تصفح

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( 10 مرات ) كلمتان حبيبتان الى الرحمن وثقيلتان في الميزان






العودة   منتديات عالم الرومانسية > منتديات ادبيه وفكريه وثقافيه > التاريخ والحضارة القديمة والتراث > قسم التاريخ الاسلامي والانبياء والشخصيات التاريخية

قسم التاريخ الاسلامي والانبياء والشخصيات التاريخية قسم التاريخ الاسلامي والانبياء والشخصيات التاريخية


إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-23-2010, 02:21 PM   #21 (permalink)
بحرجديد
مشرف التاريخ والحضاره - أمير الأبداع - مشرف الشهر المميز
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد








صفة إبراهيم عليه السلام


قال الإمام أحمد: حدثنا يونس وحجين قالا: حدثنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عرض علي الأنبياء فإذا موسى ضرب من الرجال كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى ابن مريم فإذا أقرب من رأيت شبها عروة بن مسعود، ورأيت إبراهيم فإذا أقرب من رأيت به شبها دحية». تفرد به الإمام أحمد من هذا الوجه وبهذا اللفظ.
وقال أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا إسرائيل، عن عثمان ـــ يعني ابن المغيرة ـــ عن مجاهد ـــ عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت عيسى ابن مريم وموسى وإبراهيم؛ فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر، وأما موسى فآدم جسيم». قالوا له: فإبراهيم؟ قال: «انظروا إلى صاحبكم» يعني نفسه.
وقال البخاري: حدثنا بنان بن عمرو، حدثنا النضر، أنبأنا ابن عون، عن مجاهد، أنه سمع ابن عباس، وذكروا له الدجال وأنه مكتوب بين عينيه كافر أو «ك ف ر»، فقال: لم أسمعه، ولكنه قال: قال : «أما إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم، وأما موسى فجعد آدم على جمل أحمر مخطوم بخلبة كأني أنظر إليه انحدر في الوادي».
ورواه البخاري أيضاً ومسلم، عن محمد بن المثنى، عن ابن أبي عدي، عن عبد الله بن عون به. وهكذا رواه البخاري أيضاً في كتاب الحج وفي اللباس، ومسلم، جميعاً عن محمد بن المثنى عن ابن أبي عدي، عن عبد الله بن عون به.










ذكر وفاة إبراهيم الخليل وما قيل في عمره







ذكر ابن جرير في «تاريخه» : أن مولده كان في زمن النمرود بن كنعان، وهو ـــ فيما قيل ـــ الضحاك الملك المشهور، الذي يقال إنه ملك ألف سنة، وكان في غاية الغشم والظلم.

وذكر بعضهم أنه من بني راسب الذين بعث إليهم نوح عليه السلام، وأنه كان إذ ذاك ملك الدنيا، وذكروا أنه طلع نجم أخفى ضوء الشمس والقمر، فهال ذلك أهل الزمان وفزع النمرود، فجمع الكهنة والمنجمين وسألهم عن ذلك، فقالوا: يولد مولود في رعيتك يكون زوال ملكك على يديه. فأمر عند ذلك بمنع الرجال عن النساء، وأن يقتل المولودون من ذلك الحين، فكان مولد إبراهيم الخليل في ذلك الحين، فحماه الله عز وجل وصانه من كيد الفجار، شب شباباً باهراً وأنبته الله نباتاً حسناً، حتى كان من أمره ما تقدم.

وكان مولده بالسوس، وقيل ببابل، وقيل بالسواد من ناحية كوثى. وتقدم عن ابن عباس أنه ولد ببرزة شرقي دمشق. فلما أهلك الله نمرود على يديه هاجر إلى حران، ثم إلى أرض الشام، وأقام ببلاد إيليا كما ذكرنا. وولد له إسماعيل وإسحاق. وماتت سارة قبله بقرية حبرون التي في أرض كنعان، ولها من العمر مائة وسبع وعشرون سنة فيما ذكر أهل الكتاب. فحزن عليها إبراهيم عليه السلام، ورثاها رحمها الله، واشترى من رجل من بني حث يقال له عفرون بن صخر مغارة بأربعمائة مثقال، ودفن فيها سارة هنالك.

قالوا: ثم خطب إبراهيم على ابنه إسحاق فزوجه «رفقا» بنت بتوئيل بن ناحور بن تارح، وبعث مولاه فحملها من بلادها ومعها مرضعتها وجواريها على الإبل.

قالوا: ثم تزوج إبراهيم عليه السلام «قنطوراً» فولدت له: زمران، ويقشان، ومادان، ومدين، وشياق، وشوح. وذكروا ما ولد كل واحد من هؤلاء أولاد قنطوراً.

وقد روى ابن عساكر عن غير واحد من السلف، عن أخبار أهل الكتاب في صفة مجيء ملك الموت إلى إبراهيم عليه السلام أخباراً كثيرة الله أعلم بصحتها. وقد قيل أنه مات فجأة، وكذا داود وسليمان. والذي ذكره أهل الكتاب وغيرهم خلاف ذلك.

قالوا: ثم مرض إبراهيم عليه السلام، ومات عن مائة وخمس وسبعين، وقيل وتسعين سنة، ودفن في المغارة المذكورة التي كانت بحبرون الحيثى، عند امرأته سارة التي في مزرعة عفرون الحيثى، وتولى دفنه إسماعيل وإسحاق صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وقد ورد ما يدل على أنه عاش مائتي سنة كما قاله ابن الكلبي.

فقال أبو حاتم ابن حبان في «صحيحه» : أنبأنا المفضل بن محمد الجندي بمكة، حدثنا علي بن زياد اللخمي، حدثنا أبو قرة، عن ابن جريج، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اختتن إبراهيم بالقدوم وهو ابن عشرين ومائة سنة، وعاش بعد ذلك ثمانين سنة».

وقد رواه الحافظ ابن عساكر من طريق عكرمة بن إبراهيم وجعفر بن عون العمري، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد، عن أبي هريرة موقوفاً.

ثم قال ابن حبان: ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن رفع هذا الخبر وهم: أخبرنا محمد بن عبد الله بن الجنيد، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن ابن عجلان، عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اختتن إبراهيم حين بلغ عشرين ومائة سنة، وعاش بعد ذلك ثمانين سنة، واختتن بقدوم».

وقد رواه الحافظ ابن عساكر من طريق يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، عن أبيه عن أبي هريرة، عن النبي .

ثم روى ابن حبان عن عبد الرزاق، أنه قال: القدوم اسم القرية.

قلت: الذي في الصحيح أنه اختتن وقد أتت عليه ثمانون سنة. وفي رواية وهو ابن ثمانين سنة، وليس فيهما تعرض لما عاش بعد ذلك والله أعلم.

وقال محمد بن إسماعيل الحساني الواسطي زاد في تفسير وكيع عنه فيما ذكره من الزيادات، حدثنا أبو معاوية، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: كان إبراهيم أول من تسرول، وأول من فرق، وأول من استحد، وأول من اختتن بالقدوم، وهو ابن عشرين ومائة سنة، وعاش بعد ذلك ثمانين سنة، وأول من قرى الضيف، وأول من شاب.

هكذا رواه موقوفاً. وهو أشبه بالمرفوع خلافاً لابن حبان والله أعلم.

وقال مالك عن يحيى بن سعيد بن المسيب قال: كان إبراهيم أول من أضاف الضيف، وأول الناس اختتن، وأول الناس قص شاربه، وأول الناس رأى الشيب. فقال: يا رب ما هذا؟ فقال الله: «وقار» فقال يا رب زدني وقاراً.

وزاد غيرهما: وأول من قص شاربه، وأول من استحد، وأول من لبس السراويل.

فقبره وقبر ولده إسحاق وقبر ولد ولده يعقوب في المربعة التي بناها سليمان بن داود عليه السلام ببلد «حبرون»، وهو البلد المعروف بالخليل اليوم. وهذا متلقى بالتواتر أمة بعد أمة، وجيلاً بعد جيل، من زمن بني إسرائيل وإلى زماننا هذا: أن قبره بالمربعة تحقيقاً. فأما تعيينه منها فليس فيه خبر صحيح عن معصوم. فينبغي أن تراعى تلك المحلة، وأن تحترم احترام مثلها، وأن تبجل، وأن تجل أن يداس في أرجائها، خشية أن يكون قبر الخليل أو أحد أولاد الأنبياء عليهم السلام تحتها.

وروى ابن عساكر بسنده إلى وهب بن منبه قال: وجد عند قبر إبراهيم الخليل على حجر كتابة خلقة:

ألهى جهولاً أمله يموت من جا أجله ومن دنا من حتفه لم تغن عنه حيله وكيف يبقى آخراً من مات عنه أوله والمرء لا يصحبه في القبر إلا عمله ذكر أولاد إبراهيم الخليل

أول من ولد له: إسماعيل من هاجر القبطية المصرية، ثم ولد له إسحاق من سارة بنت عم الخليل. ثم تزوج بعدها «قنطوراً» بنت يقطن الكنعانية فولدت له ستة: مدين، وزمران، وسرج، ويقشان، ونشق، ولم يسم السادس. ثم تزوج بعدها «حجون» بنت أمين، فولدت له خمسة: كيسان، وسورج، وأميم، ولوطان، ونافس.

هكذا ذكره أبو القاسم السهيلي في كتابه: «التعريف والإعلام».





