تصفح

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( 10 مرات ) كلمتان حبيبتان الى الرحمن وثقيلتان في الميزان



العودة   منتديات عالم الرومانسية > منتديات ادبيه وفكريه وثقافيه > لغة الضاد و الأدب - الملتقى الثقافي

لغة الضاد و الأدب - الملتقى الثقافي لغة الضاد و الأدب هو ملتقى تعليمي ثقافي أدبي





النَّظَرِيَّةُ السِّيَّاقِيَّةُ

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته الحمد لله، ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين *** النَّظَرِيَّةُ السِّيَّاقِيَّةُ 1ـ تعريف السياق والنظرية السياقية أولا :

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 12-28-2011, 11:05 PM   #1 (permalink)
روانة
مشرفة الشريعة والحياة - ماسة المنتدى
غريبة من دون الناس
 
الصورة الرمزية روانة
النَّظَرِيَّةُ السِّيَّاقِيَّةُ









السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته


الحمد لله، ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

***

النَّظَرِيَّةُ السِّيَّاقِيَّةُ


1ـ تعريف السياق والنظرية السياقية

أولا : تعريف السياق لغة واصطلاحا؟


1ـ المعنى اللغوي

ـ السَّوق، والسياق: مصدران من ساق يسُوق. وأصل السياق، سِواق فقلبت الواو ياءً لكسرة السين.

ـ جاء في لسان العرب لابن منظور تحت مادة السوق،" ساق الإبل وغيرها يسوقها سوقا وسياقا، وهو سائق وسوّاق شدّد للمبالغة، قال الخطِم القيسي(ويقال لأبي زغبة الخارجي)

* قد لفَّها الليل بسَوَاّق حُطم *

وقال تعالى: "وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيد"(ق : 21)، جاء في التفسير سائق ملك يسوقها إلى محشرها.

ـ وأساقها وانساقها فانساقت. وأنشد ثعلب:

لولا قريش هلكت معدٌ ....وانساق مال الأضعف الأشدُ


ـ وسوَّقها كساقها، قال امرؤ القيس:

لنا غنم نسوقها غِزار .... كأن قرون منابتها العصي

ـ وقد انساقت وتساوقت الإبل تساوُقا، إذا تتابعت وكذلك تقاودت فهي متقاودة ومتساوقة.

وفي حديث أمِّ معبد: وجاء زوجها يسوق أعنزا ما تساوق أي ما تتابع. والمساوقة للمتابعة كأن بعضها يسوق بعضا، والأصل في تَسَاوَقٍ، كأنها لضعفها وفرط هزالها تتخاذل ويتخلف بعضها عن بعض.

ـ وساق بنفسه سياقا، نزع بها عند الموت."

وجاء في الصحاح للجوهري" ويقال: وَلَدَتْ فلانةُ ثلاثةَ بنينَ على ساقٍ واحد، أي بعضُهم على إثر بعض، ليست بينهم جارية.

وساق الماشية يَسوقُها سَوْقاً وسِياقاً، فهو سائِقٌ وسَوَّاقٌ، شدّد للمبالغة. قال الراجز:

قد لَفَّها الليلُ بسَوَّاقٍ حُطَمْ
ليس براعي إِبِلٍ ولا غَنَمْ


واسْتاقَها فانْساقَتْ. وسُقْتُ إلى امرأتي صَداقَها....

والسَيِّقَةُ: ما اسْتاقَهُ العدوُّ من الدوابّ، مثل الوَسيقَةِ. قال أبو زيد: السَيِّقُ من السحاب: الذي تسوقه الرِّيح وليس فيه ماء.

ويقال: أَسَقْتُكَ إبلاً، أي أعطيتُك إبلاً تَسوقُها.

والسِياقُ: نَزْعُ الروحِ. يقال: رأيت فلاناً يَسوقُ، أي يَنْزِعُ عند الموت."

....إذن، فالمعنى المأخوذ من هذه النصوص يشير إلى دلالة الحدث، وهو التتابع.

2ـ المعنى الاصطلاحي:

ـ يعرف ستيفن أولمان السياق بقوله:

......"وكلمة السياق CONTEXT قد استعملت حديثا في عدة معان مختلفة. والمعنى الوحيد الذي يهم مشكلتنا في الحقيقة هو معناها التقليدي أي :" النظم اللفظي للكلمة وموقعها من ذلك النظم " بأوسع معاني هذه العبارة.
......إنّ السياق على هذا التفسير ينبغي أن يشمل – لا الكلمات والجمل الحقيقية السابقة واللاحقة فحسب- بل والقطعة كلها والكتاب كله، كما ينبغي أن يشمل – بوجه من الوجوه- كل ما يتصل بالكلمة من ظروف وملابسات.

......والعناصر غير اللغوية المتعلقة بالمقام الذي تُنطق فيه الكلمة لها هي الأخرى أهميتها البالغة في هذا الشأن"

......من خلال التعريف نستشف أن السياق المقصود هنا، ذو جانبان مختلفان ومتكاملان في تركيب نظريتنا اللغوية هذه،

الأول : لا يخرج عن كونه تركيبًا أو نظمًا لغويًا.

والثاني : خارج عن التركيب اللغوي متجاوز لحدوده، ولكن يبقى رغم كونه ينتظم عناصر غير لغوية لا يقل أهمية عن النظم اللفظي في تحديده معاني الحدث اللغوي وهذا النظم هو ما سمي بالسياق المقامي.

ثانيًا : ظروف نشأة النظرية السياقية ورائدها ومنبعها

1ـ المدرسة الإنجليزية

......يمثل هذه المدرسة توجهان لسانيان نشآ بشكل مستقل من اللسانيات البنوية، انطلق أحدهما من جهود العالم الصوتي دانيال جونز،DANIEL JONES وانطلق الآخر من أعمال اللساني الإنجليزي جون روبرت فيرث FIRTH (ت 1960).

ـ أما الأول فقد قّدم فيه د. جونز، دراسةً للفنولوجيا بطريقةٍ متميزة عن طريقة الفنولوجيين البراغيين، حيث اعتمد على منهج الوصف المادي الذي يهتم في دراسته للفونيم بطبيعته الفيزيائية ولا يهتم بوظيفته .

