن عليّ اليوم يا خير معد ... وخير من حل بشحر والجند
وخير من حيا ولبى وسجد فبعث به المختار إلى السجن، فحبسه ليلة، ثم أرسل إليه من الغد فأخرجه، فدعا إلى المختار وهو يقول:
ألا أبلغ أبا إسحاق أنا ... نزونا نزوة كانت علينا
خرجنا لا نرى الضعفاء شيئاً ... وكان خروجنا بطراً وحينا
نراهم في مصافهم قليلاً ... وهم مثل الدبي حين التقينا
برزنا إذ رأيناهم فلما ... رأينا القوم قد برزوا إلينا
لقينا منهم ضرباً طلحفاً ... وطعناً صائباً حتى انثنينا
نصرت على عدوك كل يوم ... بكل كتيبة تنعى حسينا
كنصر محمد في يوم بدر ... ويوم الشعب إذ لاقى حنينا
فأسجح إذ ملكت فلو ملكنا ... لجرنا في الحكومة واعتدينا
تقبل توبة مني فإني ... سأشكر إن جعلت النقد دينا
قال: فلما انتهى إلى المختار، قال له: أصلحك الله أيها الأمير! سراقة ابن مرداس يحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد رأى الملائكة تقاتل على الخيول البلق بين السماء والأرض؛ فقال له المختار: فاصعد المنبر فأعلم ذلك المسلمين؛ فصعد فأخبرهم بذلك ثم نزل، فخلا به المختار، فقال: فاذهب عني حيث أحببت، لا تفسد علي أصحابي. قال أبو مخنف: الحجاج بن علي البارقي عن سراقة بن مرداس، قال: ما كنت في أيمان حلفت بها قط إجتهاداً ولا مبالغةً في الكذب مني في أيماني هذه التي حلفت لهم بها أني قد رأيت الملائكة معهم تقاتل. فخلوا سبيله. فهرب، فلحق بعبد الرحمن بن مخنف عند المصعب بن الزبير بالبصرة، وخرج أشراف أهل الكوفة و الوجوه. فلحقوا بمصعب بن الزبير بالبصرة، وخرج سراقة بن مرداس من الكوفة وهو يقول:
ألا أبلغ أبا إسحاق أني ... رأيت البلق دهماً مصمتات
كفرت بوحيكم وجعلت نذراً ... على قتالكم حتى الممات
أرى عيني ما لم تبصراه ... كلانا عالم بالترهات
إذا قالوا أقول لهم كذبتم ... وإن خرجوا لبست لهم أداتي
حدثني أبو السائب سلم بن جناده، قال حدثنا محمد بن براد، من ولد أبي موسى الأشعري، عن شيخ، قال: لما أسر سراقة البارقي، قال:وأنتم أسرتموني! ماأسرني إلا قوم على دواب بلق، عليهم ثياب بيض.قال: فقال المختار: أولئك الملائكة. فأطلقه، فقال:
ألا أبلغ أبا إسحاق أني ... رأيت البلق دهماً مصمتات
أرى عيني ما لم ترأياه ... كلانا عالم بالترهات
قال أبو مخنف: حدثني عمير بن زياد أن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني قال يوم جبانة السبيع: ويحكم! من هؤلاء الذين أتونا من ورائنا؟ قيل له: شبام؛ فقال: ياعجبا! يقاتلني بقومي من لاقوم له. قال أبو مخنف: وحدثني أبو روق أن شرحبيل بن ذي يقلان من الناعطيين قتل يومئذ، وكان من بيوتات همدان، فقال يومئذ قبل أن يقتل: يالها قتلةً، ما أضل مقتولها! قتال مع غير إمام، وقتال على غير نية، وتعجيل فراق الأحبة، ولو قتلناهم إذاً لم نسلم منهم، إنا لله وإنا إليه راجعون! أما والله ما خرجت إلا مواسياً لقومي بنفسي مخافة أن يضطهدوا، وايم الله مانجوت من ذلك ولاأنجوا، ولا أغنيت عنهم ولا أغنوا. قال: ويرميه رجل من الفائشيين من همدان يقال له أحمر بن هديج بسهم فيقتله. قال: واختصم في عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني نفر ثلاثة: سعر ابن أبي سعر الحنفي، وأبو الزبير الشبامي: ورجل آخر، فقال سعر: طعنته طعنة، وقال أبو الزبير: لكن ضربته أنا عشر ضربات أو أكثر، وقال لي ابنه: يا أبا الزبير، أتقتل عبد الرحمن بن سعيد سيد قومك! فقلت: " لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أوعشيرتهم " فقال المختار: كلكم محسن. وانجلت الوقعة عن سبعمائة وثمانين قتيلا من قومه.
قال أبو مخنف: حدثني النصر بن صالح أن القتل إذ ذاك كان استحر في أهل اليمن، وأن مضر أصيب منهم بالكناسة بضعة عشر رجلا، ثم مضو حتى مروا بربيعة، فرجع حجار بن أبجر، ويزيد بن الحارث بن رؤيم وشداد بن المنذر - أخو حضين - وعكرمة بن ربعى، فانصرف جميع هؤلاء إلى رحالهم، وعطف عليهم عكرمة فقاتلهم قتالا شديداً، ثم انصرف عنهم وقد خرج، فجاء حتى دخل منزله، فقيل له: قد مرت خيل في ناحية الحي؛ فخرج فأراد أن يثب من حائط داره إلى دار أخرى إلى جانبه فلم يستطع حتى حمله غلام له. وكانت وقعة جبانة السبيع يوم الأربعاء لست ليال بقين من ذي الحجة سنة ست وستين.
قال: وخرج أشراف الناس فلحقوا بالبصرة. وتجرد المختار لقتلة الحسين فقال: ما من ديننا ترك قوم قتلوا الحسين يمشون أحياء في الدنيا آمنين؛ بئس ناصر آل محمد أنا إذاً في الدنيا! أنا إذاً الكذاب كما سموني، فإنى بالله أستعين عليهم، الحمد لله الذي جعلني سيفاً ضربهم به، ورمحاً طعنهم به، وطالب وترهم، والقائم بحقهم، إنه كان حقاً على الله أن يقتل من قتلهم، وأن يذل من جهل حقهم، فسموهم لى ثم اتبعوهم حتى تفنوهم. قال أبو مخنف: فحدثني موسى بن عامر أن المختار قال لهم: اطلبوا لى قتلة الحسين، فإنه لا يسوغ لى الطعام والشراب حتى أطهر الأرض منهم، وأنفى المصر منهم. قال أبو مخنف: وحدثني مالك بن أعين الجهنى أن عبد الله بن دباس، وهو الذي قتل محمد بن عمار بن ياسر الذي قال الشاعر: قتيل ابن دباس أصاب قذاله هو الذي دل المختار على نفر ممن قتل الحسين، منهم عبد الله بن أسيد بن النزال الجهنى من حرقة، ومالك بن النسير البداى،وحمل بن مالك المحاربي؛ فبعث إليهم المختار أبا نمران مالك بن عمرو النهدي وكان من رؤساء أصحاب المختارفأتاهم وهم بالقادسية، فأخذهم فأقبل بهم حتى أدخلهم عليه عشاء، فقال لهم المختار: يا أعداء الله وأعداء كتابه وأعداء رسوله وآل رسوله، أين الحسين بن علي؟ أدوا إلى الحسين، قتلتم من أمرتم بالصلاة عليه في الصلاة، فقالوا: رحمك الله! بعثنا ونحن كارهون، فامنن علينا واستبقنا، قال المختار: فهلا مننتم على الحسين ابن بنت نبيكم واستبقيتموه وسسقيتموه! ثم قال المختار للبدى: أنت صاحب برنسه؟ فقال له عبد الله بن كامل: نعم، هو هو؛ فقال المختار، اقطعوا يدي هذا ورجليه. ودعوه فليضطرب حتى يموت، ففعل ذلك به وترك، فلم يزل ينزف الدم حتى مات، وأمر بالآخرين فقدما، فقتل عبد الله بن
كامل عبد الله الجهني، وقتل سعر بن أبي سعر حمل بن مالك المحاربي. قال أبو مخنف: وحدثني أبو الصلت التيمي، قال حدثني أبو سعيد الصيقل أن المختار دل على رجال من قتلة الحسين، دله عليهم سعر الحنفي؛ قال: فبعث المختار عبد الله بن كامل، خرجنا معه حتى مر ببني ضبيعة، فأخذ منهم رجلا يقال له زياد بن مالك؛ قال: ثم مضى إلى عنزة فأخذ منهم رجلا يقال له عمران بن خالد. قال: ثم بعثني في رجال معه يقال لهم الدبابة إلى دار في الحمراء، فيها عبد الرحمن بن أبي خشكارة البجلي وعبد الله بن قيس الخولاني، فجئنا بهم حتى أدخلناهم عليه، فقال لهم: ياقتلة الصالحين، وقتلة سيد شباب أهل الجنة، ألا ترون الله قد أقاد منكم اليوم! لقد جاءكم الورس، بيوم نحس - وكانوا قد أصابوا من الورس الذي كان مع الحسين - أخرجوهم إلى السوق فضربوا رقابهم. ففعل ذلك بهم، فهؤلاء أربعة نفر. قال أبو مخنف: وحدثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قال: جاءنا السائب بن مالك الأشعري في خيل المختار، فخرجت نحو عبد القيس، وخرج عبد الله وعبد الرحمن ابنا صلخب في أثري، وشغلوا بالاحتباس عليهما عني، فنجوت وأخذوهما، ثم مضوا بهما حتى مروا على منزل رجل يقال له عبد الله بن وهب بن عمرو ابن عم أعشى همدان من بني عبد، فأخذوه، فانتهوا بهم إلى المختار، فأمر بهم فقتلوا في السوق، فهؤلاء ثلاثة. فقال حميد بن مسلم في ذلك حيث نجا منهم:
ألم ترني على دهش ... نجوت ولم أكد أنجو
رجاء الله أنقذني ... ولم أك غيره أرجو
قال أبو مخنف: حدثني موسى ين عامر العدوي من جهينة - وقد عرف ذلك الحديث شهم بن عبد الرحمن الجهني - قال: بعث المختار عبد الله ابن كامل إلى عثمان بن خالد بن أسير الدهماني من جهينة، وإلى أبي أسماء بشر بن سوط القابضي - وكانا ممن شهدا قتل الحسين، وكانا اشتركا في دم عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب وفي سلبه - فأحاط عبد الله بن كامل عند العصر بمسجد بني دهمان، ثم قال: على مثل خطايا بني دهمان منذ يوم خلقوا إلى يوم يبعثون إن لم أوت بعثمان بن خالد بن أسير، إن لم أضرب أعناقكم من عند آخركم، فقلنا له: أمهلنا نطلبه، فخرجوا مع الخيل في طلبه، فوجدوهما جالسين في الجبانة - وكانا يريدان أن يخرجا إلى الجزيرة - فأتى بهما عبد الله بن كامل، فقال: الحمد لله الذي كفى المؤمنين القتال، لو لم يجدوا هذا مع هذا عنانا إلى منزله في طلبه، فالحمد لله الذي حينك حتى أمكن منك. فخرج بهما حتى إذا كان في موضع بئر الجعد ضرب أعناقهما، ثم رجع فأخبر المختار خبرهما، فأمره أن يرجع إليهما فيحرقهما بالنار، وقال: لا يدفنان حتى يحرقا. فهذان رجلان، فقال أعشى همدان يرثى عثمان الجهني:
يا عين بكى فتى الفتيان عثمانا ... لا يبعدن الفتى من آل دهمانا
واذكر فتى ماجداً حلوا شمائله ... ما مثله فارس في آل همدانا
قال موسى بن عامر: وبعث معاذ بن هاني بن عدى الكندي، ابن أخي حجر، وبعث أبا عمرة صاحب حرسه، فساروا حتى أحاطوا بدار خولى بن يزيد الأصبحي وهو صاحب رأس الحسين الذي جاء به، فاختبأ في مخرجه، فأمر معاذ أبا عمرة أن يطلبه في الدار، فخرجت امرأته إليهم، فقالوا لها: أين زوجك؟ فقالت: لا أدري أين هو - وأشارت بيدها إلى المخرج، فدخلوا فوجدوه قد وضع على رأسه قوصرةً، فأخرجوه، وكان المختار يسير بالكوفة. ثم إنه أقبل في أثر أصحابه وقد بعث أبو عمرة إليه رسولا، فاستقبل المختار الرسول عند دار بلال، ومعه ابن كامل، فأخبره الخبر، فأقبل المختار نحوهم، فاستقبل به، فردده حتى قتله إلى جانب أهله. ثم دعا بنار فحرقه بها ثم لم يبرح حتى عاد رماداً، ثم انصرف عنه. وكانت امرأته من حضرموت يقال لها العيوف بنت مالك بن نهار بن عقرب، وكانت نصبت له العداوة حين جاء برأس الحسين. قال أبو مخنف: وحدثني موسى بن عامر أبو الأشعر أن المختار قال ذات
يوم وهو يحدث جلساءه: لأقتلن غداً رجلا عظيم القدمين، غائر العينين مشرف الحاجبين، يسر مقتله المؤمنين و الملائكة المقربين. قال: وكان الهيثم بن الأسود النخعي عند المختار حين سمع هذه المقالة. فوقع في نفسه أن الذي يريد عمر بن سعد بن أبي وقاص، فلما رجع إلى منزله دعا ابنه العريان فقال: الق ابن سعد الليلة فخبره بكذا وكذا، وقل له: خذ حذرك، فإنه لا يريد غيرك. قال: فأتاه فاستخلاه، ثم حدثه الحديث، فقال له عمر بن سعد: جزى الله أباك و الإخاء خيراً! كيف يريد هذا بي بعد الذي أعطاني من العهود والمواثيق! وكان المختار أول ماظهر أحسن شئ سيرة وتألفاً للناس، وكان عبد الله بن جعدة بن هبيرة أكرم خلق الله على المختار لقرابته بعلي فكلم عمر بن سعد عبد الله بن جعدة وقال له: إني لا آمن هذا الرجل - يعني المختار - فخذ لي منه آماناً، ففعل؛ قال: فأنا رأيت أمانه وقرأته وهو " بسم الله الرحمن الرحيم " هذا أمان من المختار بن أبي عبيد لعمر بن سعد ابن أبي وقاص، إنك آمن بأمان الله على نفسك ومالك وأهلك وأهل بيتك وولدك، لا تؤاخذ بحدث كان منك قديماً ما سمعت وأطعت ولزمت رحلك وأهلك ومصرك، فمن لقي عمر بن سعد من شرطة الله وشيعة آل محمد ومن غيرهم من الناس، فلا يعرض له إلا بخير. شهد السائب بن مالك وأحمر بن شميط وعبد الله بن شداد وعبد الله بن كامل. وجعل المختار على نفسه عهد الله وميثاقه ليفين لعمر بن سعد بما أعطاه من الأمان، إلا أن يحدث حدثاً، وأشهد الله على نفسه، وكفى بالله شهيداً.
قال: فكان أبو جعفر محمد بن علي يقول: أما أمان المختار لعمر بن سعد: إلا أن يحدث حدثاً، فإنه كان يريد به إذا دخل الخلاء فأحدث. قال: فلما جاءه العريان بهذا خرج من تحت ليلته حتى أتى حمامه، ثم قال في نفسه: أنزل داري، فرجع فعبر الروحاء، ثم أتى داره غدوة، وقد أتى حمامه، فأخبر مولى له بما كان من أمانه وبما أريد به، فقال له مولاه: وأي حدث أعظم مما صنعت! إنك تركت رحلك وأهلك وأقبلت إلى ها هنا، ارجع إلى رحلك، لا تجعن للرجل عليك سبيلا. فرجع إلى منزله، وأتى المختار بانطلاقه، فقال: كلا إن في عنقه سلسلة سترده، لو جهد أن ينطلق ما استطاع. قال: وأصبح المختار فبعث إليه أبا عمرة، وأمره أن يأتيه به، فجاءه حتى دخل عليه فقال: أجب الأمير، فقام عمر: فعثر في جبة له، ويضربه أبو عمرة بسيفه، فقتله، وجاء برأسه في أسفل قبائه حتى وضعه بين يدي المختار، فقال المختار لابنه حفص بن عمر بن سعد وهو جالس عنده: أتعرف هذا الرأس؟ فاسترجع وقال: نعم، ولا خير في العيش بعده، قال له المختار: صدقت، فإنك لاتعيش بعده، فأمر به فقتل، وإذا رأسه مع رأس أبيه. ثم إن المختار قال: هذا بحسين هذا بعلي بن حسين، ولا سواء، والله لوقتلت به ثلاثة أرباع قريش ما وفوا أنملة من أنامله؛ فقالت حميدة بنت عمر بن سعد تبكي أباها:
لو كان غير أخي قسي غره ... أو غير ذي يمن وغير الأعجم
سخي بنفسي ذاك شيئاً فاعلموا ... عنه وما البطريق مثل الألأم
أعطي ابن سعد في الصحيفة وابنه ... عهداً يلين له جناح الأرقم
فلما قتل المختار عمر بن سعد وابنه بعث برأسيهما مع مسافر بن سعيد ابن نمران الناعطي وظبيان بن عمارة التميمي، حتى قدما بهما على محمد ابن الحنفية، وكتب إلى ابن الحنفية في ذلك بكتاب. قال أبو مخنف: وحدثني موسى بن عامر، قال: إنما كان هيج المختار على قتل عمر بن سعد أن يزيد بن شارحيل الأنصاري أتى محمد بن الحنفية، فسلم عليه؛ فجرى الحديث إلى أن تذاكروا المختار وخروجه وما يدعو إليه من الطلب بدماء أهل البيت، فقال محمد بن الحنفية: على أهون رسله يزعم أنه لنا شيعة، وقتلة الحسين جلساؤه على الكراسي يحدثونه! قال: فوعاها الآخر منه، فلما قدم الكوفة أتاه فسلم عليه، فسأله المختار: هل لقيت المهدي؟ فقال له: نعم، فقال: ما قال لك وماذاكرك؟ قال: فخبره الخبر. قال: فما لبث المختار عمر بن سعد وابنه أن قتلهما، ثم بعث برأسيهما إلى أبن الحنفية مع الرسولين اللذين سمينا، وكتب معهما إلى ابن الحنفية: " بسم الله الرحمن الرحيم " للمهدي محمد بن على من المختار بن أبي عبيد. سلام عليك يا أيها المهدي، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإن الله بعثني نقمة على أعدائكم، ونصر مؤازريكم. وقد بعثت إليك برأس عمر بن سعد وابنه، وقد قتلنا من شرك في دم الحسين وأهل بيته - رحمة الله عليهم - كل من قدرنا عليه، ولن يعجز الله من بقي، ولست بمنجم عنهم حتى لا يبلغني أن على أديم الأرض منهم أرميا فاكتب إلى أيها المهدي برأيك أتبعه وأكون عليه. والسلام عليك أيها المهدي ورحمة الله وبركاته.
ثم إن المختار بعث عبد الله بن كامل إلى حكيم بن طفيل الطائي السنبسي - وقد كان أصاب صلب العباس بن علي، ورمى حسيناً بسهم، فكان يقول: تعلق سهمي بسرباله وما ضره فأتاه عبد الله ابن كامل، فأخذه ثم أقبل به، وذهب أهله فاستغاثوه بعدى بن حاتم، فلحقهم في الطريق، فكلم عبد الله بن كامل فيه، فقال: ما إلى من أمره شىء، إنما ذلك إلى الأمير المختار. قال: فإني آتيه؛ قال: فأته راشداً. فمضى عدى نحو المختار، وكان المختار قد شفعه في نفر منقومه أصابهم يوم جبانة السبيع، لم يكونوا نطقوا بشىء من أمر الحسين ولا أهل بيته، فقالت الشيعة لابن كامل: إنا نخاف أن يشفع الأمير عدى بن حاتم في هذا الحبيث، وله من الذنب ما قد علمت، فدعنا نقتله. قال: شأنكم به، فلما انتهوا به إلى دار العنزيين وهو مكتوف نصبوه غرضاً، ثم قالوا له: سلبت ابن علي ثيابه، والله لنسلبن ثيابك وأنت حي تنظر!
فنزعوا ثيابه، ثم قالوا له: رميت حسيناً، واتخذته غرضاً لنبلك، وقلت: تعلق شهمي بسرباله ولم يضره، وايم الله لنرمينك كما رميته بنبال ما تعلق بك منها أجزاك. قال: فرموه رشقاً واحداً، فوقعت به منهم نبال كثيرة فخر ميتاً. قال أبو مخنف: فحدثني أ بو الجارود، عمن رآه قتيلاً كأنه قنفذ لما فيه من كثرة النبل: ودخل عدى بن حاتم على المختار فأجلسه معه على مجلسه، فأخبره عدى عما جاء له، فقال له المختار: أتستحل يا أبا طريف أن تطلب في قتلة الحسين! قال: إنه مكذوب عليه أصلحك الله! قال: إذاً ندعه لك قال: فلم يكن بأسرع من أن دخل ابن كامل فقال له المختار: ما فعل الرجل؟ قال: قتلته الشيعة: قال: وما أعجلك إلى قتله قبل أن تأتيني به وهو لايسره أنه لم يقتله وهذا عدى قد جاء فيه، وهو أهل أن يشفع ويؤتي ما سره! قال: غلبتني والله الشيعة، قال له عدى: كذبت يا عدو الله، ولكن ظننت أن من هو خير منك سيشفعني فيه، فبادرتني فقتلته، ولم يكن خطر يدفعك عما صنعت، قال: فاسحنفر إليه ابن كامل بالشتيمة، فوضع المختار إصبعه على فيه، يأمر ابن كامل بالسكوت والكف عن عدى، فقام عدى، راضياًعن المختار ساخطاً على ابن كامل، يشكوه عند من لفى من قومه. وبعث المختار إلى قاتل علي بن الحسين عبد الله ابن كامل. وهو رجل من عبد القيس يقال له مرة بن منقذ بن النعمان العبدي وكان شجاعاً، فأتاه ابن كامل فأحاط بداره، فخرج إليهم وبيده الرمح، وهو على فرس جواد، فطعن عبيد الله بن ناجية الشبامى، فصرعه ولم يضره. قال: ويضربه ابن كامل بالسيف فيتقيه بيده اليسرى، فأسرع فيها السيف، وتمطرت به الفرس، فأفلت ولحق بمصعب، وشلت يده بعد ذلك. قال: وبعث المختار أيضاً عبد الله الشاكري إلى رجل من جنب يقال له زيد بن رقاد. كان يقول: لقد رميت فتى منهم بسهم وإنه لواضع كفه على جبهته يتقى النبل فأثبت كفه في جبهته، فما استطاع أن يزيل كفه عن جبهته. قال أبو مخنف:فحدثني أبو عبد الأعلى الزبيدي أن ذلك الفتى عبد الله ابن مسلم بن عقيل، وأنه قال حيث أثبت كفه في جبهته: اللهم إنهم استقلونا و استذلونا، اللهم فاقتلهم كما قتلونا، وأذلهم كما استذلونا. ثم إنه رمى الغلام بسهم آخر فقتله، فكان يقول: جئته ميتاً فنزعت سهمي الذي قتلته به من جوفه، لم أزل أنضنض السهم من جبهته حتى نزعته، وبقى النصل في جبهته مثبتاً ما قدرت على نزعه.