يتبع

=========================












بحرجديد متصل الآن   رد مع اقتباس
قديم 05-23-2010, 02:24 PM   #22 (permalink)
بحرجديد
مشرف التاريخ والحضاره - أمير الأبداع - مشرف الشهر المميز
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
قصَّة لــوُط عَليه السَلام



ومما وقع في حياة إبراهيم الخليل من الأمور العظيمة: قصة قوم لوط عليه السلام، وما حل بهم من النقمة العميمة.
وذلك أن لوطاً بن هاران بن تارح ـــ وهو آزر كما تقدم ـــ ولوط ابن أخي إبراهيم الخليل فإبراهيم وهاران وناحور أخوة كما قدمنا، ويقال: إن هاران هذا هو الذي بنى حران. وهذا ضعيف لمخالفته ما بأيدي أهل الكتاب والله تعالى أعلم.
وكان لوط قد نزح عن محلة عمه الخليل عليهما السلام بأمره له وإذنه، فنزل بمدينة سدوم من أرض غور زغر، وكان أم تلك المحلة ولها أرض ومعتملات وقرى مضافة إليها. ولها أهل من أفجر الناس وأكفرهم وأسوأهم طوية، وأردأهم سريرة وسيرة، يقطعون السبيل ويأتون في ناديهم المنكر، ولا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون.
ابتدعوا فاحشة لم يسبقهم إليها أحد من بني آدم، وهي إتيان الذكران من العالمين، وترك ما خلق الله من النسوان لعباده الصالحين.
فدعاهم لوط إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، ونهاهم عن تعاطي هذه المحرمات والفواحش المنكرات، والأفاعيل المستقبحات فتمادوا على ضلالهم وطغيانهم، واستمروا على فجورهم وكفرانهم، فأحل الله بهم من البأس الذي لا يرد ما لم يكن في خلدهم وحسبانهم، وجعلهم مثلة في العالمين، وعبرة يتعظ بها الألباء من العالمين.
ولهذا ذكر الله تعالى قصتهم في غير ما موضع في كتابه المبين. فقال تعالى في سورة الأعراف: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مّن ٱلْعَـٰلَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرّجَالَ شَهْوَةً مّن دُونِ ٱلنّسَآء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ (81) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) فَأَنجَيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ (83) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ (84) } (الأعراف: 80 ـــ 84).
وقال تعالى في سورة هود: {وَلَقَدْ جَآءتْ رُسُلُنَآ إِبْرٰهِيمَ بِٱلْبُـشْرَىٰ قَالُواْ سَلَـٰماً قَالَ سَلَـٰمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَآء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ (70) وَٱمْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ وَمِن وَرَآء إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ (71) قَالَتْ يٰوَيْلَتَا ءأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِى شَيْخًا إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْء عَجِيبٌ (72) قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَـٰتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ (73) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ وَجَآءتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ يُجَـٰدِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْرٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ (75) يإِبْرٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ إِنَّهُ قَدْ جَآء أَمْرُ رَبّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76) وَلَمَّا جَآءتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِىء بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) وَجَآءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَاتِ قَالَ يٰقَوْمِ هَـؤُلآء بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِى ضَيْفِى أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ (78) قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (79) قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِى إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) قَالُواْ يٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مّنَ ٱلَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81) فَلَمَّا جَآء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ مَّنْضُودٍ (82) مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبّكَ وَمَا هِى مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٍ (83) } (هود: 69 ـــ 83).
وقال تعالى في سورة الحجر: {وَنَبّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (51) إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (52) قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشّرُكَ بِغُلَـٰمٍ عَلِيمٍ (53) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِى عَلَىٰ أَن مَّسَّنِىَ ٱلْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشّرُونَ (54) قَالُواْ بَشَّرْنَـٰكَ بِٱلْحَقّ فَلاَ تَكُن مّنَ ٱلْقَـٰنِطِينَ (55) قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ (56) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ (57) قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ (58) إِلا ءالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59) إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ (60) فَلَمَّا جَآء ءالَ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلُونَ (61) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ (62) قَالُواْ بَلْ جِئْنَـٰكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ (63) وَآتَيْنَـٰكَ بِٱلْحَقّ وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ (64) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مّنَ ٱلَّيْلِ وَٱتَّبِعْ أَدْبَـٰرَهُمْ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَٱمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (65) وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلاْمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَـؤُلآْء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ (66) وَجَآء أَهْلُ ٱلْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (67) قَالَ إِنَّ هَـؤُلآء ضَيْفِى فَلاَ تَفْضَحُونِ (68) وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ (69) قَالُواْ أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ (70) قَالَ هَـٰؤُلآء بَنَاتِى إِن كُنْتُمْ فَـٰعِلِينَ (71) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72) فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73) فَجَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ (74) إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَـٰتٍ لِلْمُتَوَسّمِينَ (75) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ (76) إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (77) } (الحجر: 51 ـــ 77).
وقال تعالى في سورة الشعراء: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ (161) إِنّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162) فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163) وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (164) أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مّنْ أَزْوٰجِكُمْ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (166) قَالُواْ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يٰلُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُخْرَجِينَ (167) قَالَ إِنّى لِعَمَلِكُمْ مّنَ ٱلْقَـٰلِينَ (168) رَبّ نَّجِنِى وَأَهْلِى مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) فَنَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) إِلاَّ عَجُوزاً فِى ٱلْغَـٰبِرِينَ (171) ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلاْخَرِينَ (172) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَآء مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ (173) إِنَّ فِى ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ (174) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ (175) } (الشعراء: 160 ـــ 175).
وقال تعالى في سورة النمل: {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَءنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرّجَالَ شَهْوَةً مّن دُونِ ٱلنّسَآء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُواْ ءالَ لُوطٍ مّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) فَأَنجَيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَـٰهَا مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ (57) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَآء مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ (58) } (النمل: 54 ـــ 58). وقال تعالى في سورة العنكبوت: {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ (28) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرّجَالَ وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ (29) قَالَ رَبّ ٱنصُرْنِى عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ (30) وَلَمَّا جَآءتْ رُسُلُنَآ إِبْرٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قَالُواْ إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَـٰلِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ (32) وَلَمَّآ أَن جَآءتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِىء بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالُواْ لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرينَ (33) إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزاً مّنَ ٱلسَّمَآء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (34) وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ ءايَةً بَيّنَةً لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (35) } (العنكبوت: 28 ـــ 35).