ـ وأما الاتجاه الثاني، فتمثله نظريةٌ في اللغة متميزة تنسب إلى المستشرق والباحث الصوتي الانجليزي ج.ر.فرث. وفي الحقيقة لم يشهد الدرس اللساني الانجليزي تطورا نوعيا ومنهجيا إلا على يده؛ فهو الذي طوّر نظريةَ سياق الحال الّتي تُعنى بالجانب الدلالي للغة الطبيعية من حيث هي وسيلة للتواصل الاجتماعي.

*دون أن ننسى اهتمام جونز وجاردينر GARDINAR بالدرس الصوتي العربي من خلا ل كتابه : فوناتيك اللغة العربية (1925) .

2ـ رائد النظرية السياقية

جون فيرث
......ولد جون فيرث في مدينة يورشير(Yordshire) البريطانية سنة 1890م، ودرس التاريخ قبل أن يلتحق بالخدمة الوطنية، ويجوب مختلف أنحاء الإمبراطورية البريطانية خلال الحرب العالمية الأولى. وقد استقر بالهند مدةً طويلة، وتعلّم بعض اللغات الشرقية. الشيء الذي جعله يعتقد بأن تطوير أيّة نظرية لغوية لا يكون إلّا بالمعرفة الدقيقة للصوتيات الحديثة.

...... درس الإنجليزية بجامعة البنجاب من سنة 1919م حتى سنة 1928م. رجع إلى جامعة لندن وعُين فيها بمعهد الصوتيات. وفي سنة 1938م انتقل إلى كلية اللسانيات للدراسات الشرقية الإفريقية مدرسا لمقياس الدراسات الشرقية الإفريقية. حيث أسهم في الاعتراف باللسانيات العامة علمًا أكاديميا في الجامعات البريطانية منذ سنة 1944م. وبذلك كان أولَ من درّس هذا المقياس، وأولَ من مُنح رتبة أستاذ كرسي في اللسانيات العامة ببريطانيا.

3ـ الوضع العام

......يرجع تطورُ أي فرع من فروع المعرفة عبر التاريخ إلى الأوضاع السياسية، والاجتماعية، والثقافية، والدينية السائدة في ذلك العصر. وكان الدافع الرئيس الذي حرّك الدراسات اللغوية في بريطانيا هو اتساع رقعة الإمبراطورية البريطانية بشكل مذهل، وازدياد الحاجة الماسة لدراسة اللغات الشرقية والإفريقية لأغراض متعددة، فكان من بين هؤلاء ـ وليم جونز ـ الذي اكتشف القرابة بين اللغة السنسكريتية واللغات الأوروبية الكلاسيكية. والأستاذ جون فيرث الذي أعطى نفَسا جديدا للدراسات اللغوية البريطانية.
......وما يُميِّز العلماءُ البريطانيون هو الاهتمام بالأشياء العملية التطبيقية على الأشياء النظرية، فلم تك دراستهم للغات لذاتها، وإنّما من أجل ما تذريه من منفعة عاجلة.

4 ـ منبع نظرية فيرث

......شاع في بداية الدراسات اللغوية الحديثة أن اللساني الأمريكي بلومفيلد امتنع عن دراسة الدلالة؛ لأنها ليست مهمةً خارجة عن نطاق اللسانيات فحسب، بل فوق طاقتها أيضا.
......ولكن جاء من اهتم بدراستها وأراد أن يجعل منها علما قائما بذاته، واعتبر دراسة الدلالة هي المهمة الرئيسية للسانيات الوصفية.
......علمًا أن اللغويين الذين أرادوا دراسة الدلالة قد اختلفوا اختلافا كبيرا في تعريف المعنى وبيان المراد به، ويرجع هذا الخلاف إلى أسباب كثيرة أهمّها:

ـ اختلاف مناهج البحث في اللغة عندهم ، فمن هؤلاء اللغويين مَن نهج منهج العقليين أو النفسيين ومنهم من سلك طريق السلوكيين، وآخرون اختاروا ما سمّوه "المنهج اللغوي " "linguistic approach"

......وهذا الأسلوب اللغوي المحض، هو ما سارت عليه المدرسة التي يرأسها الأستاذ "فيرث"، ولكي نتمكن من فهم الدلالة عنده ينبغي أن نرجع مباشرة إلى الاطلاع على أفكار زميله " برونيسلو مالينوسكي"Bronislaw Malinawsky" الأنثروبولوجي البولندي، والذي استخلص من أبحاثه الحقلية ـ في دراسته للدور الذي تلعبه اللغة في المجتمعات البدائية "أن اللغةَ تعمل كأداةِ تواصل ضمن نشاط إنساني متعارف عليه، فهي ضرب من النشاط وليس أداة للتفكير...وما الكلمات إلا أدوات ولا يكمن معنى الأداة إلا في استعمالها".

...... واستعان "مالينوسكي" بمفهوم سياق الموقف، الذي ابتكره حينما واجهته مهمةُ ترجمة مفردات وجمل من النصوص الإثنوغرافية في الجزر التروبرايندية شرقي غينيا الجديدة إلى لغة إنجليزية مفهومة. فطوّر على إثرها نظرية سياق الموقف، التي تُعين الباحث على استيعاب معاني المفردات والجمل بالرجوع إلى مُعاينة الوظائف التي تؤديها في السياقات الموقفية الخاصة التي تستعمل فيها. وحسب "مالينوسكي" فإنه إذا [ما] أتينا بشخص أوروبي إلى مجتمع بدائي، وزودناه بترجمة حرفية للكلام المتهفوّه به، فلا يستطيع أن يدرك معناه، إلا إذا كان واردا في السياق الذي جرى في إطاره الحديث، وفي الجو العام الذي يكون جزءا من معناه. واستخلص من هذا أنَّه من الضروري أن توضع كلّ ألفاظ الكلام في سياق الموقف لفهم مغزاها الحقيقي.