قال: فلما أتى ابن كامل داره أحاط بها، واقتحم الرجال عليه، فخرج مصلتاً بسيفه - وكان شجاعاً - فقال ابن كامل: لا تضربوه بسيف، ولا تطعنوه برمح، ولكن ارموه بالنبل، وارجموه بالحجارة، ففعلوا ذلك به، فسقط، فقال ابن كامل: إن كان به رمق فأخرجوه؛ فأحرجوه وبه رمق، فدعا بنار فحرقه بها وهو حي لم تخرج روحه. وطلب المختار سنان ابن أنس الذي كان يدعى قتل الحسين، فوجده قد هرب إلى البصرة. فهدم داره. وطلب المختار عبد الله بن عقبة الغنوي فوجده قد هرب، ولحق بالجزيرة، فهدم داره وكان ذلك الغنوي قد قتل منهم غلاماً. وقتل رجل آخر من بني أسد يقال له حرملة بن كاهل رجلاً من آل الحسين، ففيهما يقول ابن أبي عقب الليثي:
وعند غنى قطرة من دمائنا ... وفي أسد أخرى تعد وتذكر
وطلب رجلاً من خشعم يقال له عبد الله بن عروة الخثعمي - كان يقول: رميت فيهم باثنى عشر سهماً ضيعة - ففاته ولحق بصعب، فهدم داره. وطلب رجلاً من صداء يقال له عمرو بن صبيح، وكان يقول: لقد طعنت بعضهم وجرحت فيهم وما قتلت منهم أحداً، فأتى ليلاً وهو على سطحه وهو لا يشعر بعد ما هدأت العيون. وسيفه تحت رأسه، فأخذوه أخذاً، وأخذوا سيفه، فقال: قبحك الله سيفاُ، ما أقربك وما أبعدك! فجيء به إلى المختار، فحبسه معه في القصر، فلما أن أصبح أذن لاُصحابه، وقيل: ليدخل من شاء أن يدخل، ودخل الناس، وجيء به مقيداً، ففال: أما والله يا معشر الكفرة الفجرة أن لو بيدي سيفي لعلم أنى بنصل السيف
غير رعش ولا رعديد،ما يسرني إذا كانت منيتي قتلاً أنه قتلني من الخلق أحد غيركم. لقد علمت أنكم شرار خلق الله. غير أني وددت أن بيدي سيفاُ أضرب به فيكم ساعة، ثم رفع يده فلطم عين ابن كامل وهو إلى جنبه، فضحك ابن كامل، ثم أخذ بيده وأمسكها، ثم قال: إنه يزعم أنه قد جرح في آل محمد وطعن، فمرنا بأمرك فيه، فقال المختار: علي بالرماح، فأتى بها، فقال: أطعنوه حتى يموت، فطعن بالرماح حتى مات. قال: أبو مخنف: حدثني هشام بن عبد الرحمن وابنه بن هشام أن أصحاب المختار مروا بدار بني أبي زرعة بن مسعود، فرموهم من فوقها، فأقبلوا حتى دخلوا الدار، فقتلوا الهبياط بن عثمان بن أبي زرعة الثقفي وعبد الرحمن بن عثمان بن أبي زرعة الثفقي، وأفلتهم عبد الملك ابن أبي زرعة بضربة في رأسه، فجاء يشتد حتى دخل على المختار، فأمر امرأته أم ثابت ابنة سمرة بن جندب، فداوت شجته، ثم دعاه، فقال: لا ذنب لي، إنكم رميم القوم فأغضبتموهم. وكان محمد بن الشعث بن قيس في قرية الشعث إلى جانب القادسية، فبعث المختار إليه حوشباً سادن الكرسي في مائة، فقال: انطلق إليه فإنك تجده لاهياً متصيداً، أو قائماً متلبداً، أو خائفاً متلدداً، أو كامناً متغمداً، فإن قدرت عليه فأتني برأسه. فخرج حتى أتى قصره فأحاط به، وخرج منه محمد بن الأشعث فلحق بمصعب، وأقاموا على القصر وهم يرون أنه فيه، ثم دخلوا فعلموا أنه قد فاتهم، فانصرفوا ألى المختار، فبعث إلى داره فهدمها، وبنى بلبنها وطينها دار حجر بن عدي الكندي، وكان زياد بن سمية قد هدمها ذكر الخبر عن البيعة للمختار بالبصرة قال أبو جعفر: وفي بهذه السنة دعا المثنى بن مخربة العبدي إلى البيعة للمختار بالبصرة أهلها؛ فحدثني أحمد ين زهير، عن علي بن محمد، عن عبد الله بن عطية الليثي وعامر بن الأسود، أن المثنى بن مخربة العبدي كان ممن شهد عين الوردة مع سليمان بن صرد، ثم رجع مع من رجع ممن بقى من التوابين إلى الكوفة، والمختار محبوس، فأقام حتى خرج المختار من السجن، فبايعه المثنى سراً، وقال له المختار: الحق ببلدك بالبصرة فارع الناس، وأسر أمرك؛ فقدم البصرة فدعا، فأجابه رجال من قومه وغيرهم فلما أخرج المختار ابن مطيع من الكوفة ومنع عمر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام من الكوفة خرج المثنى بن مخربة فاتخذ مسجداً، واجتمع إليه قومه، ودعا إلى المختار، ثم أتى مدينة الرزق فعسكر عندها، وجمعوا الطعام في المدينة، ونحروا الجزر، فوجه إليهم القباع عباد بن حصين وهو على شرطته، وقيس بن الهيثم في الشرط والمقاتلة، فأخذوا في سكة الموالي حتى خرجوا إلى السبخة،فوقفوا، ولزم الناس دورهم، فلم يخرج أحد، فجعل عباد ينظر هل يرى أحداً يسأله! فلم ير أحداً؛ فقال: أما ها هنا رجل من ينس تميم؟ فقال خليفة الأعور مولى بني عدي، عدى الرباب:هذه دار وراد مولى بني عبد شمس؛ قال: دق الباب، فدقه، فخرج إليه وراد، فشتمه عباد وقال: ويحك! أنا واقف ها هنا، لم لم تخرج إلي! قال: لم أدر ما يوافقك، قال: شد عليك سلاحك واركب، ففعل، ووقفوا، وأقبل أصحاب المثنى فوافقوهم،فقال عباد لوراد: قف مكانك مع قيس، فوقف قيس بن الهيثم ووراد، ورجع عباد فأخذ في طريق الذباحين، والناس وقوف في السبخة،حتى أتى الكلاُ، ولمدينة الرزق أربعة أبواب: باب مما يلي البصرة، وباب إلى الخلالين، وباب إلى المسجد، وباب إلى مهيب الشمال، فأتى الباب الذي يلي النهر مما يلي أصحاب السقط، وهو باب صغير، فوقف ودعا بسلم فوضعه مع حائط المدينة، فصعد ثلاثون رجلاً، وقال لهم: إلزموا السطح، فإذا سمعتم التكبير فكسروا على السطوح، ورجع عباد إلى قيس بن الهيثم وقال لوراد: حرش القوم؛ فطاردهم وراد، ثم التبس القتال فقتل أربعون رجلاً من أصحاب المثنى، وقتل رجل من أصحاب عباد، وسمع الذين على السطوح في دار الرزق الضجة والتكبير، فكبروا، فهرب من كان في المدينة، وسمع المثنى وأصحابه التكبير من ورائهم، فانهزموا، وأمر عباد وقيس بن الهيثم الناس بالكف عن أتباعهم وأخذوا مدينة الرزق وما كان فيها، وأتى المثنى وأصحابه عبد القيس ورجع عباد وقيس ومن معهما إلى القباع فوجههما إلى عبد القيس، فأخذ قيس بن الهيثم من ناحية الجسر، وأتاهم عباد من طريق المربد، فالتقوا فأقبل زياد بن عمرو العتكي إلى القباع وهو في المسجد جالس على المنبر، فدخل
زياد المسجد على فرسه، فقال: أيها الرجل، لتردن خيلك عن إخواننا أو لنقاتلنها. فأرسل القباع الأحنف بن قيس وعمر بن عبد الرحمن المخزومي ليصلحا أمر الناس، فأتيا عبد القيس، فقال الأحنف لبكر والأسد والعامة: ألستم على بيعة ابن الزبير؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ؟؟؟؟؟؟؟؟ قالوا: بلى، ولكنا لا نسلم إخواننا. قال: فمروهم فليخرجوا إلى أي بلد أحبوا، ولا يفسدوا هذا المصر على أهله، وهم آمنون فليخرجوا حيث شاءوا. فمشى مالك بن مسمع وزياد بن عمرو ووجوه أصحابهم إلى المثنى، فقالوا له ولأصحابه: إنا والله ما نحن على رأيكم، ولكننا كرهنا أن تضاموا، فالحقوا بصاحبكم، فإن من أجابكم إلى رأيكم قليل، وأنتم آمنون. فقبل المثنى قولهما وما أشارا به، وانصرف ورجع الأحنف وقال: ما غبنت رأيي إلا يومي هذا القباع، وشخص المثنى إلى المختار بالكوفة في نغر يسير من أصحابه. وأصيب في تلك الحرب سويد بن رئاب الشنى، وعقبة بن عشيرة الشنى، قتله رجل من بني تميم وقتل التميمي فولغ أخو عقبة بن عشيرة في دم التميمي، وقال: ثأري. وأخبر المختار حين قدم عليه بما كان من أمر مالك بن مسمع وزياد بن عمرو ومسيرهما إليه، وذبهما عنه حتى شخص عن البصرة، فطمع المختار فيهما، فكتب إليهما: أما بعد، فاسمعا وأطيعا أوتيكما من الدنيا ما شئتما، وأضمن لكما الجنة. فقال. مالك لزياد: يا أبا المغيرة، قد أكثر لنا أبو إسحاق إعطاءنا الدنيا والآخرة؟؟؟؟؟؟؟؟ فقال زياد لمالك مازحاً: يا أبا غسان، أما أنا فلا أقاتل نسيئة، من أعطانا الدراهم نقاتل معه. وكتب المختار إلى الأحنف بن قيس:من المختار إلى الأحنف ومن قبله، فسلم أنتم، أما بعد، فويل أم ربيعة من مضر، فإن الأحنف مورد قومه سقر،حيث لا يستطيع لهم الصدر، وإني لا أملك ما خط في القدر، وقد بلغني أنكم تسمونني كذاباً، وقد كذب الأنبياء من قبلي، ولست بخير من كثير منهم. وكتب إلى الأحنف:ياد المسجد على فرسه، فقال: أيها الرجل، لتردن خيلك عن إخواننا أو لنقاتلنها. فأرسل القباع الأحنف بن قيس وعمر بن عبد الرحمن المخزومي ليصلحا أمر الناس، فأتيا عبد القيس، فقال الأحنف لبكر والأسد والعامة: ألستم على بيعة ابن الزبير؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ؟؟؟؟؟؟؟؟ قالوا: بلى، ولكنا لا نسلم إخواننا. قال: فمروهم فليخرجوا إلى أي بلد أحبوا، ولا يفسدوا هذا المصر على أهله، وهم آمنون فليخرجوا حيث شاءوا. فمشى مالك بن مسمع وزياد بن عمرو ووجوه أصحابهم إلى المثنى، فقالوا له ولأصحابه: إنا والله ما نحن على رأيكم، ولكننا كرهنا أن تضاموا، فالحقوا بصاحبكم، فإن من أجابكم إلى رأيكم قليل، وأنتم آمنون. فقبل المثنى قولهما وما أشارا به، وانصرف ورجع الأحنف وقال: ما غبنت رأيي إلا يومي هذا القباع، وشخص المثنى إلى المختار بالكوفة في نغر يسير من أصحابه. وأصيب في تلك الحرب سويد بن رئاب الشنى، وعقبة بن عشيرة الشنى، قتله رجل من بني تميم وقتل التميمي فولغ أخو عقبة بن عشيرة في دم التميمي، وقال: ثأري. وأخبر المختار حين قدم عليه بما كان من أمر مالك بن مسمع وزياد بن عمرو ومسيرهما إليه، وذبهما عنه حتى شخص عن البصرة، فطمع المختار فيهما، فكتب إليهما: أما بعد، فاسمعا وأطيعا أوتيكما من الدنيا ما شئتما، وأضمن لكما الجنة. فقال. مالك لزياد: يا أبا المغيرة، قد أكثر لنا أبو إسحاق إعطاءنا الدنيا والآخرة؟؟؟؟؟؟؟؟ فقال زياد لمالك مازحاً: يا أبا غسان، أما أنا فلا أقاتل نسيئة، من أعطانا الدراهم نقاتل معه. وكتب المختار إلى الأحنف بن قيس:من المختار إلى الأحنف ومن قبله، فسلم أنتم، أما بعد، فويل أم ربيعة من مضر، فإن الأحنف مورد قومه سقر،حيث لا يستطيع لهم الصدر، وإني لا أملك ما خط في القدر، وقد بلغني أنكم تسمونني كذاباً، وقد كذب الأنبياء من قبلي، ولست بخير من كثير منهم. وكتب إلى الأحنف:
إذا اشتريت فرساً من مالكاً ... ثم أذت الجوب في شمالكا
فاجعل مصاعاً حذما من بالكا
حدثني أو السائب سليم بن جنادة، قال: حدثنا الحسن بن حمادة، عن حبان بن علي، عن المجالد، عن الشعبي، قال: دخلت البصرة فقعدت إلى حلقة فيها الأحنف بن قيس، فقال لي بعض القوم: من أنت؟ قلت: رجل من أهل الكوفة؛ قال: أنتم موال لنا؛ قلت: وكيف؟
قال: قد أنقذناكم من أيدي عبيدكم من أصحاب المختار، قلت: تدري ما قال شيخ همدان فينا وفيكم؟ فقال الأحنف بن قيس: وما قال؟ قلت قال:
أفخرتم أن قتلتم أعبداً ... وهزمتم مرة آل عزل
وإذا فاخرتمونا فاذكروا ... ما فعلنا بكم يوم الجمل
بين شيخ غاضب عثنونه ... وفتى أبيض وضاح رفل
جاءنا يهدج في سابغة ... فذبحناه ضحى ذبح الحمل
وعفونا فنسيتم عفونا ... وكفرتم نعمة الله الأجل
وقتلتم خشبيين بهم ... بدلاً من قومكم شر بدل
فعضب الأحنف، فقال: يا غلام، هات تلك النصيحة، فأتى بصحيفة فيها: " بسم الله الرحمن الرحيم " . من المختار بن أبي عبيد إلى الأحنفبن قيس، أما بعد، فويل أم ربيعة ومضر، فإن الأحنف مورد قومه سقر، حيث لا يقدرون على الصدر، وقد بلغني أنكم تكذبوني، وإن كذبت فقد كذب رسل من قبلي، ولست أنا خير منهم، فقالوا: هذا منا أو منكم. وقال هشام بن محمد عن أبي مخنف، قال: حدثني منيع بن العلاء السعدي أن مسكين بم عامر بن أنيف بن شريح بن عمرو بن عدس كان فيمن قاتل المختار، فلما هزم الناس لحق بآذربيجان بمحمد بن عمير بن عطارد. وقال:
عجبت دختنوس لما رأتني ... قد علاني من المشيب خمار
فأهلت بصوتها وأرنت ... لاتهالى قد شاب منى العذار
إن تريني فقد بان غرب شبابي ... وأتى دون مولدي إعصار
فابن عامين وابن خمسين عاماً ... أى دهر إلا له أدهار؟؟؟؟
ليت سيفي لها وجوبتها لي ... يوم قالت ألا كريم يغار
ليتنا قبل ذلك اليوم متنا ... أو فعلنا ما تفعل الأحرار
فعل قوم تقاذف الخير عنهم ... لم نقاتل وقاتل العيزار
؟؟وتوليت عنهم وأصيبوا ... ونفاني عنهم شنار وعار
لهف نفسي علي شهاب قريش ... يوم يؤتى برأسه المختار
وقال المتوكل الليثي:
قتلوا حسيناً ثم هم ينعونه ... إن الزمان بأهله أطوار
لا تبعدن بالطف قتلى ضيعت ... وسقى مساكن هامها الأمطار
ما شرطة الجال تحت لوائه ... بأضل ممن غره المختار
أبنى قسى أوثقوا دجالكم ... يجل الغبار وأنتم أحرار
لو كان علم الغيب عند أخيكم ... لتوطات لكم به الأخبار
ولكان أمراً بيناً فيما مضى ... تأتى به الأنباء والأخبار
إني لأرجو أن يكذب وحيكم ... طعن يشق عصاكم وحصار
ويجيئكم قوم كأن سيوفهم ... بأكفهم تحت العجاجة نار
لاينثنون إذا هم لاقوكم ... إلا وهام كماتكم أعشار
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-03-2014, 07:22 PM   #69 (permalink)
بحرجديد
مشرف التاريخ والحضاره - أمير الأبداع - كاتب مميز - مشرف الشهر المميز
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
ذكر الخبر عن بعث المختار جيشه للمكر بابن الزبيرقال أبو جعفر: وفي هذه السنة بعث المختار جيشاً إلى المدينة للمكر بابن الزبير، وهو مظهر لهم أنه وجههم معونة له لحرب الجيش الذي كان عبد الملك بن مروان وجهه إليه لحروبه، فنزلوا وادي القرى. ذكر الخبر عن السبب الداعي كان للمختار إلى توجيه الجيش وإلى ما صار أمرهم: قال: هشام بن محمد: قال أبو محنف: حدثني موسى بن عامر، قال: لما أخرج المختار ابن مطيع من الكوفة لحق بالبصرة. وكره أن يقدم ابن الزبير بمكة وهو مهزوم مفلول، فكان بالبصرة مقيماً حتى قدم عليه عمر بن عبد الرحمن بن هشام، فصارا جميعاً بالبصرة. وكان سبب قدوم عمر البصرة أن المختار حين ظهر بالكوفة واستجمع له الأمر وهو عند الشيعة إنما يدعو إلى ابن الحنفية والطلب بدماء أهل البيت، أخذ يخادع ابن الزبير ويكتب إليه، فكتب إليه: أما بعد، فقد عرفت مناصحتي إياك وجهدي على أهل عداوتك، وما كنت أعطيتني إذا أنا فعلت ذلك من نفسك فلما وفيت لك، وقضيت الذي كان لك علي، خست بي، ولم تفي بماعاهدتني عليه، ورأيت مني ما قد رأيت، فإن ترد مراجعتي أراجعك، وإن ترد مناصحتي أنصح لك. وهو يريد بذلك كفه عنه، حتى يستجمع له الأمر، وهو لا يطلع الشيعة على شيء من هذا الأمر، وإذا بلغهم شيء منهم أراهم أنه أبعد الناس عن ذلك، قال: فأراد ابن الزبير أن يعلم أسلم هو أم حرب! فدعا عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي فقال له: تجهز إلى الكوفة فقد وليناكها، فقال: كيف وبها المختار! قال: إنه يزعم أنه سامع مطيع. قال: فتجهز بما بين الثلاثين ألف درهم إلى الأربعين ألفاً، ثم خرج مقبلاً إلى الكوفة. قال: ويجيء عين المختار من مكة حتى أخبره الخبر، فقال له: بكم تجهز؟ قال: بما بين الثلاثين ألفاً إلى الأربعين ألفاً. قال: فدعا المختار زائدة بن قدامة وقال له: احمل معك سبعين ألف درهم ضعف ما أنفق هذا في مسيره إلينا وتلقه في المفاوز، واخرج معك مسافر بن سعيد بن نمران الناعطي في خمسمائة فارس دارع رامح، عليهم البيض، ثم قل له: خذ هذه النفقة فإنها ضعف نفقتك، فإنه قد بلغنا أنك تجهزت وتكلفت قدر ذلك، فكرهنا أن تغرم، فخذها وانصرف، فإن فعل وإلا فأره الخيل وقل له: إن وراء هؤلاء مثلهم مائة كتيبة. قال: فأخذ زائد المال، وانصرف معه الخيل، وتلقاه بالمفاوز، وعرض عليه المال، وأمره بالانصراف، فقال له: إن أمير المؤمنين قد ولاني الكوفة ولا بد من إنفاذ أمره. فدعا زائدة بالخيل وقد أكمنها في جانب، فلما رآها قد قبلت قال: هذا الآن أعذر لي وأجمل بي، هات المال، فقال له زائدة: أما إنه لم يبعث به إليك إلا لما بنيك وبينه، فدفعه إليه فأخذه، ثم مضى راجعاً نحو البصرة، فاجتمع بها هو وابن مطيع في إمارة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وذلك قبل وثوب المثنى بن مخربة العبدي بالبصرة.
قال أبو مخنف: فحدثني إسماعيل بن نعيم أن المختار أخبر أن أهل الشام قد أقبلوا نحو العراق، فعرف أنه به يبدأ، فخشي أن يأتيه أهل الشام من قبل المغرب، ويأتيه مصعب بن الزبير من قبل البصرة، فوادع ابن الزبير وداره وكايده؛ وكان عبد الملك بن مروان قد بعث عبد الملك ابن الحارث بن الحكم بن أبي العاص إلى وادي القرى، والمختار لابن الزبير مكايد موادع، فكتب المختار إلى ابن الزبير: أما بعد، فقد بلغني أن عبد الملك بن مروان قد بعث إليك جيشاً، فإن أحببت أن أمدك بمدد أمددتك. فكتب إليه عبد الله بن الزبير: أما بعد، فإن كنت على طاعتي فلست أكره أن تبعث الجيش إلى بلادي وتبايع لي الناس قبلك، فإذا أتتني بيعتك صدقت مقالتك، وكففت جنودي على بلادك، وعجل علي بتسريح الجيش الذي أنت باعثه، ومرهم فليسيروا إلى من بوادي القرى من جند بن مروان فليقاتلوهم. والسلام. فدعا المختار شرحبيل بن ورس من همذان، فسرحه في ثلاثة آلاف أكثرهم الموالي، ليس فيهم من العرب إلا سبعمائة رجل، فقال له: سر حتى تدخل المدينة، فإذا دخلتها فاكتب إلي بذلك حتى يأتيك أمري، وهو يريد إذادخلوا المدينة أن تبعث عليهم أميراً من قبله، ويأمر ابن ورس أن يمضي إلى مكة حتى يحاصر ابن الزبير ويقاتله بمكة، فخرج الآخر يسير قبل المدينة، وخشى ابن الزبير أن يكون المختار إنما يكيده، فبعث من مكة إلى المدينة عباس بن سهل بن سعد في ألفين، وأمره أن يستنفر الأعراب، وقال له ابن الزبير: إن رأيت القوم في طاعتي فاقبل منهم. وإلا فكايدهم حتى تهلكهم. ففعلوا، وأقبل عباس بن سهل حتى لقي ابن ورس بالرقيم، وقد عبى ابن ورس أصحابه، فجعل على ميمنته سلمان ابن حمير الثورى من همدان، وعلى ميسرته عياش بن جعدة الجدلي، وكانت خيله كلها في الميمنة والميسرة، فدنا فسلم عليه، ونزل هو يمشي في الرجالة، وجاء عباس في أصحابه وهم منقطعون على غير تعبية، فيجد ابن ورس على الماء قد عبى أصحابه تعبية القتال، فدنا منهم فسلم عليهم، ثم قال: اخل معي ها هنا، فخلا به، فقال له: رحمك الله! ألست في طاعة ابن الزبير! فقال له ابن ورس: بلى، قال: فسر بنا إلى عدوه هذا الذي بوادي القرى، فإن ابن الزبير حدثني أنه إنما أشخصكم صاحبكم إليهم، قال ابن
ورس: ما أمرت بطاعتك، إنما أمرت أن أسير حتى آتى المدينة، فإذا نزلتها رأيت رأيى. قال له عباس بن سهل: فإن كنت في طاعة ابن الزبير فقد أمرني أن أسير بك وبأصحابك إلى عدونا الذين بوادي القرى، فقال له ابن ورس: ما أمرت بطاعتك، وما أنا بمتبعك دون أن أدخل المدينة، ثم أكتب إلى صاحبي فيأمرني بأمره. فلما رأى عباس بن سهل لجاجته عرف خلافه، فكره أن يعلمه أنه قد فطن له، فقال: فرأيك أفضل، اعمل بما بدا لك؛ فأما أنا فإني سائر إلى وادي القرى. ثم جاء عباس بن سهل فنزل بالماء، وبعث إلى ابن ورس بجزائر كانت معه، فأهداها له، وبعث إليه بدقيق وغنم مسلخة وكان ابن ورس وأصحابه قد هلكوا جوعاً فبعث عباس بن سهل إلى كل عشرة منهم شاة، فذبحوها، واشتغلوا بها، واختلطوا على الماء، وترك القوم تعبيتهم، وأمن بعضهم بعضاً، فلما رأى عباس بن سهل ما هم فيه من الشغل جمع من أصحابه نحواً من ألف رجل من ذوي البأس والنجدة ثم أقبل نحو فسطاط شرحبيل بن ورس، فلما رآهم ابن ورس مقبلين إليه نادى في أصحابه، فلم يتواف إليه مائة رجل حتى انتهى إليه عباس بن سهل وهو يقول: يا شرطة الله، إلى إلي! قاتلوا المحلين، أولياء الشيطان الرجيم، فإنكم على الحق والهدى، قد غدروا وفجروا. قال أبو مخنف: فحدثني أبو يوسف أن عباساً انتهى إليهم، وهو يقول:
أنا ابن سهل فارس غير وكل ... أروع مقدام إذا الكبش نكل
وأعتلي رأس الطرماح البطل ... بالسيف يوم الروع حتى ينخزل
قال: فوالله ما اقتتلنا إلا شيئاً ليس بشىء حتى قتل ابن ورس في سبعين من أهل الحفاظ، ورفع عباس بن سهل راية أمان لأصحاب ابن ورس، فأتوها إلا نحواً من ثلثمائة رجل انصرفوا مع سلمان بن حمير الهمداني و عياش بن جعدة الجدلى، فلما وقعوا في يد عباس بن سهل أمر بهم فقتلوا إلا نحواً من مائتي رجل، كره ناس من الناس ممن دفعوا إليهم قتلهم، فخلوا سبيلهم، فرجعوا، فماتأكثرهم في الطريق، فلما بلغ المختار أمرهم، ورجع من رجع منهم، قام خطيباً فقال: ألا إن الفجار الأشرار، قتلوا الأبرار الأخيار. ألا إنه كان أمراً مأتياً، وقضاء مقضياً. وكتب المختار إلى ابن الحنفية مع صالح بن مسعود الخثمعي: " بسم الله الرحمن الرحيم " . أما بعد، فإني كنت بعثت إليك جنداً ليبذلوا لك الأعداء. وليحوزوا لك البلاد، فساروا إليك حتى إذا أظلوا على طيبة، لقيهم جند الملحد، فخدعوهم بالله، وغروهم بعهد الله، فلما اطمأنوا إليهم،ووثقوا بذلك منهم، وثبوا عليهم فقتلوهم، فإن رأيت أنا بعث إلى المدينة من قبلي جيشاً كثيفاً، وتبعث إليهم من قبلك رسلاً؛ يعلم أهل المدينة أني في طاعتك، وإنما بعثت الجند إليهم عن أمرك، فافعل، فإنك ستجد عظمهم بحقهم أعرف، وبكم أهل البيت أرأف منهم بآل الزبير الظلمة الملحدين. والسلام عليكم. فكتب إليه ابن الحنفية: أما بعد، فإن كتابك لما بلغني قرأته، وفهمت تعظيمك لحقي، وما تنوي به من سروري. وإن أحب الأمور كلها إلى ما أطيع الله فيه، فأطع الله ما استطعت فيما أعلنت وأسررت، واعلم أني لو أردت لوجدت الناس إلي سراعاً، والأعوان لي كثيراً، ولكني أعتزلهم، وأصبر حتى يحكم الله لي وهو خير الحاكمين. فأقبل صالح بن مسعود إلى ابن الحنفية فودعه وسلم عليه، وأعطاه الكتاب وقال له: قل للمختار فليتق الله، وليكفف عن الدماء، قال: فقلت له: أصلحك الله؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟! أو لم تكتب بهذا إليه! قال له ابن الحنفية: قد أمرته بطاعة الله. وطاعة الله تجمع الخير كله، وتنهى عن الشر كله. فلما قدم كتابه على المختار أظهر للناس أنى قد أمرت بأمر يجمع البر واليسر، ويضرح الكفر والغدر.
ذكر الخبر عن قدوم الخشبية مكة وموافاتهم الحجقال أبو جعفر: وفي هذه السنة قدمت الخشبية مكة، ووافوا الحج وأميرهم أبو عبد الله الجدلي.
ذكر الخبر عن سبب قدومهم مكة: وكان السبب في ذلك - فيما ذكر هشام،عن أبي مخنف وعلي بن محمد، عن مسلمة ابن محارب - أن عبد الله بن الزبير حبس محمد بن الحنفية ومن
معه من أهل بيته وسبعة عشر رجلاً من أهل الكوفة بزمزم، وكرهوا البيعة لمن لم تجتمع عليه الأمة، وهربوا إلى الحرم، وتوعدهم بالقتل والإحراق، وأعطى الله عهداً إن لم يبايعوا إن ينفذ فيهم ما توعدهم به، وضرب لهم في ذلك أجلاً، فأشار بعض من كان مع ابن الحنفية عليه أن يبعث إلى المختار وإلى من بالكوفة رسولاً يعلمهم حالهم وحال من معهم، وما توعدهم به ابن الزبير. فوجه ثلاثة نفر من أهل الكوفة حين نام الحرس على باب زمزم، وكتب معهم إلى المختار وأهل الكوفة يعلمهم حاله وحال من معه، وما توعدهم به ابن الزبير من القتل والتحريق بالنار، ويسألهم ألا يخذلوه كما خذلوا الحسين وأهل بيته. فقدموا إلى المختار، فدفعوا إليه الكتاب فنادى في الناس وقرأ عليهم الكتاب وقال: هذا كتاب مهديكم وصريح أهل بيت نبيكم، وقد تركوا محظوراً عليهم كما يحظروا على الغنم ينتظرون القتل والتحريق بالنار في آناء الليل وتارات النهار، ولست أبا إسحاق إن لم أنصرهم نصراً مؤزراً، وإن لم أسرب إليهم الخيل في أثر الخيل، كالسيل يتلوه السيل، حتى يحل بابن الكاهلية الويل. ووجه ابا عبد الله الجدلي في سبعين راكباً من أهل القوة، ووجه ظبيان ابن عمارة أخا بني تميم ومعه أربعمائة، وأبا المعتمر في مائة، وهانئ ابن قيس في مائة، وعميربن طارق في أربعين، ويونس بن عمران في أربعين، وكتب إلى محمد بن علي مع الطفيل بن عامر ومحمد بن قيس بتوجيه الجنود إليه، فخرج الناس بعضهم في أثر بعض، وجاء أبو عبد الله حتى نزل ذات عرق في سبعين راكباً، ثم لحقه عمير بن طارق في أربعين راكباً، ويونس ابن عمران في أربعين راكباً، فتموا خمسين ومائة، فسار بهم حتى دخلوا المسجد الحرام، ومعهم الكافركوبات، وهم ينادون: يالثارات الحسين! حتى انتهوا إلى زمزم، وقد أعد ابن الزبير الحطب ليحرقهم، وكان قد بقي من الأجل يومان، فطردوا الحرس، وكسروا أعواد زمزم، ودخلوا على ابن الحنفية. فقالوا له: خل بيننا وبين عدو الله ابن الزبير، فقال لهم: إني لأستحل القتال في حرم الله فقال ابن الزبير: أتحسبون أني مخل سبيلهم دون أن يبايع ويبايعوا! فقال أبو عبد الله الجدلى: إي ورب الركن والمقام، ورب الحل والحرام، لتخلين سبيله أو لنجالدنك بأسيافنا جلاداً يرتاب منه المبطلون. فقال ابن الزبير: والله ما هؤلاء إلا أكلة رأس، والله لأذنت لأصحابي ما مضت ساعة حتى تقطف رؤوسهم، فقال له قيس بن مالك: أما والله إني لأرجو إن رمت ذلك أن يوصل إليك قبل أن ترى فينا ما تحب. فكف ابن الحنفية أصحابه وحذرهم الفتنة، ثم قدم أبو المعتمر في مائة، وهانىء بن قيس في في مائة، وظبيان بن عمارة في مائتين، ومعه المال حتى دخلوا المسجد، فكبروا: يالثارات الحسين! فلما رآهم ابن الزبير خافهم، فخرج محمد بن الحنفية ومن معه إلى شعب على وهم يسبون ابن الزبير. ويستأذنون ابن الحنفية فيه، فيأبى عليهم، فاجتمع مع محمد ابن علي في الشعب أربعة آلاف رجل، فقسم بينهم ذلك المال.
ذكر الخبر عن حصار بني تميم بخراسانقال أبو جعفر: وفي هذه السنة كان حصار عبد الله بن خازم من كان بخراسان من رجال بني تميم بسبب قتل من قتل منهم ابنه محمداً. قال علي بن محمد: حدثنا الحسن بن رشيد الجوزجاني عن الطفيل ابن مرداس العمى، قال: لما تفرقت بنو تميم بخراسان أيام ابن خازم، أتى فصر فرتنا عدة من فرسانهم ما بين السبعين إلى الثمانين؛ فولوا أمرهم عثمان بن بشر بن المحتفر المزني، ومعه شعبة بن ظهير النهشلي، وورد بن الفلق العنبري، وزهير بن ذؤيب العدوي، وجيهان بن مشجعة الضبى، والحجاج بن ناشب العدوي، ورقبة بن الحر في فرسا بني تميم. قال: فأتاهم ابن خازم، فحصرهم وخندق خندقاً حصيناً. قال: وكانوا يخرجون إليه
فيقاتلونه، ثم يرجعون إلى القصر. قال: فخرج ابن خازم يوماً على تعبية من خندقه في ستة آلاف، وخرج أهل القصر إليه، فقال لهم عثمان بن بشر بن المحتفر: انصرفوا اليوم عن ابن خازم، فلا أظن لكم به طاقة، فقال زهير بن ذؤيب العدوي: امرأته طالق إن رجع حتى ينقض صفوفهم وإلى جنبهم نهر يدخله الماء في الشتاء، ولم يكن يومئذ فيه ماء، فاستبطنه زهير، فسار فيه، فلم يشعر به أصحاب ابن خازم حتى حمل عليهم، فحطم أولهم على آخرهم، واستداروا وكر راجعاً، واتبعوه على جنبي النهر يصيحون به: لاينزل إليه أحد، حتى انتهى إلى الموضع الذي انحدرفيه، فخرج فحمل عليهم، فأفرجوا له حتى رجع؛ قال: فقال ابن خازم لأصحابه: إذا طاعنتم زهيراً فاجعلوا في رماحكم كلاليب فأعلقوها في أداته إن قدرتم عليه، فخرج إليهم يوماً وفي رماحكم كلاليب قد هيئوها له، فطاعنوه، فأعلقوا في درعه أربعة أرماح، فالتفتت إليهم ليحمل عليهم، فاضطربت أيديهم، فخلوا رماحهم، فجاء يجر أربعة أرماح حتى دخل القصر؛ قال: فأرسل ابن خازم غزوان بن جزء العدوى إلى زهير فقال: قل له: أرأيتك إن آمنتك وأعطيتك مائة ألف، وجعلت لك باسار طعمة تناصحني؛ فقال لغزوان: ويحك! كيف أناصح قوماً قتلوا الأشعث ابن ذؤيب! فأسقط بها غزوان عند موسى بن عبد الله بن خازم.
قال: فلما طال عليهم الحصار أرسلوا إلى خازم أن خلنا نخرج فنتفرق، فقال: لا إلا أن تنزلوا على حكمي؛ قالوا: فإنا ننزل على حكمك، فقال لهم زهير: ثكلتكم أمهاتكم! والله ليقتلنكم عن آخركم، فإن طبتم بالموت أنفساً فموتوا كراماً، اخرجا بنا جميعاً فإما أن تموتوا جميعاً وإما أن ينجو بغضكم ويهلك بعضكم، وايم الله لئن شددتم عليهم شدةً صادقةً ليفرجن لكم عن مثل طريق المربد، فإن شئتم كنت أمامكم، وإن شئتم كنت خافكم قال: فأبوا عليه، فقال: أما إني سأريكم، ثم خرج هو ورقبة بن الحر ومع رقبة غلام له ترمى وشعبة بن ظهير. قال: فحملوا على القوم حملةً منكرةً فأفرجوا لهم، فمضوا؛ فأما زهير فرجع إلى أصحابه حتى دخل القصر فقال لأصحابه: قد رأيتم فأطيعوني، ومضى رقبة وغلامه وشعبة. قالوا: إن فينا من يضعف عن هذا ويطمع في الحياة، قال: أبعدكم الله! أتأخذون عن أصحابكم! والله لا أكون أجزعكم عند الموت. قال: ففتحوا القصر ونزلوا، فأرسل فقيدهم، ثم ملوا إليه رجلا رجلاً، فأراد أن يمن عليهم، فأبى ابنه موسى، وقال: والله لئن عفوت عنهم لأتكئن على سيفي حتى يخرج من ظهري؛ فقال له عبد الله: أما والله إني لأعلم أن الغي فيما تأمرني به، ثم قتلهم جميعاً إلا ثلاثة؛ قال: أحدهم الحجاج بن ناشب العدوي - وكان رمى ابن خازم وهو محاصرهم بكسر ضرسه، فحلف لئن ظفر به ليقتلنه أو ليقطعن يده، وكان حدثاً، فكلمه فيه رجال من بني تميم كانوا معتزلين؛ من عمرو بن حنظلة، فقال رجل منهم: ابن عمي وهو غلام حدث جاهل؛ هبه لي، قال: فوهبه له، وقال: النجاء! لا أرينك قال: وجيهان بن مشجعة الضبي الذي ألقى نفسه على ابنه محمد يوم قتل، فقال ابن خازم: خلوا هذا البغل الدارج، ورجل من بني سعد، وهو الذي قال يوم لحقوا ابن خازم: انصرفوا عن فارس مضر. قال: وجاءوا بزهير بن ذؤيب فأرادوا حمله وهو مقيد، فأبى وأقبل يحجل حتى جلس بين يديه، فقام له ابن خازم: كيف شكرك إن أطلقتك وجعلت لك باسار طعمة؟ قال: لو لم تصنع بي إلا جقن دمى لشكرتك، فقام ابنه موسى فقال: تقتل الضبع وتترك الذيخ! تقتل اللبؤة وتترك الليث! قال: ويحك! نقتل مثل زهير! من لقتال عدو المسلمين! من النساء العرب! قال: والله لوشركت في دم أخي أنت لقتلتك؛ فقام رجل من بني سليم إلى ابن خازم، فقال: أذكرك الله في زهير! فقال له موسى: اتخذه فحلاً لبناتك، فغضب ابن خازم، فأمر بقتله، فقال له زهير: إن لي حاجة، قال: وما هي؟ قال: تقتلني على حدة، ولا تخلط دمي بدماء هؤلاء اللئام، فقد نهيتهم عما صنعوا وأمرتهم أن يموتوا كراماً، وأن يخرجوا عليكم مصلتين، وايم الله أن لو فعلوا لذعروا بنيك هذا، وشغلوه بنفسه عن طلب الثأر بأخيه فأبوا، ولو فعلوا ما قتل منهم رجل حتى يقتل رجالاً فأمر به فنحى ناحية فقتل. قال مسلمة بن محارب: فكان الأحنف بن قيس إذا ذكرهم قال: قبح الله ابن خازم! قتل رجالاً من بني تميم بابنه، ضبي وغدا أحمق لايساوي علقاً. ولو قتل منهم رجلاً به لكان وفى.