وقال تعالى في سورة الصافات: {وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ (133) إِذْ نَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134) إِلاَّ عَجُوزاً فِى ٱلْغَـٰبِرِينَ (135) ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلاْخَرِينَ (136) وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ (137) وَبِٱلَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (138) } (الصافات: 133 ـــ 138).
وقال تعالى في الذاريات بعد قصة ضيف إبراهيم وبشارتهم إياه بغلام عليم: { قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ (31) قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ (32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مّن طِينٍ (33) مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34) فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ (36) وَتَرَكْنَا فِيهَآ ءايَةً لّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلْعَذَابَ ٱلاْلِيمَ (37) } (الذاريات: 31 ـــ 37).
وقال في سورة القمر: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِٱلنُّذُرِ (33) إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَـٰصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَـٰهُم بِسَحَرٍ (34) نّعْمَةً مّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ (35) وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْاْ بِٱلنُّذُرِ (36) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابِى وَنُذُرِ (37) وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ (38) فَذُوقُواْ عَذَابِى وَنُذُرِ (39) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءانَ لِلذّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ (40) } (القمر: 33 ـــ 40).
وذلك أن لوطاً عليه السلام لما دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونهاهم عن تعاطي ما ذكر الله عنهم من الفواحش، لم يستجيبوا له ولم يؤمنوا به حتى ولا رجل واحد منهم، ولم يتركوا ما عنه نهوا. بل استمروا على حالهم، ولم يرتدعوا عن غيهم وضلالهم، وهموا باخراج رسولهم من بين ظهرانيهم. (واستضعفوه وسخروا منه) وما كان حاصل جوابهم عن خطابهم ـــ إذ كانوا لا يعقلون إلا أن قالوا: {أَخْرِجُواْ ءالَ لُوطٍ مّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ }(النمل: 56) فجعلوا غاية المدح ذماً يقتضي الاخراج وما حملهم على مقالتهم هذه إلا العناد واللجاج.
فطهره الله وأهله إلا امرأته، وأخرجهم منها أحسن اخراج، وتركهم في محلتهم خالدين، لكن بعدما صيرها عليهم بحرة منتنة ذات أمواج، لكنها عليهم في الحقيقة نار تأجج، وحر يتوهج، وماؤها ملح أجاج.
وما كان هذا جوابهم إلا لما نهاهم عن الطامة العظمى، والفاحشة الكبرى، التي لم يسبقهم إليها أحد من أهل الدنيا. ولهذا صاروا مثلة فيها، وعبرة لمن عليها.
وكانوا مع ذلك يقطعون الطريق، ويخونون الرفيق، ويأتون في ناديهم ـــ وهو مجتمعهم ومحل حديثهم وسمرهم ـــ المنكر من الأقوال والأفعال على اختلاف أصنافه. حتى قيل إنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم، ولا يستحون من مجالسيهم، وربما وقع منهم الفعلة العظيمة في المحافل ولا يستنكفون، ولا يرعوون لوعظ واعظ، ولا نصيحة من عاقل. وكانوا في ذلك وغيره كالأنعام بل أضل سبيلاً، ولم يقلعوا عما كانوا عليه في الحاضر، ولا ندموا على ما سلف من الماضي، ولا راموا في المستقبل تحويلاً، فأخذهم الله أخذاً وبيلاً.
وقالوا له فيما قالوا: {ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } (العنكبوت: 29) فطلبوا منه وقوع ما حذرهم عنه من العذاب الأليم، وحلول البأس العظيم.
فعند ذلك دعا عليهم نبيهم الكريم، فسأل من رب العالمين وإله المرسلين أن ينصره على القوم المفسدين.
فغار الله لغيرته، وغضب لغضبته؛ واستجاب لدعوته، وأجابه إلى طلبته، وبعث رسله الكرام، وملائكته العظام، فمروا على الخليل إبراهيم وبشروه بالغلام العليم، وأخبروه بما جاءوا له من الأمر الجسيم والخطب العميم: { قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ (31) قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ (32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مّن طِينٍ (33) مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34) } (الذاريات: 31 ـــ 34) وقال: {وَلَمَّا جَآءتْ رُسُلُنَآ إِبْرٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قَالُواْ إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَـٰلِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ (32) } (العنكبوت: 31 ـــ 32). وقال الله تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ وَجَآءتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ يُجَـٰدِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ (74) } (هود: 74). وذلك أنه كان يرجو أن يجيبوا أو ينيبوا ويسلموا ويقلعوا ويرجعوا، لهذا قال تعالى: {إِنَّ إِبْرٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ (75) يإِبْرٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ إِنَّهُ قَدْ جَآء أَمْرُ رَبّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76) } (هود: 75 ـــ 76) أي أعرض عن هذا وتكلم في غيره؛ فإنه قد حتم أمرهم، ووجب عذابهم وتدميرهم وهلاكهم، {إِنَّهُ قَدْ جَآء أَمْرُ رَبّكَ } أي قد أمر به من لا يرد أمره. ولا يرد بأسه، ولا معقب لحكمه. {وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ }.
وذكر سعيد بن جبير والسدي وقتادة ومحمد بن إسحاق: أن إبراهيم عليه السلام جعل يقول: أتهلكون قرية فيها ثلاثمائة مؤمن قالوا: لا، قال: فمائتا مؤمن؟ قالوا: لا. قال: فأربعون مؤمناً؟ قالوا: لا. قال: فأربعة عشر مؤمناً؟ قالوا: لا. قال ابن إسحاق: إلى أن قال: أفرأيتم إن كان فيها مؤمن واحد؟ قالوا: لا. {قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا } (العنكبوت: 32) الآية.
وعند أهل الكتاب أنه قال: يا رب أتهلكهم وفيهم خمسون رجلاً صالحاً؟ فقال الله: «لا أهلكهم وفيهم خمسون صالحاً». ثم تنازل عشرة فقال الله: «لا أهلكهم وفيهم عشرة صالحون».
قال الله تعالى: {وَلَمَّا جَآءتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِىء بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ } (هود: 77). قال المفسرون: لما فصلت الملائكة من عند إبراهيم ـــ وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل ـــ أقبلوا حتى أتوا أرض سدوم، في صور شبان حسان، اختباراً من الله تعالى لقوم لوط للحجة عليهم. فتضيفوا لوطاً عليه السلام وذلك عند غروب الشمس، فخشي إن لم يضفهم أن يضيفهم غيره، وحسبهم بشراً من الناس، و {سِىء بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ } قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومحمد بن إسحاق: شديد بلاؤه. وذلك لما يعلم من مدافعته الليلة عنهم، كما كان يصنع بهم في غيرهم، وكانوا قد اشترطوا عليه أن لا يضيف أحداً، ولكن رأى من لا يمكن المحيد عنه.
وذكر قتادة: أنهم وردوا عليه وهو في أرض له يعمل فيها، فتضيفوا فاستحيا منهم، وانطلق أمامهم، وجعل يعرض لهم في الكلام لعلهم ينصرفون عن هذه القرية، وينزلون في غيرها، فقال لهم فيما قال: والله يا هؤلاء ما أعلم على وجه الأرض أهل بلد أخبث من هؤلاء. ثم مشى قليلاً، ثم أعاد ذلك عليهم حتى كرره أربع مرات، قال: وكانوا قد أمروا أن لا يهلكوهم حتى يشهد عليهم نبيهم بذلك.
وقال السدي: خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط، فأتوها نصف النهار، فلما بلغوا سدوم لقوا ابنة لوط تستقي من الماء لأهلها، وكانت له ابنتان: اسم الكبرى «ريثا» والصغرى «زغرتا». فقالوا لها: يا جارية، هل من منزل؟ فقالت لهم: نعم مكانكم لا تدخلوا حتى آتيكم فرقت عليهم من قومها فأتت أباها فقالت: يا أبتاه، أرادك فتيان على باب المدينة، ما رأيت وجوه قوم قط هي أحسن منهم، لا يأخذهم قومك فيفضحوهم. وقد كان قومه نهوه أن يضيف رجلاً فقالوا: خل عنا فلنضف الرجال.
فجاء بهم فلم يعلم أحد إلا أهل البيت، فخرجت امرأته فأخبرت قومها؛ فقالت: إن في بيت لوط رجالاً ما رأيت مثل وجوههم قط. فجاءه قومه يهرعون إليه.
وقوله: {وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَاتِ } (هود: 78) أي هذا مع ما سلف لهم من الذنوب العظيمة الكبيرة الكثيرة، {قَالَ يٰقَوْمِ هَـؤُلآء بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ } (هود: 78) يرشدهم إلى غشيان نسائهم وهن بناته شرعاً؛ لأن النبي للأمة بمنزلة الوالد، كما ورد في الحديث، وكما قال تعالى: {ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوٰجُهُ أُمَّهَـٰتُهُمْ } وفي قول بعض الصحابة والسلف: وهو أب لهم. وهذا كقوله: {أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مّنْ أَزْوٰجِكُمْ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (166) } (الشعراء: 165 ـــ 166).
وهذا هو الذي نص عليه مجاهد وسعيد بن جبير والربيع بن أنس وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق، وهو الصواب.
والقول الآخر خطأ مأخوذ من أهل الكتاب، وقد تصحف عليهم، كما أخطأوا في قولهم: إن الملائكة كانوا اثنين، وإنهم تعشوا عنده. وقد خبط أهل الكتاب في هذه القصة تخبيطاً عظيماً.
وقوله: {فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِى ضَيْفِى أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ } (هود: 78) نهى لهم عن تعاطي ما لا يليق من الفاحشة، وشهادة عليهم بأنه ليس فيهم رجل له مسكة ولا فيه خير، بل الجميع سفهاء، فجرة أقوياء، كفرة أغبياء.
وكان هذا من جملة ما أراد الملائكة أن يسمعوه منه من قبل أن يسألوه عنه.
فقال قومه، عليهم لعنة الله الحميد المجيد، مجيبين لنبيهم فيما أمرهم به من الأمر السديد: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ } (هود: 79). يقولون ـــ عليهم لعائن الله ـــ لقد علمت يا لوط أنه لا أرب لنا في نسائنا، وإنك لتعلم مرادنا وغرضنا (من غير النساء).
واجهوا بهذا الكلام القبيح رسولهم الكريم، ولم يخافوا سطوة العظيم، ذي العذاب الأليم، ولهذا قال عليه السلام: {لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِى إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ } (هود: 80). ود أن لو كان له بهم قوة، أو له منعة وعشيرة ينصرونه عليهم، ليحل بهم ما يستحقونه من العذاب على هذا الخطاب.
وقد قال الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً: «نحن أحق بالشك من إبراهيم، ويرحم الله لوطاً، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي».
ورواه أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة.