......وتَبَنَّى فيرث، نظرية سياق الموقف وأعطاه معنًى عامًا مُجردًا. ولكن إذا كان سياق الموقف بالنسبة لـ مالينوسكي هو محيط الكلام الطبيعي الفعلي، فما هو بالنسبة لفيرث؟





روانة غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 12-28-2011, 11:27 PM   #2 (permalink)
روانة
مشرفة الشريعة والحياة - ماسة المنتدى
غريبة من دون الناس
 
الصورة الرمزية روانة
الأساس الفكري الذي قامت عليه النظرية السياقية

أولاـ أساس الفكر اللغوي عند فيرث


....... يتمثل أساس الفكر اللغوي عند فيرث واللغويين الانجليز عموما باتباعهم المنهج الفلسفي المعروف بمصطلح الأحديّة (monism) والذي يقوم على مبدأ الغائية الواحدة متمثلا في المادة. وهذا ما جعل رؤيتهم إلى اللغة وما يتصل بها غير ما نظر إليه اللغويون الأوربيون الآخرون، من بينهم دي سوسير مثلا. وهذا ما يجعلنا نحاول أن نقف على رؤيتهم إلى كل من اللغة المعنى والسياق.

1ـ اللغة:

.......لقد رفض فيرث بناء فكره اللغوي على ما يسمى بثنائيات دي سوسير ، والتي في نظره يصعب تحقيقها من الناحية العملية ، فقد وصف اللغة على أنها نشاط معنوي في سياق اجتماعي معين.

.......وكان تبريره لموقفه هذا بقوله: (بما أننا نعرف القليل عن العقل، ودراستنا هي دراسة اجتماعية في جوهرها، فسوف أكف عن احترام ثنائية الجسم والعقل، والتفكير والكلام، وأكون راضيا بالإنسان ككل، يفكر ويتصرف وسط أصدقائه كوحدة كاملة).وأردف موضحا(إن اجتنابي استعمال هذه الثنائيات لا ينبغي أن يفهم على أنني أقصيت مفهوم العقل إقصاء أو احتضنت الجانب المادي احتضانا) .

....... وقد أكد فيرث على توجهه هذا بتركيزه على دراسة المكون الاجتماعي لمختلف اللغات الإنسانية، وبذلك ينبغي أن تدرس اللغة ـ حسب رأيه ـ (بوصفها جزءا من المسار الاجتماعي، أي كشكل من أشكال الحياة الإنسانية، وليس كمجموعة من العلامات الاعتباطية أو الإشارات).

.......ومن منطلق نظرته هذه إلى اللغة؛ أي أنها وسيلة التواصل الاجتماعي واستحالة الاستغناء عنها في فهم المعاني المتعددة الناتجة عن المواقف الاجتماعية المتعددة، درس مكوناتها وفق مكونات اجتماعية بحتة وذلك بتركيزه على مختلف العلاقات التي يمكن أن تربط اللغة بالمجتمع.

2ـ المعنى:

.......أما المعنى في نظر فيرث فهو تلك الشبكة العامة للعلاقات والوظائف التي تستعمل فيها كل المفردات، وهذا ما نلحظه في قوله:" إني أقترح تقسيم المعنى أو الوظيفة إلى مجموعة من الوظائف المكونة. وما الوظيفة إلا ضرب من استعمال شكل أو عنصر من لغة معينة حسب سياق معين. وينبغي علينا أن ننظر إلى المعنى على أنه مركب من العلاقات السياقية، حيث تعالج القواعد، والدلالة، والصوتيات، وصناعة المعاجم مكوناتها في السياق الملائم لهذا المعنى".

.......ينظر فيرث إلى المعنى على أنه "مركب من العلاقات السياقية" ، فمعنى الكلمة ـ عنده ـ لا يظهر إلا من خلال (استعمالها في اللغة) أو معرفة (الطريقة التي تستعمل بها)، أو (الدور الذي تؤديه).

.......وهو بذلك يؤكد أهمية الوقوف على السياقات المختلفة التي ترد فيها الكلمة من أجل الوقوف على معناها وقوفا صحيحا ، ولهذا يصرح فيرث بأن المعنى لا ينكشف إلا من خلال تسييق الوحدة اللغوية أي وضعها في سياقات مختلفة. ولا يجزئ في تحديد الكلمات استحضار الشيء أو وصفه أو التعريف به؛

.......ونظرة فيرث إلى المعنى "على أنه وظيفة في سياق"، هو" ما عُدَّ تحولا في النظر إلى المعنى بعد أن كان يوصف بأنه علاقة بين اللفظ وما يحيل عليه في الخارج، أو في الذهن من حقائق وأحداث " والذي تجلى في نظرية سوسير والبنيويين من بعده القائمة على "العلاقة الثنائية بين اللفظ والمعنى" و"صار الحديث في المدرسة السياقية عن مركب من اللفظ والمعنى في علاقته بغيره من المركبات التي تحل محله في نفس السياق."

3ـ السياق:


.......تقوم فكرة السياق على ما عرف عند البلاغيين العرب قديما بأن" لكل مقام مقال "، " ولكل كلمة مع صاحبتها مقام" .
.......والتي تتجاوز الصعوبة التي تطرحها طبيعة المعنى المعجمي المتمثلة في التعدد والاحتمال، و تعدد معنى كلمة ما يؤدي إلى تعدد احتمالات القصد منها. وتعدد احتمالات القصد يعود إلى تعدد المعنى ، ذلك ما يجعلها صالحة للدخول في أكثر من سياق،
.......ومعنى هذا أن الكلمة في حال انعزالها لا تدل إلا على دلالة عامة، والذي يعين قيمة الكلمة في كل الحالات إنَّما هو السياق، إذ أن الكلمة توجد في كل مرة تستعمل فيها في جو يحدد معناها تحديدا مؤقتا. والسياق هو الذي يفرض قيمة واحدة بعينها على الكلمة. بالرغم من المعاني المتنوعة التي في وسعها أن تدل عليها. والسياق أيضا هو الذي يخلّص الكلمة من الدلالات الماضية التي تدعها الذاكرة تتراكم عليها. وهو الذي يخلق لها قيمة حضورية.

* أنواع السياق

.......و تعدد السياقات القولية والفعلية التي تحتوي الحدث الكلامي والقضايا المادية المحيطة بالنص المنطوق أو المكتوب، يجعلنا مجبرين على تحديد السياق أو السياقات التي احتوت أو احتواها الحدث اللغوي، وهذا ما جعل ك.آمر(K.Ammer) يقترح تقسيما للسياق أسفر عن الأنواع الأربعة التالية:

1ـ السياق اللغوي


....... هو حصيلة استعمال مجموعة الأصوات والكلمات والجمل متجاورة في تركيب لغوي. بغرض تأديتها معنى خاصاً يتحدد بتمييزنا لما أحاط بهذه المجموعة من ظروف وملابسات وعناصر لغوية.