قال: وزعمت بنو عدي انهم لا أرادوا حمل زهير بن ذؤيب أبىواعتمد على رمحه وجمع رجليه فوثب الخندق، فلما بلغ الحريش بن هلال قتلهم قال:
أعاذل إني لم ألم في قتالهم ... وقد عض سيفي كبشهم ثم صمما
أعاذل ما وليت حتى تبددت ... رجال وحتى لم أجد متقدما
أعاذل أفناني السلاح ومن يطل ... مقارعو الأبطال يرجع مكلما
أعيني إن أنزفتما الدمع فاسكبا ... دماً زماً لي دون أن تسكبا الدما
أبعد زهير وابن بشر تتابعا ... وورد أرجى في خراسان مغنما
أعذل كم من يوم حرب شهدته ... أكر إذا ما فارس السوء أحجما
يعني بقوله: أبعد زهير، زهير بن ذؤيب، وابن بشر، عثمان بن بشر المحتفز المازني، وورد بن الفلق العنبري، قتلوا يومئذ، وقتل سليمان بن المحتفز أخو بشر. قال أبو جعفر: وجج بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير، وكان على المدينة مصعب بن الزبير من قبل أخيه عبد الله، وعلى البصرة الحارث ابن عبد الله بن أبي ربيعة، وعلى قضائها هشام بن هبيرة، وكانت الكوفة بها المختار غالباً عليها، وبخراسان عبد الله بن خازم.
شخوص إبراهيم بن الأشتر لحرب عبيد الله بن زيادوفي هذه السنة شخص إبراهيم بن الأشتر متوجهاً إلى عبيد الله ابن زياد لحربه، وذلك لثمان يقين من ذي الحجة. قال هشام بن محمد: حدثني أبو مخنف، قال: حدثني النضر بن صالح - وكان قد أدرك ذلك - قال: حدثني فضيل بن خديج - وكان قد شهد ذلك - وغيرهما. قالوا: ما هو إلا أن فرغ المختار من أهل السبيع و أهل الكناسة، فما نزل إبراهيم بن الأشتر إلا يومين حتى أشخصه إلى الوجه الذي كان وجهه له لقتال أهل الشام، فخرج يوم السبت لثمان بقين من ذي الحجة سنة ست وستين، وأخرج المختار معه من وجوه أصحابه وفرسانهم وذوي البصائر منهم: ممن قد شهد الحرب وجربها، وخرج معه قيس بن طهفة النهدي على ربع أهل المدينة ، وأمر عبد الله بن حية الأسدي على ربع مذبح جج وأسد، وبعث الأسود بن جراد الكندي على ربع كندة وربيعة. وبعث حبيب بن منقذ الثوري من همدان على ربع تميم وهمدان، وخرج معه المختار يشيعه حتى إذا بلغ دير عبد الرحمن بن أم الحكم، إذا أصحاب المختار قد استقبلوه، قد حملوا الكرسي على بغل أشهب كانوا يحملونه عليه، فوقفوا به على القنطرة، وصاحب أمر الكرسي حوشب البرسمي، وهو يقول: يا رب عمرنا في طاعتك، وانصرنا على الأعداء، واذكرنا ولا تنسنا واسترنا، قال: وأصحابه يقولون: آمين آمين؛ قال فضيل: فأنا سمعت ابن نوف الهمداني يقول: قال المختار:
أما ورب المرسلات عرفا ً ... لنقتلن بعد صف صفا
وبعد ألف قاسطين ألفاً قال: فلما انتهى إليهم المختار وابن الأشر ازدحموا ازدحاماً شديداً على القنطرة، ومضى المختار مع إبراهيم إلى قناطر رأس الجالوت - وهي إلى جنب دير عبد الرحمن - فإذا أصحاب الكرسي قد وقفوا على قناطر رأس الجالوت يستنصرون، فلما صار المختار بين قنطرة دير عبد الرحمن وقناطر رأس الجالوت وقف، وذلك حين أراد أن ينصرف، فقال لابن الأشتر: خذ عني ثلاثاً: خف الله في سر أمرك وعلانيته، وعجل السير، وإذا لقيت عدوك فناجزهم ساعة تلقاهم، وإن لقيتهم نهاراً فلا تنتظر بهم الليل حتى تحاكمهم إلى الله. ثم قال: هل حفظت ماأوصيتك به؟ قال: نعم، قال: صحبك الله؛ ثم انصرف. وكان موضع عسكر إبراهيم بموضع حمام أعين،ومنه شخص بعسكره.
ذكر أمر الكرسي الذي كان المختار يستنصر به!قال أبو مخنف: فحدثني فضيل بن خديج قال: لما انصرف المختار مضى إبراهيم ومعه أصحابه حتى انتهى إلى أصحاب الكرسي وقد عكفوا حوله وهم رافعو أيديهم إلى السماء يستنصرون، فقال إبراهيم: اللهم لاتؤاخذنا بما فعل السفهاء - سنة بني إسرائيل، والذي نفسي بيده إذ عكفوا على عجلهم - فلما جاز القنطرة إبراهيم وأصحابه انصرف أصحاب الكرسي.
ذكر الخبر عن سبب كرسي المختار الذي يستنصر به هو وأصحابه: قال أبو جعفر: وكان بدء سببه ما حدثني به عبد الله بن أحمد بن شبويه، قال:حدثني أبي، قال: حدثني سليمان، قال: حدثني عبد الله ابن المبارك، عن إسحاق بن طلحة، قال: حدثني معبد بن خالد، قال: حدثني طفيل بن جعدة بن هبيرة، قال: أعدمت مرة من الورق، فإني لكذلك إذ خرجت يوماً فإذا زيات جار لي، له كرسي قد ركبه وسخ شديد، فخطر على بالي أن لو قلت للمختار في هذا! فرجعت فأرسلت إلى الزيات: أرسل إلي بالكرسي، فأرسل إلي به، فأتيت المختار، فقلت: إني كنت أكتمك شيئاً لم أستحل ذلك، فقد بدا لي أن أذكره لك، قال: وما هو؟ قلت: كرسي كان جعد بن هبيرة يجلس عليه كأنه يرى أن فيه أثرة من علم، قال: سبحان الله! فأخرت هذا إلى اليوم! أبعث إليه، أبعث إليه، قال: وقد غسل وخرج عود نضار، وقد تشرب الزيت، فخرج يبص، فجئ به وقد غشى، فأمر لي باثني عشر ألفاً، ثم دعا:الصلاة جامعة. فحدثني معبد بن خالد الجدلي فقال: انطلق بي وبإسماعيل بن طلحة ابن عبيد الله وشبث بن ربعى والناس يجرون إلى المسجد، فقال المختار: إنه لم يكن في الأمم الخالية أمر إلا وهو كائن في هذه الأمة مثله، وإنه كان في بني إسرائيل التابوت فيه بقية مما ترك آل موسى وآل هارون، وإن هذا فينا مثل التابوت، اكشفوا عنه؛ فكشفوا عنه أثوابه، وقامت السبئية فرفعوا أيديهم، وكبروا ثلاثاً، فقام شبت بن ربعى وقال: يا معشر مضر، لاتكفرن، فنحوه فذبوه وصدوه وأخرجوه، قال إسحاق: فوالله إني لأرجو أنها لشبت، ثم لم يلبث أن قيل: هذا عبيد الله بن زياد قد نزل بأهل الشام باجميرة، فخرج بالكرسي على بغل وقد غشى، يمسكه عن يمينه سبعة وعن يساره سبعة، فقتل أهل الشام مقتلة لم يقتلوا مثلها، فزادهم ذلك فتنة، فارتفعوا فيه حتى تعاطوا الكفر، فقلت: إنا لله! وندمت على ما صنعت، فتكلم الناس في ذلك، فغيب، فلم أره بعد. حدثني عبد الله، قال: حدثني أبي قال: قال أبو صالح: فقال في ذلك أعشى همدان كما حدثني غير عبد الله:
شهدت عليكم أنكم سبئية ... وإني بكم يا شرطة الشرك عارف
وأقسم ما كرسيكم بسكينة ... وإن كان قد لفت عليه اللفائف
وأن ليس كالتابوت فينا وإن سعت ... شبام حواليه ونهد وخارف
وإني امرؤ أحببت آل محمد ... وتابعت وحياً ضمنته المصاحف
وتابعت عبد الله لما تتابعت ... عليه قريش: شمطها والغطارف
وقال المتوكل الليثي:
أبلغ أبا إسحاق إن جئته ... أنى بكرسيكم كافر
تنزو شبام حول أعواده ... وتحمل الوحى له شاكر
محمرة أعينهم حوله ... كأنهن الحمص الحادر
فأما أبو مخنف: فإنه ذكر عن بعض شيوخ قصة هذا الكرسي غير الذي ذكره عبد الله بن أحمد بالإسناد الذي حدثنا به، عن طفيل بن جعدة. والذي ذكر من ذلك ما حدثنا به، عن هشام بن محمد. عنه، قال: حدثنا هشام بن عبد الرحمن وابنه الحكم بن هشام، أن المختار قال لآل جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي - وكانت أم جعدة أم هانئ بنت أبي طالب أخت علي بن أبي طالب عليه السلام لأبيه وأمه: ائتوني بكرسي علي بن أبي طالب؛ فقالوا لا والله ما هو عندنا، وما ندري من أين نجيء به! قال: لا تكونن حمقى، اذهبوا فأتوني به، قال: فظن القوم عند ذلك أنهم لا يأتون بكرسي، فيقولون: هو هذا إلا قبله منهم، فجاءوا بكرسي فقالوا: هو هذا فقبله، قال: فخرجت شبام وشاكر ورؤوس أصحاب المختار وقد عصبوه بالحرير والديباج. قال أبو مخنف، عن موسى بن عامر أبي الأشعر الجبهني: إن الكرسي لما بلغ ابن الزبير أمره قال: أين بعض جنادبة الأزد عنه! قال أبو الأشعر: لما جيء بالكرسي كان اول من سدنه موسى بن أبي موسى الأشعري، وكان يأتي المختار أول ما جاء ويحف به، لأن أمة أم كلثوم بنت الفضل بن العباس بن عبد المطلب. ثم إنه بعد ذلك عتب عليه فاستحيا
منه، فدفعه إلى حوشب البرسمي، فكان صاحبه حتى هلك المختار. قال: وكان أحد عمومة الأعشى رجلاً يكنى أبا أمامة يأتي مجلس أصحابه فيقول: قد وضع لنا اليوم وحي ما سمع الناس بمثله، فيه نبأ ما يكون من شيء. قال أبو مخنف: حدثنا موسى بن عامر أنه إنما كان يضع ذلك لهم عبد الله بن نوف. ويقول: المختار أمرني به، ويتبرأ المختار منه.
ثم دخلت سنة سبع وستين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث

فمما كان فيها من ذلك مقتل عبيد الله بن زياد ومن كان معه من أهل الشام. ذكر الخبر عن صفة مقتله. ذكر هشام بن محمد، عن أبي مخنف، قال: حدثني أبو الصلت، عن أبي سعيد الصيقل، قال: مضينا مع إبراهيم بن الأشتر ونحن نريد عبيد الله بن زياد ومن معه من أهل الشام، فخرجنا مسرعين لا ننثني، نريد أن نلقاه قبل أن يدخل أرض العراق. قال: فسبقناه إلى تخوم أرض العراق سبقاً بعيداً، ووغلنا في أرض الموصل، فتعجلنا إليه، وأسرعنا السير، فنلقاه في خازر إلى جنب قرية يقال لها باربيثا، بينها وبين مدينة الموصل خمسة فراسخ، وقد كان ابن الأشتر جعل على مقدمة الطفيل بن لقيط؛ من وهبيل من النخع - رجلاً من قومه - وكان شجاعاً بئيساً، فلما أن دنا من ابن زياد ضم حميد بن حريث إليه، وأخذ ابن الأشتر لايسير إلا على تعبية، وضم أصحابه كلهم إليه بخيله ورجاله، فأخذ يسير بهم جميعاً لايفرقهم، إلا يبعث الطفيل بن لقيط في الطلائع حتى نزل تلك القرية. قال: وجاء عبيد الله بن زياد حتى نزل قريباً مكنهم على شاطئ خازر. وارسل عمير بنالحباب السلمى إلى ابن الأشتر: إني معك، وأنا أريد الليلة لقاءك، فأرسل إليه ابن الأشتر: أن القنى إذا شئت؛ وكانت قيس كلها بالجزيرة، فهم أهل خلاف لمروان وآل مروان، وجند مروان يومئذ كلب وصاحبهم ابن بحدل. فأتاه عمير ليلاً فبايعه، وأخبره أنه على ميسرة صاحبه، وواعده أن ينهزم بالناس، وقال ابن الأشتر: ما رأيك؟ أخندق على وأتلوم يومين أو ثلاثة؟ قال عمير بن الحباب: لاتفعل، إنا لله! هل يريد القوم إلا هذه! إن طاولوك وما طالوك فهو خير لهم، هم كثير أضعافكم. وليس يطيق القليل الكثير في المطاولة، ولكن ناجز القوم فإنهم قد ملئوا منكم رعباً، فأتهم فإنهم إن شاموا أصحابك وقاتلوهم يوماً بعد يوم، ومرة بعد مرة أنسوا بهم، واجترءوا عليهم؛ قال إبراهيم: الآن علمت أنك لي مناصح، صدقت، الرأي ما رأيت، أما إن صاحبي بهذا أوصاني، وبهذا الرأي أمرني. قال عمير: فلا تعدون رأيه، فإن الشيخ قد ضرسته الحروب، وقاسى منها ما لم نقاس، أصبح فناهض الرجل. ثم إن عميراً انصرف، وأذكى ابن الأشتر حرسه تلك الليلة الليل كله، ولم يدخل عينه غمض، حتى إذا كان في السحر الأول عبى أصحابه، وكتب كتائبه،وأمر أمراءه. فبعث سفيان بن يزيد بن المغفل الأزدي على ميمنته،وعلي بن مالك الجشمي على ميسرته، وهو أخو أبي الأخوص. وبعث عبد الرحمن بن عبد الله - وهو أخو إبراهيم الأشتر لأمه - على الخيل، وكانت خيله قليلة فضمها إليه، وكانت في الميمنة والقلب، وجعل على رجالته الطفيل بن لقيط ، وكانت رايته مع مزاحم بن مالك. قال: فلما انفجر الفجر صلى بهم الغداة بغلس، ثم خرج بهم فصفهم، ووضع أمراء الأرباع في مواضعهم، وألحق أمير الميمنة بالميمنة، وأمير الميسرة بالميسرة، وأمير الرجالة بالرجالة. وضم الخيل إليه، وعليها أخوه لأمه عبد الرحمن بن عبد الله، فكانت وسطاً من الناس، ونزل إبراهبم يمشي، وقال للناس: ازحفوا، فزحف الناس معه على رسلهم رويداً رويداً حتى أشرف على تل عظيم مشرف على القوم، فجلس عليه، وإذا أولئك لم يتحرك منهم أحد بعد - فسرح عبد الله بن زهير السلولي وهو على فرس له يتأكل تأكلاً، فقال: قرب على فرسك حتى تأتيني بخبر هوْلاء، فانطلق، فلم يلبث إلا يسيراً حتى جاء، فقال: قد خرج القوم على دهش وفشل، لقيني رجل منهم فما كان له هجيري إلا يا شيعة أبي تراب، يا شيعة المختار الكذاب! فقلت: ما بيننا وبينكم أجل من الشتم، فقال لي: يا عدو الله، إلام تدعوننا! أنتم تقاتلون مع غير إمام، فقلت له: بل يالشارات الحسن، ابن رسول الله! ادفعوا إلينا عبيد الله بن زياد، فإنه قتل ابن رسول الله وسيدشباب أهل الجنه حتى نقتله ببعض موالينا الذين قتلهم مع الحسين، فإنا لانراه لحسين نداً فنرضى أن يكون منه قوداً، وإذا دفعتموه إلينا فقتلناه ببعض موالينا الذين قتلهم جعلنا بيننا وبينكم كتاب الله، أو أي صالح من المسلمين شتم حكماً، فقال لي: قد جربناكم مرة أخرى في مثل هذا - يعني الحكمين - فغدرتم. فقلت له: وما هو؟ فقال: قد جعلنا بيننا وبينكم حكمين فلم ترضوا بحكمهما؛ فقلت له: ما جئت بحجة، ئغنما كان صلحنا على أنهما إذا اجتمعنا على رجل تبعنا حكمهما. ورضينا به وبايعناه. فلم يجتمعا على واحد، وتفرقا، فكلاهما لم يوفقه الله لخير ولم يسدده. فقال: من أنت؟ فأخبرته، فقلت له: من أنت؟ فقال: عدس - لبغلته يزجرها - فقلت له: ما أنصفتني، هذا أول غدرك! قال: ودعا ابن الأشتر بفرس له فركبه، ثم أمر بِأصحاب الرايات كلها، فكلما مر على راية وقف عليها، ثم قال: يا أنصار الدين. وشيعة الحق، وشرطة الله، هذا عبيد الله بن مرجانة قاتل الحسين بن علي، ابن فاطمة بنت رسول الله. حال بينه وبين بناته ونسائه وشيعته وبين ماء الفرات أن يشربوا منه، وهم ينظرون إليه، ومنعه أن يأتي ابن عمه فيصالحه، ومنعه أن ينصرف إلى رحله وأهله، ومنعه الذهاب في الأرض العريضة حتى قتله وقتل أهل بيته؛ فوالله ما عمل فرعون بنجباء بني إسرائيل ما عمل ابن مرجانة بأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. قد جاءكم الله به، وجاءه بكم، فوالله إني لأرجو ألا يكون الله جمع بينكم في هذا الموطن وبينه إلا ليشفي صدوركم بسفك دمه على أيديكم، فقد علم الله أنكم خرجتم غضباً لأهل بيت نبيكم. فسار فيما بين الميمنة والميسرة، وسار في الناس كلهم فرغبهم في الجهاد، وحرضهم على القتال. ثم رجع حتى نزل تحت رايته، وزحف لقوم إليه، وقد جعل ابن زياد على ميمنته الحصين بن نمير السكوني، وعلى ميسرته عمير بن الحباب السلمى، وشرحبيل بن ذي الكلاع على الخيل وهو يمشي في الرجال، فلما تدانى الصفان حمل الحصين بن نمير في ميمنة أهل الشام على ميسرة أهل الكوفة، وعليها علي بن مالك الجشمي؛ فثبت له هو بنفسه فقتل، ثم أخذ رايته قرة بن علي، فقتل أيضاً في رجال من أهل الحفاظ قتلوا وانهزمت الميسرة، فأخذ راية علي بن مالك الجشمي عبد الله بن ورقاء بن جنادة السلولي ابن أخا حبشى بن جنادة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستقبل أهل الميسرة حين انهزموا، فقال: إلي يا شرطة الله؛ فأقبل إليه جلهم، فقال: هذا أميركم يقاتل، سيروا بنا إليه، فأقبل حتى أتاه وإذا هو كاشف عن رأسه ينادي: يا شرطة الله، إلي أنا ابن الأشتر! إن خير فراركم كراركم، ليس مسيئاً من أعتب، فثاب إليه أصحابه، وأرسل إلي صاحب الميمنة: احمل على مسيرتهم - وهو يرجو أن ينهزم لهم عمير ابن الحباب كما زعم، فحمل عليهم صاحب الميمنة، وهو سفيان بن يزيد ابن المغفل، فثبت له عمير بن الحباب وقاتله قتالاً شديداً، فلما رأى إبراهيم ذلك قال لأصحابه: أموا هذا السواد الأعظم، فوالله لو قد فضضناه لانجفل من ترون منهم يمنة ويسرة انجفال طير ذعرتها فطارت. قال أبو مخنف: حدثني إبراهيم بن عبد الله الأنصاري، عن ورقاء ابن عازب، قال: مشينا إليهم حتى إذا دنونا منهم أطلعنا بالرماح قليلاً، ثم صرنا إلى السيوف والعمد، فاضطربنا بها ملياً من النهار، فوالله ما شبهت ما سمعت بيننا وبينهم من وقع الحديد إلا مياجن قصارى دار الوليد بن عقبة بن أبي معيط. قال: فكان ذلك كذلك، ثم إن الله هزمهم، ومنحنا أكتافهم.
قال أبو مخنف: وحدثني الحارث بن حصيرة، عن أبي صادق أن إبراهيم بن الأشتر كان يقول لصاحب رايته: انغمس برايتك فيهم، فيقول له: إنه - جعلت فداك - ليس لي متقدم، فيقول: بلى، فإن أصحابك يقاتلون؛ وإن هؤلاء لا يهربون إن شاء الله؛ فإذا تقدم صاحب الراية برايته شد إبراهيم بسيفه فلا يضرب به رجلاً إلا صرعه. وكرد إبراهيم الرجال من بين يديه كأنهم الحملان، وإذا حمل برايته شد أصحابه شدة رجل واحد. قال أبو مخنف: حدثني المشرقي أنه كان مع عبيد الله بن زياد يومئذ حديدة لا تليق شيئاً مرت به، وأنه لما هزم أصابه حمل عيينة ابن أسماء أخت هند بنت أسماء - وكانت امرأة عبيد الله بن زياد - فذهب بها وأخذ يرتجز ويقول:
إن تصرمى حبالنا فربما ... أرديت في الهيجاء الكمى المعلما
قال أبو مخنف: وحدثني فيصل بن خديج أن إبراهيم لما شد على ابن زياد وأصحابه انهزموا بعد قتال شديد وقتلى كثيرة بين الفريقين، وإن عمير بن الحباب لما رأى أصحاب إبراهيم قد هزموا أصحاب عبيد الله بعث إليه: أجيئك الآن؟ فقال: لا تأتيني حتى تسكن فورة شرطة الله ، فإني أخاف عليك عاديتهم. وقال ابن الأشتر: قتلت رجلاً وجدت منه رائحة المسك، شرقت يداه وغربت رجلاه، تحت راية منفردة، على شاطئ نهر خازر. فالتمسوه فإذا هو عبيد الله بن زياد قتيلاً، ضربه فقده بنصفين، فذهبت رجلاه في المشرق، ويداه في المغرب. وحمل شريك بن جدير التغلبي على الحصين بن نمير السكوني وهو يحسبه عبيد الله بن زياد، فاعتنق كل واحد منهما صاحبه، ونادى التغلبي: اقتلوني وابن الزانية؛ فقتل ابن نمير. وحدثني عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سليمان، قال: حدثني عبد الله بن المبارك، قال: حدثني الحسن بن كثير، قال: كان شريك بن جدير التغلبي مع علي عليه السلام، أصيبت عينه معه، فلما انقضت حرب علي لحق ببيت المقدس، فكان به، فلما جاءه قتل الحسين، قال: أعاهد الله إن قدرت على كذا وكذا - يطلب بدم الحسين - لأقتلن ابن مرجانة أو لأموتن دونه. فلما بلغه أن المختار خرج يطلب بدم الحسين أقبل إليه. قال: فكان وجهه مع إبراهيم بن الأشتر، وجعل على خيل ربيعة، فقال لأصحابه: إني عاهدت الله على كذا وكذا فبايعه ثلثمائة على الموت، فلما التقوا حمل فجعل يهتكها صفاً صفاً مع أصحابه حتى وصلوا إليه، وثار الرهج فلا يسمع إلا وقع الحديد والسيوف، فانفرجت عن الناس وهما قتيلان ليس بينهما أحد، التغلبي وعبيد الله ابن زياد، قال: وهو الذي يقول:
كل عيش قد أراه قذراً ... غير ركز الرمح في ظل الفرس
قال هشام: قال أبو مخنف: حدثني فضيل بن خديج، قال: قتل شرحبيل بن ذي الكلاع، فادعى قتله ثلاثة: سفيان بن يزيد بن المغفل الأزدي، وورقاء بن عازب الأسدي، وعبيد الله بن زهير السلمي. قال: ولما هزم أصحاب عبيد الله تبعهم أصحاب إبراهيم بن الأشتر، فكان من غرق أكثر ممن قتل، وأصابوا عسكرهم فيه من كل شيء، وبلغ المختار وهو يقول لأصحابه: يأتيكم الفتح أحد اليومين إن شاء الله من قبل إبراهيم ابن الأشتر وأصحابه، قد هزموا أصحاب عبيد الله بن مرجانة.قال: فخرج المختار من الكوفة، واستخلف عليها السائب بن مالك الأشعري، وخرج بالناس، ونزل ساباط. قال أبو مخنف: حدثني المشرقي، عن الشعبي، قال: كنت أنا وأبي ممن خرج معه، قال: فلما جزنا ساباط قال للناس: أبشروا فإن شرطة الله قد حسوهم بالسيوف يوماً إلى الليل بنصيبين أو قريباً من نصيبين ودوين منازلهم، إلا أن جلهم محصور بنصيبين. قال: ودخلنا المدائن، واجتمعنا إليه، فصعد المنبر، فوالله إنه ليخطبنا ويأمرنا بالجد وحسن الرأي والاجتهاد والثبات على الطاعة، والطلب بدماء أهل البيت عليهم السلام، إذ جاءته البشرى تترى يتبع بعضها بعضاً بقتل عبيد الله بن زياد وهزيمة أصحابه، وأخذ عسكره. وقتل أشراف أهل الشام، فقال المختار: يا شرطة الله، ألم أبشركم بهذا قبل أن يكون! قالوا: بلى والله لقد قلت ذلك، قال: فيقول لي رجل من بعض جيراننا من الهمذانيين: أتؤمن الآن يا شعبي؟ قال: قلت بأي شيء أؤمن؟ أؤمن بأن المختار يعلم الغيب! لاأؤمن بذلك أبداً. قال: أولم يقل لنا: إنهم قد هزموا! فقلت له: إنما زعم لنا أنهم هزموا بنصيبين من أرض الجزيرة، وإنما هو بخازر من أرض الموصل، فقال: والله لا تؤمن يا شعبي حتى ترى العذاب الأليم، فقلت له: من هذا الهمذاني الذي يقول لك هذا؟ فقال: رجل لعمري كان شجاعاً - قتل مع المختار بعد ذلك يوم حروراء - يقال له: سلمان بن حمير من الثوريين من همذان، قال: وانصرف المختار إلى الكوفة، ومضى ابن الأشتر من عسكره إلى الموصل، وبعث عماله عليها، فبعث أخاه عبد الرحمن بن عبد الله على نصيبين، وغلب على سنجار ودارا، وما والاها من أرض الجزيرة، وخرج أهل الكوفة الذين كان المختار قاتلهم فهزمهمن فلحقوا بمصعب بن الزبير بالبصرة. وكان فيمن قدم على مصعب شبث بن ربعي، فقال سراقة ابن مرداس البارقي يمدح إبراهيم بن الأشتر وأصحابه في قتل عبيد الله ابن زياد:
أتاكم غلام من عرانين مذحج ... جري على الأعداء غيرنكول
فيابن زياد بؤ بأعظم مالك ... وذق حد ماضي الشفرتين صقيل
ضربناك بالعضب الحسام بحدة ... إذا ما أبأنا قاتلا بقتيل
جزى الله خيراً شرطة الله إنهم ... شفوا من عبيد الله أمس غليلي
ذكر الخبر عن عزل القباع عن البصرةوفي هذه السنة عزل عبد الله بن الزبير القباع عن البصرة، وبعث عليها أخاه مصعب بن الزبير، فحدثني عمر بن شبة، قال:حدثني علي ابن محمد، قال: حدثنا الشعبي. قال: حدثني وافد بن أبي ياسر. قال: كان عمرو بن سرح مولى الزبير يأتينا فيحدثنا. قال: كنت والله في الرهط الذين قدموا مع المصعب بن الزبير من مكة إلى البصرة؛ قال: فقدم متلثماً حتى أناخ على باب المسجد، ثم دخل فصعد المنبر، فقال الناس: أمير أمير. قال: وجاء الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة - وهو أميرها قبله - فسفر المصعب فعرفوه. وقالوا: مصعب بن الزبير! فقال: للحارث: اظهر اظهر، فصعد حتى جلس تحته من المنبر درجة؛ قال: ثم قام المصعب فحمد الله وأثنى عليه. قال: فو الله ما أكثر الكلام. ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم: " طسم تلك آيات الكتاب المبين نتلو عليك من نبإ موسى " إلى قوله: " إنه كان من المفسدين " - وأشار بيده نحو الشام - " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين " - وأشار بيده نحو الحجاز - " وترى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون " - وأشار بيده نحو الشام حدثني عن عمر بن شبة، قال: حدثني على بن محمد، عن عوانة، قال: لما قدم مصعب البصرة خطبهم فقال: يا أهل البصرة، بلغني أنكم تلقبون أمراءكم، وقد سميت نفسي الجزار.