وقال محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رحمة الله على لوط، أن كان يأوي إلى ركن شديد ـــ يعني الله عز وجل ـــ فما بعث الله بعده نبي إلا في ثروة من قومه».
وقال تعالى: {وَجَآء أَهْلُ ٱلْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (67) قَالَ إِنَّ هَـؤُلآء ضَيْفِى فَلاَ تَفْضَحُونِ (68) وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ (69) قَالُواْ أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ (70) قَالَ هَـٰؤُلآء بَنَاتِى إِن كُنْتُمْ فَـٰعِلِينَ (71) } (الحجر: 67 ـــ 71). فأمرهم بقربان نسائهم، وحذرهم الاستمرار على طريقتهم وسيآتهم.
هذا وهم في ذلك لا ينتهون ولا يرعوون، بل كلما نهاهم يبالغون في تحصيل هؤلاء الضيفان ويحرصون، ولم يعلموا ما حم به القدر مما هم إليه صائرون ليلتهم وصبيحة ليلتهم إليه منقلبون.
ولهذا قال تعالى مقسماً بحياة نبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72) } (الحجر: 72) وقال تعالى: {وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْاْ بِٱلنُّذُرِ (36) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابِى وَنُذُرِ (37) وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ (38) } (القمر: 36 ـــ 38).
ذكر المفسرون وغيرهم: أن نبي الله لوطاً عليه السلام جعل يمانع قومه الدخول ويدافعهم والباب مغلق، وهم يرومون فتحه وولوجه، وهو يعظهم وينهاهم من وراء الباب، وكل ما لهم في إلحاح وانحاح، فلما ضاق الأمر وعسر الحال قال ما قال {لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِى إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ } (هود: 80) لأحللت بكم النكال.
قالت الملائكة: {يٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ } (هود: 81). وذكروا أن جبريل عليه السلام خرج عليهم، فضرب وجوههم خفقة بطرف جناحه فطمست أعينهم، حتى قيل إنها غارت بالكلية ولم يبق له محل ولا عين ولا أثر، فرجعوا يتحسسون مع الحيطان، ويتوعدون رسول الرحمٰن، ويقولون إذا كان الغد كان لنا وله شأن
قال الله تعالى: {وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابِى وَنُذُرِ (37) وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ (38) } (القمر: 37 ـــ 38).
فذلك أن الملائكة تقدمت إلى لوط عليه السلام، آمرين له بأن يسري هو وأهله من آخر الليل. {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ }، يعني عند سماع صوت العذاب إذا حل بقومه. وأمروه أن يكون سيره في آخرهم كالساقة لهم.
وقوله: {إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ } على قراءة النصب: يحتمل أن يكون مستثنى من قوله: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ } كأنه يقول إلا امرأتك فلا تسري بها، ويحتمل أن يكون من قوله: {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ } (هود: 81) أي فإنها ستلتفت فيصيبها ما أصابهم. ويقوي هذا الاحتمال قراءة الرفع ولكن الأول أظهر في المعنى. والله أعلم.
قال السهيلي: واسم امرأة لوط «والهة»، واسم امرأة نوح «والغة».
وقالوا له مبشرين بهلاك هؤلاء البغاة العتاة، الملعونين النظراء والأشباه الذين جعلهم الله سلفا لكل خائب مريب: {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ } (هود: 81).
فلما خرج لوط عليه السلام بأهله، وهم ابنتاه، لم يتبعه منهم رجل واحد، ويقال إن امرأته خرجت معه. فالله أعلم.
فلما خلصوا من بلادهم وطلعت الشمس فكانت عند شروقها، جاءهم من أمر الله ما لا يرد، ومن البأس الشديد ما لا يمكن أن يصد.
وعند أهل الكتاب: أن الملائكة أمروه أن يصعد إلى رأس الجبل الذي هناك فاستبعده، وسأل منهم أن يذهب إلى قرية قريبة منهم، فقالوا: اذهب فإنا ننتظرك حتى تصير إليها وتستقر فيها، ثم نحل بهم العذاب. فذكروا أنه ذهب إلى قرية «صوعر» التي يقول الناس: غور زغر، فلما أشرقت الشمس نزل بهم العذاب.
قال الله تعالى: {فَلَمَّا جَآء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ مَّنْضُودٍ (82) مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبّكَ وَمَا هِى مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٍ (83) } (هود: 82 ـــ 83).
قالوا: اقتلعهن جبريل بطرف جناحه من قرارهن ـــ وكن سبع مدن ـــ بمن فيهن من الأمم، فقالوا إنهم كانوا أربعمائة نسمة، وقيل أربعة آلاف نسمة، وما معهم من الحيوانات، وما يتبع تلك المدن من الأراضي والأماكن والمعتملات. فرفع الجميع حتى بلغ بهن عنان السماء، حتى سمعت الملائكة أصوات ديكتهم ونباح كلابهم، ثم قلبها عليهم، فجعل عاليها سافلها. قال مجاهد: فكان أول ما سقط منها شرفاتها.
{وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ }. والسجيل فارسي معرب وهو الشديد الصلب القوي. {مَّنْضُودٍ } أي يتبع بعضها بعضاً في نزولها عليهم من السماء. {مُّسَوَّمَةً } أي معلمة مكتوب على كل حجر اسم صاحبه الذي يهبط عليه فيدمغه. كما قال: {مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34) } (الذاريات: 34) وكما قال تعالى: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَآء مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ (58) } (النمل: 58) (الشعراء: 173) وقال تعالى: {وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ (53) فَغَشَّـٰهَا مَا غَشَّىٰ (54) فَبِأَىّ آلآء رَبّكَ تَتَمَارَىٰ (55) } (النجم: 53 ـــ 55) يعني قلبها فأهوى بها منكسة عاليها سافلها، وغشاها بمطر من حجارة من سجيل، متتابعة، مسومة مرقومة على كل حجر اسم صاحبه الذي سقط عليه، من الحاضرين منهم في بلدهم، والغائبين عنها من المسافرين والنازحين والشاذين منها.
ويقال إن امرأة لوط مكثت مع قومها، ويقال إنها خرجت مع زوجها وبنتيها، ولكنها لما سمعت الصيحة وسقوط البلدة، التفتت إلى قومها وخالفت أمر ربها قديماً وحديثاً، وقالت: واقوماه فسقط عليها حجر فدمغها وألحقها بقومها؛ إذ كانت على دينهم، وكانت عيناً لهم على من يكون عند لوط من الضيفان.
كما قال تعالى: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَـٰلِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِينَا عَنْهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ٱدْخُلاَ ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدخِلِينَ } (التحريم: 10) أي خانتاهما في الدين فلم يتبعاهما فيه. وليس المراد أنهما كانتا على فاحشة ـــ حاشا وكلا ولما فإن الله لا يقدر على نبي قط أن تبغي امرأته، كما قال ابن عباس وغيره من أئمة السلف والخلف: ما بغت امرأة نبي قط. ومن قال خلاف هذا فقد أخطأ خطأ كبيراً.
قال الله تعالى في قصة الإفك، لماأنزل براءة أم المؤمنين عائشة بنت الصديق، زوج رسول الله ، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فعاتب الله المؤمنين وأنب وزجر، ووعظ وحذر قال فيما قال: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوٰهِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيّناً وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا سُبْحَـٰنَكَ هَـٰذَا بُهْتَـٰنٌ عَظِيمٌ (16) } (النور: 15 ـــ 16) أي سبحانك أن تكون زوجة نبيك بهذه المثابة.
وقوله هنا: {وَمَا هِى مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٍ } (هود: 83) أي وما هذه العقوبة ببعيدة ممن أشبههم في فعلهم.
ولهذا ذهب من ذهب من العلماء إلى أن اللائط يرجم، سواء كان محصناً أو لا. ونص عليه الشافعي وأحمد بن حنبل وطائفة كثيرة من الأئمة.
واحتجوا أيضاً بما رواه الإمام أحمد وأهل «السنن» من حديث عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به».
وذهب أبو حنيفة إلى أن اللائط يلقى من شاهق جبل ويتبع بالحجارة كما فعل بقوم لوط، لقوله تعالى: {وَمَا هِى مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٍ }.
وجعل الله مكان تلك البلاد بحرة منتنة لا ينتفع بمائها، ولا بما حولها من الأراضي المتاخمة لفنائها، لرداءتها ودناءتها فصارت عبرة ومثلة وعظة وآية على قدرة الله تعالى وعظمته، وعزته في انتقامه ممن خالف أمره، وكذب رسله، واتبع هواه وعصى مولاه، ودليلاً على رحمته بعباده المؤمنين في انجائه إياهم من المهلكات، وإخراجه إياهم من الظلمات إلى النور، كما قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لايَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ (8) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ (9) } (الشعراء: 8 ـــ 9).
وقال الله تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73) فَجَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ (74) إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَـٰتٍ لِلْمُتَوَسّمِينَ (75) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ (76) إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (77) } (الحجر: 73 ـــ 77) أي من نظر بعين الفراسة والتوسم فيهم، كيف غير الله تلك البلاد وأهلها، وكيف جعلها بعد ما كانت آهلة عامرة هالكة غامرة.
كما روى الترمذي وغيره مرفوعاً: «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» ثم قرأ: {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَـٰتٍ لِلْمُتَوَسّمِينَ (75) }
وقوله: {وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ (76) } أي لبطريق مهيع مسلوك إلى الآن. كما قال: {وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ (137) وَبِٱلَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (138) } (الصافات: 137 ـــ 138). وقال تعالى: {وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ ءايَةً بَيّنَةً لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (35) } (العنكبوت: 35) وقال تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ (36) وَتَرَكْنَا فِيهَآ ءايَةً لّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلْعَذَابَ ٱلاْلِيمَ (37) } (الذاريات: 35 ـــ 37).
أي تركناها عبرة وعظة لمن خاف عذاب الآخرة، وخشي الرحمٰن بالغيب وخاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فانزجر عن محارم الله وترك معاصيه، وخاف أن يشابه قوم لوط. ومن تشبه بقوم فهو منهم، وإن لم يكن من كل وجه فمن بعض الوجوه؛ كما قال بعضهم:
فإن لم تكونوا قوم لوط بعينهم فما قوم لوط منكم ببعيد فالعاقل اللبيب الفاهم الخائف من ربه، يمتثل ما أمره الله به عز وجل، ويقبل ما أرشده إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من إتيان ما خلق له من الزوجات الحلال، والجواري من السراري ذوات الجمال، وإياه أن يتبع كل شيطان مريد، فيحق عليه الوعيد، ويدخل في قوله تعالى: {وَمَا هِى مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٍ } (هود: 83) .