.......ويستعمل السياق اللغوي في توضيح كثيرٍ من العلاقات الدلالية عندما يُستخدم مقياساً لبيان الترادف أو الاشتراك أو العموم أو الخصوص أو الفروق ونحو ذلك.

2ـ سياق الموقف:


.......يرى فيرث أن سياق الموقف مصطلح واسع لا يقتصر على السياقات اللغوية، بل هو حقل من العلاقات (Field of relations): علاقات بين أشخاص يقومون بأدوارهم في المجتمع، مستعملين في ذلك لغات مختلفة، ومرتبطين بحوادث وأشياء متنوعة لها اتصال وثيق بالقولة المستعملة، وتأثير الحدث اللغوي.

.......وقد ذهب جيفري إلز، إلى أن مفهوم سياق الموقف كان من أهم إسهامات فيرث في نظريته السياقية ، حيث دعا فيه للتخلي عن البحث في المعنى ، بوصفه عمليات ذهنية كامنة والنظر إليه على أنه مركب من العلاقات السياقية ـ كما أسلفناـ ؛ وذهب إلى أن الوظيفة الدلالية لا تتأتى إلا بعد أن تتجسد القولة في موقف معين، أي بعد أن تخرج من خانة الوجود الوضعي الكامن إلى حيز الوجود الاستعمالي الفعلي، وهو أمر لا يتحقق ـ حسب رأيه ـ إلا في سياق الموقف .

3ـ السياق الثقافي:

.......ويقصد به المحيط الاجتماعي والثقافي الذي تستعمل فيه الكلمة، بمعنى أن الثقافة لها دورها الهام في تحديد المدلول. إن السياق الثقافي هو الذي فرض على كلمة (عامل) أن تدل في العصر الجاهلي على كل من يعمل بيديه، والجمع لها (عمَّال وعَمَلة)؛ ثم صارت في عصر الإسلام تدل على الوالي المعين من قبل الخليفة على مصر من الأمصار. والجمع لها (عمَّال)فقط.ثم في العصر العباسي ومع نشأة علم الكلام أصبحت كلمة (العامل) تعني السبب والدافع، والجمع لها (عوامل)فقط. ثم في العصر الحديث أصبحت كلمة (عامل) تحمل كل هذه المدلولات، ولكن إذا جمعت على (عمَّال)انصرف الذهن إلى من يعملون بأيديهم، وإذا جمعت على (عاملون)انصرف إلى موظفي الدولة؛ وإذا جمعت على (عوامل)انصرف الذهن إلى الأسباب والدوافع. وهكذا يصبح للمحيط الثقافي أثرٌ في تحديد مفهوم الكلمة .



4ـ السياق العاطفي:

.......وهذا النوع من السياق يوضح لنا درجة الانفعال المصاحبة للأداء الفعلي للكلام؛ أي ما إذا كان ينبغي أن تؤخذ الكلمة على أنها تعبير موضوعي صرف، أو أنها قصد بها -أساسا- التعبير عن العواطف والانفعالات على أنواعها.

.......إن بعض الكلمات المستعملة في الحياة اليومية العادية قد يكتسب نغمة عاطفية قوية غير متوقعة في المواقف الانفعالية.

* مثال ذلك ما أورده ستيفان أولمان في "دور الكلمة في اللغة" عن كلمة "جدار" في هذه القطعة من "حلم ليلة من منتصف الصيف" :

وأنت أيها الجدار . أيها الجدار الحلو الجميل
أنت الذي تحول بين بيت أبيها وبيني
أنت أيها الجدار.. أيها الجدار الحلو الجميل
ألا تنصدع من أجلي فألمحها بعيني؟
شكرا لك أيها الجدار المهذب: رعاك الله من أجل هذا الصنيع
لا. أنت أيها الجدار اللئيم الذي لا أرى من خلاله رحمة
لعنة الله على كل حجر فيك .. لقد خدعتني


* وهكذا نرى أن السياق وحده هو الذي يساعدنا على إدراك التبادل بين المعاني الموضوعية والمعاني العاطفية والانفعالية.

ثانيا : منهج التحليل السياقي للحدث اللغوي

1ـ أدوات عالم اللغة


يرى فيرث أنَّ ما يجب على عالم اللغة الذي يريد الوصول إلى المعنى الدقيق للحدث اللغوي والكلامي هو أن يعتمد:

أـ مجموع العناصر المقامية(عناصر سياق الحال)المكونة للحدث الكلامي، والتي تمثل جزءًا من أدوات عالم اللغة. لخصها فيرث في:

أـ1ـ التكوين الثقافي للمشاركين في هذا الحدث: كشخصية المتكلم والسامع وتكوينهما الثقافي وشخصيات من يشهد الكلام، ودورهم فيه.

ب ـ2ـ الظروف المحيطة به. من عوامل وظواهر اجتماعية ومناخية وعلاقتها باللغة والسلوك اللغوي وفق الكلام.

ج ـ 3ـ الأثر الذي يتركه على المشاركين فيه: من خلال تأثر المشاركين به، الاقتناع أو الاعتراض أو الألم أو السرور أو غير ذلك.

ب ـ إن الوصول إلى معنى أي نص لغوي يستلزم:

1ـ تحليله على المستويات اللغوية المختلفة؛ أي ضرورة تحديد بيئة المتكلم لضمان عدم الخلط بين لغة وأخرى أو لهجة وأخرى، والذي من شأنه أن يؤدي إلى نتائج مضطردة وغير دقيقة؛ وذلك لاختلاف المادة التي أخذت منها النتائج ،كما يجب أن تكون الدراسة مقتصرة على مستوى لغوي واحد ، كلغة المثقفين أو العوام أو لغة النثر أو لغة الشعر.