ذكر خبر قتل مصعب المختار بن أبي عبيدوفي هذه السنة سار مصعب بن الزبير إلى المختار فقتله ذكر الخبر عن سبب مسير مصعب إليه والخبر عن مقتل المختار: قال هشام بن محمد، عن أبي مخنف، حدثني حبيب بن بديل، قال: لما قدم شبث على مصعب بن الزبير البصرة وتحته بغله له قد قطع ذنبها، وقطع طرف أذنها وشق قباءه، وهو ينادي: ياغوثاه ياغوثاه! فأتى مصعب، فقيل له: إن بالباب رجلاً ينادي: ياغوثاه ياغوثاه! مشقوق القباء، من صفته كذا وكذا، فقال لهم: نعم، هذا شبث بن ربعي لم يكن ليفعل هذا غيره، فأدخلوه، فأدخل عليه، وجاءه أشراف الناس من أهل الكوفة فدخلوا عليه، فأخبروه بما اجتمعوا له، وبما أصيبوا به ووثوب عبيدهم ومواليهم عليهم، وشكوا إليه، وسألوه النصر لهم، والمسير إلى المختار معهم. وقدم عليهم محمد بن الأشعث بن قيس - ولم يكن شهد وقعة الكوفة، كان في قصر له مما يلي القادسية بطيزناباذ - فلما بلغه هزيمة الناس تهيأ للشخوص، وسأل عنه المختار، فأخبر بمكانه، فسرح إليه عبد الله بن قراد الخثعمي في ماء، فلما ساروا إليه، وبلغه أن قد دنوا منه، خرج في البرية نحو المصعب حتى لحق به، فلما قدم على المصعب استحثه بالخروج، وأدناه مصعب وأكرمه لشرفه. قال: وبعث المختار إلى دار محمد بن الأشعث فهدمها. قال أبو مخنف: فحدثني أبو يوسف بن يزيد أن المصعب لما أراد المسير إلى الكوفة حين أكثر الناس عليه، قال لمحمد بن الأشعث: إني لا أسير حتى يأتني المهلب بن أبي صفرة. فكتب المصعب إلى المهلب - وهو عامله على فارس: أن أقبل إلينا لتشهد أمرنا، فإنا نريد المسير إلى الكوفة. فأبطأ عليه المهلب وأصحابه، واعتل بشيء من الخراج، لكراهة الخروج، فأمر مصعب محمد بن الأشعث في بعض ما يستحثه أن يأتي المهلب فيقبل به، وأعلمه أنه لا يشخص دون أن يأتي المهلب؛ فذهب محمد بن الأشعث
بكتاب المصعب إلى المهلب، فلما قرأه قال له: مثلك يامحمد من يأتي بريداً! أما وجد المصعب بريداً غيرك! قال محمد: إني والله ما أنا ببريد أحد، غير أن نساءنا وأبناءنا وحرمنا غلبنا عليهم عبداننا وموالينا. فخرج المهلب، وأقبل بجموع كثيرة وموال عظيمة معه في جموع وهيئة ليس بها أحد من أهل البصرة. ولما دخل المهلب البصرة أتى باب المصعب ليدخل عليه وقد أذن للناس، فحجبه الحاجب وهو لا يعرفه، فرفع المهلب يده فكسر أنفه، فدخل إلى المصعب وأنفه يسيل دماً، فقال له: مالك؟ فقال: ضربني رجل ما أعرفه، ودخل المهلب فلما رآه الحاجب قال: هو ذا، قال له المصعب: عد إلى مكانك، وأمر المصعب الناس بالمعسكر عند الجسر الأكبر، ودعا عبد الرحمن بن مخنف فقال له: ائت الكوفة فأخرج إلى جميع من قدرت عليه أن تخرجه، وادعهم إلى بيعتي سراً، وخذل أصحاب المختار، فانسل من عنده حتى جلس في بيته مستراً لايظهر، وخرج المصعب فقدم أمامه عباد بن الحصين الحبطي من بني تميم على مقدمته، وبعث عمر بن عبيد الله بن معمر على ميمنته، وبعث المهلب بن أبي صفرة على ميسرته، وجعل مالك بن مسمع على خمس بكر بن وائل، ومالك بن المنذر على خمس عبد القيس، والأحنف بن قيس على خمس تميم وزياد بن عمرو الأزدي على خمس الأزد، وقيس الهيثم على خمس أهل العالية؛ وبلغ ذلك المختار، فقام في أصحابه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أهل الكوفة، يا أهل الدين، وأعوان الحق، وأنصار الضعيف، وشيعة الرسول، وآل الرسول، إن فراركم الذين بغوا عليكم أتوا أشباههم من الفاسقين فاستغووهم عليكم ليمصح الحق، وينتعش الباطل، ويقتل أولياء الله، والله لو تهلكون ما عبد الله في الأرض إلا بالفرى على الله و اللعن لأهل بيت نبيه. انتدبوا مع أحمر بن شميط فإنكم لو قد لقيتموه لقد قتلتموه إنا شاء الله قتل عاد وإرم. فخرج أحمر بن شميط، فعسكر بحمام أعين، ودعا المختار رءوس الأرباع الذين كانوا مع ابن الأشتر، فبعثهم مع أحمر بن شميط، كما كانوا مع أبي الأشتر، فإنهم إنما فارقوا بن الأشتر؛ لأنهم رأوه كالمتهاون بأمر المختار، فانصرفوا عنه، وبعثهم المختار مع ابن شميط، وبعث معه جيشاً كثيفاً، فخرج ابن شميط، فبعث على مقدمته ابن كامل الشاكري، وسار أحمر بن شميط حتى ورد المذار، وجاء المصعب حتى عسكر منه قريباً. ثم إن كل واحد منهما عبى جنده. ثم تزاحقا، فجعل أحمر بن شميط على ميمنته عبد الله بن كامل الشاكري، وعلى ميسرته عبد الله ابن وهب بن نضلة الجشمي، وعلى الخيل رزين بن عبد السلولي. وعلى الرجالة كثير بن إسماعيل الكندي - وكان يوم خازر مع ابن الأشتر - وجعل كيسان أبا عمرة - وكان مولى لعرينة - على الموالي، فجاء عبد الله بن وهب بن أنس الجشمي إلى ابن شميط وقد جعله على ميسرته، فقال له: إن الموالي والعبيد آل خور عند المصدوقة، وإن معهم رجالاً كثيراً على الخيل. وأنت تمشي. فمرهم فلينزلوا معك، فإن لهم بك أسوةً. فإني أتخوف إن طوردوا ساعةً وطوعنوا وضوربوا أن يطيروا على منزلها ويسلموك، وإنك إن أرجلتهم لم يجدوا من الصبر بداً، وإنما كان هذا منه غشاً للموالي والعبيد، لما كانوا لقوا منهم بالكوفة، فأحب إن كانت عليهم الدبرة أن يكونوا رجالاً لا ينجو منهم أحد، ولم يتهمه ابن شميط، وظن أنه إنما أراد بذلك نصحه ليصبروا ويقاتلوا، فقال: يا معشر الموالي، انزلوا معي فقاتلو، فنزلوا معه، ثم مشوا بين يديه وبين يدي رايته، وجاء مصعب بن الزبير وقد جعل عباد ابن الحصين على الخيل، فجاء عباد حتى دنا من ابن شميط وأصحابه فقال: إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، وإلى بيعة أمير المؤمنين عبد الله ابن الزبير؛ وقال الآخرون: إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، وإلى بيعة الأمير المختار، وإلى أن نجعل هذا الأمر شورى في آل الرسول، فمن زعم من الناس أن أحداً ينبغي له أن يتولى عليهم برئنا منه وجاهدناه فانصرف عباد إلى المصعب فأخبره، فقال له: ارجع فاحمل عليهم
فرجع فحمل على ابن شميط وأصحابه فلم يزل منهم أحد، ثم انصرف إلى موقفه وحمل المهلب على ابن كامل، فجال أصحابه بعضهم في بعض، فنزل ابن كامل، ثم انصرف عنه المهلب، فقام مكانه، فوقفوا ساعةً ثم قال المهلب لأصحابه: كروا كرة صادقة، فإن القوم قد أطعموكم، وذلك بجولتهم التي جالوا، فحمل عليهم حملة منكرة فولوا، وصبر ابن كامل في رجال من همدان، فأخذ المهلب يسمع شعار القوم: أنا الغلام الشاكري، أنا الغلام الشبامي، أنا الغلام الثوري، فما كان إلا ساعة حتى هزموا، وجعل عمر بن عبيد الله بن معمر على عبد الله ابن أنس، فقاتل ساعة ثم انصرف، وحمل الناس جميعاً على ابن شميط، فقاتل حتى قتل، وتنادوا: يا معشر بجيلة وخشعم، الصبر الصبر! فناداهم المهلب: الفرار الفرار! اليوم أنجى لكم، علام تقتلون أنفسكم مع هذه العبدان، أضل الله سعيكم. ثم نظر إلى أصحابه فقال: والله ما أرى استحرار القتل اليوم إلا في قومي. ومالت الخيل على رجالة ابن شميط، فافترقت فانهزمت وأخذت الصحراء. فبعث المصعب عباد بن الحصين على الخيل، فقال: أيما أسير أخذته فاضرب عنقه. سرح محمد بن الأشعث في خيل عظيمة من خيل أهل الكوفة ممن كان المختار طردهم، فقال: دونك ثأركم! فكانوا حيث انهزموا أشد عليهم من أهل البصرة، لا يدركون منهزماً إلا قتلوه. ولا يأخذون أسيراً فيعفون عنه. قال: فلم ينج من ذلك الجيش إلا طائفة من أصحاب الخيل؛ وأما رجالتهم فأبيدوا إلا قليلا. فال أبو مخنف: حدثني ابن عياش المنتوف، عن معاوية بن قرة المزني، قال: انهيت إلى رجل منهم، فأدخلت سنان الرمح في عينه، فأخذت أخضخض عينه بسنان رمحي، فقلت له: وفعلت به هذا؟ قال: نعم، إنهم كانوا أحل عندنا دماء من الترك والديلم؛ وكان معاوية بن قرة قاضياً لأهل البصرة، ففي ذلك يقول الأعشى:
ألا هل أتاك والأنباء تنمى ... بما لاقت بجلة بالمذار
أتيح لهم بها ضرب طلحف ... وطعن صائب وجه النهار
كأن سحابة صعقت عليهم ... فعمتهم هنالك بالدمار
فبشر شيعة المختار إما ... مررت على الكويفة بالصغار
أقر العين صرعاهم وفل ... لهم جم يقتل بالصحارى
وما إن سرني إهلاك قومي ... وإن كانوا وجدك في خيار
ولكني سررت بما يلاقي ... أبو إسحاق من خزي وعار
وأقبل المصعب حتى قطع من تلقاء واسط القصب، ولم تك واسط هذه بنيت حينئذ بعد، فأخذ في كسكر، ثم حمل الرجال وأثقالهم وضعفاء الناس في السفن، فأخذوا في نهر يقال له: نهر خرشاذ، ثم خرجوا من ذلك النهر إلى نهر يقال له قوسان؛ ثم أخرجهم من ذلك النهر إلى الفرات. قال أبو مخنف: وحدثني فضيل بن خديج الكندي، أن أهل البصرة كانوا يخرجون فيجرون سفنهم ويقولون:
عودنا المصعب جر القلس ... والزنبريات الطوال القعس
قال: فلما بفغ من مع المختار من تلك الأعاجم مالقي إخوانهم مع ابن شميط قالوا بالفارسية: " ابن بارد روغ كفت " يقولون: هذا المرة كذب. قال أبو مخنف: وحدثني هشام بن عبد الرحمن الثقفي، عن عبد الرحمن بن أبي عمير الثقفي، قال: و الله إني لجالس عند المختار حين أتاه هزيمة القوم ومالقوا، قال: فأصغى إلى، فقال: قتلت و الله العبيد قتلةً ما سمعت بمثلها قط. ثم قال: وقتل ابن شميط وابن كامل وفلان وفلان، فسمى رجالاً من العرب أصيبوا، كان الرجل منهم في الحرب خيراً من فئام من الناس. قال: فقلت له: فهذه والله مصيبة، فقال لي: ما من الموت بد، وما من ميتة أموتها أحب إلي من مثل ميتة ابن شميط،حبذامصارع الكرام! قال: فعلمت أن الرجل قد حدث نفسه إن لم يصب حاجته أن يقاتل حتى يموت. ولما بلغ المختار أنهم قد أقبلوا إليه في البحر، وعلى الظهر، سار حتى نزل بهم السيلحينن، ونظر إلى مجتمع الأنهار نهر الحيرة ونهر السيلحين ونهر القادسية، ونهر يوسف، فسكر الفرات على مجتمع الأنهار، فذهب ماء الفرات كله في هذه الأنهار، وبقيت سفن أهل البصرة في الطين، فلما رأوا ذلك خرجوا من السفن يمشون، وأقبلت خيلهم تركض حتى أتوا ذلك السكر، فكسروه وصمدوا صمد الكوفة، فلما رأى ذلك المختار أقبل إليهم حتى نزل حروراء، وحال بينهم وبين الكوفة
وقد كان حصن قصره والمسجد، وأدخل في قصره عدة الحصار، وجاء المصعب يسير إليه وهو بحروراء وقد استعمل على الكوفة عبد الله ابن شداد، وخرج إليه المختار وقد جعل على ميمنته سليم بن يزيد الكندي، وجعل على ميسرته سعيد بن منقذ الهمداني ثم الثوري، وكان على شرطته يومئذ عبد الله بن قراد الخشعمي، وبعث على الخيل عمر بن عبد الله النهدي، وعلى الرجال مالك بن عمرو النهدي. وجعل مصعب على ميمنته المهلب بن أبي صفرة، وعلى ميسرته عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، وعلى الخيل عباد بن الحصين الحبطي، وعلىالرجال مقاتل بن مسمع البكري، ونزل هو يمشي متنكباً قوساً له. قال: وجعل على أهل الكوفة محمد بن الأشعث، فجاء محمد حتى نزل بين المصعب والمختار مغرباً ميامنا. قال: فلما رأى ذلك المختار بعث إلى كل خمس من أخماس أهل البصرة رجلا من أصحابه، فبعث إلى بكر ابن وائل سعيد بن منقذ صاحب ميسرته، وعليهم مالك بن مسمع البكري، وبعث إلى عبد القيس وعليهم مالك بن المنذر عبد الرحمن بن شريح الشبامي، وكان على بيت ماله، وبعث إلى أهل العالية وعليهم قيس ابن الهيثم السلمي عبد الله بن جعدة القرشي، ثم المخزومي، وبعث إلى الأزد وعليهم زياد بن عمرو العتكي مسافر بن سعيد بن نمران الناعطي، وبعث إلى بني تميم وعليهم الأحنف بن قيس سليم بن يزيد الكندي، وكان صاحب ميمنته، وبعث إلى محمد بن الأشعث السائب بن مالك الأشعري، ووقف في بقية أصحابه، وتزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض، ويحمل سعيد بن منقذ وعبد الرحمن بن شريح على بكر بن وائل، وعبد القيس، وهم في الميسرة وعليهم عمر بن عبيد الله بن معمر؛ فقاتلتهم ربيعة قتالاً شديداً، وصبروا لهم، وأخذ سعيد بن منقذ وعبد الرحمن بن شريح لا يقلعان، إذا حمل واحد فانصرف حمل الآخر، وربما حملا جميعاً؛ قال: فبعث المصعب إلى المهلب: ما تنتظر أن تحمل على من بإزائك! ألا ترى ما يلقى هذان الخمسان منذ اليوم! احمل بأصحابك، فقال: إي لعمري ماكنت لأجزر الأزد وتميماً خشية أهل الكوفة حتى أرى فرصتي. قال: وبعث المختار إلى عبد الله بن جعدة أن احمل على من بإزائك، فحمل على أهل العلية فكشفهم حتى انتهوا إلى المصعب، فبحثا المصعب على ركبتيه - ولم يكن فراراً - فرمى بأسهمه. ونزل الناس عنده فقاتلوا ساعةً، ثم تحاجزوا. قال: وبعث المصعب إلى المهلب وهو في خمسين جامين كثيري العدد والفرسان: لا أبا لك! ما تنتظر أن تحمل على القوم! فمكث غير بعيد، ثم إنه قال لأصحابه: قد قاتل الناس منذ اليوم وأنتم وقوف، وقد أحسنوا، وقد بقى ما عليكم، احملوا واستعينوا بالله واصبروا، فحمل على من يليه حملةً منكرةً، فحطموا أصحاب المختار حطمةً منكرة، فكشوفهم. وقال عبد الله
ابن عمرو النهدي - وكان من أصحاب صفين: اللهم إني على ما كنت عليه ليلة الخميس بصفين، اللهم إني أبرأ إليك من فعل هؤلاء لأصحابه حين انهزموا، وأبرأ إليك من أنفس هؤلاء - يعني أصحاب المصعب - ثم جالد بسيفه حتى قتل، وأتى مالك بن عمرو أبو نمران النهدي وهو على الرجالة بفرسه فركبه، وانقصف أصحاب المختار انقصافةً شديدة كأنهم أجمة فيها حريق. فقال مالك حين ركب: ما أصنع بالركوب! والله لأن أقتل ها هنا أحب إلي من أن أقتل في بيتي؛ أين أهل البصائر؟ أين أهل الصبر؟ فئاب إليه نحو من خمسين رجلاً، وذلك عند المساء، فكر على أصحاب محمد بن الأشعث، فقتل محمد بن الأشعث إلى جانبه هو وعامة أصحابه، فبعض الناس يقول: هو قتل محمد بن الأشعث، ووجد أبو نمران قتيلاً إلى جانبه - و كندة تزعم أن عبد الملك بن أشاءة الكندي هو الذي قتله - فلما مر المختار في أصحابه على محمد بن الأشعث قتيلاً قال: يا معشر الأنصار، كروا على الثعالب الرواغة، فحملوا عليهم، فقتل؛ فخشعم تزعم أن عبد الله بن قراد هو الذي قتله. قال أبو مخنف: وسمعت عوف بن عمرو الجشمي يزعم أن مولى لهم قتله، فادعى قتله أربعة نفر. كلهم يزعم أنه قتله، وانكشف أصحاب سعيد بن منقذ، فقاتل في عصابة من قومه نحو من سبعين رجلاً فقتلوا، وقاتل سليم بن يزيد الكندي في تسعين رجلاً من قومه، وغيرهم ضارب حتى قتل، وقاتل المختار على فم سكة شبث، ونزل وهو يريد ألا يبرح، فقاتل عامة ليلته حتى انصرف عنه القوم، وقتل معه ليلتئذ رجال من أصحابه من أهل الحفاظ، منهم عاصم بن عبد الله الأزدي، وعياش بن خازم الهمداني، ثم الثوري. وأحمر بن هديج الهمداني ثم الفايشي. قال أبو مخنف: حدثنا أبو الزبير أن همدان تنادوا ليلتئذ: يا معشر همدان، سيفوهم فقاتلوهم أشد القتال؛ فلما أن تفرقوا عن المختار قال له أصحابه: أيها الأمير، قد ذهب القوم فانصرف إلى منزلك إلى القصر، فقال المختار: أما والله ما نزلت وأنا أريد أن آتى القصر، فأما إذ انصرفوا فاركبوا بنا على اسم الله؛ فجاء حتى دخل القصر فقال الأعشى في قتل محمد بن الأشعث:
تأوب عينك عوارها ... وعاد لنفسك تذكارها
وإحدى لياليك راجعتها ... أرقت ولوم سمارها
وما ذاقت العين طعم الرقا ... د حتى تبلج إسفارها
وقام نعاة أبي قاسم ... فأسبل بالدمع تحدارها
فحق العيون على ابن الأشج ... ألا يفتر تقطارها
و ألا تزال تبكي له ... وتبتل بالدمع أشفاها
عليك محمد لما ثوي ... ت تبكي البلاد وأشجارها
وما يذكرونك إلا بكوا ... إذا ذمة خانها جارها
وعارية من ليالي الشتا ... ء لا يتمنح أيسارها
ولا ينبح الكلب فيها العقو ... ر إلا الهرير وتختارها
ولا ينفع الثوب فيها الفتى ... ولا ربة الخدر تخدارها
فأنت محمد في مثلها ... مهين الجزائر نحارها
تظل جفانك موضوعة ... تسيل من الشحم أصبارها
وما في سقائك مستنطف ... إذا الشول روح أغبارها
فيا واهب الوصفاء الصبا ... ح إن شبرت تم إشبارها
ويا واهب الجرد مثل القدا ... ح قد يعجب الصف شوارها
ويا واهب البكرات الهجا ... ن عوذا تجاوب أبكارها
وكنت كدجلة إذ ترتمي ... فيقذف في البحر تيارها
وكنت جليداً وذا مرة ... إذا يبتغي منك إمرارها
وكنت إذا بلدة أصفقت ... وآذان بالحرب جبارها
بعثت عليها ذواكي العيو ... ن حتى تواصل أخبارها
بإذن من الله والخيل قد ... أعد لذلك مضمارها
وقد تطعم الخيل منك الوجي ... ف حتى تنبذ أمهارها
وقد تعلم البازل العيسجو ... ر أنك بالخبث حسارها
فيا أسفي يوم لاقيتهم ... وخانت رجالك فرارها
وأقبلت الخيل مهزومة ... عثاراً تضرب أدبارها
بشط حروراء واستجمعت ... عليك الموالي وسحارها
فأخطرت نفسك من دونهم ... قحاز الرزيئة أخطارها
فلا تبعدان أبا قاسم ... فقد يبلغ النفس مقدارها
وأفني الحوادث ساداتنا ... ومر الليالي وتكرارها
قال هشام: قال أبي: كان السائب أتى مع مصعب بن الزبير، فقتله ورقاء النخعي من وهيبل، فقال ورقاء:
من مبلغ عني عبيداً بأنني ... علوت أخاه بالحسام المهند
فإن كنت تبغي العلم عنه فإنه ... صريع لدى الديرين غير موسد
وعمداً علوت الرأس منه بصارم ... فأثكلته سفيان بعد محمد
قال هشام عن أبي مخنف، قال: حدثني حصيرة بن عبد الله، أن هنداً بنت المتكلفة الناعطية كان يجتمع إليها كل غال من الشيعة فيتحدث في بيتها وفي بيت ليلى بنت قمامة المزنية، وكان أخوها رفاعة ابن قمامة من شيعة علي، وكان مقتصداً، فكانت لا تحبه، فكان أبو عبد الله الجدلي ويزيد بن شراحيل قد أخبرا ابن الحنفية خبر هاتين المرأتين وغلوهما وخبر أبي الأحراس المرادي و البطين الليثي وأبي الحارث الكندي. قال هشام عن أبي مخنف، قال: حدثني يحيى بن أبي عيسى، قال: فكان ابن الحنفية قد كتب مع يزيد بن شراحيل إلى الشيعة بالكوفة يحذرهم هؤلاء، فكتب إليهم: من محمد بن علي إلى من بالكوفة من شيعتنا أما بعد، فاخرجوا إلى المجالس والمساجد فاذكروا الله علانية وسراً ولاتتخذوا من دون المؤمنين بطانة، فإن خشيتم على أنفسكم فاحذروا على دينكم الكذابين، وأكثروا الصلاة والصيام والدعاء، فإنه ليس أحد من الخلق يملك لأحد ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء الله، وكل نفس بما كسبت رهينة، و لا تزر وازرة وزر أخرى، و الله قائم على كل نفس بما كسبت؛ فاعملوا صالحاً، وقدموا لأنفسكم حسناً، ولا تكونوا من الغافلين، والسلام عليكم. قال أبو مخنف: فحدثني حصيرة بن عبد الله، أن عبد الله بن نوف خرج من بيت هند بنت المتكلفة حين خرج الناس إلى حروراء وهو يقول: يوم الأربعاء، ترفعت السماء، ونزل القضاء، بهزيمة الأعداء، فاخرجوا على اسم الله إلى حروراء. فخرج ، فلما التقى للقتال ضرب على وجهه ضربة، ورجع الناس منهزمين، ولقيه عبد الله بن شريك النهدي، وقد سمع مقالته، فقال له: ألم تزعم لنا يا بن نوف أن سنهزمهم! قال: أو ما قرأت في كتاب الله: " يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب " ! قال: فلما أصبح المصعب أقبل يسير بمن معه من أهل البصرة ومن خرج إليه من أهل الكوفة، فأخذ بهم نحو السبخة، فمر بالمهلب. فقال له المهلب: يا له فتحاً ما أهناه لو لم يكن محمد بن الأشعث قتل! قال: صدقت، فرحم الله محمداً. ثم سار غير بعيد، ثم قال: يا مهلب، قال: لبيك أيها الأمير؛ قال: هل علمت أن عبيد الله بن علي بن أبي طالب قد قتل! قال: " إنا لله و إنا إليه راجعون " قال: المصعب: أما إنه كان ممن أحب أن يرى هذا الفتح، ثم لا نجعل أنفسنا أحق بشئ مما نحن فيه منه، أتدري من قتله؟ قال: لا؛ قال: إنما قتله من يزعم أنه لأبيه شيعة، أما إنهم قد قتلوه وهم يعرفونه. قال: ثم مضى حتى نزل السبخة فقطع عنهم الماء والمادة، وبعث عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فنزل الكناسة، وبعث عبد الرحمن ابن مخنف بن سليم إلى جبانة السبيع، وقد كان قال لعبد الرحمن بن مخنف:


ما كنت صنعت فيما كنت وكلتك به؟ قال: أصلحك الله! وجدت الناس صنفين؛ أما من كان له فيك هوى فخرج إليك. وأما من كان يرى رأى المخار، فلم يكن ليدعه، ولا ليؤثر أحداً عليه، فلم أبرح بيتي حتى قدمت؛ قال: صدقت؛ وبعث عباد بن الحصين إلى جبانة كندة، فكل هؤلاء كان يقطع عن المختار وأصحابه الماء والمادة. وهم في قصر المختار، وبعث زحر بن قيس إلى جبانة مراد، وبعث عبيد الله بن الحر إلى جبانة الصائدين قال أبو مخنف: وحدثني فضيل بن خديج، قال: لقد رأيت عبيد الله ابن الحر؛ وإنه ليطارد أصحاب خيل المختار، يقاتلهم في جبانة الصائدين ولربما رأيت خيلهم تطرد خيله، وإنه لوراء خيله يحميها حتى ينتهي إلى دار عكرمة، ثم يكر راجعاً هو وخيله، فيطردهم حتى يلحقهم بجبانة الصائدين، ولربما رأيت خيل عبيد الله قد أخذت السقاء والسقاءين فيضربون، وإنما كانوا يأتونهم بالماء أنهم كانوا يعطونهم بالراوية الدينار والدينار من الجهد. وكان المختار ربما خرج هو و أصحابه فقاتلوا قتالاً ضعيفاً، ولا نكاية لهم، وكانت لا تخرج له خيل إلا رميت بالحجارة من فوق البيوت، ويصب عليهم الماء القذر. واجترأ عليهم الناس، فكانت معايشهم أفضلها من نسائهم، فكانت المرأة تخرج من منزلها معها الطعام واللطف والماء، قد التحقت عليه، فتخرج كأنما تريد المسجد الأعظم للصلاة، وكأنها تأتي أهلها وتزور ذات قرابة لها، فإذا دنت من القصر فتح لها، فدخلت على زوجها وحميمها بطعامه وشرابه ولطفه. وإن ذلك بلغ المصعب وأصحابه، فقال له المهلب - وكان مجرباً: اجعل عليهم دروباً حتى تمنع من يأتيهم من أهليهم و أبنائهم، وتدعهم في حصنهم حتى يموتوا فيه. وكان القوم إذا اشتد عليهم العطش في قصرهم استقوا من ماء البئر. ثم أمر لهم المختار بعسل فصب فيه لغير طعمه فيشربوا منه، فكان ذلك أيضاً مما يروي أكثرهم. ثم إن مصعباً أمر أصحابه فاقتربوا من القصر، فجاء عباد بن الحصين الحبطي حتى نزل عند مسجد جهينة، وكان ربما تقدم حتى ينتهي إلى مسجد بني مخزوم، وحتى يرمي أصحابه من أشرف عليهم من أصحاب المختار من القصر، وكان لا يلقى امرأة قريباً من القصر إلا قال لها: من أنت؟ ومن أين جئت؟ وما تريدين؟ فأخذ في يوم ثلاث نسوة للشباميين وشاكر أتين أزواجهن في القصر، فبعث بهن إلى مصعب، وإن الطعام لمعهن، فردهن مصعب ولم يعرض لهن، وبعث زحر بن قيس، فنزل عند الحدادين حيث تكرى الدواب، وبعث عبيد الله بن الحر فكان موقفه عند دار بلال، وبعث محمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس فكان موقفه عند دار أبيه، وبعث حوشب بن يزيد فوقف عند عند زقاق البصريين عند فم سكة بين جذيمة بن مالك من بني أسد بن خزيمة، وجاء المهلب يسير حتى نزل جهار سوج خنيس، وجاء عيد الرحمن بن مخنف من قبل دار السقاية، وابتدر السوق أناس من شباب أهل الكوفة وأهل البصرة، أغمارها ليس لهم علم بالحرب، فأخذوا يصيحون - وليس لهم أمير: يابن دومة، يابن دومة! فأشرف عليهم المختار فقال: أما والله لو أن الذي يعيرني بدومة كان من القريتين عظيماً ما عيرني بها. وبصر بهم وبتفرقهم وهيئتهم وانتشارهم، فطمع فيهم، فقال لطائفة من أصحابه: اخرجوا معي، فخرج معه منهم نحو من مائتي رجل، فكر عليهم، فشدخ نحواً من مائة، وهزمهم، فركب بعضهم بعضاً، وأخذوا على دار فرات بن حيان العجلي. ثم إن رجلا من بني ضبة من أهل البصرة يقال له يحيى بن ضمضم، كانت رجلاه تكادان تخطان الأرض إذا ركب من طوله، وكان أقتل شئ للرجال وأهيبه عندهم إذا رأوه، فأخذ يحمل على أصحاب المختار فلا يشبت له رجل صمد صمده، وبصر به المختار، فحمل عليه فضربه ضربة على جبهته فأطار جبهته وقحف رأسه، وخر ميتاً، ثم إن تلك الأمراء وتلك الرءوس أقبلوا من كل جانب، فلم تكن لأصحابه بهم طاقة، فدخلوا القصر، فكانوا فيه، فاشتد عليهم الحصار فقال لهم المختار: ويحكم! إن الحصار لا يزيدكم إلا ضعفاً، انزلوا بنا فلنقاتل حتى نقتل كراماً إن نحن قتلنا، والله ما أنا بآيس إن صدقتموهم ثم دعا العرفاء فقال: ألحقوا الناس بالمهلب، وأتوني بالبراءات بموافاتهم ولا تغلقن أبواب الجسر ليلاً ولا نهاراً حتى تنقضي هذه المدة. تفسير الخطبة: قوله : " أنا ابن جلا " فابن جلا الصبح لأنه يجلو الظلمة. والثنايا: ما صغر من الجبال ونتأ. أوينع الثمر: بلغ إدراكه.