يتبع



==============










التعديل الأخير تم بواسطة بحرجديد ; 02-01-2014 الساعة 11:18 PM
بحرجديد متصل الآن   رد مع اقتباس
قديم 05-23-2010, 02:25 PM   #23 (permalink)
بحرجديد
مشرف التاريخ والحضاره - أمير الأبداع - مشرف الشهر المميز
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
قصَّة مَدْيَنْ قومُ شُعَيب عَليهِ السَلام


قال الله تعالى في سورة الأعراف بعد قصة قوم لوط:
{وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَآءتْكُم بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلاْرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ (85) وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلّ صِرٰطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءامَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَٱذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ (86) وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مّنكُمْ ءامَنُواْ بِٱلَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَٱصْبِرُواْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ (87) قَالَ ٱلْمَلاَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يـٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَـٰرِهِينَ (88) قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلا أَن يَشَآء ٱللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْء عِلْمًا عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَـٰتِحِينَ (89) وَقَالَ ٱلْمَلاَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَـٰسِرُونَ (90) فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِى دَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ (91) ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ ٱلْخَـٰسِرِينَ (92) فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ ءاسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَـٰفِرِينَ (93) } (الأعراف: 85 ـــ 93).
وقال في سورة هود بعد قصة قوم لوط أيضاً:
{ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ إِنّى أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ (84) وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلاْرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86) قَالُواْ يٰشُعَيْبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِى أَمْوَالِنَا مَا نَشَؤُا إِنَّكَ لاَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ (87) قَالَ يٰقَوْمِ أَرَءيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَـٰكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ ٱلإِصْلَـٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِى إِلاَّ بِٱللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) وَيٰقَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِى أَن يُصِيبَكُم مّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَـٰلِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مّنكُم بِبَعِيدٍ (89) وَٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبّى رَحِيمٌ وَدُودٌ (90) قَالُواْ يٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَـٰكَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91) قَالَ يٰقَوْمِ أَرَهْطِى أَعَزُّ عَلَيْكُم مّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءكُمْ ظِهْرِيّاً إِنَّ رَبّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92) وَيٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنّى عَـٰمِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَٱرْتَقِبُواْ إِنّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93) وَلَمَّا جَآء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِى دِيَـٰرِهِمْ جَـٰثِمِينَ (94) كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ أَلاَ بُعْدًا لّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95) } (هود: 84 ـــ 95).
وقال في الحجر بعد قصة قوم لوط أيضاً:
{وَإِن كَانَ أَصْحَـٰبُ ٱلاْيْكَةِ لَظَـٰلِمِينَ (78) فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ (79) } (الحجر: 78 ـــ 79).
وقال تعالى في الشعراء بعد قصتهم:
{كَذَّبَ أَصْحَـٰبُ لْـئَيْكَةِ ٱلْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتَّقُونَ (177) إِنّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179) وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (180) أَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُواْ بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ (182) وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلاْرْضِ مُفْسِدِينَ (183) وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلْجِبِلَّةَ ٱلاْوَّلِينَ (184) قَالُواْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ (185) وَمَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ (186) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مّنَ ٱلسَّمَآء إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ (187) قَالَ رَبّى أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (188) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189) إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ (190) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ (191) } (الشعراء: 176 ـــ 191).
كان أهل مدين قوماً عرباً يسكنون مدينتهم «مدين» التي هي قريبة من أرض معان من أطراف الشام، مما يلي ناحية الحجاز قريباً من بحيرة قوم لوط، وكانوا بعدهم بمدة قريبة. ومدين مدينة عرفت بالقبلية وهم من بني مدين بن مديان بن إبراهيم الخليل.
وشعيب نبيهم هو ابن ميكيل بن يشجن. ذكره ابن إسحاق.
قال: ويقال له بالسريانية يترون، وفي هذا نظر. ويقال شعيب بن يشخر بن لاوي بن يعقوب ويقال شعيب بن نويب بن عيفا بن مدين بن إبراهيم، ويقال شعيب بن صيفور بن عيفا بن ثابت بن مدين بن إبراهيم، وقيل غير ذلك في نسبه.
قال ابن عساكر: ويقال جدته: ويقال أمه، بنت لوط.
وكان ممن آمن بإبراهيم وهاجر معه ودخل معه دمشق.
وعن وهب بن منبه أنه قال: شعيب وملغم ممن آمن بإبراهيم يوم أحرق بالنار، وهاجرا معه إلى الشام، فزوجهما بنتي لوط عليه السلام. ذكره ابن قتيبة. وفي هذا كله نظر. والله تعالى أعلم.
وذكر أبو عمر بن عبد البر في «الاستيعاب» في ترجمة سلمة بن سعد العنزي: أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وانتسب إلى عنزة، فقال: «نعم الحي عنزة؛ مبغى عليهم منصورون قوم شعيب وأختان موسى».
فلو صح هذا لدل على أن شعيباً صهر موسى وأنه من قبيلة من العرب العاربة يقال لهم عنزة، لا أنهم من عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، فإن هؤلاء بعده بدهر طويل. والله أعلم.
وفي حديث أبي ذر الذي في «صحيح ابن حبان» في ذكر الأنبياء والرسل قال: «أربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر».
وكان بعض السلف يسمي شعيبا خطيب الأنبياء. يعني لفصاحته وعلو عبارته، وبلاغته في دعاية قومه إلى الإيمان برسالته.
وقد روى ابن إسحاق بن بشر عن جويبر ومقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر شعيباً قال: «ذاك خطيب الأنبياء».
وكان أهل مدين كفاراً يقطعون السبيل ويخيفون المارة، ويعبدون الأيكة، وهي شجرة من الأيك حولها غيضة ملتفة بها.
وكانوا من أسوأ الناس معاملة؛ يبخسون المكيال والميزان، ويطففون فيهما، يأخذون بالزائد ويدفعون بالناقص.
فبعث الله فيهم رجلاً منهم وهو رسول الله شعيب عليه السلام فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونهاهم عن تعاطي هذه الأفاعيل القبيحة من بخس الناس أشياءهم وإخافتهم لهم في سبلهم وطرقاتهم، فآمن به بعضهم وكفر أكثرهم، حتى أحل الله بهم البأس الشديد. وهو الولي الحميد.
كما قال تعالى:
{وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَآءتْكُم بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ } (الأعراف: 85) أي دلالة وحجة واضحة، وبرهان قاطع على صدق ما جئتكم به وأنه أرسلني، وهو ما أجرى الله على يديه من المعجزات التي لم تنقل إلينا تفصيلاً، وإن كان هذا اللفظ قد دل عليها اجمالاً.
{فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلاْرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا } (الأعراف: 85) .
أمرهم بالعدل ونهاهم عن الظلم، وتوعدهم على خلاف ذلك فقال:
{ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلّ صِرٰطٍ } (الأعراف: 85 ـــ 86) أي طريق {تُوعِدُونَ } أي تتوعدون الناس بأخذ أموالهم من مكوس وغير ذلك وتخيفون السبل.
وقال السدى في «تفسيره» عن الصحابة:
{وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلّ صِرٰطٍ تُوعِدُونَ } (الأعراف: 86) أنهم كانوا يأخذون العشور من أموال المارة.
وقال إسحاق بن بشر عن جويبر عن الضحاك، عن ابن عباس قال: كانوا قوماً طغاة بغاة يجلسون على الطريق، يبخسون الناس، يعني يعشرونهم. وكانوا أول من سن ذلك.
{وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءامَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا } (الأعراف: 85) نهاهم عن قطع الطريق الحسية الدنيوية، والمعنوية الدينية.
{وَٱذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ } (الأعراف: 86) ذكرهم بنعمة الله تعالى عليهم في تكثيرهم بعد القلة، وحذرهم نقمة الله بهم إن خالفوا من أرشدهم إليه ودلهم عليه. كما قال لهم في القصة الأخرى: {وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ إِنّى أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ } (هود: 84) أي لا تركبوا ما أنتم عليه وتستمروا فيه فيمحق الله بركة ما في أيديكم، ويفقركم ويذهب ما به يغنيكم.
وهذا مضاف إلى عذاب الآخرة، ومن جمع له هذا وهذا، فقد باء بالصفقة الخاسرة.
فنهاهم أولاً عن تعاطي ما لا يليق من التطفيف، وحذرهم سلب نعمة الله عليهم في دنياهم، وعذابه الأليم في أخراهم، وعنفهم أشد تعنيف.
ثم قال لهم آمراً بعد ما كان عن ضده زاجراً:
{وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلاْرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86) } (هود: 85 ـــ 86).
قال ابن عباس والحسن البصري:
{بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ } أي رزق الله خير لكم من أخذ أموال الناس. وقال ابن جرير: ما فضل لكم من الربح بعد وفاء الكيل والميزان، خير لكم من أخذ أموال الناس بالتطفيف. قال: وقد روي هذا عن ابن عباس.
وهذا الذي قاله وحكاه حسن، وهو شبيه بقوله تعالى:
{قُل لاَّ يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ } (المائدة: 100) يعني أن القليل من الحلال خير لكم من الكثير من الحرام، فإن الحلال مبارك وإن قل، والحرام ممحوق وإن كثر. كما قال تعالى: {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرّبَوٰاْ وَيُرْبِى ٱلصَّدَقَـٰتِ } (البقرة: 276).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الربا وإن كثر فإن مصيره إلى قل). رواه أحمد. أي إلى قلة.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما).
والمقصود أن الربح الحلال مبارك فيه وإن قل، والحرام لا يجدي وإن كثر. ولهذا قال نبي الله شعيب:
{بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } (هود: 86).
وقوله:
{وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } (هود: 86) أي افعلوا ما آمركم به ابتغاء وجه الله ورجاء ثوابه، لا لأراكم أنا وغيري.
{قَالُواْ يٰشُعَيْبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِى أَمْوَالِنَا مَا نَشَؤُا إِنَّكَ لاَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ (87) } (هود: 87). يقولون هذا على سبيل الاستهزاء والتنقص والتهكم: أصلاتك هذه التي تصليها، هي الآمرة لك بأن تحجر علينا فلا نعبد إلا الهك؟ ونترك ما يعبد آباؤنا الأقدمون وأسلافنا الأولون؟ أو أن لا نتعامل إلا على الوجه الذي ترتضيه أنت، ونترك المعاملات التي تأباها وإن كنا نحن نرضاها؟
{إِنَّكَ لاَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ } قال ابن عباس وميمون بن مهران وابن جريج وزيد بن أسلم وابن جرير: يقولون ذلك أعداء الله على سبيل الاستهزاء.