2ـ بيان وظيفة هذا النص اللغوي ومقامه: يجب تحليل الكلام إلى عناصره ووحداته المكونة له ، للكشف عما بينهما من علاقات داخلية؛ لكي نصل إلى المعنى الذي يتصل أيضا بمستويات التحليل المختلفة : الصوتية و الفونولوجية والمورفولوجية والنحوية. مع ملاحظة أن هذه المستويات ترتبط فيما بينها برباط وثيق لكي نصل في النهاية عبر كل مرحلة أو مستوى إلى المعنى اللغوي للكلام.

ج ـ ثم بيان الأثر الذي يتركه في من يسمعه

ولإيضاح كل ما سبق نحاول تفصيله فيما يلي:

ثالثا : التحليل اللغوي

.......وفيه قام هاليدي بإرساء مجموعتين من العلاقات السياقية ، كل علاقة تنقسم إلى قسمين : فيكون لدينا العلاقات الداخلية (الشكلية) ؛والعلاقات الموقفية :

1ـ العلاقات الداخلية (الشكلية)المتعلقة بالنص،
تربط العناصر اللغوية بعضها ببعض، وتنقسم إلى:

1ـ1علاقات ركنية:


وتتمثل في العلاقات الموجودة بين عناصر البنية على المستويات النحوية، والصوتية. مثال:

- علاقة مفردة شكلية وأخرى في جملة ما، أو في تتابع معين.

- العلاقات التركيبية بين الوحدات النحوية

- العلاقات بين الوحدات الفونولوجية.

.......فمعظم الوحدات الدلالية تقع في مجاورة وحدات أخرى؛ وبذلك فإن معاني هذه الوحدات لا يمكن وصفها أو تحديدها إلا بملاحظة الوحدات الأخرى التي تقع مجاورة لها.

1ـ2 العلاقات الاستبدالية للمفردات ضمن الأنظمة:


.......حيث تمثل كل مفردة عنصرا معينا من البنية ، ويمثل النظام مجموعة المفردات التي نختار منها أية مفردة.

2ـ العلاقات خارجية (الموقفية):


تربط العناصر اللغوية بما تدل عليه في الخارج (أي مكونات الموقف غير اللغوية).وتغطي شبكتين مختلفتين من العلاقات

2ـ1 جميع العلاقات الموجودة ضمن سياق الموقف

2ـ2 العلاقات القائمة بين أجزاء النص ومظاهر الموقف:


.......وهي علاقات قائمة [بين] مفردات اللغة، وتلك العناصر الخارجة عن اللغة (مكونات الموقف غير اللفظية)في المواقف التي تتوسط فيها اللغة بين أفرد مشاركين في موقف اجتماعي معين.وهذا ما يطلق عليه المعنى الموقفي، وهو ما يعرف عادة بالمعنى.

.......وبما أن وحدات اللغة تقوم بدور مميز في هذين النوعين من العلاقات، فتكون لها معان شكلية Forml)) وموقفية (Situational) في آن واحد.

*كما يرى أن جميع الوحدات اللغوية تترابط في:

أـ تقابلات مغلقة إذا كانت من العناصر القواعدية : كما في التقابل بين صيغة الماضي والمضارع.

ب ـ تقابلات مفتوحة إذا كانت من العناصر المعجمية : كما في التقابل بين طالبات و مدرسات مثلا.

*و فرق (جيفري إلز) بين معاني السياقات الآنية أو الفعلية ، و معاني السياقات الكامنة أو المحتملة:

أ ـ السياقات الآنية: فمعانيها مفهومة من مثال معين في نص معين في مقام معين.

ب ـ السياقات المحتملة: فهي كل المعاني السياقية الممكنة للوحدة اللغوية عند تجريدها من النصوص التي تقع فيها.

.......وترتبط المعاني السياقية المجردة بالجملة ؛ و المعاني السياقية الكامنة بالقولة الكامنة ، فإذا تحققت تلك السياقات ـ المتوالية عبر المستويات اللغوية المختلفة ابتداء بالسياق الصوتي ومرورا بالسياق الصرفي والنحوي والمعجمي وانتهاء بالسياق الدلالي ـ إذا تحققت ـ في مقام تخاطبي أي "بعد أن تخرج(القولة) من خانة الوجود الكامن إلى حيز الوجود الاستعمالي الفعلي" فالناتج هو: قولة فعلية ، والذي لا نراه إلا في سياق الموقف. العمل الأخير والحاسم في تحديد المعنى .

رابعا : منهج الإبدال method of substation

.......ومما سبق نلاحظ أن السياق في هذه النظرية استُعمل بشكل واسع حيث برز فيه ما سماه فيرث بالتوزيع السياقي contextual distribution الذي يشتمل على كل من : السياق الصوتي و السياق الصرفي و السياق النحوي و السياق المعجمي . ولا يظهر المعنى المقصود للمتكلم من خلاله إلا بمراعاة الوظيفة الدلالية للألفاظ المستخدمة، وبناءً عليه فقد فرق فيرث بين خمسة وظائف أساسية مكونة للمعنى وهي : الوظيفة الصوتية, الوظيفة الصرفية، الوظيفة المعجمية، الوظيفة التركيبية، الوظيفة الدلالية

.......وهي وظائف تتحدد في إطار منهج عرف بمنهج الإبدال method of substation الذي يقتضي أن الكلمة مثلا ما هي إلا مقابل إبدال معجمي lexical substation لكلمة أخرى يمكن أن تحل محلها في ذات السياق، ويتحدد معناها بمقدار ما يحدثه هذا المعنى من تغيير." ، ولا يظهر معنى العنصر اللغوي على أي مستوى من المستويات الخمسة المذكورة إلا بتميزه السياقي من مقابلاته التي يمكن أن تقع موقعه في ذلك السياق، فإذا لم يكن ثمة بديل سياقي ممكن لذلك العنصر اللغوي فلن يكون له معنى.

.......وقد يتوضح ذلك من خلال ما يعرف بنماذج الاتباع في الدراسات التراثية العربية : (حيث لا يكون للكلمة الثانية من كلمتي الاتباع معنى؛ لأن وجودها مقصور على ذلك السياق، إذ ليس هناك بديل يمكن أن يحل محلها).

ـ ونأخذ لذلك مثالا من كتاب " مقدمة في علمي الدلالة والتخاطب ":

- هذا حسن بسن.