وقوله: " فاشتد زيم " فهى اسم للحرب. والحطم: الذي يحطم كل شئ يمر به. والوضم: ما وقى به اللحم من الأرض. والعصلبي: الشديد. والدوية: الأرض الفضاء التي يسمع فيها دوي أخفاف الإبل. و الأعلاط: الإبل التي لا أرسان عليها. أنشد أبو زيد الأصمعي:
واعرورت العلط العرضي تركضه ... أم الفوارس بالديداء والربعة
والشنان، جمع شنة: القرية البالية اليابسة، قال الشاعر:
كأنك من جمال بني أقيش ... يقعقع خلف رجليه بشن
وقوله: " فعجم عيدانها " أي عضها، والعجم بفتح الجيم: حب الزبيب، قال الأعشى: وملفوظها كلقيط العجم وقوله: " أمرها عوداً " أي أصلبها، يقال: حبل ممر، إذا كان شديد الفتل. وقوله: " لأعصبنكم عصب السلمة " فالعصب القطع، والسلمة؛ شجرة من العضاه. وقوله: " لا أخلق إلا فريت " فالخلق: التقدير، قال الله تعالى: " من مضغة مخلقة وغير مخلقة " أي مقدرة وغير مقدرة. يعني ما يتم وما يكون سقطاً، قال الكميت يصف قربة:
لم تجثم الخالقات فريتها ... ولم يفض من نطاقها السرب
وإنما وصف حواصل الطير، يقول: لبست كهذه. وصخرة خلقاء، أي ملساء، قال الشاعر:
وبهو هواء فوق مور كأنه ... من الصخرة الخلقاء زحلوق ملعب
ويقال: فريت الأديم إذا أصلحته، وأفريت، بالألف إذا أنت أفسدته. والسمهى: الباطل، قال أبو عمرو الشيباني: وأصله ما تسميه العامة مخاط الشيطان، وهو لعاب الشمس عند الظهيرة، قال أبو النجم العجلي:
وذاب للشمس لعاب فنزل ... وقام ميزان الزمان فاعتدل
والزرقات: الجماعات. تم التفسير. قال أبو جعفر: قال عمر: فحدثني محمد بن يحيى، عن عبد الله بن أبي عبيدة، قال: فلما كان اليوم الثالث سمع تكبيراً في السوق، فخرج حتى جلس على المنبر، فقال: يا أهل العراق، وأهل الشقاق والنفاق، ومساوىء الأخلاق، إني سمعت تكبيراً ليس بالتكبير الذي يراد الله به في الترغيب، ولكنه التكبير الذي يراد به الترهيب، وقد عرفت أنها عجاجة تحتها قصف. يا بني اللكيعة وعبيد العصا، وأبناء الأيامي، ألا يرجع رجل منكم على ظلعه. ويحسن حقن دمه، ويبصر موضع قدمه! فأقسم بالله لأوشك أن أوقع بكم وقعة تكونون نكالاً لما قبلها، وأدباً لما بعدها. قوله: " تحتها قصف " ، فهو شدة الريح. واللكعاء: الورهاء، وهي الحمقاء من الإماء. والظلع: الضعف والوهن من شدة السير. وقوله: " تهوي هوي سابق الغطاط " ، فالغطاط بضم الغين: ضرب من الطير. قال الأصمعي: الغطاط بفتح الغين: ضرب من الطير، وأنشد لحسان ابن ثابت:
يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لايسألون عن الغطاط المقبل
بقتح الغين. قال: والغطاط بضم الغين: اختلاط الضوء بالظلمة من آخر الليل، قال الراجز:
قام إلى أدماء في الغطاط ... يمشي بمثل قائم الفسطاط
تم التفسير. قال: فقام إليه عمير بن ضابىء التميمي ثم الحنظلي فقال: أصلح الله الأمير! أنا في هذا البعث، وأنا شيخ كبير عليل، وهذا ابني، وهو أشب مني؛ قال: ومن أنت؟ قال: عمير بن ضابىء التميمي، قال: أسمعت كلامنا بالأمس؟ قال: نعم، قال: ألست الذي غزا أمير المؤمنين عثمان؟ قال: بلى؛ قال: وما حملك على ذلك؟ قال: كان حبس أبي، وكان شيخاً كبيراً، قال: آوليس يقول:
هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله
إني لأحسب في قتلك صلاح المصرين، قم إليه يا حرسي فاضرب عنقه ؛ فقام إليه رجل فضرب عنقه، وأنهب ماله. ويقال: إن عنبسة بن سعيد قال للحجاج: أتعرف هذا؟ قال: لا، قال: هذا أحد قتلة أمير المؤمنين عثمان؛ فقال الحجاج: يا عدو الله، أفلا إلى أمير المؤمنين بعثت بديلاً! ثم أمر بضرب عنقه، وأمر منادياً فنادى: ألا إن عمير بن ضابىء أتى بعد ثالثة؛ وقد كان سمع النداء، فأمرنا بقتله. ألا فإن ذمة الله بريئة ممن بات الليلة من جند المهلب.
فخرج الناس فازدحموا على الجسر، وخرجت العرفاء إلى المهلب وهو برا مهرمز فأخذوا كتبه بالموافاة، فقال المهلب قدم العراق اليوم رجل ذكر: اليوم قوتل العدو. قال ابن أبي عبيدة في حديثه: فعبر الجسر تلك الليلة أربعة آلاف من مذجح؛ فقال المهلب: قدم العراق رجل ذكر.
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-03-2014, 07:23 PM   #70 (permalink)
بحرجديد
مشرف التاريخ والحضاره - أمير الأبداع - كاتب مميز - مشرف الشهر المميز
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
قال عمر عن أبي الحسن، قال: لما قرأ عليه كتاب عبد الملك قال القارىء: أما بعد، سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله. فقال له: اقطع، يا عبيد العصا، أيسلم عليكم أمير المؤمنين فلا يرد راد منكم السلام! هذا أدب ابن نهية، أما والله لأؤدبنكم غير هذا الأدب، ابدأ بالكتاب، فلما بلغ إلى قوله: " أما بعد سلام عليكم " ، لم يبق منهم أحد إلا قال: وعلى أمير المؤمنين السلام ورحمة الله. قال عمر: حدثني عبد الملك بن شيبان بن عبد الملك بن مسمع، قال: حدثني عمرو بن سعيد، قال: لما قدم الحجاج الكوفة خطبهم فقال: إنكم قد أخللتم بعسكر المهلب، فلا يصبحن بعد ثالثة من جنده أحد، فلما كان بعد ثالثة أتى رجل يستدمى، فقال: من بك؟ قال: عمير بن ضابىء البرجمي، أمرته بالخروج إلى معسكره فضربني - وكذب عليه. فأرسل الحجاج إلى عمير بن ضابىء، فأتي به شيخاً كبيراً، فقال له: ما خلفك عن معسكرك؟ قال: أنا شيخ كبير لا حراك بي، فأرسلت ابني بديلاً فهو أجلد مني جلداً، وأحدث مني سناً، فسل عما أقول لك، فإن كنت صادقاً وإلا فعاقبني. قال: فقال عنبسة بن سعيد: هذا الذي أتى عثمان قتيلاً؛ فلطم وجهه ووثب عليه فكسر ضلعين من أضلاعه، فأمر به الحجاج فضربت عنقه. قال عمرو بن سعيد: فوالله إني لأسير بين الكوفة والحيرة إذ سمعت رجزاً مضرياً، فعدلت إليهم فقلت: ما الخبر؟ فقالوا: قدم علينا رجل من شر أحياء العرب من هذا الحي من ثمود، أسقف الساقين، ممسوح الجاعرتين، أخفش العينين، فقدم سيد الحي عمير بن ضابىء فضرب عنقه.
ولما قتل الحجاج عمير بن ضابىء لقى إبراهيم بن عامر أحد بني غاضرة من بني أسد عبد الله بن الزبير في السوق فسأله عن الخبر. فقال ابن الزبير:
أقول لإبراهيم لما لقيته ... أرى الأمر أمسى منصباً متشعباً
تجهز وأسرع والحق الجيش لا أرى ... سوى الجيش إلا في المهالك مذهبا
تخير فإما أن تزور ابن ضابىء ... عميراً وإما أن تزور المهلبا
هما خطتا كره نجاؤك منهما ... ركوبك حولياً من الثلج أشهبا
فحال ولو كانت خراسان دونه ... رآها مكان السوق أو هي أقربا
فكائن ترى من مكره العدو ممسن ... تحمم حنو السرج حتى تحنبا
وكان قدوم الحجاج الكوفة - فيما قيل - في شهر رمضان من هذه السنة، فوجه الحكم بن أبي الشقفي على البصرة أميراً، وأمره أن يشتد على خالد بن عبد الله، فلما بلغ خالداً الخبر خرج من البصرة قبل أن يدخلها الحكم، فنزل الجلحاء وشيعه أهل البصرة، فلم يبرح مصلاه حتى قسم فيهم ألف ألف. وحج بالناس في هذه السنة عبد الملك بن مروان، حدثني بذلك أحمد ابن ثابت عمن حدثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. ووفد يحيى بن الحكم في هذه السنة على عبد الملك بن مروان، واستخلف على عمله بالمدينة أبان بن عثمان، وأمر عبد الملك يحيى بن الحكم أن يقر على عمله على ما كان عليه بالمدينة. وعلى الكوفة والبصرة الحجاج بن يوسف. وعلى خراسان أمية بن عبد الله. وعلى قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة زرارة ابن أوفى. وفي هذه السنة خرج الحجاج من الكوفة إلى البصرة، واستخلف على الكوفة أبا يعفور عروة بن المغيرة بن شعبة، فلم يزل عليها حتى رجع إليها بعد وقعة رستقباذ.
ذكر الخبر عن ثورة الناس بالحجاج بالبصرة
وفي هذه السنة ثار الناس بالحجاج بالبصرة.ذكر الخبر عن سبب وثوبهم به: ذكر هشام، عن أبي مخنف، عن أبي زهير العبسي، قال: خرج الحجاج بن يوسف من الكوفة بعد ما قدمها، وقتل ابن ضابىء في فوره ذلك حتى قدم البصرة. فقام فيها بخطبة مثل الذي قام بها في أهل الكوفة، وتوعدهم مثل وعيده إياهم، فأتى برجل من بني يشكر فقيل: هذا عاص، فقال: إن بي فتقاً. وقد رآه بشر فعذرني، وهذا عطائي مردود في بيت المال، فلم يقبل منه وقتله، ففزع لذلك أهل البصرة، فخرجوا حتى تداكئوا على العارض بقنطرة رامهرمز، فقال المهلب: جاء الناس رجل ذكر. وخرج الحجاج حتى نزل رستقباذ في أول شعبان سنة خمس وسبعين فثار الناس بالحجاج، عليهم عبد الله بن الجارود، فقتل عبد الله بن الجارود، وبعث بثمانية عشر رأساً فنصبت برامهرمز للناس، فاشتدت ظهور المسلمين، وساء ذلك الخوارج، وقد كانوا رجوا أن يكون من الناس فرقة واختلاف، فانصرف الحجاج إلى البصرة. وكان سبب أمر عبد الله بن الجارود أن الحجاج لما ندب الناس إلى اللحاق بالمهلب بالبصرة فشخصوا سار الحجاج حتى نزل رستقباذ قريباً من دستوى في آخر شعبان ومعه وجوه أهل البصرة، وكان بينه وبين المهلب ثمانية عشر فرسخاً، فقام في الناس، فقال: إن الزيادة التي زادكم ابن الزبير في أعطياتكم زيادة فاسق منافق، ولست أجيزها. فقام إليه عبد الله بن الجارود العبدي فقال: إنها ليست بزيادة فاسق منافق، ولكنها زيادة أمير المؤمنين عبد الملك قد أثبتها لنا. فكذبه وتوعده، فخرج ابن الجارود على الحجاج وتابعه وجوه الناس، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فقتل ابن الجارود وجماعة من أصحابه، وبعث برأسه وبرءوس عشرة من أصحابه إلى المهلب، وانصرف إلى البصرة، وكتب إلى المهلب وإلى عبد الرحمن ابن مخنف: أما بعد، إذا أتاكم كتابي هذا فناهضوا الخوارج؛ والسلام. نفى المهلب وابن مخنف الأزارقة عن رامهرمز وفي هذه السنة نفى المهلب وابن مخنف الأزارقة عن رامهرمز. ذكر الخبر عن ذلك وما كان من أمرهم في هذه السنة: ذكر هشام عن أبي مخنف، عن أبي زهير العبسي، قال: ناهض المهلب وابن مخنف الأزارقة برامهروز بكتاب الحجاج إليهما لعشر بقين من شعبان يوم الاثنين سنة خمس وسبعين، فأجلوهم عن رامهرمز من غير قتال شديد، ولكنهم زحفوا إليهم حتى أزالوهم، وخرج القوم كأنهم على حامية، حتى نزلوا سابور بأرض منها يقال لها كازرون، وسار المهلب وعبد الرحمن بن مخنف حتى نزلوا بهم في أول رمضان، فخندق المهلب عليه، فذكر أهل البصرة أن المهلب قال لعبد الرحمن بن مخنف: إن رأيت أن تخندق عليك فافعل؛ وإن أصحاب عبد الرحمن أبوا عليه وقالوا: إنما خندقنا سيوفنا. وإن الخوارج زحفوا إلى المهلب ليلاً ليبيتوه، فوجدوه قد أخذ حذره، فمالوا نحو عبد الرحمن بن مخنف فوجدوه لم يخندق، فقاتلوه، فانهزم عنه أصحابه، فنزل فقاتل في أناس من أصحابه فتل، وقتلوا حوله، فقال شاعرهم:
لمن العسكر المكلل بالصر ... عى فهم بين ميت وقتيل
فتراهم تسفى الرياح عليهم ... حاصب الرمل بعد جر الذيول
وأما أهل الكوفة فإنهم ذكروا أن كتاب الحجاج بن يوسف أى المهلب وعبد الرحمن بن مخنف؛ أن ناهضاً الخوارج حين يأتيكما كتابي. فناهضاهم يوم الأربعاء لعشر بقين من رمضان سنة خمس وسبعين واقتتلوا قتالاً شديداً لم يكن بينهم فيما مضى قتال كان أشد منه، وذلك بعد الظهر، فمالت الخوارج على المهلب بن أبي صفرة فاضطروه إلى عسكره، فسرح إلى عبد الرحمن رجالاً من صلحاء الناس، فأتوه، فقالوا: إن المهلب يقول لك: إنما عدونا واحد، وقد ترى ما قد لقى المسلمون، فأمد إخوانك يرحمك الله. فأخذ يمده بالخيل بعد الخيل، والرجال بعد الرجال، فلما كان بعد العصر ورأت الخوارج ما يجئ من عسكر عبد الرحمن من الخيل والرجال إلى عسكر المهلب ظنوا أنه قد خف أصحابه، فجعلوا خمس كتائب أو ستا تجاه عسكر المهلب، وانصرفوا بحدهم وجمعهم إلى عبد الرحمن بن مخنف، فلما رآهم قد صمدوا له نزل ونزل معه القراء، عليهم أبو الأحوص صاحب عبد الله بن مسعود، وخزيمة بن نصر أبو نصر ابن خزيمة العبسي الذي قتل مع زيد بن علي وصلب معه بالكوفة، ونزل معه من خاصة قومه أحد وسبعون رجلا، وحملت عليهم الخوارج فقاتلتهم قتالا شديداً. ثم إن الناس انكشفوا عنه، فبقى في عصابة من أهل الصبر ثبتوا معه، وكان ابنه جعفر بن عبد الرحمن فيمن بعثه إلى المهلب، فنادى في الناس ليتبعوه إلى أبيه، فلم يتبعه إلا ناس قليل، فجاء حتى إذا دنا من أبيه حالت الخوارج بينه وبين أبيه، فقاتل حتى ارتشته الخوارج، وقاتل عبد الرحمن بن مخنف ومن معه على تل مشرف حتى ذهب نحو من ثلثي الليل، ثم قتل في تلط العصابة، فلما أصبحوا جاء المهلب حتى أتاه، فدفنه وصلى عليه، وكتب بمصابه إلى الحجاج، فكتب بذلك الحجاج إلى عبد الملك بن مروان، فنعى عبد الرحمن بمنىً، وذم أهل الكوفة، وبعث الحجاج على عسكر عبد الرحمن بن مخنف عتاب بن ورقاء، وأمره إذا ضمتهما الحرب أن يسمع للمهلب ويطيع، فساءه ذلك، فلم يجد بداً من طاعة الحجاج ولم يقدر على مراجعته، فجاء حتى أقام في ذلك العسكر، وقاتل الخوارج وأمره إلى المهلب، وهو في ذلك يقضي أموره، ولا يكاد يستشير المهلب في شئ. فلما رأى ذلك المهلب اصطنع رجالاً من أهل الكوفة فيهم بسطام بن مصقلة بن هبيره، فأغراهم بعتاب. قال أبو مخنف عن يوسف بن يزيد: إن عتابا أتى المهلب بسأله أن يرزق أصحابه، فأجلسه المهلب معه على مجلسه، قال: فسأله أن يرزق أصحابه سؤالاً فيه غلظة وتحبهم، قال: فقال له المهلب: وإنك لها هنا بابن اللخناء! فبنو تميم يزعمون أنه رد عليه، وأما يوسف بن يزيد وغيره فيزعمون أنه قال: والله إنها لمعمة مخولة، ولوددت أن الله فرق بيني وبينك، قال: فجرى بينهما الكلام حتى ذهب المهلب ليرفع القضيب عليه، فوثب عليه ابنه المغيرة، فقبض على القضيب وقال: أصلح الله الأمير! شيخ من أشياخ العرب، وشريف من أشرافهم، إن سمعت منه بعض ما تكرهه فاحتمله له. فإنه لذلك منك أهل، ففعل، وقام عتاب فرجع من عنده، واستقبله بسطام بن مصقلة يشتمه، ويقع فيه فلما رأى ذلك كتب إلى الحجاج يشكو إليه المهلب ويخبره أنه قد أغرى به سفهاء أهل المصر، ويسأله أن يضمه إليه، فوافق ذلك من الحجاج حاجة إليه فيما لقى أشراف الكوفة من شبيب، فبعث إليه أن اقدم واترك أمر ذلك الجيش إلى المهلب، فبعث المهلب عليه حبيب بن المهلب. وقال حميد بن مسلم يرثي عبد الرحمن بن مخنف:
إن يقتلوك أبا حكيم غدوة ... فلقد تشد وتقتل الأبطالا
أو يثكلونا سيدا لمسود ... سمح الخليقة ماجداً مفضالا
فلمثل قتلك هد قومك كلهم ... من كان يحمل عنهم الأثقالا
من كان يكشف غرمهم وقتالهم ... يوماً إذا كان القتال نزالا!
أقسمت ما نيلت مقاتل نفسه ... حتى تدرع من دم سربالا
وتناجز الأبطال تحت لوائه ... بالمشرفية في الأكف نصالاً
يوماً طويلاً ثم آخر ليلهم ... حين استبانوا في السماء هلالا
وتكشفت عنه الصفوف وخيله ... فهناك نالته الرماح فمالا
وقال سراقة بن مرداس البارقي:
أعيني جودا بالدموع السواكب ... وكونا كواهي شنة مع راكب
على الأزد لما أن أصيب سراتهم ... فنوحا لعيش بعد ذلك خائب
نرحي الخلود بعدهم وتعوقنا ... عوائق موت أو قراع الكتائب
وكنا بخير قبل قتل ابن مخنف ... وكل امرئ يوماً لبعض المذاهب
أمار دموع الشيب من أهل مصره ... وعجل في الشبان شيب الذوائب
وقاتل حتى مات أكرم ميتة ... وخر على خد كريم وحاجب
وضارب عنه المارقين عصابة ... من الأزد تمشي بالسيوف القواضب
فلا ولدت أنثى ولا آب غائب ... إلى أهله إن كان ليس بآيب
فيا عين بكى مخنفاً وابن مخنف ... وفرسان قومي قصرةً وأقاربي
وقال سراقة أيضاً يرثي عبد الرحمن بن مخنف:
ثوى سيد الأزدين أزد شنوءة ... وأزد عمان رهن رمس بكازر
وضارب حتى مات أكرم ميتة ... بأبيض صاف كالعقيقة باتر
وصرع حول التل تحت لوائه ... كرام المساعي من كرام المعاشر
قضى نحبه يوم اللقاء ابن مخنف ... وأدبر عنه كل ألوث داثر
أمد فلم يمدد فراح مشمراً ... إلى الله لم يذهب بأثواب غادر
وأقام المهلب بسابور يقاتلهم نحواً من سنة. وفي هذه السنة تحرك صالح بن مسرح أحد بني امرئ القيس، وكان يرى رأى الصفرية، وقيل: إنه أول من خرج من الصفرية.
ذكر الخبر عن تحرك صالح للخروج
وما كان منه في هذه السنة

ذكر أن صالح بن مسرح أحد بني امرئ القيس حج سنة خمس وسبعين ومعه شبيب بن يزيد وسويد و البطين وأشباههم. وحج في هذه السنة عبد الملك بن مروان، فهم شبيب بالفتك به، وبلغه ذرء من خبرهم، فكتب إلى الحجاج بعد انصرافه يأمره بطلبهم، وكان صالح يأتي الكوفة فيقيم بها الشهر ونحوه فيلقى أصحابه ليعدهم، فنبت بصالح الكوفة لما طلبه الحجاج، فتنكبها.
دخلت سنة ست وسبعينذكر الكائن من الأحداث فيها فمن ذلك

خروج صالح بن مسرح

ذكر الخبر عن خروج صالح بن مسرح وعن سبب خروجه وكان سبب خروجه - فيما ذكر هشام، عن أبي مخنف، عن عبد الله ابن علقمة، عن قبيصة بن عبد الرحمن الخثعمي - أن صالح بن مسرح التميمي كان رجلا ناسكاً مخبتاً مصفر الوجه، صاحب عبادة، و أنه كان بدارا وأرض الموصل والجزيرة له أصحاب يقرئهم القرآن وفقههم وقص عليهم، فكان قبيصة بن عبد الرحمن حدث أصحابنا أن قصص صالح بن مسرح عنده، وكان ممن يرى رأيهم، فسألوه أن يبعث بالكتاب إليهم، ففعل. وكان قصصه: " الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون " . اللهم إنا لا نعدل بك. ولا نحفد إلا إليك، ولا نعبد إلا إياك، لك الخلق والأمر، ومنك النفع والضر، وإليك المصير. ونشهد أن محمداً عبدك الذي اصطفيته، ورسولك الذي اخترته وارتضيته لتبليغ رسالاتك، ونصيحة عبادك، ونشهد أنه قد بلغ الرسالة، ونصح للأمة، ودعا إلى الحق، وقام بالقسط، ونصر الدين. وجاهد المشركين، حتى توفاه الله صلى الله عليه وسلم. أوصيكم بتقوى الله والزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، وكثرة ذكر الموت، وفراق الفاسقين، وحب المؤمنين، فإن الزهادة في الدنيا ترغب العبد فيما عند الله، وتفرغ بدنه لطاعة الله، وإن كثرة ذكر الموت يخيف العبد منربه حتى يجأر إليه، ويستكين له، وإن فراق الفاسقين حق على المؤمنين، قال الله في كتابه: " ولا تصل على أحد منهم مات أبداً و لا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون " وإن حب المؤمنين للسبب الذي تنال به كرامة الله ورحمته وجنته، جعلنا الله وإياكم من الصادقين الصابرين. ألا إن من نعمة الله على المؤمنين أن بعث فيهم رسولاً من أنفسهم، فعلمهم الكتاب والحكمة وزكاهم وطهرهم ووفقهم في دينهم، وكان بالمؤمنين رءوفاً رحيماً، حتى قبضه الله، صلوات الله عليه، ثم ولى الأمر من بعده التقي الصديق على الرضا من المسلمين، فاقتدى بهديه، واستن بسنته، حتى لحق بالله - رحمه الله - واستخلف عمر، فولاه الله أمر هذه الرعية، فعمل بكتاب الله، وأحيا سنة رسول الله، ولم يحنق في الحق على جرته، ولم يخف في الله لومة لائم، حتى لحق به رحمة الله عليه، وولى المسلمين من بعده عثمان، فاستأثر بالفئ، وعطل الحدود، وجار في الحكم، واستذل المؤمن، وعزز المجرم، فسار إليه المسلمون فقتلوه، فبرئ الله منه ورسوله وصالح المؤمنين؛ وولى أمر الناس من بعده علي بن أبي طالب، فلم ينشب أن حكم في أمر الله الرجال، وشك في أهل الضلال، وركن وأدهن، فنحن من علي وأشياعه براء، فتيسروا رحمكم الله لجهاد هذه الأحزاب المتحزبة، وأئمة الضلال الظلمة وللخروج من دار الفناء إلى دار البقاء، واللحاق بإخواننا المؤمنين الموقنين الذين باعوا الدنيا بالآخرة، وأنفقوا أموالهم التماس رضوان الله في العاقبة، ولا تجزعوا من القتل في الله، فإن القتل أيسر من الموت، والموت نازل بكم غير ما ترجم الظنون، فمفرق بينكم وبين آبائكم وأبنائكم، وحلائلكم ودنياكم، وإن اشتد لذلك كرهكم وجزعكم. ألا فبيعوا الله أنفسكم طائعين وأموالكم تدخلوا الجنة آمنين، وتعانقوا الحور العين، جعلنا الله وإياكم من الشاكرين الذاكرين، الذين يهدون بالحق وبه يعدلون. قال أبو مخنف: فحدثني عبد الله بن علقمة، قال: بينا أصحاب صالح يختلفون إليه إذ قال لهم ذات يوم: ما أدري ما تنتظرون! حتى متى أنتم مقيمون! هذا الجوار قد فشا، وهذا العدل قد عفا، ولا تزداد هذه الولاة على الناس إلا غلوا وعتوا، وتباعداً عن الحق، وجرأة على الرب؛ فاستعدوا وابعثوا إلى إخوانكم الذين يريدون من إنكار الباطل و الدعاء إلى الحق مثل الذي تريدون، فيأتوكم فنلتقي وننظر فيما نحن صانعون، وفي أي وقت إن خرجنا نحن خارجون. قال: فتراسل أصحاب صالح، وتلاقوا في ذلك، فبيناهم في ذلك إذ قدم عليهم المحلل بن وائل اليشكري بكتاب من شبيب إلى صالح بن مسرح: أما بعد، فقد علمت أنك كنت أردت الشخوص، وقد كنت دعوعتني إلى ذلك فاستجبت لك، فإن كان ذلك اليوم من شأنك فأنت شيخ المسلمين، ولن نعدل بك منا أحداً، وإن أردت تأخير ذلك اليوم أعلمتني؛ فإن الآجال غادية ورائحة، ولا آمن أن تختر مني المنية ولما أجاهد الظالمين، فياله غبناً، وياله فضلا متروكاً! جعلنا الله وإياك ممن يريد بعمله الله ورضوانه، والنظر إلى وجهه، ومرافقة الصالحين في دار السلام، والسلام عليك، قال: فلما قدم على صالح المحلل بن وائل بذلك الكتاب من شبيب كتب إليه صالح: أما بعد، فقد كان كتابك وخبرك أبطآ عني حتى أهمني ذلك، ثم إن امرأً من المسلمين نبأني بنبإ مخرجك ومقدمك، فنحمد الله على قضاء ربنا. وقد قدم على رسولك بكتابك، فكل ما فيه فهمته، ونحن في جهاز واستعداد للخروج، ولم يمنعني من الخروج إلا إنتظارك، فأقبل إلينا، ثم اخرج بنا متى ما أحببت، فإنك ممن لا يستغني عن رأيه، ولا تقضى دونه الأمور. والسلام عليك، فلما قدم على شبيب كتابه بعث إلى نفر من أصحابه فجمعهم إليه؛ منهم أخوه مصاد بن يزيد بن نعيم، والمحلل بن وائل اليشكري، والصقر ابن حاتم من بني تيم بن شيبان، وإبراهيم بن حجر أبو الصقير بن بني
محلم، والفضل بن عامر من بني ذهل بن شيبان، ثم خرج حتى قدم على صالح بن مسرح بداراً، فلما لقيه قال: اخرج بنا رحمك الله! فو الله ما تزداد السنة إلا دروساً، ولا يزداد المجرمون إلا طغياناً، فبث صالح رسله في أصحابه، وواعدهم الخروج في هلال صفر ليلة الأربعاء سنة ست وسبعين، فاجتمع بعضهم إلى بعض، وتهيئوا، وتيسروا للخروج في تلك الليلة، واجتمعوا جميعاً عنده في تلك الليلة لميعاده. قال أبو مخنف: فحدثني فروة بن لقيط الأزدي، قال: والله إني لمع شبيب بالمدائن إذ حدثنا عن مخرجهم، قال: لما هممنا بالخروج اجتمعنا إلى صالح بن مسرح ليلة خرج، فكان رأيي استعراض الناس لما رأيت من المنكر والعدوان والفساد في الأرض، فقمت إليه فقلت: يا أمير المؤمنين، كيف ترى في السيرة في هؤلاء الظلمة؟ أتقتلهم قبل الدعاء، أم ندعوهم قبل القتال؟ وسأخبرك برأيي فيهم قبل أن تخبرني فيهم برأيك؛ أما أن فأرى أن نقتل كل من لا يرى رأينا فريباً كان أو بعيداً، فإنا نخرج على قوم غاوين طاغين باغين قد تركوا أمر الله، واستحوذ عليهم الشيطان. فقال: لا بل ندعوهم، فلعمري لا يجيبك إلا من يرى رأيك وليقاتلنك من يزري عليك، والدعاء أقطع لحجتهم، وأبلغ في الحجة عليهم. قال: فقلت له: فكيف ترى فيمن قاتلنا فظفرنا به؟ ما تقول في دمائهم وأموالهم؟ فقال: إن قتلنا وغنمنا فلنا، وإن تجاوزنا وعفونا فموسع علينا ولنا. وقال: فأحسن القول وأصاب، رحمة الله عليه وعلينا. قال أبو مخنف: فحدثني رجل من بني محلم أن صالح بن مسرح لأصحابه ليلة خرج: اتقوا الله عباد الله، ولا تعجلوا إلى قتال أحد من الناس غلا أن يكونوا قوماً يريدونكم، وينصبون لكم، فإنكم إنما خرجتم غضباً لله حيث انتهكت محارمه، وعصى في الأرض، فسفكت الدماء بغير حلها، وأخذت الأموال بغير حفها، فلا تعيبوا على قوم أعمالا ثم تعملوا بها، فإن كل ما أنتم عاملون أنتم عنه مسؤلون، وإن عظمكم رجالة، وهذه دواب لمحمد بن مروان في هذا الرستاق، فابدءوا بها، فشدوا عليها، فاحملوا أراجلكم، وتقووا بها على عدوكم فخرجوا فأخذوا تلك الليلة الدواب فحملوا رجالتهم عليها، وصارت رجالتها فرساناً، وأقاموا بأرض دارا ثلاث عشرة ليلة، وتحصن منهم أهل دارا وأهل نصيبين وأهل سنجار، وخرج صالح ليلة خرج في مائة وعشرين - وقيل في مائة وعشرة - قال: وبلغ مخرجهم محمد بن مروان وهو يومئذ أمير الجزيرة، فاستخف بأمرهم، وبعث إليهم عدى بن عدى بن عميرة من بني الحارث بن معاوية بن ثور في خمسمائة، فقال له: أصلح الله الأمير! أتبعثني إلى رأس الخوارج منذ عشرين سنة! قد خرج معه رجال من ربيعة قد سموا لي، كانوا يعازوننا، الرجل منهم خير من مائة فارس في خمسمائة رجل، قال له: فإني أزيدك خمسمائة أخرى، فسر إليهم في ألف، فسار من حران في ألف رجل، فكان أول جيش سار إلى صالح وسار إليه عدي، وكأنما يساق إلى الموت، وكان عدي رجلا يتنسك، فأقبل حتى إذا نزل دوغان نزل بالناس وسرح إلى صالح بن مسرح رجلا دسه إليه من بني خالد من بني الورثة؛ يقال له: زياد بن عبد الله، فقال: إن عديا بعشي إليك يسألك أن تخرج من هذا البلد وتأتي بلداً آخر فتقاتل أهله؛ فإن عديا للقائك كاره، فقال له صالح: ارجع إليه، فقل له: إن كنت ترى رأينا فأرنا من ذلك ما نعرف، ثم نحن مدلجون عنك من هذا البلد إلى غيره، وإن كنت على رأى الجبابرة وأئمة السوء رأينا رأينا، فإن شئنا بدأنا بك، وإن شئنا رحلنا إلى غيرك، فانصرف إليه الرسول فأبلغه ما أرسل به، فقال له: ارجع إليه فقل له: إني والله ما أنا على رأيك، ولكني أكره قتالك وقتال غيرك، فقاتل غيري، فقال صالح لأصحابه: اركبوا، فركبوا وحبس الرجل عنده حتى خرجوا، ثم تركه ومضى بأصحابه حتى يأتي عدي بن عدي بن عميرة في سوق دوغان وهو قائم يصلي الضحى، فلم يشعر إلا والخيل طالعة عليهم، فلما بصروا بها تنادوا، وجعل صالح شبيباً في كتيبة في ميمنة أصحابه، وبعث سويد بن سليم الهندي من بني شيبان في كتيبة في ميسرة أصحابه، ووقف هو في كتيبة في القلب، فلما دنا منهم رآهم على غير تعبية، وبعضهم يجول في بعض، فأمر شبيباً فحمل عليهم، ثم حمل سويد عليهم فكانت هزيمتهم ولم يقاتلوا، وأتى عدي بن عدي بدابته وهو يصلي فركبها ومضى على وجهه، وجاء صالح
ابن مسرح حتى نزل عسكره وحوى ما فيه، وذهب فل عدي وأوائل أصحابه حتى دخلوا على محمد بن مروان، فغضب، ثم دعا خالد بن جزء السلمي فبعثه في ألف وخمسمائة، ودعا الحارث بن جعونة من بني ربيعة بن عامر بن صعصعة فبعثه في ألف وخمسمائة، ودعاهما، فقال: اخرجا إلى هذه الخارجة القليلة الخبيثة، وعجلا الخروج، وأغذا السير، فأيكما سبق فهو الأمير على صاحبه؛ فخرجا من عنده فأغذا السير، وجعلا يسألان عن صالح بن مسرح فيقال لهما: إنه توجه نحو آمد، فأتبعاه حتى انتهيا إليه، وقد نزل على أهل آمد فنزلا ليلا، فيخندقا وانتهيا إليه وهما متساندان كل واحد منهما في أصحابه على حدته، فوجه صالح شبيباً إلى الحارث بن جعونة العامري في شطر أصحابه، وتوجه هو نحو خالد بن جزء السلمي.