{قَالَ يٰقَوْمِ أَرَءيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَـٰكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ ٱلإِصْلَـٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِى إِلاَّ بِٱللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) } (هود: 88).
هذا تلطف معهم في العبارة، ودعوة لهم إلى الحق بأبين إشارة.
يقول لهم:
{أَرَأَيْتُمْ } أيها المكذبون {إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّى } أي على أمر بين من الله تعالى أنه أرسلني إليك، {وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا } يعني النبوة والرسالة، يعني وعمى عليكم معرفتها، فأي حيلة لي فيكم؟
وهذا كما تقدم عن نوح عليه السلام أنه قال لقومه سواء.
وقوله:
{وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَـٰكُمْ عَنْهُ } أي لست آمركم بالأمر إلا وأنا أول فاعل له، وإذا نهيتكم عن الشيء فأنا أول من يتركه.
وهذه هي الصفة المحمودة العظيمة، وضدها هي المردودة الذميمة، كما تلبس بها علماء بني إسرائيل في آخر زمانهم، وخطباؤهم الجاهلون. قال الله تعالى:
{ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (44) } (البقرة: 44) وذكرنا عندها في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يؤتى بالرجل فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه ـــ أي تخرج أمعاؤه من بطنه ـــ فيدور بها كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار فيقولون: يا فلان ما لك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى. كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه».
وهذه صفة مخالفي الأنبياء من الفجار والأشقياء. فأما السادة من النجباء، والألباء من العلماء، الذين يخشون ربهم بالغيب، فحالهم كما قال نبي الله شعيب:
{وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَـٰكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ ٱلإِصْلَـٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ } (هود: 88) أي ما أريد في جميع أمري إلا الإصلاح في الفعال والمقال بجهدي وطاقتي.
{وَمَا تَوْفِيقِى } أي في جميع أحوالي {إِلاَّ بِٱللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } (هود: 88) أي عليه أتوكل في سائر الأمور، وإليه مرجعي ومصيري في كل أمري. وهذا مقام ترغيب.
ثم انتقل إلى نوع من الترهيب فقال:
{وَيٰقَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِى أَن يُصِيبَكُم مّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَـٰلِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مّنكُم بِبَعِيدٍ (89) } (هود: 89).
أي لا يحملنكم مخالفتي وبغضكم ما جئتكم به على الاستمرار على ضلالكم وجهلكم ومخالفتكم، فيحل الله بكم من العذاب والنكال، نظير ما أحله بنظرائكم وأشباهكم، من قوم نوح وقوم هود وقوم صالح من المكذبين المخالفين.
وقوله:
{وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مّنكُم بِبَعِيدٍ }، قيل معناه: في الزمان، أي ما بالعهد من قدم، مما قد بلغكم ما أحل بهم على كفرهم وعتوهم.
وقيل معناه: وما هم منكم ببعيد في المحلة والمكان. وقيل في الصفات والأفعال المستقبحات، من قطع الطريق، وأخذ أموال الناس جهرة وخفية بأنواع الحيل والشبهات.
والجمع بين هذه الأقوال ممكن: فإنهم لم يكونوا بعيدين منهم لا زماناً ولا مكاناً ولا صفات.
ثم مزج الترهيب بالترغيب فقال:
{وَٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبّى رَحِيمٌ وَدُودٌ } (هود: 90) أي أقلعوا عما أنتم فيه، وتوبوا إلى ربكم الرحيم الودود، فإنه من تاب إليه تاب عليه، فإنه رحيم بعباده، أرحم بهم من الوالدة بولدها، «ودود» وهو الحبيب ولو بعد التوبة على عبده، ولو من الموبقات العظام.
{قَالُواْ يٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا } (هود: 91).
روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والثوري أنهم قالوا: كان ضرير البصر. وقد روي في حديث مرفوع: أنه بكى من حب الله حتى عمى، فرد الله عليه بصره، وقال: «يا شعيب أتبكي خوفاً من النار؟ أو من شوقك إلى الجنة؟ فقال: بل من محبتك، فإذا نظرت إليك فلا أبالي ماذا يصنع بي. فأوحى الله إليه: هنيئاً لك يا شعيب لقائي، فلذلك أخدمتك موسى بن عمران كليمي».
رواه الواحدي عن أبي الفتح محمد بن علي الكوفي، عن علي بن الحسن بن بندار، عن عبد الله محمد بن إسحاق الرملي عن هشام بن عمار، عن إسماعيل بن عباس، عن يحيى بن سعيد، عن شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.
وهو غريب جداً، وقد ضعفه الخطيب البغدادي.
وقولهم:
{وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَـٰكَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ } (هود: 91). هذا من كفرهم البليغ، وعنادهم الشنيع، حيث قالوا: {مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مّمَّا تَقُولُ } أي ما نفهمه ولا نعقله، لأنه لا نحبه ولا نريده، وليس لنا همة إليه، ولا إقبال عليه.
وهو كما قال كفار قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
{وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ (5) } (فصلت: 5).
وقولهم:
{وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا } أي مضطهداً مهجوراً. {وَلَوْلاَ رَهْطُكَ } أي قبيلتك وعشيرتك فينا {لَرَجَمْنَـٰكَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ } (هود: 91).
{قَالَ يٰقَوْمِ أَرَهْطِى أَعَزُّ عَلَيْكُم مّنَ ٱللَّهِ } (هود: 92) أي تخافون قبيلتي وعشيرتي وترعوني بسببهم، ولا تخافون عذاب الله؟ ولا تراعوني لأني رسول الله؟ فصار رهطي أعز عليكم من الله {وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءكُمْ ظِهْرِيّاً } (هود: 92) أي جانب الله وراء ظهوركم {إِنَّ رَبّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } (هود: 92) أي هو عليم بما تعملونه وما تصنعونه، محيط بذلك وسيجزيكم عليه يوم ترجعون إليه.
{وَيٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنّى عَـٰمِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَٱرْتَقِبُواْ إِنّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93) } (هود: 93).
هذا أمر تهديد شديد ووعيد أكيد، بأن يستمروا على طريقتهم ومنهجهم وشاكلتهم، فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار، ومن يحل عليه الهلاك والبوار
{مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ } أي في هذه الحياة الدنيا {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } أي في الأخرى {وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ } أي مني ومنكم فيما أخبر وبشر وحذر.
{وَٱرْتَقِبُواْ إِنّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ }. { قَالَ ٱلْمَلاَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يـٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَـٰرِهِينَ (88) قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلا أَن يَشَآء ٱللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْء عِلْمًا عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَـٰتِحِينَ (89) } (الأعراف: 88 ـــ 89).
طلبوا بزعمهم أن يردوا من آمن منهم إلى ملتهم، فانتصب شعيب للمحاجة عن قومه فقال: {أَوَلَوْ كُنَّا كَـٰرِهِينَ } أي هؤلاء لا يعودون إليكم اختياراً، وإنما يعودون إليكم إن عادوا، اضطراراً مكرهين؛ وذلك لأن الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب لا يسخطه أحد، ولا يرتد أحد عنه، ولا محيد لأحد منه.
ولهذا قال:
{قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلا أَن يَشَآء ٱللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْء عِلْمًا عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا } (الأعراف: 89) أي فهو كافينا، وهو العاصم لنا وإليه ملجأنا في جميع أمرنا.
ثم استفتح على قومه، واستنصر ربه عليهم في تعجيل ما يستحقونه إليهم فقال:
{رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَـٰتِحِينَ } أي الحاكمين. فدعا عليهم، والله لا يرد دعاء رسله إذا انتصروه على الذين جحدوه وكفروه، ورسوله خالفوه.
ومع هذا صمموا على ما هم عليه مشتملون، وبه متلبسون:
{وَقَالَ ٱلْمَلاَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَـٰسِرُونَ (90) } (الأعراف: 90) .
قال الله تعالى:
{فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ (78) } (الأعراف: 91) ذكر في سورة الأعراف أنهم أخذتهم رجفة، أي رجفت بهم أرضهم، وزلزلت زلزالاً شديداً أزهقت أرواحهم من أجسادهم، وصيرت حيوان أرضهم كجمادها، وأصبحت جثثهم جاثية؛ لا أرواح فيها ولا حركات بها، ولا حواس لها.
وقد جمع الله عليهم أنواعاً من العقوبات، وصنوفاً من المثلات، وأشكالاً من البليات، وذلك لما اتصفوا به من قبيح الصفات، سلط الله عليهم رجفة شديدة أسكنت الحركات، وصيحة عظيمة أخمدت الأصوات، وظلة أرسل عليهم منها شرر النار من سائر أرجائها والجهات.
ولكنه تعالى أخبر عنهم في كل سورة بما يناسب سياقها ويوافق طباقها؛ في سياق قصة الأعراف أرجفوا نبي الله وأصحابه، وتوعدوهم بالإخراج من قريتهم، أو ليعودن في ملتهم راجعين. فقال تعالى:
{فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ (78) } فقابل الإرجاف بالرجفة، والإخافة بالخيفة، وهذا مناسب هذا السياق ومتعلق بما تقدمه من السياق.
وأما في سورة هود: فذكر أنهم أخذتهم الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين وذلك لأنهم قالوا لنبي الله على سبيل التهكم والاستهزاء والتنقص:
{قَالُواْ يٰشُعَيْبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِى أَمْوَالِنَا مَا نَشَؤُا إِنَّكَ لاَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ } (هود: 87) فناسب أن يذكر الصيحة التي هي كالزجر عن تعاطي هذا الكلام القبيح، الذي واجهوا به هذا الرسول الكريم الأمين الفصيح، فجاءتهم صيحة أسكتتهم مع رجفة أسكنتهم.
وأما في سورة الشعراء: فذكر أنه أخذهم عذاب يوم الظلة، وكان ذلك إجابة لما طلبوا، وتقريباً إلى ما إليه رغبوا، فإنهم قالوا:
{قَالُواْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ (185) وَمَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ (186) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مّنَ ٱلسَّمَآء إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ (187) قَالَ رَبّى أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (188) } (الشعراء: 185 ـــ 188).
قال الله تعالى وهو السميع العليم:
{فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189) } (الشعراء: 189).
ومن زعم من المفسرين كقتادة وغيره: أن أصحاب الأيكة أمة أخرى غير أهل مدين، فقوله ضعيف.
وإنما عمدتهم شيئان: أحدهما أنه قال:
{كَذَّبَ أَصْحَـٰبُ لْـئَيْكَةِ ٱلْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ } (الشعراء: 176 ـــ 177) ولم يقل أخوهم كما قال: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا } (الأعراف: 85).
والثاني: أنه ذكر عذابهم بيوم الظلة، وذكر في أولئك الرجفة أو الصيحة.
والجواب عن الأول: أنه لم يذكر الأخوة بعد قوله:
{كَذَّبَ أَصْحَـٰبُ لْـئَيْكَةِ ٱلْمُرْسَلِينَ } (الشعراء: 186) لأنه وصفهم بعبادة الأيكة، فلا يناسب ذكر الأخوة هاهنا. ولما نسبهم إلى القبيلة ساغ ذكر شعيب بأنه أخوهم.
وهذا الفرق من النفائس اللطيفة العزيزة الشريفة.u
وأما احتجاجهم بيوم الظلة؛ فإن كان دليلاً بمجرده على أن هؤلاء أمة أخرى، فليكن تعداد الانتقام بالرجفة والصيحة دليلاً على أنهما أمتان أخريان، وهذا لا يقوله أحد يفهم شيئاً من هذا الشأن.
فأما الحديث الذي أورده الحافظ ابن عساكر في ترجمة النبي شعيب عليه السلام، من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن أبيه، عن معاوية بن هشام، عن هشام بن سعد، عن شفيق بن أبي هلال، عن ربيعة بن سيف، عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً: «إن قوم مدين وأصحاب الأيكة أمتان بعث الله إليهما شعيباً النبي عليه السلام».
فإنه حديث غريب. وفي رجاله من تكلم فيه. والأشبه أنه من كلام عبد الله بن عمرو، مما أصابه يوم اليرموك من تلك الزاملتين من أخبار بني إسرائيل. والله أعلم.
ثم قد ذكر الله عن أهل الأيكة من المذمة ما ذكره عن أهل مدين من التطفيف في المكيال والميزان، فدل على أنهم أمة واحدة، أهلكوا بأنواع من العذاب. وذكر في كل موضع ما يناسب من الخطاب.
وقوله:
{فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189) } (الشعراء: 189) ذكروا أنهم أصابهم حر شديد، وأسكن الله هبوب الهواء عنهم سبعة أيام، فكان لا ينفعهم مع ذلك ماء ولا ظل، ولا دخولهم في الأسراب، فهربوا من محلتهم إلى البرية، فأظلتهم سحابة، فاجتمعوا تحتها ليستظلوا بظلها، فلما تكاملوا فيه أرسلها الله ترميهم بشرر وشهب، ورجفت بهم الأرض وجاءتهم صيحة من السماء، فأزهقت الأرواح، وخربت الأشباح.
{فَأَصْبَحُواْ فِى دَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ ٱلْخَـٰسِرِينَ (92) } (الأعراف: 91، 92) ونجى الله شعيباً ومن معه من المؤمنين، كما قال تعالى وهو أصدق القائلين: {وَلَمَّا جَآء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِى دِيَـٰرِهِمْ جَـٰثِمِينَ (94) كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ أَلاَ بُعْدًا لّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95) } (هود: 94 ـــ 95).
وقال تعالى:
{وَقَالَ ٱلْمَلاَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَـٰسِرُونَ (90) فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِى دَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ (91) ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ ٱلْخَـٰسِرِينَ (92) } (الأعراف: 90 ـــ 92) وهذا في مقابلة قولهم: {لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَـٰسِرُونَ } (الأعراف: 90).
ثم ذكر تعالى عن نبيهم: أنه نعاهم إلى أنفسهم موبخاً ومؤنباً ومقرعاً، فقال تعالى:
{فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ ءاسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَـٰفِرِينَ } (الأعراف: 93).
أي أعرض عنهم موليا عن محلتهم بعد هلكتهم قائلاً:
{يٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ }. أي قد أديت ما كان واجباً علي من البلاغ التام والنصح الكامل، وحرصت على هدايتكم بكل ما أقدر عليه وأتوصل إليه، فلم ينفعكم ذلك، لأن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين. فلست أتأسف بعد هذا عليكم، لأنكم لم تكونوا تقبلون النصيحة، ولا تخافون يوم الفضيحة.
ولهذا قال:
{فَكَيْفَ ءاسَىٰ } أي أحزن {عَلَىٰ قَوْمٍ كَـٰفِرِينَ } أي لا يقبلون الحق ولا يرجعون إليه ولا يلتفتون إليه فحل بهم من بأس الله الذي لا يرد ما يدفع ولا يمانع، ولا محيد لأحد أريد به عنه، ولا مناص عنه.
وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في «تاريخه» عن ابن عباس: أن شعيبا عليه السلام كان بعد يوسف عليه السلام. وعن وهب بن منبه: أن شعيباً عليه السلام مات بمكة ومن معه من المؤمنين، وقبورهم غربي الكعبة بين الندوة ودار بني سهم.