ـ فكلمة (بسن) مثلا - حسب نظرية السياق – ليس لها معنى؛ لعدم أدائها وظيفة سياقية؛ لأن الوظيفة تقتضي كونها بديلا ممكنا لغيرها من الكلمات، وهنا ليس لها بديل: ولذا فليس لها معنى,

ـ أما في هذه الجملة:
- حضر عشر طالبات

ـ فإن لكل عنصر من عناصر الجملة له معنى: لوجود بدائل سياقية ممكنة لها.

ـ فعلى المستوى المعجمي :


* وقعت كلمة (حضر) بديلا فعليا لمقابلات أخرى محتملة، مثل: غاب، سمع، رسب...

* ووردت كلمة (عشر) بديلا لتسع ، وثمان ، وإحدى عشر ...

* وجاءت كلمة (طالبات) بديلا مقصودا لنحو: موظفات، مدرسات، أمهات......

ـ وعلى المستوى الصرفي :

* فقد جيء لكلمة (حضر) بصيغة (فعل) بدلا من: يفعل، افعل، فاعل، مفعول... للدلالة على الفعل الماضي.

* وجيء لـ (طالبات) بصيغة (فاعل) بدلا من أي صيغة أخرى ممكنة للدلالة على اسم الفاعل.

* وجيء بـ (ات) بدلا من: (ين) مثلا، للدلالة على جمع المؤنث السالم.

....... وعندما تستخدم جملة ما بالفعل في مقام تخاطبي معه تتحقق وظيفتها الدلالية؛ وقد يغير ذلك المقامُ المعنى الموضوع لها (الجملة) إلى معنى آخر، كأن يخرجها من معنى الخبر إلى معنى الأمر أو الاستفهام.

خامسا : المصاحبة (التتابع collocation):

.......المصاحبة أو التتابع collocation، هو ما يعرف بأنه ذلك "الترابط المعتاد لكلمة ما في لغة ما بكلمات أخرى معينة في جمل تلك اللغة" ، أو "هو اقتران مألوف ومميّز لمفردات النصوص" على حد تعبير فيرث، كاقتران كلمة "بقرة" بالفعل"يحلب "...إذ أن جزءًا من معنى "بقرة"يتجلى لنا من خلال هذه التتابعات مثل: "هم يحلبون البقر"و"تنتج البقرة حليبا"وهكذا يبدو أن هناك معادلة بين معنى الكلمة ومجموعة السياقات اللفظية التي ترد فيها. فكلمة "الطيور"يمكن أن تملأ الفراغ في الجمل التالية:"تبني......أعشاشها"و"تزقزق...... صباحا"، و "تفرخ..... في فصل الصيف".

.......ويرى الفرثيون أنه يمكن دراسة المعنى الشكلي على مستوى هذه التتابعات، لأن وقوع هذه الكلمات في هذه السياقات المختلفة، يبين بوضوح معناها اللغوي.""

ـ و بذلك يصبح المصطلح "تصاحبي" collocational مرادفا ـ كما يذكر لاينز ـ لمصطلح "معجمي"الذي ارتبط في أذهان الكثيرين بما تدل عليه الكلمة خارج اللغة.
روانة غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 12-28-2011, 11:32 PM   #3 (permalink)
روانة
مشرفة الشريعة والحياة - ماسة المنتدى
غريبة من دون الناس
 
الصورة الرمزية روانة
استقصاء صدى النظرية الفيرثية لدى العلماء والدارسين

أولا: المؤيدون لفكرة السياق

1ـ أتباع فيرث والنظرية الفيرثية الجديدة (هاليدي)


.....إنَّ أكثر اللغويين الإنجليز في زماننا هذا هم من أتباع المستشرق الإنجليزي ج.ر.فيرث، منهم: بالمر، وبازيل، وهاز، وألين، وخصوصا أولمان، ولكن أشهرهم وأعظمهم فضلا هو : هاليدي وله نظرية في البنية اللغوية من أحسن ما وضع بهذا الصدد؛ وقد التف حوله بعض من ذكرناهم من أتباع فيرث، وكوّنوا مدرسة جديدة تسمى: الفرثية" .

2ـ آراء المؤيدين في السياق


يقول جيفري سامسون :
.....القول إن الإدراك اللغوي والمعرفي يحصلان عندما تنتقل الأفكار من رأس المتكلم إلى أذن السامع ليس سوى خرافة مضللة ...واللغة باستعمالاتها البدائية حلقة اتصال في نشاط اجتماعي ... إنها نمط من العمل وليست أداة للتأمل.
.....إن الكلام ليس أقوالا بل أفعالا، تحتوي الحدث الكلامي والقضايا المادية المحيطة بالنص المنطوق أو المكتوب.


.....والترجمة الحرفية للكلام تُفقده وظيفته الأساسية. وهي التواصل بين البشر. لذلك فإن معنى العبارات لا يتضح ولا يكون جليًّا إلا إذا روعيت الأنماط الحياتية للجماعة المتكلمة، وكذا الحياة الثقافية والعاطفية والعلاقات التي تؤلف بين الأفراد داخل المجتمع.
..............فمعنى الكلام ليس سوى حصيلة لهذه العلاقات، وإهمالها يؤدي حتما إلى غيابه.

3ـ المؤيدون المتحفظون(أولمان ستيفن)


.....أَيّد أولمان ستيفن في كتابه ـ دور الكلمة في اللغة ـ فكرة السياق، ولكن كان تأييده مع شيء من التحفظ على من بالغ فيه مبالغة جعل منه المنبع الأول والأخير لإصدار واستقاء معاني الكلام، وأزاح المعنى أو المعاني المركزية التي تشير أو تحيل إليها الكلمةُ قبل ورودها في السياق. وهذا ما لم يكن لو أن هؤلاء اعترفوا بفكرة الفصل بين الكلام واللغة التي استعملها الدارسون من قبلهم مثل أوجدن وريتشاردز ومن تبع أفكار دي سوسير.

..... يقول مؤيدا( أما إنّ هذه العوامل جميعها (يقصد اللغوية وغير اللغوية التي تشارك في الحدث الكلامي)لها تأثيرها المباشر على المعنى الدقيق للكلمات، فهذا أمرٌ لم يعرض فيه أحد معارضة جدية.) ثم أردف قائلا( وقد كان من المستطاع التخلص من الاقتباسات والترجمات والتفسيرات الكثيرة الخاطئة، لو كان هذا المبدأ قد روعي بدقة واطّراد أكثر).