قال أبو مخنف: فحدثني المحلمي، قال: انتهوا إلينا في أول وقت العصر، فصلى بنا صالح العصر، ثم عبانا لهم فاقتتلنا كأشد قتال اقتتله قوم قط، وجعلنا والله نرى الظفر يحمل الرجل منا على العشرة منهم فيهزمهم، وعلى العشرين فكذلك، وجعلت خليهم لا تثبت لخيلنا.
فلما رأى أميراهم ذلك ترجلا وأمرا جل من معهما فترجل، فعند ذلك جعلنا لا نقدر منهم على الذي نريد، إذا حملنا عليهم استقبلنا رجالتهم بالرماح، ونضحتنا رماتهم بالنبل، وخيلهم تطاردنا في خلال ذلك، فقاتلناهم إلى المساء حتى حال الليل بيننا وبينهم، وقد أفشوا فينا الجراحة، وأفشيناها فيهم، وقد قتلوا منا نحواً من ثلاثين رجلاً، وقتلنا منهم أكثر من سبعين، ووالله ما أمسينا حتى كرهناهم وكرهونا، فوقفنا مقابلهم ما يقدمون علينا وما نقدم عليهم، فلما أمسوا رجعوا إلى عسكرهم، ورجعنا إلى عسكرنا فصلينا وتروحنا وأكلنا من الكسر. ثم إن صالحاً دعا شبيباً وروءس أصحابه فقال: يا أخلائي، ماذا ترون؟ فقال شبيب: أرى أنا قد لقينا هؤلاء القوم فقاتلناهم، وقد اعتصموا بخندقهم، فلا أرى أن نقيم عليهم، فقال صالح: وأنا أرى ذلك، فخرجوا من تحت ليلتهم سائرين، فمضوا حتى قطعوا أرض الجزيرة، ثم دخلوا أرض الموصل فساروا فيها حتى قطعوها ومضوا حتى قطعوا الدسكرة. فلما بلغ ذلك الحجاج سرح إليهم الحارث بن عميرة بن ذي المشعار الهمداني في ثلاثة آلاف رجل من أهل الكوفة، ألف من المقاتلة الأولى، وألفين من الفرض الذي فرض لهم الحجاج. فسار حتى إذا دنا من الدسكرة خرج صالح بن مسرح نحو جلولاء وخانقين، وأتبعه الحارث ابن عميرة حتى انتهى إلى قرية يقال لها المدبج من أرض الموصل على تخوم ما بينها وبين أرض جوخى، وصالح يومئذ في تسعين رجلا، فعبي الحارث ابن عميرة يومئذ أصحابه، وجعل على ميمنته أبا الرواغ الشاكري، وعلى ميسرته الزبير بن الأروح التميمي، ثم شد عليهم - وذلك بعد العصر


وقد جعل أصحابه ثلاثة كراديس؛ فهو في كردوس، وشبيب في كردوس في ميمنته، وسويد بن سليم في كردوس في الميسرة، في كل كردوس منهم ثلاثون رجلا فلما شد عليهم الحارث بن عميرة في جماعة أصحابه انكشف سويد ابن سليم، وثبت صالح وثبت صالح بن مسرح فقتل، وضارب شبيب حتى صرع، فوقع رجالة، فشد عليهم فانكشفوا، فجاء حتى انتهى إلى موقف صالح ابن مسرح فأصابه قتيلا، فنادى: إلى يا معشر المسلمين؛ فلاذوا به، فقال لأصحابه: ليعجل كل واحد منكم ظهره إلى ظهره صاحبه، وليطاعن عدوه إذا أقدم عليه حتى ندخل هذا الحصن، ونرى رأينا، ففعلوا ذلك حتى دخلوا الحصن وهم سبعون رجلا بشبيب، وأحاط بهم الحارث بن عميرة ممسياً، وقال لأصحابه: احرقوا الباب، فإذا صار حمراً فدعوه فإنهم لا يقدرون على أن يخرجوا منه حتى نصبحهم فنقتلهم، ففعلوا ذلك بالباب، ثم انصرفوا إلى عسكرهم، فأشرف شبيب عليهم وطائفة من أصحابه، فقال بعض أولئك الفرض: يا بني الزواني، ألم يخزكم الله! فقالوا: يافساق، نعم تقاتلوننا لقتالنا إياكم إذ أعماكم الله عن الحق الذي نحن عليه، فما عذركم عند الله في الفري على أمهاتنا! فقال له حلماؤهم إنما هذا من قول شباب فينا سفهاء، والله ما يعجبنا قولهم ولا نستحله. وقال شبيب لأصحابه: يا هؤلاء، ما تنظرون! فو الله لئن صبحكم هؤلاء غدوة إنه لهلاككم، فقالوا له: مرنا بأمرك، فقال لهم : إن الليل أخفى للويل، بايعوني ومن شئم منكم، ثم اخرجوا بنا حتى نشد عليهم في عسكرهم، فإنهم لذلك منكم آمنون، وأنا أرجوا أن ينصركم الله عليهم. قالوا: فابسط يدك فلنبايعك، فبايعوه، ثم جاءوا ليخرجوا، وقد صار بابهم جمراً، فأتوا باللبود فبلوها بالماء، ثم ألقوها على الجمر، ثم قطعوا عليها، فلم يشعر الحارث بن عميرة ولا أهل العسكر إلا وشبيب وأصحابه يضربونهم بالسيوف في جوف عسكرهم، فضارب الحارث حتى صرع، واحتمله أصحابه وانهزموا، وخلوا لهم العسكر وما فيه، ومضوا حتى نزلوا المدائن، فكان ذلك الجيش أول جيش هزمه شبيب، وأصيب صالح بن مسرح يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من جمادى الأولى من سنته.
خبر دخول شبيب الكوفة وما كان من أمره مع الحجاجوفي هذه السنة دخل الكوفة ومعه زوجته عزالة ذكر الخبر عن دخوله الكوفة وما كان من أمره وأمر الحجاج بها و السبب الذي دعا شبيباً إلى ذلك: وكان السبب في ذلك - فيما ذكر هشام، عن أبي مخنف، عن عبد الله ابن علقمة، عن قبيصة بن عبد الرحمن الخشعمي - أن شبيباً لما قتل صالح بن مسرح بالمدبج وبايعه أصحاب صالح، ارتفع إلى أرض الموصل فلقى سلامة بن سيار بن المضاء التيمي تيم شيبان، فدعاه إلى الخروج معه، وكان يعرفه قبل ذلك إذ كانا في الديوان والمغازي، فاشترط عليه سلامة أن ينتخب ثلاثين فارساً، ثم لا يغيب عنه إلا ثلاث ليال عدداً. ففعل، فانتخب ثلاثين فارساً، فانطلق بهم نحو عنزة، وإنما أرادهم ليشفي نفسه منهم لقتلهم أخاه فضالة، وذلك أن فضالة كان خرج قبل ذلك في ثمانية عشر نفساً حتى نزل ماء يقال له الشجرة من أرض الجبال عليه أثلة عظيمة، وعليه عنزة، فلما رأته عنزة قال بعضهم لبعض: نقتلهم ثم نغدو بهم إلى الأمير فنعطي ونجى، فأجمعوا على ذلك، فقال بنو نصر أخواله: لعمر الله لا نساعدكم على قتل ولدنا. فنهضت عنزة إليهم فقاتلوهم فقتلوهم، وأتوا برءوسهم عبد الملك بن مروان، فلذلك أنزلهم بانقيا، وفرض لهم، ولم تكن لهم فرائض قبل ذلك إلا قليلة، فقال سلامة بن سيار، أخو فضالة يذكر قتل أخيه وخذلان أخواله إياه:
وما خلت أخوال الفتى يسلمونه ... لوقع السلاح قبل ما فعلت نصر
قال: وكان خروج أخيه فضالة قبل خروج صالح بن مسرح وشبيب. فلما بايع سلامة شبيباً اشترط عليه هذا الشرط، فخرج في ثلاثين فارساً حتى انتهى إلى عنزة، فجعل يقتل المحلة منهم بعد المحلة حتى انتهى إلى فريق منهم فيهم خالته، وقد أكبت على ابن لها وهو غلام حين احتلم، فقالت و أخرجت ثديها إليه: أنشدك برحم هذا يا سلامة! فقال: لا و الله، ما رأيت فضالة مذ أناخ بعمر الشجرة - يعني أخاه - لتقومن عنه، أو لأجمعن حافتك بالرمح، فقامت عن ابنها عند ذلك فقتله. قال أبو مخنف: فحدثني المفضل بن بكر من بني تيم بن شيبان أن شبيباً أقبل في أصحابه نحو راذان. فلما سمعت به طائفة من بني تيم ابن شيبان خرجوا هراباً منه، ومعهم ناس من غيرهم قليل، فأقبلوا حتى نزلوا دير خرزاد إلى جنب حولايا، وهم نحو من ثلاثة آلاف، وشبيب في نحو من سبعين رجلا أو يزيدون قليلا، فنزل بهم؛ فهابوه وتحصنوا منه، ثم إن شبيباً سرى في اثنى عشر فارساً من أصحابه إلى أمه، وكانت في سفح ساتيد ما نازلة في مظلة من مظال الأعراب: فقال: لأتين بأمي فلأجعلنها في عسكري فلا تفارقني أبداً حتى أموت أو تموت. وخرج رجلان من بني تيم بن شيبان تخوفا على أنفسهما فنزلا من الدير، فلحقا بجماعة من قومهما وهم نزول بالجال منهم على مسيرة ساعة من النهار، وخرج شبيب، في أولئك الرهط في أولهم وهم اثنا عشر، يريد أمه بالسفح، فإذا هو بجماعة من بني تيم بن شيبان غارين في أموالهم مقيمين، لا يرون أن شبيباً يمر بهم لمكانهم الذي هم به، ولا يشعر بهم، فحمل عليهم في فرسانه تلك، فقتل منهم ثلاثين شيخاً؛ فيهم حوثرة بن أسد ووبرة بن عاصم الذان كانا نزلا من الدير، فلحقا بالجبال. ومضى شبيب إلى أمه فحملها من السفح، فأقبل بها، وأشرف رجل من أصحاب الدير من بكر بن وائل على أصحاب شبيب، وقد استخلف شبيب أخاه على أصحابه مصاد بن يزيد، ويقال لذلك الرجل الذي أشرف عليهم سلام بن حيان، فقال لهم: يا قوم، القرآن بيننا وبينكم. ألم تسمعوا قول الله: " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه " قالوا: بلى، قال لهم: فكفوا عنا حتى نصبح، ثم نخرج إليكم على أمان لنا منكم، لكيلا تعرضوا لنا بشئ نكرهه حتى تعرضوا علينا أمركم هذا، فإن نحن قبلناه حرمت عليكم أموالنا ودماؤنا، وكنا لكم إخواناً وإن نحن لم نقبله رددتمونا إلى مأمننا، ثم رأيتم رأيكم فيما بيننا وبينكم؛ قالوا لهم: فهذا لكم. فلما أصبحوا خرجوا إليهم، فعرض عليهم أصحاب شبيب قولهم، ووصفوا لهم أمرهم، فقبلوا ذلك كله، وخالطوهم ونزلوا إليهم، فدخل بعضهم إلى بعض، وجاء شبيب وقد اصطلحوا، فأخبره أصحابه خبرهم، فقال: أصبتم ووفقتم وأحسنتم. ثم إن شبيباً ارتحل فخرجت معه طائفة وأقامت طائفة جانحة، وخرج يومئذ معه إبراهيم بن حجر المحلمي أبو الصقير كان مع بني تيم بن شيبان نازلاً فيهم، ومضى شبيب في أداني أرض الموصل وتخوم أرض جوخى، ثم ارتفع نحو أذربيجان، وأقبل سفيان بن أبي العالية الخشعمي في خيل قد كان أمر أن يدخل بها طبرستان، فأمر بالقفول، فأقبل راجعاً في نحو من ألف فارس، فصالح صاحب طبرستان. قال أبو مخنف: فحدثني عبد الله بن علقمة عن سفيان بن أبي العالية الخثعمي أن كتاب الحجاج أتاه: أما بعد، فسر حتى تنزل الدسكرة فيمن معك، ثم أقيم حتى يأتيك جيش الحارث بن عميرة الهمداني بن ذي المشعار، وهو الذي قتل صالح بن مسرح وخيل المناظر، ثم سر إلى شبيب حتى تناجزه، فلما أتاه الكتاب أقبل حتى نزل الدسكرة، ونودي في جيش الحارث بن عميرة بالكوفة والمدائن: أن برئت الذمة من رجل من جيش الحارث بن عميرة لم يواف سفيان بن أبي العالية بالدسكرة
قال: فخرجوا حتى أتوه، وأتته خيل المناظر، وكانوا خمسمائة، عليهم سورة بن أبجر التميمي من بني أبان بن دارم، فوافوه إلا نحواً من خمسين رجلا تخلفوا عنه، وبعث إلى سفيان بن أبي العالية ألا تبرح العسكر حتى آتيك. فعجل سفيان فارتحل في طلب شبيب، فلحقه بخانقين في سفح جبل على ميمنته خازم بن سفيان الخثعمي من بني عمر بن شهران، وعلى ميسرته عدي بن عميرة الشيباني، وأصحر لهم شبيب، ثم ارتفع عنهم حتى كأنه يكره لقاءه، وقد أكن له أخاه مصاداً معه خمسون في هزم من الأرض، فلما رأوه جمع أصحابه ثم مضى في سفح الجبل مشرفاً فقالوا: هرب عدو الله فاتبعوه، فقال لهم عدي بن عميرة الشيباني: أيها الناس، لا تعجلوا عليهم حتى نضرب في الأرض ونسير بها، فإن يكونوا قد أكمنوا لنا كميناً كنا قد حذرناه، وإلا فإن طلبهم لن يفوتنا. فلم يسمع منه الناس، وأسرعوا في آثارهم. فلما رأى شبيب أنهم قد جازوا الكمين عطف عليهم ولما رأى الكمين أن قد جاوزهم خرجوا إليهم، فحمل عليهم شبيب من أمامهم، وصاح بهم الكمين من ورائهم، فلم يقاتلهم أحد، وكانت الهزيمة، فثبت ابن أبي العالية في نحو من مائتي رجل، فقاتلهم قتالا شديداً حسناً؛ حتى ظن أنه انتصف من شبيب وأصحابه، فقال سويد بن سليم لأصحابه: أمنكم أحد يعرف أمير القوم ابن أبي العالية؟ فو الله لئن عرفته لأجهدن نفسي في قتله، فقال شبيب: أنا من أعرف الناس به، أما ترى صاحب الفرس الأغر الذي دونه المرامية! فإنه ذلك، فإن كنت تريده فأمهله قليلاً، ثم قال: يا قعنب، اخرج في عشرين فأتهم من ورائهم فخرج قعنب في عشرين فارتفع عليهم. فلما رأوه يريد أن يأتيهم من ورائهم جعلوا يتنقضون ويتسسللون، وحمل سويد بن سليم على سفيان بن أبي العالية فطاعنه، فلم تصنع رمحاهما شيئاً، ثم اضطربا بسيفهما ثم اعتنق كل منهما صاحبه، فوقعا إلى الأرض يعتركان؛ ثم تحاجزوا وحمل عليهم شبيب فانكشفوا، وأتى سفيان غلام له يقال له غزوان، فنزل عن برذونة، وقال: اركب يا مولاي، فركب سفيان، وأحاط به أصحاب شبيب، فقاتل دونه غزوان فقتل، وكانت معه رايته. وأقبل سفيان بن أبي العالية حتى انتهى إلى بابل مهروذ، فنزل بها، وكتب إلى الحجاج: أما بعد، فإني أخبر الأمير أصلحه الله أني أتبعت هذه المارقة حتى لحقتهم بخانقين فقاتلتهم، فضرب الله وجوههم، ونصرنا عليهم، فبينا نحن كذلك إذ أتاهم قوم كانوا غيباً عنهم، فحملوا على الناس فهزموهم، فنزلت في رجال من أهل الدين والصبر فقاتلتهم، حتى خررت بين القتلى، فحملت مرتثاً، فأتى بي بابل مهروذ، فهأنذا بها والجند الذين وجههم إلى الأمير وافوا إلا سورة بن أبجر فإنه لم يأتني ولم يشهد معي حتى إذا نزلت بابل مهروذ أتاني يقول ما لا أعرف، ويعتذر بغير العذر والسلام. فلما قرأ الحجاج الكتاب قال: من صنع كما صنع هذا، وأبلى كما أبلى فقد أحسن. ثم كتب إليه: أما بعد: فقد أحسنت البلاء، وقضيت الذي عليك، فإذا خف عنك الوجع فأقبل مأجوراً إلى أهلك والسلام.
وكتب إلى سورة بن أبحر: أما بعد فيا بن أم سورة، ما كنت خليقاً أن تجترئ على ترك عهدي وخذلان جندي، فإذا أتاك كتابي فابعث رجلا ممن معك صليباً إلى الخيل التي بالمدائن، فلينتخب منهم خمسمائة رجل، ثم ليقدم بهم عليك، ثم سر بهم حتى تلقى هذه المارقة. واحزم في أمرك، وكد عدوك، فإن أفضل أمر الحرب حسن المكيدة. والسلام. فلما أتى سورة كتاب الحجاج بعث عدي بن عميرة إلى المدائن. وكان بها ألف فارس، فانتخب منهم خمسمائة، ثم دخل على عبد الله بن أبي عصيفير - وهو أمير المدائن في إمارته الأولى - فسلم عليه، فأجازه بألف درهم، وحمله على فرس، وكساه أثواباً. ثم إنه خرج من عنده، فأقبل بأصحابه حتى قدم
بهم على سورة بن أبجر ببابل مهروذ، فخرج في طلب شبيب، وشبيب يجول في جوخى وسورة في طلبه، فجاء شبيب حتى انتهى إلى المدائن فتحصن منه أهل المدائن وتحرزوا. وهي أبنية المدائن الأولى، فدخل المدائن، فأصاب بها دواب جند كثيرة فقتل من ظهر له ولم يدخلوا البيوت. فأتى فقيل له: هذا سورة بن أبجر قد أقبل إليك. فخرج في أصحابه حتى انتهى إلى النهروان، فنزلوا به وتوضئوا وصلوا، ثم أتوا مصارع إخوانهم الذين قتلهم علي بن أبي طالب عليه السلام، فاستغفروا لإخوانهم، وتبرءوا من علي وأصحابه، وبكوا فأطالوا البكاء، ثم خرجوا فقطعوا جسر النهروان، فنزلوا من جانبه الشرقي، وجاء سورة حتى نزل بقطراثا، وجاءته عيونه فأخبرته بمنزل شبيب بالنهروان، فدعا رءوس أصحابه فقال: إنهم قلما يلقون مصحرين أو على ظهر إلا انتصفوا منكم، وظهروا عليكم، وقد حدثت أنهم لا يزيدون على مائة رجل إلا قليلا، وقد رأيت أن أنتخبكم فأسير في ثلثمائة رجل منكم من أقويائكم وشجعانكم فآتيهم الآن إذ هم آمنون لبياتكم؛ فو الله إلى لأرجو أن يصرعهم الله مصارع إخوانهم الذين صرعوا منهم بالنهروان من قبل فقالوا: اصنع ما أحببت. فاستعمل على عسكره حازم بن قدامة الخثعمي، وانتخب من أصحابه ثلثمائة رجل من أهل القوة والجلد الشجاعة، ثم أقبل بهم نحو النهروان، وبات شبيب وقد أذكى الحرس، فلما دنا أصحاب سورة منهم نذروا بهم، فاستووا على خيولهم وتعبوا تعبيتهم. فلما انتهى إليهم سورة وأصحابه أصابوهم قد حذروا واستعدوا فحمل عليهم سورة وأصحابه فثبتوا لهم، وضاربوهم حتى صد عنهم سورة وأصحابه، ثم صاح شبيب بأصحابه، فحمل عليهم حتى تركوا له العرصة، وحملوا عليهم معه، وجعل شبيب يضرب ويقول:
من ينك العير ينك نياكا ... جندلتان اصطكتا اصطكاكا
فرجع سورة إلى عسكره وقد هزم الفرسان وأهل القوة، فتحمل بهم حتى أقبل بهم نحو المدائن، فدفع إليهم وقد تحمل وتعدى الطريق الذي فيه شبيب، واتبعه شبيب وهو يرجو أن يلحقه فيصيب عسكره، ويصيب بهزيمته أهل المعسكر، فأخذ السير في طلبهم، فانتهوا إلى المدائن فدخلوها، وجاء شبيب حتى انتهى إلى بيوت المدائن. فدفع إليهم وقد دخل الناس، وخرج ابن أبي عصيفير في أهل المدائن فرماهم الناس بالنبل، ورموا من فوق البيوت بالحجارة، فارتفع شبيب بأصحابه عن المدائن، فمر على كلواذا فأصاب بها دواب كثيرة للحجاج فأخذها، ثم خرج يسير في أرض جوخى، ثم مضى نحو تكريت، فبينا ذلك الجند في المدائن إذ أرجف الناس بينهم، فقالوا: هذا شبيب قد دنا، وهو يريد أن يبيبت أهل المدائن الليلة، فارتحل عامة الجند. فلحقوا بالكوفة. قال أبو مخنف: وحدثني عبد الله بن علقمة الخثعمي، قال: والله لقد هربوا من المدائن وقالوا: نبيت الليلة، وإن شبيباً لبتكبريت، قال: ولما قدم الفل على الحجاج سرح الجزل بن سعيد بن شرحبيل بن عمرو الكندي. قال أبو مخنف: حدثنا النضر بن صالح العبسي وفضيل بن خديج الكندي أن الحجاج لما أتاه الفل قال: قبح الله سورة! ضيع العسكر والجند، وخرج يبيت الخوارج، أما والله لأسوءنه، وكان بعد قد حبسه ثم عفا عنه.
قال أبو مخنف: وحدثني فضيل بن خديج أن الحجاج دعا الجزل - وهو عثمان بن سعيد - فقال له: تيسر للخروج إلى هذه المارقة، فإذا لقيتهم فلا تعجل عجلة الخرق، ول تحجم إحجام الواني الفرق، هل فهمت؟ لله أنت يا أخا بني عمرو بن معاوية! فقال: نعم أصلح الله الأمير قد فهمت؛ قال له: فاخرج فعسكر بدير عبد الرحمن حتى يخرج إليك الناس، فقال: أصلح الله الأمير! لاتبعثن معي أحداً من أهل هذا الجند المفلول المهزوم، فإن الرعب قد دخل قلوبهم، وقد خشيت ألا ينفعك والمسلمين منهم أحد؛ قال له: فإن ذلك لك، ولا أراك إلا قد أحسنت الرأي ووفقت. ثم دعا أصحاب الدواووين فقال: اضربوا على الناس البعث، فأخرجوا أربعة آلاف من الناس، من كل ربع ألف رجل، وعجلوا ذلك، فجمعت العرفاء، وجلس أصحاب الدواوين، وضربوا البعث فأخرجوا أربعة آلاف، فأمرهم بالعسكر فعسكروا، ثم نودى فيهم بالرحيل، ثم ارتحلوا ونادى منادي الحجاج: أن برئت الذمة من رجل أصبناه من هذا البعث متخلفاً؛ قال: فمضى الجزل بن سعيد، وقد قدم بين يديه عياض بن أبي لينة الكندي على مقدمته، فخرج حتى أتى المدائن، فأقام فيها ثلاثاً، وبعث إليه ابن أبي عصيفير بفرس وبرذون وبغلين وألفي درهم، ووضع للناس من الجزر والعلف ما كفاهم ثلاثة أيام حتى ارتحلوا، فأصاب الناس ما شاؤوا من تلك الجزر والعلف الذي وضع لهم ابن عصيفير. ثم إن الجزل بن سعيد خرج بالناس في أثر شبيب، فطلبه في أرض جوخى، فجعل شبيب يريه الهيبة، فيخرج من رستاق إلى رستاق، ومن طسوج إلى طسوج، ولا يقيم له إرادة أن يفرق الجزل أصحابه، ويتعجل إليه فيلقاه في يسير من الناس على غير تعبية، فجعل الجزل لا يسير إلا على تعبية، ولا ينزل إلا خندق على نفسه خندقاً، فلما طال ذلك على شبيب أمر أصحابه ذات ليلة فسروا. قال أبو مخنف: فحدثني فروة بن لقيط أن شبيباً دعانا ونحن بدير بيرما ستون مائة رجل، فجعل على كل أربعين من أصحابه رجلاً، وهو في أربعين، وجعل أخاه مصاداً في أربعين، وبعث سويد بن سليم في أربعين، وبعث المحلل بن وائل في أربعين، وقد أتته عيونه فأخبرته أن الجزل بن سعيد قد نزل دير يزيد جرد، قال: فدعانا عند ذلك فعبانا هذه التعبئة، وأمرنا على دوابنا، وقال لنا: تيسروا فإذا قضمت دوابكم فاركبوا، وليسر كل امرئ منكم مع أميره الذي أمرناه عليه، ولينظر كل امرئ منكم ما يأمره أميره فليتبعه. ودعا أمرائنا فقال لهم: إني أريد أن أبيت هذا العسكر الليلة، ثم قال لأخيه مصاد: إيتهم فارتفع من فوقهم حتى تأتيهم من ورائهم من قبل حلوان، وسآتيهم أنا من أمامي من قبل الكوفة، وأتهم أنت يا سويد من قبل المشرق، وأتهم أنت من قبل المغرب، وليلج كل امرئ منكم على الجانب الذي يحمل عليه، ولا تقلعوا عنهم، تحملون وتكرون عليهم، وتصيحون بهم حتى يأتيكم أمري. فلم نزل على تلك التعبئة، وكنت أنا في الأربعين الذين كانوا معه، حتى إذا قضمت دوابنا - وذلك أول الليل أول ما هدأت العيون - خرجنا حتى انتهينا إلى دير الحرارة، فإذا القوم مسلحة، عليهم عياض بن أبي لينة، فما هو إلا أن انتهينا إليهم، فحمل عليهم مصاد أخو شبيب في أربعين رجلاً، وكان أمام شبيب، وقد كان أراد أن يسبق شبيباً حتى يرتفع عليهم ويأتيهم من ورائهم كما أمره، فلما لقى هؤلاء قاتلهم فصبروا ساعة، وقاتلوهم. ثم إنا دفعنا إليهم جميعاً، فحملنا عليهم فهزمناهم، وأخذوا الطريق الأعظم، وليس بينهم وبين عسكرهم بدير جرد إلا قريب من ميل. فقال لنا شبيب: اركبوا معاشر المسلمين أكتافهم حتى تدخلوا معهم عسكرهم إن استطعتم؛ فأتبعناهم والله ملظين بهم، ملحين عليهم، ما نرفه عنهم وهم منهزمون، ما لهم همة إلا عسكرهم، فانتهوا إلى عسكرهم، ومنعهم أصحابهم أن يدخلوا عليهم، ورشقوا بالنبل، وكانت عيون لهم قد أتتهم فأخبرتهم بمكاننا، وكان الجزل قد خندق عليه، وتحرز ووضع هذه المسلحة الذين لقيناهم بدير الحرارة، ووضع مسلحة أخرى مما يلي حلوان على الطريق
فلما أن دفعنا إلى هذه المسلحة التي كانت بدير الحرارة فألحقناهم بعسكر جماعتهم ورجعت المسالح الأخر حتى اجتمعت، منعها أهل العسكر دخول العسكر وقالوا لهم: قاتلوا، وانضحوا عنكم بالنبل. قال أبو مخنف: وحدثني جرير بن الحسين الكندي، قال: كان على المسلحتين الأخريين عاصم بن حجر على التي تلي حلوان، وواصل ابن الحارث السكوني إلى الأخرى. فلما اجتمعت المسالح جعل شبيب يحمل عليها حتى اضطرها إلى الخندق، ورشقهم أهل العسكر بالنبل حتى ردوهم عنهم. فلما رأى شبيب أنه لا يصل إليهم قال لأصحابه: سيروا ودعوهم، فمضى على الطريق نحو حلوان حتى إذا كان قريباً من موضع قباب حسين بن زفر من بني بدر بن فزارة - وإنما كانت قباب حسين بن زفر بعد ذلك - قال لأصحابه: انزلوا فاقضموا وأصلحوا نبلكم وتروحوا وصلوا ركعتين، ثم اركبوا؛ فنزلوا ففعلوا ذلك. ثم إنه أقبل بهم راجعاً إلى عسكر أهل الكوفة أيضاً، وقال: سيروا على تعبيتكم التي عبأتكم عليها بدير بيرما أول الليل، ثم أطيفوا بعسكرهم كما أمرتكم، فأقبلوا. قال: فأقبلنا معهم وقد أدخل أهل العسكر مسالحهم إلهم، وقد أمنونا فما شعروا حتى سمعوا وقع حوافر خيولنا قريباً منهم، فانتهينا إليهم قبيل الصبح فأحطنا بعسكرهم، ثم صحنا بهم من كل جانب، فإذا هم يقاتلوننا من كل جانب، ويرموننا بالنبل. ثم إن شبيباً بعث إلى أخيه مصاب وهو يقاتلهم من نحو الكوفة أن أقبل إلينا وخل لهم سبيل الطريق إلى الكوفة، فأقبل إليه، وترك ذلك الوجه، وجعلنا نقاتلهم من تلك الوجوه الثلاثة، حتى أصبحنا، فأصبحنا ولم نستفل منهم شيئاً، فسرنا وتركناهم، فجعلوا يصيحون بنا: أين يا كلاب النار! أين أيتها العصابة المارقة! أصبحوا نخرج إليكم، فارتفعنا عنهم نحواً من ميل ونصف، ثم نزلنا فصلينا الغداة، ثن أخذنا الطريق على براز الروذ، ثم مضينا إلى جسر جسرايا وما يليها، فأقبلوا في طلبنا. قال أبو مخنف: فحدثني مولى لنا يدعى غاضرة أو قيصر، قال: كنت مع الناس تاجراً وهم في طلب الحرورية، وعلينا الجزل بن سعيد، فجعل يتبعهم فلا يسير إلا على تعبية، ولا ينزل إلا على خندق، وكان شبيب يدعه ويضرب في أرض جوخى وغيرها يكسر الخراج، وطال ذلك على الحجاج، فكتب إليه كتاباً، فقر على الناس: أما بعد، فأني بعثتك في فرسان أهل المصر ووجوه الناس، وأمرتك بإتباع هذه المارقة الضالة المضلة حتى تلقاها، فلا تقلع عنها حتى تقتلها وتفنيها، فوجدت التعريس في القرى والتخييم في الخنادق أهون عليك من المضي لما أمرتك به من مناهضتهم ومناجزتهم. والسلام. فقرئ الكتاب علينا ونحن بقطراثا ودير أبي مريم، فشق ذلك على الجنرال. وأمر الناس بالسير. فخرجوا في طلب الخوارج جادين، وأرجفنا بأميرنا وقلنا: يعزل.