ولكن مشايعي نظرية السياق يذهبون إلى أبعد من هذا ، وكثيرا ما يرددون القول بأن الكلمات لا معنى لها على الإطلاق خارج مكانها في النظم.يقول القائل :"عندما أستعمل كلمة يكون معناها هو المعنى الذي أختاره لها فقط ولا أكثر ولا أقل".

.....وعلى هؤلاء يَردُ: (ولو تأملنا الأمر قليلا لظهر لنا أنّ هذه مبالغة ضخمة، وتبسيطا كبيرا للأمور. إنّ الذين ينادون بهذه الآراء يَنسون الفرق بين الكلام واللغة. وهذا الفرق يتمثل في أنّ السياقات إنما تكون في المواقف الفعلية للكلام.

و غني عن البيان حينئذ أن معاني الكلمات المخزونة في أذهان المتكلمين والسامعين لا تحظى بالدقة والتحديد إلا حينما تضمّها التراكيب الحقيقية المنطوقة.

ولكن هل هذا يعني أن الكلمات المفردة لا معنى لها على الإطلاق ؟ كيف تصنف المعاجم إذا لم يكن لهذه الكلمات معان؟ إننا لا ننكر أن كثيرا من الكلمات يعتريها الغموض الشديد.

وأنّ ألوانها المعنوية غالبا ما تكون مائعة وغير محددة تحديدا دقيقا، ولكن هذه الكلمات مع ذلك لابُد أن يكون لها معنى أو عدة معان مركزية ثابتة. هذه القضية قضية مسلم بها على وجه العموم،

ولكن عدم وضوح الفرق بين الكلام واللغة قد عاق كثيرا من العلماء عن منح الكلمات المفردة نصيبها من الاستقلال الذي تستحقه.

إننا إذا تخلصنا من هذه الآراء المتطرفة أمكننا أن ندرك تأثير السياق على المعنى إدراكا صحيحًا. وهذا التأثير الذي نشير إليه تأثير ذو أهمية قصوى ومتعدد الجوانب أيضا.)

.....وقد حاول الإقناعَ بإعطائه تفسيرات لحالات بسيطة على حد قوله، توضح الدور الحيوي المتزايد الذي يلعبه السياق في تحديد المعنى، منها:

1- تناوب المعنى:


.....إنّ الكلمات ذات المعاني المركزية الثابتة إلى حد ما لها صور مختلفة في التطبيق والاستعمال. فالسياق وحده هو الذي يستطيع أن يبين لنا ما إذا كانت الكلمة (قريب)مثلا، تعني قرابة الرحم أو القرب في المسافة.

4- الغموض:

.....كثير من كلماتنا لها أكثر من معنى. غير أن المألوف هو استعمال معنى واحد فقط من هذه المعاني في السياق المعين. فالفعل (أدرك) مثلا إذا انتُزع من مكانه في النّظم يصبح غامضا غير محدد المعنى: هل معناه (لحق به) أو (عاصره)أو أنه يعني (رأى) أو (بلغ).

إن التركيب الحقيقي المنطوق بالفعل هو وحده الذي يمكنه أن يجيب عن هذا السؤال.

5- المشترك اللفظي:


.....إذا تصادفا أن اتفقت كلمتان أو أكثر في أصواتهما اتفاقا تاما، فإن مثل هذه الكلمات لا يكون لها معنى البتة دون السياق الذي تقع فيه. ففي حالة الفعل (أدرك) كان هناك على الأقل قدر ما من أصل مشترك بين المعاني المختلفة، وإنّ اتحاد النطق في حالة الفعل: ذَهَبْ (إذا توقفنا على السكون) والاسم (ذَهَبْ) نوع من أنواع المعادن فهو مجرد مصادفة ، والسياق هو وحده يستطيع أن يكشف لنا عن المقصود من كليهما.

.....وانتهى ستيفن إلى هذا التصريح: (إنّ نظرية السياق – إذا طبقت بحكمة – تمثل حجر الأساس في علم المعنى. وقد قادت بالفعل إلى الحصول على مجموعة من النتائج الباهرة في هذا الشأن. إنها مثلا قد أحدثت ثورة في طرق التحليل الأدبي، ومكنت الدراسة التاريخية للمعنى من الاستناد إلى أسس حديثة أكثر ثباتا. كما أنها قدمت لنا وسائل فنية حديثة لتحديد معاني الكلمات... و فوق هذا كله قد وضعت لنا نظرية السياق مقاييس لشرح الكلمات وتوضيحها عن طريق التمسك بما سماه الأستاذ فيرث: ( ترتيب الحقائق في سلسلة من السياقات، أي سياقات ،كل واحد منها ينطوي تحت سياق آخر ، ولكل واحد منها وظيفة بنفسه. وهو عضو في سياق أكبر وفي كل السياقات الأخرى، وله مكانه الخاص فيما نسميه بسياق الثقافة).

4ـ المؤيدون العرب

.....ولا نعدم لغويين عرب اهتموا بدراسة السياق بتأثير واضح من نظرية فيرث. كانوا قد تلقوا عنه ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر، منهم : الدكتور تمام حسان وكمال بشر ومحمود السعران ...وغيرهم.

ثانيا : ميزات النظرية السياقية والانتقادات التي وجهت لها

مزايا النظرية


1ـ تتميز بالموضوعية وعدم خروجها عن بنية اللغة والسياق الثقافي المحيط بها
, وقد سنح منهجها ـ السياق ـ الطريق للمهتمين باللغة أن يوجهوا اهتمامهم إلى العناصر اللغوية نفسها، والأنماط التي تنتظم فيها بدلا من صرف انتباههم إلى العلاقات النفسية بين اللغة والذهن أو اللغة والخارج , أو إلى العمليات النفسية التي تحدث في الدماغ.

2ـ إنّ العناية بالسياق تعني مراعاة سمة من أهم السمات
المتأصلة في طبيعة اللغة وهي السمة التراكمية للعناصر اللغوية , إذ يتسنى للمهتمين باللغة من خلال رصد أهمية هذه السمة وتطبيقاتها أن يكتشف الدور الذي يؤديه تسلسل العناصر اللغوية وتفاعل بعضها مع بعض في عمليتي الفهم والإفهام الضروريتين في عملية التخاطب اللغوي.

3ـ تركز على الجوانب الوظيفية من اللغة التي تعد الجوانب الأهم،
نظرا إلى أن الوظائف اللغوية هي التي ابتكرت من أجلها اللغة البشرية بوصفها أهم وسائل الإبلاغ على الإطلاق.

الانتقادات الموجهة للنظرية

1ـ مركزية السياق في هذه النظرية، جعلها تجنح إلى المبالغة
في دور السياق في وضوح المعنى إلى الحد الذي أغفلت معه الوظيفة الإحالية والإشارية للمفردات والجمل اللغوية، حين أسقطت من حسابها ما تحيل عليه الكلمات من صور ذهنية وما تشير إليه من حقائق خارجية على مستوى الكلمات.

2ـ تجاهلت النّسبة الخارجية أو اشتراطات الصحة للجملة التي تبرز أهميتها في دراسة العلاقات
بين المفردات المعجمية وكذلك بين الجمل اللغوية, وذلك مثل:الترادف, والتخمين, والعكس والتضاد والتناقض ونحوها.

3ـ رغم أنَ دور السياق يقتصر على المهمة الترجيحية بتحديد الدلالة المقصودة
، وإقصاء ما ليس بمقصود, لكن هذه النظرية تجعل منه المنبع الوحيد الذي تستقي منه العناصر اللغوية دلالاتها.
.....فالكلمة هي "أشبه بالحرباء تمتلك إمكانات معينة,كل منها يبرز في موضعه المناسب,وليست كالماء الذي لا يملك شيئا من تلك الإمكانات,وإنّما يخضع لما يفرضه عليه من الخارج ".

4ـ إنّ هذا المنهج لا يفيد من تُصادفه كلمة ما، عجز السياق عن إيضاح معناه
ا. فلن يفيده شيئًا أن تقول له : إنّ هذه الكلمة ترد في السياقات الآتية... ولكنه يفيد الباحث الذي يريد أن يتتبع استعمالات الكلمة، واستخداماتها العملية في التعبيرات المختلفة.
روانة غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 12-28-2011, 11:41 PM   #4 (permalink)
روانة
مشرفة الشريعة والحياة - ماسة المنتدى
غريبة من دون الناس
 
الصورة الرمزية روانة



مراجع البحث

المعاجم :

1. ابن منظور: لسان العرب، المجلد الرابع ـ الأحرف ر،ز،س ـ دار الحديث ـ القاهرة طبعة مراجعة ومنقحة 1423هـ / 2003م
2. أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، تح: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين – بيروت، ط: الرابعة 1407 هـ‍ - 1987م.

الكتب :

3. أحمد مختار عمر: علم الدلالة ـ ط5/1998
4. أحمد مومن: اللسانيات النشأة والتطورـ ديوان المطبوعات الجامعية. الجزائر
5. رجب عبد الجواد إبراهيم: علم الدلالة (دراسة في الدلالة والمعجم) ـ دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع ـ القاهرة، 2001.
6. شفيقة العلوي: محاضرات في المدارس اللسانية المعاصرةـ أبحاث للترجمة والنشرـ بيروت ـ لبنان ـ ط1/2004
7. طيب دبة - مبادئ اللسانيات البنيوية ،جمعية الأدب للأساتذة الباحثين. 2001. (الجزائر)
8. كمال بشر : دور الكلمة في اللغة دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع – القاهرة ، ط12 ترجمة لكتاب ستيفن أولمان بعنوان : Worhds e their use by stephen ullmenn 1997.
9. محمد محمد يونس علي: مدخل إلى اللسانيات (الاتجاهات اللسانية ـ نظرية فيرث)ـ دار الكتاب الجديد المتحدة.
10. محمد محمد يونس علي: مقدمة في علمي الدلالة والتخاطب؛ دار الكتاب الجديد المتحدةـ ط1/2004.
11. نعمان عبد الحميد محمد بوقرة، محاضرات في المدارس اللسانية المعاصرة.
12. محمد سالم الصالح، أصول النظرية السياقية الحديثة عند علماء العربية.

المواقع :

13. الموسوعة الشعرية الالكترونية.
14. المكتبة الشاملة.
روانة غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 12-29-2011, 09:45 PM   #5 (permalink)
بحرجديد
مشرف التاريخ والحضاره - أمير الأبداع
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
موضوع مفيد وانتقاء رائع،

شكـــراً وربي يعطيك العافيــــــــــــة،،،
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 12-30-2011, 12:18 AM   #6 (permalink)
روانة
مشرفة الشريعة والحياة - ماسة المنتدى
غريبة من دون الناس
 
الصورة الرمزية روانة
بحر يسلمووو على التواجد

نور الموضوع بطلتك المشرقة

لا عدمت اطلالتك يارب

ودي لك ولشخصك
روانة غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 12-30-2011, 05:20 AM   #7 (permalink)
شامخة بشموخي
رومانسي محبوب
 
الله يعطيك الف عافية يارب


شكرا لك على الطرح الرائع

سلمت يمناك
شامخة بشموخي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 12-31-2011, 04:33 PM   #8 (permalink)
روانة
مشرفة الشريعة والحياة - ماسة المنتدى
غريبة من دون الناس
 
الصورة الرمزية روانة
شامخة بشموخي شكرا لتواجدك

نورتي الموضوع بطلتك المشرقة

لا تحرمني منك يالغلا

وديلك ولشخصك
روانة غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 12-31-2011, 06:40 PM   #9 (permalink)
أثر الفراشة
رومانسي مجتهد
 
الصورة الرمزية أثر الفراشة
 
الله يعطيك العافيه
أثر الفراشة غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-01-2012, 03:34 AM   #10 (permalink)
روانة
مشرفة الشريعة والحياة - ماسة المنتدى
غريبة من دون الناس
 
الصورة الرمزية روانة
اثر الفراشة شكرا لك على التواصل العطر

لا عدمتك ولا تواجدك المشرق

دمت في رعاية البارئ

ودي لك ولشخصك


روانة غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة



الساعة الآن 01:14 PM


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd diamond

Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0