قال أبو مخنف: فحدثني إسماعيل بن نعيم الهمذاني ثم البرسمي أن الحجاج بعث سعيد بن المجالد على ذلك الجيش، وعهد إليه أن لقيت المارقة فازحف إليهم ولا تناظرهم ولا تطاولهم وواقفهم واستعن بالله عليهم، ولا تصنع صنيع الجزل، واطلبهم طلب السبع، وحد عنهم حيدان الضبع. وأقبل الجزل في طلب شبيب حتى انتهوا إلى النهروان فأدركوه فلزم عسكره، وخندق عليه. وجاء إليه سعيد بن المجالد حتى دخل عسكر أهل الكوفة أميراً، فقام فيهم خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ياأهل الكوفة، إنكم قد عجزتم ووهنتم وأغضبتم عليكم أميركم.
وكسروا خراجكم، وأتنم حاذرون في جوف هذه الخنادق لا تزايلونها إلا أن يبلغكم أنهم قد ارتحلوا عنكم، ونزلوا بلداً سوى بلدكم، فأخرجوا على اسم الله إليهم. فخرج وأخرج الناس معه، وجمع إليه خيول أهل العسكر، فقال له الجزل: ما تريد أن تصنع؟ قال: أريد أن أقدم على شبيب في هذه الخيل، فقال له الجزل: أقم أنت في جماعة الجيش، فارسهم وراجلهم، وأصحر له، فوالله ليقدمن عليك، فلا تفرق أصحابك، فإن ذلك شر لهم وخير لك. فقال له: قف أنت في الصف، فقال: يا سعيد بن مجالد، ليس لي فيما صنعت رأي، أنا بريء من رأيك هذا، سمع الله ومن حضر من المسلمين. فقال: هو رأيي إن أصبت، فالله وفقني له، وإن يكن غير صواب فأنتم منه براء، قال: فوقف الجزل في صف أهل الكوفة وقد أخرجهم من الخندق، وجعل على ميمنتهم عياض بن أبي لينة الكندي، وعلى ميسرتهم عبد الرحمن بن عوف أبا حميد الرواسي، ووقف الجزل في جماعتهم واستقدم سعيد بن مجالد، فخرج وأخرج الناس معه، وقد أخذ شبيب إلى براز الروز، فنزل فطفتا، وأمر دهقانها أن يشتري لهم ما يصلحهم، ويتخذ لهم غداء، ففعل، ودخل مدينة قطفتا وأمر بالباب فأغلق، فلم يفرغ من الغداء حتى أتاه سعيد بن مجالد في أهل ذلك العسكر، فصعد الدهقان السور فنظر إلى الجند مقبلين قد دنوا من حصنه، فنزل وقد تغير لونه، فقال له شبيب: ما لي أراك متغير اللون! فقال له الدهقان: قد جاءتك الجنود من كل ناحية، قال: لا بأس، هل أدرك غداءنا؟ قال: نعم، قال: فقربه، وقد أغلق الباب، وأتى بالغداء، فتغدى وتوضأ وصلى ركعتين، ثم دعا ببغل له فركبه. ثم إنهم اجتمعوا على باب المدينة، فأمر بالباب ففتح، ثم خرج على بغله فحمل عليهم. وقال: لا حكم إلا للحكم الحكيم، أنا أبو مدله، أثبتوا إن شئتم. وجعل سعيد يجمع قومه وخيله، ويزلفها في أثره، ويقول: ما هؤلاء! إنما هم أكلة رأس، فلما رآهم شبيب قد تقطعوا وانتشروا لف خيله كلها، ثم جمعها، ثم قال: استعرضوهم استعراضاً، وانظروا إلى أميرهم، فو الله لأقتلنه أو يقتلني. وحمل عليهم مستعرضاً لهم، فهزمهم وثبت سعيد بن المجالد، ثم نادى أصحابه: إلي إلي، أنا ابن ذا مران! وأخذ قلنسوته فوضعها على قربوص سرجه، وحمل عليه شبيب فعممه بالسيف، فخالط دماغه، فخر ميتاً، وانهزم ذلك الجيش، وقتلوا كل قتلة، حتى انتهوا إلى الجزل، ونزل الجزل ونادى: أيها الناس، إلي. وناداهم عياض بن أبي لينة: أيها الناس، إن كان أميركم القادم قد هلك فأميركم الميمون النقيبة المبارك حي لم يمت فقاتل الجزل قتالاً شديداً حتى حمل من بين القتلى، فحمل إلى المدائن مرتثاً، وقدم فل أهل ذلك العسكر الكوفة، وكان من أشد الناس بلاءً يومئذ خالد بن
نهيك من بني ذهل بن معاوية وعياض بن أبي لينة، حتى استنقذاه وهو مرتث. هذا حديث طائفتك من الناس، والحديث الأخر قتالهم فيما بين دير أبي مريم إلى براز الروز. ثم إن الجزل كتب إلى الحجاج. قال: وأقبل شبيب حتى قطع دجلة عند الكرخ، وبعث إلى سوق بغداد فأمنهم، وذلك اليوم يوم سوقهم، وكان بلغه أنهم يخافونه، فأحب أن يأمنهم، وكان أصحابه يريدون أن يشتروا من السوق دواب وثياب وأشياء ليس لهم منها بد، ثم أخذ بهم نحو الكوفة، وساروا أول الليل حتى نزلوا عقر الملك الذي يلي قصر ابن هبيرة، ثم أغذ السير من الغد، فبات بين حمام عمر بن سعد وبين قبين. فلما بلغ الحجاج مكانه بعث إلى سويد بن عبد الرحمن السعدي، فبعثه في ألفي فارس نقاوة، وقال له: اخرج إلى شبيب فالقه، واجعل ميمنة وميسرة، ثم أنزل إليه في الرجال فإن استطرد ذلك فدعه ولا تتبعه. فخرج فعسكر بالسبخة، فبلغه أن شبيب قد أقبل، فأقبل نحوه وكأنما يساقون إلى الموت، وأمر الحجاج عثمان ابن قطن فعسكر بالناس بالسبخة، ونادى: ألا برئت الذمة من رجل من هذا الجند بات الليلة بالكوفة لم يخرج إلى عثمان بن قطن بالسبخة! وأمر سويد بن عبد الرحمن أن يسير في الألفين الذين معه حتى يلقى شبيباً فعبر بأصحابه إلى زرارة وهو يعبئهم ويحرضهم إذ قيل له: قد غشيك شبيب، فنزل ونزل معه جل أصحابه، وقدم رايته ومضى إلى أقصى زرارة، فأخبر أن شبيباً قد أخبر بمكانك فتركك، ووجد مخاضة فعبر الفرات وهو يريد الكوفة من غير الوجه الذي أنت به. ثم قيل له: أما تراهم! فنادى: في أصحابه، فركبوا في آثارهم. وإن شبيباً أتى دار الرزق. فنزلها، فقيل: إن أهل الكوفة بأجمعهم معسكرون بالسبخة، فلما بلغهم مكان شبيب صاح بعضهم ببعض وجالوا، وهموا أن يدخلوا الكوفة حتى قيل لهم: إن سويد بن عبد الرحمن في آثارهم قد لحقهم وهو يقاتلهم في الخيل. قال هشام: وأخبرني عمر بن بشير، قال: لما نزل شبيب الدير أمر بغنم تهيأ له، فصعد الدهقان، ثم نزل وقد تغير لونه، فقال: مالك! قال: قد والله جاءك جمع كثير؛ قال: أبلغ الشواء بعد! قال: لا، قال: دعه. قال: ثم أشرف إشرافة أخرى، فقال: قد والله أحاطوا بالجوسق، قال: هات شواءك، فجعل يأكل غير مكترث لهم، فلما فرغ توضأ وصلى بأصحابه الأولى، ثم تقلد سيفين بعدما لبس درعه، وأخذ عمود حديد ثم قال: أسرجوا لي البغلة، فقال أخوه مصاد: أفي هذا اليوم تسرج بغلة! قال: نعم أسرجوها، فركبها، ثم قال: يا فلان، أنت على الميمنة وأنت يا فلان على الميسرة، وقال لمصاد: أنت في القلب، وأمر الدهقان ففتح الباب في وجوههم. قال: فخرج إليهم وهو يحكم، فجعل سعيد وأصحابه يرجعون القهقرى حتى صار بينهم وبين الدير نحو من ميل. قال: وجعل سعيد يقول: يا معشر همدان، أنا ابن ذي مران، إلي إلي. ووجه سرباً مع ابنه وقد أحس أنها تكون عليه، فنظر شبيب إلى مصاد فقال: أثكلينك الله إن لم أثكله ولده. قال: ثم علاه بالعمود، فسقط ميتاً، وانهزم أصحابه وما قتل بينهم يومئذ إلا قتيل واحد. قال: وانكشف أصحاب سعيد بن مجالد حتى أتوا الجزل، فناداهم الجزل: أيها الناس، إ لي إلي. وناداهم عياض بن أبي لينة: أيها الناس، إن يكن أميركم هذا القادم قد هلك فهذا أميركم الميمون النقيبة، أقبلوا إليه، وقاتلوا معه؛ فمنهم من أقبل إليه، ومنهم من ركب رأسه منهزماً، وقاتل الجزل قتالاً شديداً حتى صرع، وقاتل عنه خالد بن نهيك وعياض ابن أبي لينة حتى استنقذاه وهو مرتث، وأقبل الناس منهزمين حتى دخلوا الكوفة، فأتى بالجزل حتى أدخل المدائن، وكتب إلى الحجاج بن يوسف. قال أبو مخنف: حدثني بذلك ثابت مولى زهير: أما بعد، فإني أخبر الأمير أصلحه الله أني خرجت فيمن قبلي من الجند الذي وجهني إلى عدوه، وقد كنت حفظت عهد الأمير إلي فيهم ورأيه، فكنت أخرج إليهم إذا رأيت الفرصة، وأحبس الناس عنهم إذا خشيت الورطة، فلم أزل كذلك، وقد أرادني العدو بكل ريدة فلم
يصب مني غرة، حتى قدم على سعيد بن مجالد رحمة الله عليه، ولقد أمرته بالتؤدة، ونهيته عن العجلة، وأمرته ألا يقاتلهم إلا في جماعة الناس عامة فعصاني، وتعجل إليهم في الخيل، فأشهد عليه أهل المصرين أني بريئ من رأيه الذي رأى، وأني لا أهوى ما صنع. فمضى فأصيب تجاوز الله عنه، ودفع الناس إلي، فنزلت ودعوتهم إلي، ورفعت لهم رايتي، وقاتلت حتى صرعت، فحملني أصحابي من بين القتلى، فما أفقت إلا وأنا على أيديهم على رأس ميل من المعركة، فأنا اليوم بالمدائن في جراحة قد يموت الرجل من دونها ويعافى من مثلها. فليسأل الأمير أصلحه الله عن نصيحتي له ولجنده، وعن مكايدتي عدوه، وعن موقفي يوم البأس، فإنه يستبين له عند ذلك أني قد صدقته ونصحت له. والسلام. فكتب إليه الحجاج: أما بعد، فقد أتاني كتابك وقرأته، وفهمت كل ما ذكرت فيه، وقد صدقتك في كل ما وصفت به نفسك من نصيحتك لأميرك، وحيطتك على أهل مصرك، وشدتك على عدوك، وقد فهمت ما ذكرت من أمر سعيد وعجلته إلى عدوه، فقد رضيت عجلته وتؤدتك، فأما عجلته فإنها أفضت به الجنة، وأما تؤدتك فإنها لم تدع الفرصة إذا أمكنت، وترك الفرصة إذا لم تمكن حزم، وقد أصبت وأحسنت البلاء، وأجرت وأنت عندي من أهل السمع والطاعة والنصيحة، وقد أشخصت إليك حيان ابن أبجر ليداويك ويعالج جراحتك، وبعثت إليك بألفي درهم فأنفقها في حاجتك وما ينوبك. والسلام. فقدم عليه حيان بن أبجر الكناني من بني فراس - وهم يعالجون الكي وغيره - فكان يداويه، وبعث إليه عبد الله بن أبي عصيفير بألف درهم، وكان يعوده ويتعاهده باللطف والهدية. قال: وأقبل شبيب نحو المدائن، فعلم أنه لا سبيل له إلى أهلها مع المدينة، فأقبل حتى انتهى إلى الكرخ، فعبر دجلة إليه، وبعث إلى أهل سوق بغداد وهو بالكرخ أن اثبتوا في سوقكم فلا بأس عليكم - وكان ذلك يوم سوقهم - وقد كان بلغه أنهم يخافونه قال: ويخرج سويد حتى جعل بيوت مزينة وبني سليم في ظهره وظهور أصحابه، وحمل عليهم شبيب حملةً منكرة، وذلك عند المساء، فلم يقدر منهم على شئ، فأخذ على بيوت الكوفة نحو الحيرة، وأتبعه سويد لا يفارقه حتى قطع بيوت الكوفة كلها إلى الحيرة، وأتبعه سويد حتى انتهى إلى الحيرة، فيجده قد قطع قنطرة الحيرة ذاهباً، فتركه وأقام حتى أصبح. وبعث إليه الحجاج أن أتبعه فأتبعه، ومضى شبيب حتى أغار في أسفل الفرات على من وجد من قومه، وارتفع في البر من وراء خفان في أرض يقال لها الغلظة، فيصيب رجالا من بني الورثة، فحمل عليهم، فاضطرهم إلى جدد من الأرض، فجعلوا يرمونه وأصحابه بالحجارة من حجارة الأرحاء كانت حولهم، فلما نفدت وصل إليهم فقتل منهم ثلاثة عشر رجلا، منهم حنظلة بن مالك ومالك بن حنظلة وحمران بن مالك؛ كلهم من بني الورثة. قال أبو مخنف: حدثني بذلك عطاء بن عرفجة بن زياد بن عبد الله الورثي. ومضى شبيب حتى يأتي بني أبيه على اللصف ماء لرهطه وعلى ذلك الماء الفرز بن الأسود، وهو أحد بني الصلت، وهو الذي كان ينهي شبيباً عن رأيه، وأن يفسد بني عمه وقومه، فكان شبيب يقول: والله لئن ملكت سبعة أعنة لأغزون الفزر. فلما غشيهم شبيب في الخيل سأل عن الفزر فاتقاه الفزر، فخرج على فرس لا تجارى من وراء البيوت، فذهب عليها في الأرض، وهرب منه الرجال، ورجع وقد أخاف أهل البادية حتى أخذ على القطقطانة؛ ثم على قصر مقاتل، ثم أخذ على شاطئ الفرات حتى أخذ على الحصاصة، ثم على الأنبار، ثم مضى حتى دخل دقوقاء، ثم ارتفع إلى أداني أذربيجان. فتركه الحجاج وخرج إلى البصرة، واستخلف على الكوفة عروة بن المغيرة بن شعبة،فما شعر الناس بشيء حتى جاء كتاب من ماذرواسب دهقان بابل مهروذ وعظيمها إلى عروة بن المغيرة بن شعبة أن تاجراً من تجار الأنبار من أهل بلادي أتاني فذكر أن شبيباً يريد أن يدخل الكوفة في أول هذا الشهر المستقبل، أحببت إعلامك ذلك لترى رأيك، ثم لم ألبث إلا ساعة حتى جاءني جابيان من جباتي فحدثاني أنه قد نزل خانيجار. فأخذ عروة كتابه فأدرجه وسرح به إلى الحجاج بالبصرة، فلما قرأه الحجاج أقبل جواداً إلى الكوفة، وأقبل شبيب يسير حتى انتهى إلى قرية يقال لها حربى على شاطئ دجلة فعبر منها، فقال: مااسم هذه القرية؟ فقالوا: حربى؛ فقال: حربى يصلى بها
عدوكم، وحرب تدخلونه بيوتهم، إنما يتطير من يقوف ويعيف، ثم ضرب رايته وقال لأصحابه: سيروا؛ فأقبل حتى نزل عقرقوفا، فقال له سويد بن سليم: يا أمير المؤمنين، لو تحولت بنا من هذه القرية المشؤومة الاسم! قال: وقد تطيرت أيضاً! والله لا أتحول عنها حتى أسير إلى عدوي منها، إنما شؤمها إن شاء الله على عدوكم تحملون عليهم فيها، فالعقر لهم. ثم قال لأصحابه: يا هؤلاء، إن الحجاج ليس بالكوفة، وليس دون الكوفة إن شاء الله شيء، فسيروا بنا. فخرج يبادر الحجاج إلى الكوفة، وكتب عروة إلى الحجاج أن شبيباً قد أٌقبل مسرعاً يريد الكوفة، فالعجل العجل. فطوى الحجاج المنازل، واستبقا إلى الكوفة، ونزلها الحجاج صلاة الظهر، ونزل شبيب السبخة صلاة المغرب، فصلى المغرب والعشاء، ثم أصاب هو وأصحابه من الطعام شيئاً يسيراً، ثم ركبوا خيولهم فدخلوا الكوفة، فجاء شبيب حتى انتهى إلى السوق، ثم شد حتى ضرب باب القصر بعموده قال أبو المنذر: رأيت ضربة شبيب بباب القصر قد أثرت أثراَ عظيماً، ثم أقبل حتى وقف عند المصطبة، ثم قال:
وكأن حافرها بكل خميلة ... كيل يكيل به شحيح معدم
عبد دعى من ثمود أصله ... لا بل يقال أبو أيهم يقدم
ثم اقتحموا المسجد الأعظم وكان كبيراً لا يفارقه قوم يصلون به فقتل عقيل بن مصعب الوادعي وعدي بن عمر الثقفي وأبا ليث بن أبي سليم مولى عنبسة بن أبي سفيان، وقتلوا أزهر بن عبد الله العامري، ومروا بدار حوشب وهو على الشرط فوقفوا على بابه وقالوا: إن الأمير يدعوا حوشباً، فأخرج ميمون غلامه برذون حوشب ليركبه حوشب، فكأنه أنكرهم فظنوا أنه قد اتهمهم، فأراد أن يدخل، فقالوا له: كما أنت، حتى يخرج صاحبك. فسمع حوشب الكلام، فأنكر القوم، فخرج إليهم، فلما رأى جماعتهم أنكرهم، وذهب لينصرف، فجعلوا نحوه، ودخل وأغلق الباب، وقتلوا غلامه ميموناً، وأخذوا برذونه ومضوا حتى مروا بالجحاف ابن نبيط الشيباني من رهط حوشب، فقال له سويد: إنزل إلينا، فقال له: ما تصنع بنزولي! قال له سويد: أقضيك ثمن البكرة التي كنت ابتعت منك بالبادية، فقال له الجحاف: بئس ساعة القضاء هذه الساعة، وبئس قضاء الدين هذا المكان! أما ذكرت أمانتك إلا والليل مظلم، وأنت على ظهر فرسك! قبح الله يا سويد ديناً لا يصلح ولا يتم إلا بقتل ذوي القرابة وسفك دماء هذه الأمة. قال: ثم مضوا فمروا بمسجد بن ذهل فلقوا ذهل بن الحارث، وكان يصلي في مسجد قومه فيطيل الصلاة، فصادفوه منصرفاً إلى منزله، فشدوا عليه ليقتلوه، فقال: اللهم إني أشكو إليك هؤلاء وظلمهم وجهلهم.
اللهم إني عنهم ضعيف، فانتصر لي منهم! فضربوه حتى قتلوه، ثم مضوا حتى خرجوا من الكوفة متوجهين نحو المردمة. قال هشام: قال أبو بكر بن عياش: واستقبله النضر بن قعقاع ابن شور الذهلي، وأمه ناجية بنت هاني بن قبيصة بن الشيباني فأبطره حين نظر إليه - قال: يعني بقوله: أبطره أفزعه - فقال: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله؛ قال له سويد مبادراً: أمير المؤمنين، ويلك! فقال: أمير المؤمنين. حتى خرجوا من الكوفة متوجهين نحو المردمة، وأمر الحجاج المنادي فنادى: يا خيل الله اركبي و أبشري، وهو فوق باب القصر، وثم مصباح مع غلام له قائم، فكان أول من جاء إليه من الناس عثمان بن قطن بن عبد الله بن الحصين ذي الغصة، ومعه مواليه، وناس من أهله، فقال: أنا عثمان بن قطن، أعلموا الأمير مكاني، فيليأمر بأمره، فقال له ذلك الغلام: قف مكانك حتى يأتيك أمر الأمير، وجاء الناس من كل جانب، وبات عثمان فيمن اجتمع إليه من الناس حتى أصبح. ثم إن الحجاج بعث بسر بن غالب الأسدي من بني والية في ألفي رجل، وزائدة بن قدامة الثقفي في ألفي رجل، وأبا الضريس مولى بني تميم في ألف من الموالي، وأعين - صاحب حمام أعين مولى بشر بن مروان - في ألف رجل، وكان عبد الملك بن مروان قد بعث محمد بن موسى بن طلحة على سجستان، وكتب له عليها عهده، وكتب إلى الحجاج: أما بعد، فإذا قدم عليك محمد بن موسى فجهز معه ألفي رجل إلى سجستان، وعجل سراحه. وأمر عبد الملك محمد بن موسى بمكاتبة الحجاج، فلما قدم محمد ابن موسى جعل يتحبس في الجهاز، فقال له نصحاؤه: تعجل أيها الأمير
إلى عملك؛ فإنك لا تدري ما يكون من أمر الحجاج! وما يبدو له. فأقام على حاله، وحدث من أمر شبيب ما حدث، فقال الحجاج لمحمد ابن موسى بن طلحة بن عبيد الله: تلقى شبيباً وهذه الخارجة فتجاهدهم ثم تمضي إلى عملك، وبعث الحجاج مع هؤلاء الأمراء أيضاَ عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر بن كريز القرشي وزيادة بن عمرو العشكي. وخرج شبيب حيث خرج من الكوفة. فأتى المردمة وبها رجل من حضرموت على العشور يقال له ناجية بن مرثد الحضرمي، فدخل الحمام ودخل عليه شبيب فاستخرجه فضرب عنقه، واستقبل شبيب النضر بن القعقاع بن شور - وكان مع الحجاج حين أقبل من البصرة، فلما طوى الحجاج المنازل خلفه وراءه - فلما رآه شبيب ومعه أصحابه عرفه، فقال له شبيب: يانضر بن القعقاع، لاحكم إلا لله - وإنما أراد شبيب بمقالته له تلقينه. فلم يفهم النضر - فقال: " إنا لله وإنا إليه راجعون " فقال أصحاب شبيب: يا أمير المؤمنين؛ كأنك إنما تريد بمقالتك أن تلقنه. فشدوا على نضر فقتلوه.
قال: واجتمعت تلك الأمراء في أسفل الفرات. فترك شبيب الوجه الذي فيه جماعة أولئك القواد. وأخذ نحو القادسية، ووجه الحجاج زحر بن قيس في جريدة خيل نقاوة ألف وثمانمائة فارس، وقال له: أتبع شبيباً حتى تواقعه حيثما أدركته، إلا أن يكون منطلقاً ذاهباً فاتركه ما لم يعطف عليك أو ينزل فيقيم لك، فلا تبرح إن هو أقام حتى تواقعه، فخرج زحر حتى انتهى إلى السيلحين، وبلغ شبيباً مسيره إليه، فأقبل نحوه فالتقيا، فجعل زحر على ميمنته عبد الله بن كناز النهدي، وكان شجاعاً، وعلى ميسرته عدي بن عدي بن عميرة الكندي الشيباني، وجمع شبيب خيله كلها كبكبة واحدة ثم اعترض بها الصف، فوجف وجيفاً، واضطرب حتى انتهى إلى زحر بن قيس، فنزل زحر بن قيس، فقاتل زحر حتى صرع، وانهزم أصحابه، وظن القوم أنهم قد قتلوه، فلما كان في السحر وأصابه البرد قام يتمشى حتى دخل قرية فبات بها، وحمل منها إلى الكوفة وبوجهه ورأسه بضع عشرة جراحة ما بين ضربة وطعنة، فمكث أياماً، ثم أتى الحجاج وعلى وجهه وجراحة القطن، فأجلسه الحجاج معه على السرير وقال لمن حوله: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة يمشي بين الناس وهو شهيد فينظر إلى هذا وقال أصحاب شبيب لشبيب وهم يظنون أنهم قد قتلوا زحراً: قد هزمنا لهم جنداً. وقتلنا لهم أميراً من أمرائهم عظيماً. انصرف بنا الآن وافرين، فقال لهم: إن قتلنا هذا الرجل، وهزيمتنا هذا الجند، قد أرعبت هذه أرعبت هذه الأمراء والجنود التي بعثت في طلبكم فاقصدوا بنا قصدهم، فو الله لئن نحن قتلناهم ما دون الحجاج من شئ وأخذ الكوفة إن شاء الله فقالوا: نحن لرأيك سمع تبع، ونحن طوع يديك قال: فانقض بهم جواداً حتى يأتي نجران - وهي نجران الكوفة ناحية عين التمر - ثم سأل عن جماعة القوم فخبر باجتماعهم بروذبار في أسفل الفرات في بهقباذ الأسفل، على رأس أربعة وعشرين فرسخاً من الكوفة. فبلغ الحجاج مسيره إليهم، فبعث إليهم عبد الرحمن بن الغرق مولى ابن أبي عقيل - وكان على الحجاج كريماً - فقال له: الحق بجماعتهم - يعني جماعة الأمراء - فأعلمهم بمسير المارقة إليهم، وقل لهم: إن جمعكم قتال فأمير الناس زائدة بن قدامة، فأتاهم ابن الغرق فأعلمهم ذلك وانصرف عنهم. قال أبو مخنف: فحدثني عبد الرحمن بن جندب قال: انتهى إلينا شبيب وفينا سبعة أمراء على جماعتهم زائدة بن قدامة، وقد عبى كل أمير أصحابه على حدة، ففي ميمنتنا زياد بن عمرو العتكي، وفي ميسرتنا بشر بن غالب الأسدي، وكل أمير واقف في أصحابه. فأقبل شبيب حتى وقف على تل، فأشرف على الناس وهو على فرس له كميت أغر. فنظر إلى تعبيتهم، ثم رجع إلى أصحابه، فأقبل في ثلاث كتائب يوجفون، حتى إذا دنا من الناس مضت كتيبة فيها سويد بن سليم، فتقف في ميمنتنا، ومضت كتيبة فيها مصاد أخو شبيب، فوقفت على ميسرتنا، وجاء شبيب في كتيبة حتى وقف مقابل القلب. قال: وخرج زائدة ابن قدامة يسير في الناس فيما بن ميمنتهم إلى ميسرتهم يحرض الناس ويقول: يا عباد الله أنتم الكثيرون الطيبون وقد نزل بكم القليلون الخبيثون
فاصبروا - جعلت لكم الفداء - لكرتين أو ثلاث تكرون عليهم، ثم هو النصر ليس بينه حاجز ولا دونه شئ ألا ترون إليهم والله ما يكونون مائتي رجل، إنما هم أكلة رأس ، إنما هم السراق المراق، إنما جاءوكم ليهريقوا دماءكم، ويأخذوا فيثكم، فلا يكونوا على أخذه أقوى منكم على منعه، وهم قليل وأنتم كثير، وهم أهل فرقة وأنتم أهل جماعة، غضوا الأبصار، واستقبلوهم بالأسنة، ولا تحملوا عليهم حتى آمركم، ثم انصرف إلى موقفه. قال: ويحمل سويد بن سليم على زياد بن عمرو، فانكشف صفهم، وثبت زياد في نحو من نصف أصحابه، ثم ارتفع عنهم سويد قليلاً، ثم كر عليهم ثانيةً، ثم اطعنوا ساعة. قال أبو مخنف: فحدثني فروة بن لقيط، قال: أنا والله فيهم يومئذ، قال: اطعنا ساعة وصبروا لنا حتى ظننت أنهم لن يزولوا، وقاتل زياد بن عمرو قتالا شديداً، وجعل ينادي: ياخيلي، ويشد بالسيف فيقاتل قتالا شديداً، فلقد رأيت سويد بن سليم يومئذ وإنه لأشجع العرب وأشده قتالاً وما يعرض له. قال: ثم إنا ارتفعنا عنهم آخراً فإذا هم يتقوضون، فقال له أصحابه: ألا تراهم يتقوضون! احمل عليهم، فقال لهم شبيب: خلوهم حتى يخفوا، فتركوهم قليلاً، ثم حمل عليهم الثالثة فانهزموا. فنظرت إلى زياد ابن عمرو وإنه ليضرب بالسيف وما من سيف يضرب به إلا نبا عنه وهو مجفف، ولقد رأيته اعتوره أكثر من عشرين سيفاً فما ضره من ذلك شئ ثم إنه انهزم وقد جرح جراحة يسيرة. وذلك عند المساء قال: ثم شددنا على عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر فهزمناه، وما قاتلنا كثير قتال، وقد ضارب ساعة، وقد بلغني أنه كان جرح ثم لحق بزياد بن عمرو، فمضينا منهزمين حتى انتهينا إلى محمد بن موسى بن طلحة عند المغرب، فقاتلناه قتالاً شديداً وصبر لنا. ذكر هشام عن أبي مخنف، قال: حدثني عبد الرحمن بن جندب وفروة بن لقيط، أن أخا شبيب مصاداً حمل على بشر بن غالب وهو في الميسرة، فأبلى وكرم والله وصبر، فنزل ونزل معه رجال من أهل الصبر نحو من خمسين، فضاربوا بأسيافهم حتى قتلوا عن آخرهم. وكان فيهم عروة بن زهير بن ناجذ الأزدي، وأمه زارة امرأة ولدت في الأزد، فيقال لهم بنو زارة، فلما قتلوه وانهزم أصحابه مالوا فشدوا على أبي الضريس مولى بني تميم، وهو يلي بشر بن غالب، فهزموه حتى انتهى إلى موقف أعين، ثم شدوا عليه وعلى أعين جميعاً فهزموهما حتى انتهوا بهما إلى زائدة بن قدامة، فلما انتهوا إ ليه نزل ونادى: يا أهل الإسلام، الأرض الأرض، إلى إلى! لا يكونوا على كفرهم أصبر منكم على إمانكم؛ فقاتلهم عامة الليل حتى كان السحر. ثم إن شبيباً شد عليه في جماعة من أصحابه فقتله وأصحابه وتركهم ربضةً حوله من أهل الحفاظ.
قال أبو مخنف: وحدثني عبد الرحمن بن جندب قال: سمعت زائدة ابن قدامة ليلتئذ رافعاً صوته يقول: يأيها الناس، اصبروا وصابروا، " يأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم " ثم والله ما برح يقاتلهم مقبلا غير مدبر حتى قتل. قال أبو مخنف: وحدثني فروة بن لقيط أن أبا الصقير الشيباني ذكر أنه قتل زائدة بن قدامة، وقد حاجه في ذلك آخر يقال له الفضل ابن عامر. قال: ولما قتل شبيب زائدة بن قدامة دخل أبو الضريس وأعين جوسقاً عظيماً، وقال شبيب لأصحابه: ارفعوا السيف عن الناس وادعوهم إلى البيعة، فدعوهم إلى البيعة عند الفجر. قال عبد الرحمن بن جندب: فكنت فيمن قدم إليه فبايعه وهو واقف على فرس وخيله واقفة دونه، فكل من جاء ليبايعه نزع سيفه عن عاتقه، وأخذ سلاحه منه، ثم يدنى من شبيب فيسلم عليه بإمرة المؤمنين، ثم يخلى سبيله. قال: وإنا لكذلك إذ انفجر الفجر ومحمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله في أقصى العسكر، معه عصابة من أصحابه قد صبروا، فلما انفجر الفجر أمر مؤذنه فأذن، فلما سمع شبيب الأذان قال: ماهذا؟ فقال: هذا محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله لم يبرح؛ فقال: قد ظننت أن حمقه وخيلاءه سيحمله على هذا؛ نحواً هؤلاء عنا وانزلوا بنا فلنصل. قال: فنزل فأذن هو، ثم استقدم فصلى بأصحابه، فقرأ:
" ويل لكل همزة لمزة " ، و " أرأيت الذي يكذب بالدين " ، ثم سلم، ثم ركبوا فحمل عليهم فانكشفت طائفة من أصحابه، وثبتت طائفة قال فروة: فما أنسى قوله وقد غشيناه وهو يقاتل بسيفه وهو يقول: " آلم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين " قال: وضارب حتى قتل. قال: فسمعت أصحابي يقولون: إن شبيباً هو الذي قتله. ثم إنا نزلنا فأخذنا ما كان في العسكر من شئ، وهرب الذين كانوا بايعوا شبيباً، فلم يبق منهم أحد. وقد ذكر من أمر محمد بن موسى بن طلحة غير أبي مخنف أمراً غير الذي ذكرته عنه، والذي ذكر من ذلك أن عبد الملك بن مروان كان ولي محمد بن موسى بن طلحة سجستان، فكتب إليه الحجاج: إنك عامل كل بلد مررت به، وهذا شبيب في طريقك. فعدل إليه محمد، فأرسل إليه شبيب: إنك امرؤ مخدوع، قد اتقى بك الحجاج، وأنت جار لك حق، فانطلق لما أمرت به ولك الله لا آذيتك، فأبى إلا محاربته، فواقفه شبيب، وأعاد إليه الرسول، فأبى إلا قتاله، فدعا إلى البراز، فبرز إليه البطين ثم قعنب ثم سويد، فأبى إلا شبيباً، فقالوا لشبيب: قد رغب عنا إليك، قال: فما ظنكم هذه الأشراف! فبرز إليه شبيب، وقال: إني أنشدك الله في دمك، فإن لك جواراً. فأبى إلا قتاله، فحمل عليه شبيب فضربه بعصا حديد فيها أثنا عشر رطلا بالشأمى، فهشم بها بيضه عليه ورأسه فسقط، ثم كفنه ودفنه، وابتاع ما غنموا من عسكره، فبعث به إلى أهله، واعتذر إلى أصحابه وقال: هو جاري بالكوفة، ولي أن أهب ما غنمت لأهل الردة. قال عمر بن شبة: قال أبو عبيدة: كان محمد بن موسى مع عمر ابن عبيد الله بن معمر بفارس، وشهد معه قتال أبي فديك وكان ميمنته، وشهر بالنجدة وشدة البأس وزوجه عمر بن عبيد الله بن معمر ابنته أم عثمان وكانت أخته تحت عبد الملك بن مروان - فولاه سجستان، فمر بالكوفة وبها الحجاج بن يوسف، فقيل للحجاج: إن صار هذا إلى سجستان مع نجدته وصهره لعبد الملك فلجأ إليه أحد ممن تطلب، منعك منه؛ قال: فما الحيلة؟ قيل: تأتيه وتسلم عليه، وتذكر نجدته وبأسه وأن شبيباً في طريقه، وأنه قد أعياك، وأنك ترجو أن يريح الله منه على يده، فيكون له ذكر ذلك وشهرته. ففعل، فعدل إليه محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله، فواقعه شبيب، فقال له شبيب: إني قد علمت خداع الحجاج، وإنما اغترك ووقى بك نفسه، وكأني بأصحابك لو قد التقت حلقتا البطان قد أسلموك، فصرعت مصرع أصحابك؛ فأطعني وانطلق لشأنك، فإني أنفس بك عن الموت؛ فأبى محمد بن موسى، فبارزه شبيب فقتله. رجع الحديث إلى حديث أبي مخنف. قال عبد الرحمن: لقد كان فيمن بايعه تلك الليلة أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، فلما بايعه قال له شبيب: ألست أبا بردة! قال: بلى؛ قال شبيب لأصحابه: يا أخلائي، أبو هذا أحد الحكمين، فقالوا: ألا نقتل هذا؟ فقال: إن هذا لاذنب له فيما صنع أبوه؛ قالوا: أجل قال: وأصبح شبيب: فأتى مقبلا نحو القصر الذي فيه أبو الضريس وأعين فرموه بالنبل، وتحصنا منه، فأقام ذلك اليوم عليهم، ثم شخص عنهم، فقال له أصحابه: مادون الكوفة أحد يمنعنا؛ فنظر فإذا أصحابه قد جرحوا؛ فقال لهم: ما عليكم أكثر مما قد فعلتم، فخرج بهم على نفر، ثم على الصراة، ثم على بغداد ، ثم خرج إلى خانيجار فأقام بها. قال: ولما بلغ الحجاج أن شبيباً قد أخذ نحو نفر ظن أنه يريد المدائن - وهي باب الكوفة، ومن أخذ المدائن كان ما في يده من أرض الكوفة أكثر - فهال ذلك الحجاج، وبعث إلى عثمان بن قطن، ودعاه وسرحه إلى المدائن، وولاه منبرها والصلاة ومعونة جوخى كلها وخراج الأستان.
فخرج مسرعاً حتى نزل المدائن، وعزل الحجاج عبد الله بن أبي عصيفير؛ وكان بها الجزل مقيماً أشهراً يداوي جراحته، وكان ابن أبي عصيفير يعوده بكرمه، فلما قدم عثمان بن قطن المدائن لم يعده، ولم يكن يتعاهده ولا يلطفه بشئ، فقال الجزل: اللهم زد ابن عصيفير جوداً وكرماً وفضلا وزد عثمان بن قطن ضيقاً وبخلا، قال: ثم إن الحجاج دعا عبد الرحمن بن
محمد بن الأشعث فقال: انتخب الناس، واخرج في طلب هذا العدو، فأمره بنخبة ستة آلاف، فنتخب فرسان الناس ووجوههم، وأخرج من قومه ستمائة من كندة وحضرموت، واستحثه الحجاج بالعسكر، فعسكر بدير عبد الرحمنن فلما أراد الحجاج إشخاصهم كتب إليهم: أما بعد، فقد اعتدتم عادة الأذلاء. ووليتم الدبر يوم الزحف، وذلك دأب الكافرين، وإني قد صفحت عنكم مرة بعد مرة، ومرة بعد مرة وإني أقسم لكم بالله قسماً صادقاً لئن عدتم لذلك لأوقعن بكم إ يقاعاً أكون أشد عليكم من هذا العدو الذي تهربون منه في بطون الأودية و الشعاب، وتسترون منه بأثناء الأنهار وألواذ الجبال، فخاف من له معقول على نفسه، ولم يجعل عليها سبيلاً، وقد أعذر من أنذر :
وقد أسمعت لو ناديت حيا ... ولكن لا حياة لمن تنادي
و السلام عليكم. قال: ثم سرح ابن الأصم مؤذنه، فأتى عبد الرحمن بن محمد ابن الأشعث عند طلوع الشمس، فقال له: ارتحل الساعة وناد في الناس: أن برئت الذمة من رجل من هذا البعث وجدناه متخلفاً. فخرج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث في الناس حتى مر بالمدائن فنزل يوماً وليلة، وتشرى أصحابه حوائجهم، ثم نادى في الناس بالرحيل، فارتحلوا، ثم أقبلوا حتى دخل على عثمان بن قطن، ثم أتى الجزل فسأله عن جراحته، وسأله ساعة وحدثه. ثم إن الجزل قال له: يا بن عم: إنك تسير إلى فرسان العرب وأبناء الحرب، وأحلاس الخيل، والله لكأنما خلقوا من ضلوعها، ثم بنوا على ظهورها، ثم هم أسد الأجم، الفارس منهم أشد من مائة، إن لم تبدأ به بدأ، وإن هجهج أقدم، فإني قد قاتلتهم وبلوتهم، فإذا أصحرت لهم إنتصفوا مني، وكان لهم الفضل علي، وإذا خندقت علي وقاتلتهم في مديق نلت منهم بعض ما أحب، وكان لي عليهم الظفر، فلا تلقهم وأنت تستطيع إلا في تعبية أو في خندق. ثم إنه ودعه، فقال له الجزل: هذه فرسي الفسيفساء، خذها فإنها لا تجارى. فأخذها ثم خرج بالناس نحو شبيب، فلما دنا منه ارتفع عنه شبيب إلى دقوقاء وشهرزور، فخرج عبد الله في طلبه، حتى إذا كان على التخوم أقام، وقال: إنما هو في أرض الموصل، فليقاتلوا عن بلادهم أو ليدعوه، فكتب إليه الحجاج بن يوسف: أما بعد، فاطلب شبيباً واسلك في أثره أين سلك حتى تدركه فتقتله أو تنفيه، فإنما السلطان سلطان أمير المؤمنين والجند جنده. والسلام. فخرج عبد الرحمن حين قرأ كتاب الحجاج في طلب شبيب، فكان شبيب يدعه حتى إذا دنا منه بيته، فيجده قد خندق على نفسه وحذر، فيمضي ويدعه، فيتبعه عبد الرحمن، فإذا بلغه أنه قد تحمل وأنه يسير أقبل في الخيل، فإذا انتهى إليه وجده قد صف الخيل والرجال وأدنى المرامية، فلا يصيب له غرة ولا له علة، فيمضي ويدعه. قال: ولما رأى شبيب أنه لا يصيب لعبد الرحمن غرة ولا يصل إليه، جعل يخرج إذا دنا منه عبد الرحمن في خيله، فينزل على مسيرة عشرين فرسخاً، ثم يقيم في أرض غليظة حزنة، فيجيء عبد الرحمن، فإذا دنا من شبيب أرتحل شبيب فسار خمسة عشر أو عشرين فرسخاً، فنزل منزلاً غليظاً خشناً، ثم يقيم حتى يدنو عبد الرحمن. قال أبو مخنث: فحدثني عبد الرحمن بن جندب أن شبيباً كان قد عذب ذلك العسكر وشق عليهم، وأخفى دوابهم، ولقوا منه كل بلاء، فلم يزل عبد الرحمن يتبعه حتى مر به على خانقين ثم على جلولاء ثم على تامراً، ثم أقبل حتى نزل البت - قرية من قرى الموصل على تخوم الموصل، ليس بينها وبين سواد الكوفة إلا نهر يسمى حولايا - قال: وجاء عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث حتى نزل في نهر حولايا وفي راذان الأعلى من أرض جوخى، ونزل عواقيل من النهر، ونزلها عبد الرحمن حيث نزلها وهي تعجبه، يرى أنها مثل الخندق والحصن. قال: وأرسل شبيب إلى عبد الرحمن: إن هذه الأيام أيام عيد لنا ولكم، فإن رأيتم أن توادعونا حتى تمضي هذه الأيام فافعلوا، فقال له عبد الرحمن: نعم، ولم يكن شيء أحب إلى عبد الرحمن من المطاولة والموادعة. قال: وكتب عثمان بن قطن إلى الحجاج: أما بعد، فإني أخبر الأمير أصلحه الله أن عبد الرحمن بن محمد قد حفر جوخى كلها خندقاً واحداً، وخلى شبيباً وكسر خراجها
وهو يأكل أهلها. والسلام. فكتب إليه الحجاج: أما بعد، فقد فهمت ما ذكرت لي عن عبد الرحمن، وقد لعمري فعل ما ذكرت، فسر إلى الناس فأنت أميرهم، وعاجل المارقة حتى تلقاهم، فإن الله إن شاء الله ناصرك عليه. والسلام. قال: وبعث الحجاج إلى المدائن مطرف بن المغيرة بن شعبة، وخرج عثمان حتى قدم على عبد الرحمن بن محمد ومعه من أهل الكوفة وهم معسكرون على نهر حولايا قريباً من البت. عشية الثلاثاء، وذلك يوم التروية، فنادى الناس وهو على بغلة: أيها الناس، أخرجوا إلى عدوكم. فوثب إليه الناس، فقالوا: ننشدك الله، هذا المساء قد غشينا، والناس لم يوطنوا أنفسهم على القتال، فبت الليلة ثم اخرج بالناس على تعبية. فجعل يقول: لأجازنهم، ولتكون الفرصة لي أولهم. فأتلهم عبد الرحمن فأخذ بعنان دابته، وناشده الله لما نزل، وقال له عقيل بن شداد السلولي: إن الذي تريد من مناجزتهم الساعة أنت فاعله غداً، وهو غداً خيراً لك وللناس. إن هذه ساعة ريح وغبرة، وقد أمسيت فانزل، ثم أبكر بنا إليهم غدوة. فنزل، فسفت عليه الريح، وشق عليه الغبار، ودعا صاحب الخراج العلوج فبنوا له قبة فبات فيها، ثم أصبح يوم الأربعاء، فجاء أهل البت إلى شبيب - وكان قد نزل بيعتهم - فقالوا: أصلحك الله! أنت ترحم الضعفاء وأهل الجزية، ويكلمك من تلي عليه، ويشكون إليك ما نزل بهم فتنظر لهم، وتكف عنهم، وإن هؤلاء القوم جبابرة لا يكلمون ولا يقبلون العذر، والله لئن بلغهم أنك مقيم في بيعتنا ليقتلننا إن قضي لك أن ترتحل عنا، فإن رأيت جانب القرية ولا تجعل لهم علينا مقالاً، قال: فإني أفعل ذلك بكم، ثم خرج فنزل جانب القرية. قال: فبات عثمان ليلته كلها يحرضهم؛ فلما أصبح - وذلك يوم الأربعاء - خرج بالناس فاستقبلتهم ريح شديدة وغبرة، فصاح الناس إليه، فقالوا: ننشدك الله أن تخرج بنا هذا اليوم، فإن الريح علينا! فأقام بهم ذلك اليوم، وأراد شبيب قتالهم، وخرج أصحابه، فلما رآهم لم يخرجوا إليه أقام، فلما كان ليلة الخميس خرج عثمان فعبى الناس على أرباعهم، فجعل كل ربع في جانب العسكر، وقال لهم: أخرجوا على هذه التعبية، وسألهم: من كان على ميمنتكم؟ قالوا: خالد بن نهيك بن قيس الكندي، وكان على ميسرتنا عقيل بن شداد السلولي، فدعاهما فقال لهما: قفا مواقفكما التي كنتما بها، وليتكما المجنبتين، فاثبتا ولا تفرا، فوالله لا أزول حتى يزول نخل راذان على أصوله. فقالا: ونحن والله الذي لا إله إلا هو لا نفر حتى نظفر أو نقتل، فقال لهما: جزاكما الله خيراً. ثم أقام حتى صلى بالناس الغداة، ثم خرج فجعل ربع أهل المدينة تميم وهمدان نحو نهر حولايا في المسيرة، وجعل ربع كندة وربيعة ومذحج وأسد في الميمنة، ونزل يمشي في الرجال. وخرج شبيب وهو يومئذ في مائة وأحد وثمانين رجلاً، فقطع إليهم النهر، فكان هو في ميمنة أصحابه، وجعل على ميسرته سويد بن سليم، وجعل في القلب مصاد بن يزيد أخاه، وزحفوا وسما بعضهم لبعض.قال أبو مخنف: فحدثني النضر بن صالح العبسي أن عثمان كان يقول فيكثر: " لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لاتمتعون إلا قليلاً " . أين المحافظون على دينهم، المحامون عن فيئهم! فقال عقيل بن شداد بن حبشي السلولي: لعلي أن أكون أحدهم، قتل أولئك يوم روذبار. ثم قال شبيب لأصحابه: إني حامل على ميسرتهم مما ياي النهر، فإذا هزمتها فليحمل صاحب ميسرتي على ميمنتهم، ولايبرح صاحب القلب حتى يأتيه أمري، وحمل في ميمنة أصحابه مما يلي النهر على ميسرة عثمان بن قطن فانهزموا، ونزل عقيل بن شداد فقاتل حتى قتل، وقتل يومئذ مالك بن عبد الله الهمداني ثم المرهبي، عم عياش بن عبد الله بن عياش المنتوف، وجعل يومئذ عقيل بن شداد يقول وهو يجالدهم:
لأضربن بالحسام الباتر ... ضرب غلام من سلول صابر
ودخل شبيب عسكرهم، وحمل سويد بن سليم في ميسرة شبيب على ميمنة عثمان بن قطن فهزمها، وعليها خالد بن نهيك بن قيس الكندي، فنزل خالد فقاتل قتالاً شديداً، وحمل عليه شبيب من ورائه وهو على ربع كندة وربيعة يومئذ، وهو صاحب الميمنة، فلم ينثني شبيب حتى علاه
بالسيف فقتله، ومضى عثمان بن قطن وقد نزلت معه العرفاء وأشراف الناس والفرسان نحو القلب، وفيه أخو شبيب في نحو من ستين راجلاً، فلما دنا منهم عثمان بن قطن شد عليهم في الأشراف وأهل الصبر فضاربوهم حتى فرقوا بينهم، وحمل شبيب بالخيل من ورائهم، فما شعروا إلا والرماح في أكتافهم تكبهم لوجوههم، وعطف عليهم سويد بن سليم أيضاً في خيله، ورجع مصاد وأصحابه، وقد كان شبيب رجلهم، فاضطربوا ساعة، وقاتل عثمان بن قطن فأحسن القتال. ثم إنهم شدوا عليهم فأحاطوا به، وحمل عليه مصاد أخو شبيب فضربه ضربة بالسيف استدار لها، ثم قال: " وكان أمر الله مفعولاً " . ثم إن الناس قتلوه، وقتل يومئذ الأبرد بن ربيعة الكندي، وكان على تل، فألقى سلاحه إلى غلامه وأعطاه فرسه، وقاتل حتى قتل. ووقه عبد الرحمن فرآه ابن أبي سبرة الجعفي وهو على بغلة فعرفه، فنزل إليه فناوله الرمح وقال له: اركب، فقال عبد الرحمن ابن محمد: أينا الرديف؟ قال ابن أبي سبرة: سبحان الله! أنت الأمير تكون المقدم، فركب وقال لابن أبي سبرة: ناد في الناس: الحقوا بدير أبي مريم، فنادى، ثم انطلقا ذاهبين، ورأى واصل بن الحارث السكوني فرس عبد الرحمن الذي حمل عليه الجزل يجول في المعسكر، فأخذها بعض أصحاب شبيب، فظن أنه قد هلك، فطلبه في القتلى فلم يجده، وسأل عنه فقيل له: قد رأينا رجلاً قد نزل عن دابته فحمله عليها، فما أخلقه أن يكون إياه؛ وقد أخذ هاهنا آنفاً. فأتبعه واصل بن الحارث على برذونه ومع واصل غلامه على بغل، فلما دنوا منهما قال محمد بن أبي سبرة لعبد الرحمن: قد والله لحق بنا فارسان، فقال عبد الرحمن: فهل غير اثنين؟ فقال: لا، فقال عبد الرحمن: فلا يعجز اثنان عن اثنين. قال: وجعل يحدث ابن أبي سبرة وكأنه لا يكترث بهما، حتى لحقهما الرجلان، فقال له ابن أبي سبرة: رحمك الله! قد لحقنا الرجلان، فقال له: فانزل بنا، فنزلا فانتضيا سيفهما، ثم مضيا إليهما، فلما رآهما واصل عرفهما، فقال لهما: إنكما قد تركما النزول في موضعه، فلا تنزلا الآن، ثم حسر العمامة عن وجهه، فعرفاه فرحبا به، وقال لابن الأشعث: إني لما رأيت فرسك يجول في العسكر ظننتك رجلاً، فأتيتك ببردوني هذا لتركبه، فترك لابن أبي سبرة بغلته، وركب البرذون، وانطلق عبد الرحمن بن الأشعث حتى نزل دير اليعار، وأمر شبيب أصابه فرفعوا عن الناس السيف، ودعاهم إلى البيعة، فأتاه من بقي من الرجالة فبايعوه، وقال له أبو الصقير المحملي: قتلت من الكوفيين سبعة في جوف النهر كان آخرهم رجلاً تعلق بثوبي وصاح، ورهبني حتى رهبته، ثم إني أقدمت عليه فقتلته. وقتل من كندة مائة وعشرون يومئذ وألف من سائر الناس أو ستمائة، وقتل عظم العرفاء يومئذ. قال أبو مخنف: حدثني قدامة بن حازم بن سفيان الخثعمي أنه قتل منهم يومئذ جماعة، وبات عبد الرحمن بن محمد تلك الليلة بدير اليعار، فأتاه فارسان فصعدا إليه فوق البيت، وقام آخر قريباً منهما فخلا أحدهما بعبد الرحمن طويلاً يناجيه، ثم نزل هو وأصابه، وقد كان الناس يتحدثون أن ذلك كان شبيباً، وأنه قد كان كاتبه، ثم خرج عبد الرحمن آخر الليل فسار حتى أتى دير أبي مريم، فإذا هو بأصحاب الخيل قد وضع لهم محمد بن عبد الرحمن بن أبي سبرة صبر الشعير وألقت بعضه على بعض
كأنه القصور، ونحر لهم من الجزر ما شاءوا، فأكلوا يومئذ، وعلفوا دوابهم، واجتمع الناس إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فقالوا له: إن سمع شبيب بمكانك أتاك وكنت له غنيمة، قد ذهب الناس وتفرقوا وقتل خيارهم فالحق أيها الرجل بالكوفة. فخرج إلى الكوفة ورجع الناس أيضاً، وجاء فاختبأ من الحجاج حتى أخذ منه الأمان بعد ذلك. نقش الدنانير والدراهم بأمر عبد الملك بن مروان وفي هذه السنة أمر عبد الملك بن مروان بنقش الدنانير والدراهم. ذكر الواقدي: أن سعد بن راشد حدثه عب صالح بن كيسان بذلك. قل: وحدثني ابن أبي الزناد، عن أبيه، أن عبد الملك ضرب الدراهم والدنانير عامئذ، وهو أول من أحدث ضربها. قال: وحدثني خالد بن أبي ربيعة، عن أبي هلال، عن أبيه، قال: كانت مثاقيل الجاهلية التي ضرب عليها عبد الملك اثنين وعشرين قيراطاً إلا حبة، وكان العشرة وزن السبعة. قال: وحدثني عبد الرحمن بن جرير الليثي عن هلال بن أسامة قال: سألت سعيد بن المسيب في كم تجب الزكاة من الدنانير؟ قال: في كل عشرين مثقالاً بالشأمى نصف مثقال، قلت: ما بال الشأمي من المصري؟ قال: هو الذي تضرب عليه الدنانير. وكان ذلك وزن الدنانير قبل أن تضرب الدنانير، كانت اثنين وعشرين قيراطاً إلا حبة، قال سعيد. قد عرفته، قد أرسلت بدنانير إلى دمشق فضربت على ذلك. وفي هذه السنة: وفد يحيى بن الحكم على عبد الملك بن مروان وولي أبان بن عثمان المدينة في رجب. وفيها استقضي أبان بن نوفل بن مساحق بن عمرو بن خداش من بني عامر بن لؤي. وفيها ولد مروان بن محمد بن مروان. وأقام الحج للناس في هذه السنة أبان بن عثمان وهو أمير على المدينة، حدثني بذلك أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى.
عن أبي معشر،وكذلك قال الواقدي. وكان على الكوفة والبصرة الحجاج بن يوسف، وعلى خراسان أمية بن عبد الله بن خالد، وعلى قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة زرارة بن أوفى.
ثم دخلت سنة سبع وسبعين
محاربة شبيب عتاب بن ورقاء وزهرة بن حوية

وقتلهما

ففي هذه السنة قتل شبيب عتاب بن ورقاء الرياحي وزهرة بن حوية ذكر الخبر عن سبب مقتلهما: مكان سبب ذلك فيما ذكر هشام عن أبي مخنف، عن عبد الرحمن ابن جندب وفروة بن لقيط، أن شبيباً لما هزم الجيش الذي كان الحجاج وجهه مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث إليه، وقتل عثمان ابن قطن، ذلك في صيف وحر شديد، اشتد الحر عليه وعلى أصحابه. فأتى ماه بهزاذان فتصيف بها ثلاثة أشهر، وأتاه ناس كثير ممن يطلب الدنيا فلحقوا به. وناس ممن كان الحجاج يطلبهم الحجاج بمال أو تباعات؛ كان منهم رجل من الحي يقال له الحر بن عبد الله بن عوف. وكان دهقانان من أهل نهر درقيط قد أساءا إليه وضيقا عليه، فشد عليهما فقتلهما، ثم لحق بشبيب فكان معه بماه، وشهد معه مواطنه حتى قتل. فلما آمن الحجاج كل من كان خرج إلى شبيب من أصحاب المال والتباعات - و1لك بعد يوم السبخة - خرج إليه الحر فيمن خرج، فجاء أهل الدهقانين يستعدون عليه الحجاج. فأتى به فدخل. وقد أوصى ويئس من نفسه، فقال له الحجاج. يا عدو الله. قتلت رجلين من أهل الخراج! فقال له: قد كان أصلحك الله ما هو أعظم من هذا. فقال: وما هو؟ قال: خروجي من الطاعة وفراق الجماعة. ثم آمنت كل من خرج إليك، فهذا أماني وكتابك لي. فقال له الحجاج: أولى لك! قد لعمري فعلت، وخلى سبيله. قال: ولما انفسخ الحر عن شبيب خرج من ماه في نحو من ثمانمائة رجل. فأقبل نحو المدائن وعليها مطرف بن المغيرة بن شعبة. فجاء حتى نزل قناطر حذيفة بن اليمان، فكتب ماذرواسب عظيم بابل مهروذ إلى الحجاج: أما بعد فإني أخبر الأمير أصلحه الله أن شبيباً قد أقبل حتى نزل قناطر حذيفة، ولا أدري أين يريد! فلما قرأ الحجاج كتابه قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، والله لتقاتلن عن بلادكم وعن فيئكم أو لأبعثن إلى قوم هم أطوع وأسمع وأبصر على اللأواء والغيظ منكم، فيقاتلون عدوكم، ويأكلون فيئكم.
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
سلسلة سيرة الأنبياء ( تاريخ الرسل ) coolwave_33 تعرف على سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم و اصحابه الكرام 27 01-02-2014 10:24 PM
إزالة أغلى عقارات شارع «الأمراء والملوك» بمكة المكرمة Adnan0999 اخبار 24 ساعة - سبق عاجل من أنحاء العالم 0 12-15-2013 06:26 AM
صور زوجات الامراء والملوك رؤساء الدول العربية ..... ** لؤلؤة ** صور 2014 - 2015 52 05-15-2010 10:58 AM
عاجل مواقع الفنانين المشهورين وفنانين ستار اكاديمي والملوك والرئساء و و و ؟؟ simsima2 فضائح ستار اكاديمي 10 Star Academy 54 04-25-2010 10:24 PM
قراءة الأفكار - هل يتمكن الدماغ البشري من قراءة الافكار ! دموع الملائكة المنتدى العلمي - أبحاث علمية - بحوث علمية 2 03-06-2010 03:41 AM


الساعة الآن 09:30 AM


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd diamond

Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0