يتبع
==========





التعديل الأخير تم بواسطة بحرجديد ; 02-01-2014 الساعة 11:20 PM
بحرجديد متصل الآن   رد مع اقتباس
قديم 05-23-2010, 02:26 PM   #24 (permalink)
بحرجديد
مشرف التاريخ والحضاره - أمير الأبداع - مشرف الشهر المميز
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
ذكر إسماعيل عليه السلام







وقد كان للخليل بنون كما ذكرنا، ولكن أشهرهم الأخوان النبيان العظيمان الرسولان، أسنهما وأجلهما: الذي هو الذبيح على الصحيح ـــ إسماعيل بكر إبراهيم الخليل من هاجر القبطية المصرية عليها السلام من العظيم الخليل.
ومن قال: إن الذبيح هو إسحاق، فإنما تلقاه من نقلة بني إسرائيل الذين بدلوا وحرفوا وأولوا التوراة والإنجيل، وخالفوا ما بأيديهم في هذا من التنزيل، فإن إبراهيم أمر بذبح ولده البكر، وفي رواية: الوحيد.
وأيا ما كان فهو إسماعيل بنص الدليل، ففي نص كتابهم: أن إسماعيل ولد ولإبراهيم من العمر ست وثمانون سنة. وإنما ولد إسحاق بعد مضي مائة سنة من عمر الخليل، فإسماعيل هو البكر لا محالة، وهو الوحيد صورة ومعنى على كل حالة.
أما في الصورة، فلأنه كان ولده أزيد من ثلاثة عشر سنة، وأما أنه وحيد في المعنى، فإنه هو الذي هاجر به أبوه ومعه أمه هاجر، وكان صغيراً رضيعاً ـــ فيما قيل ـــ فوضعهما في وهاد جبال فاران، وهي الجبال التي حول مكة نعم المقيل، وتركهما هنالك ليس معهما من الزاد والماء إلا القليل، وذلك ثقة بالله وتوكلاً عليه. فحاطهما الله تعالى بعنايته وكفايته فنعم الحسيب والكافي والوكيل والكفيل.
فهذا هو الولد الوحيد في الصورة والمعنى. ولكن أين من يتفطن لهذا السر؟ وأين من يحل بهذا المحل؟ والمعنى لا يدركه ويحيط بعلمه إلا كل نبيه نبيل
وقد أثنى الله تعالى عليه فوصفه بالحلم والصبر وصدق الوعد، والمحافظة على الصلاة، والأمر بها لأهله ليقيهم العذاب، مع ما كان يدعو إليه من عبادة رب الأرباب، قال الله تعالى: {فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ يٰبُنَىَّ إِنّى أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنّى أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِى إِن شَآء ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ (102) } (الصافات: 101 ـــ 102) فطاوع أباه على ما إليه دعاه، ووعده بأن سيصبر، فوفى بذلك وصبر على ذلك.
وقال تعالى: {وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِسْمَـٰعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَـٰدِقَ ٱلْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلَوٰةِ وَٱلزَّكَـوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبّهِ مَرْضِيّاً (55) } (مريم: 54 ـــ 55) وقال تعالى: {وَٱذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِى ٱلاْيْدِى وَٱلاْبْصَـٰرِ (45) إِنَّآ أَخْلَصْنٰهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلاْخْيَارِ (47) وَٱذْكُرْ إِسْمَـٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ وَكُلٌّ مّنَ ٱلاْخْيَارِ (48) } (ص: 45 ـــــ 55) وقال تعالى: {وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا ٱلْكِفْلِ كُلٌّ مّنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ (85) وَأَدْخَلْنَـٰهُمْ فِى رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ (86) } (الأنبياء: 85 ـــــ 86) وقال تعالى: {إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإْسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلاْسْبَاطِ } (النساء: 163) الآية.
وقال تعالى: {قُولُواْ ءامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَى إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلاسْبَاطِ } (البقرة: 136) الآية. ونظيرتها من السورة الأخرى، وقال تعالى: {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَــٰقَ وَيَعْقُوبَ وَالاسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ قُلْ ءأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ } (البقرة: 140) الآية.
فذكر الله عنه كل صفة جميلة، وجعله نبيه ورسوله، وبرأه من كل ما نسب إليه الجاهلون، وأمر بأن يؤمن بما أنزل عليه عباده المؤمنون.
وذكر علماء النسب وأيام الناس: أنه أول من ركب الخيل وكانت قبل ذلك وحوشاً فأنسها وركبها. وقد قال سعيد بن يحيى الأموي في مغازيه: حدثنا شيخ من قريش، حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتخذوا الخيل واعتقبوها فإنها ميراث أبيكم إسماعيل».
وكانت هذه العراب وحوشاً فدعا لها بدعوته التي كان أعطى فأجابته. وأنه أول من تكلم بالعربية الفصيحة البليغة، وكان قد تعلمها من العرب العاربة الذين عندهم بمكة من جرهم والعماليق وأهل اليمن، من الأمم المتقدمين من العرب قبل الخليل.
قال الأموي: حدثني علي بن المغيرة، حدثنا أبو عبيدة، مسمع بن مالك عن محمد بن علي بن الحسين، عن آبائه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أول من فتق لسانه بالعربية البينة إسماعيل، وهو ابن أربع عشرة سنة»،
فقال له يونس: صدقت يا أبا سيار، هكذا أبو جري حدثني.
وقد قدمنا أنه تزوج لما شب امرأة من العماليق، وأن أباه أمره بفراقها ففارقها. قال الأموي: هي عمارة بنت سعد بن أسامة بن أكيل العماليقي. ثم نكح غيرها فأمره أن يستمر بها، فاستمر بها، وهي السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي، وقيل هذه ثالثة، فولدت له اثنى عشر ولداً ذكراً. وقد سماهم محمد بن إسحاق رحمه الله وهم نابت، وقيذر، وازبل، وميشي، ومسمع، وماش، ودوصا، وأرر، ويطور، ونبش، وطيما، وقيذما. وهكذا ذكرهم أهل الكتاب في كتابهم. وعندهم أنهم الأثنا عشر عظيماً المبشر بهم، المتقدم ذكرهم. وكذبوا في تأويلهم ذلك.
وكان إسماعيل عليه السلام رسولاً إلى أهل تلك الناحية وما والاها؛ من قبائل جرهم والعماليق وأهل اليمن، صلوات الله وسلامه عليه. ولما حضرته الوفاة أوصى إلى أخيه إسحاق، وزوج ابنته «نسمة» من ابن أخيه «العيص» بن إسحاق، فولدت له الروم، ويقال لهم بنو الأصفر؛ لصفرة كانت في العيص. وولدت له اليونان في أحد الأقوال. ومن ولد العيص الأشبان قيل منهما أيضاً. وتوقف ابن جرير رحمه الله.
ودفن (نبي الله) إسماعيل نبي الله بالحجر مع أمه هاجر، وكان عمره يوم مات مائة وسبعاً وثلاثين سنة.
وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: شكا إسماعيل عليه السلام إلى ربه عز وجل حر مكة، فأوحى الله إليه: إني سأفتح لك باباً إلى الجنة إلى الموضع الذي تدفن فيه. يجري عليك روحها إلى يوم القيامة.
وعرب الحجاز كلهم ينتسبون إلى ولديه: نابت، وقيذار.
ذكر إسحاق بن إبراهيم الكريم ابن الكريم عليهما الصلاة والتسليم
قد قدمنا أنه ولد ولأبيه مائة سنة. بعد أخيه إسماعيل بأربع عشرة سنة. وكان عمر أمه سارة حين بشرت به تسعين سنة.
قال الله تعالى: {وَبَشَّرْنَـٰهُ بِإِسْحَـٰقَ نَبِيّاً مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ (112) وَبَـٰرَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَـٰقَ وَمِن ذُرّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَـٰلِمٌ لّنَفْسِهِ مُبِينٌ (113) } (الصافات: 112 ـــ 113).
وقد ذكره الله تعالى بالثناء عليه في غير ما آية من كتابه العزيز.
وقدمنا في حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم».
وذكر أهل الكتاب أن إسحاق لما تزوج «رفقا» بنت بتواييل في حياة أبيه، كان عمره أربعين سنة، وأنها كانت عاقراً فدعا الله لها فحملت، فولدت غلامين توأمين: أولهما اسمه «عيصو» وهو الذي تسميه العرب «العيص»، وهو والد الروم. والثاني خرج وهو آخذ بعقب أخيه فسموه «يعقوب» وهو إسرائيل الذي ينتسب إليه بنو إسرائيل.
قالوا: وكان إسحاق يحب عيصو أكثر من يعقوب؛ لأنه بكره، وكانت أمهما «رفقا» تحب يعقوب أكثر؛ لأنه الأصغر.
قالوا: فلما كبر إسحاق وضعف بصره اشتهى على ابنه العيص طعاماً، وأمره أن يذهب فيصطاد له صيداً ويطبخه له؛ ليبارك عليه ويدعو له. وكان العيص صاحب صيد، فذهب يبتغي ذلك، فأمرت «رفقا» ابنها يعقوب أن يذبح جديين من خيار غنمه، ويصنع منهما طعاماً كما اشتهاه أبوه، ويأتي إليه به قبل أخيه ليدعو له، فقامت فألبسته ثياب أخيه، وجعلت على ذراعيه وعنقه من جلد الجديين؛ لأن العيص كان أشعر الجسد ويعقوب ليس كذلك. فلما جاء به وقربه إليه قال: من أنت؟ قال: ولدك. فضمه إليه وجسه وجعل يقول: أما الصوت فصوت يعقوب، وأما الجس والثياب فالعيص. فلما أكل وفرغ دعا له أن يكون أكبر إخوته قدراً، وكلمته عليهم وعلى الشعوب بعده، وأن يكثر رزقه وولده.
فلما خرج من عنده جاء أخوه العيص بما أمره به والده فقربه إليه، فقال له: ما هذا يا بني؟ قال: هذا الطعام الذي اشتهيته، فقال: أما جئتني به قبل الساعة وأكلت منه ودعوت لك؟ فقال: لا والله، وعرف أن أخاه قد سبقه إلى ذلك، فوجد في نفسه عليه وجداً كثيراً. وذكروا أنه تواعده بالقتل إذا مات أبوهما، وسأل أباه فدعا له بدعوة أخرى، وأن يجعل لذريته غليظ الأرض، وأن يكثر أرزاقهم وثمارهم.


فلما سمعت أمهما ما يتواعد به العيص أخاه يعقوب، أمرت ابنها يعقوب أن يذهب إلى أخيها «لابان» الذي بأرض حران، وأن يكون عنده إلى حين يسكن غضب أخيه، وأن يتزوج من بناته. وقالت لزوجها إسحاق أن يأمره بذلك ويوصيه ويدعو له، ففعل.
فخرج يعقوب عليه السلام من عندهم من آخر ذلك اليوم، فأدركه المساء في موضع فنام فيه، وأخذ حجراً فوضعه تحت رأسه ونام، فرأى في نومه ذلك معراجاً منصوباً من السماء إلى الأرض، وإذا الملائكة يصعدون فيه وينزلون، والرب تبارك وتعالى يخاطبه، ويقول له: إني سأبارك عليك وأكثر ذريتك، وأجعل لك هذه الأرض ولعقبك من بعدك.
فلما هب من نومه فرح بما رأى، ونذر لله لئن رجع إلى أهله سالماً ليبنين في هذا الموضع معبداً لله عز وجل، وأن جميع ما يرزقه من شيء يكون لله عشره.

ثم عمد إلى ذلك الحجر فجعل عليه دهناً يتعرفه به، وسمى ذلك الموضع: «بيت ايل» أي بيت الله. وهو موضع بيت المقدس اليوم الذي بناه يعقوب بعد ذلك كما سيأتي.
قالوا: فلما قدم يعقوب على خاله أرض حران، إذا له ابنتان: اسم الكبرى: «ليا» واسم الصغرى: «راحيل» وكانت أحسنهما وأجملهما (فطلب يعقوب الصغرى من خاله) فأجابه إلى ذلك بشرط أن يرعى على غنمه سبع سنين. فلما مضت المدة على خاله «لابان» صنع طعاماً وجمع الناس عليه، وزف إليه ابنته الكبرى «ليا»، وكانت ضعيفة العينين قبيحة المنظر. فلما أصبح يعقوب إذا هي «ليا»، فقال لخاله: لم غدرت بي؟ وأنت إنما خطبت إليك راحيل. فقال: إنه ليس من سنتنا أن نزوج الصغرى قبل الكبرى، فإن أحببت أختها فاعمل سبع سنين أخرى وأزوجكها.
فعمل سبع سنين وأدخلها عليه مع أختها. وكان ذلك سائغاً في ملتهم، ثم نسخ في شريعة التوراة. وهذا وحده دليل كاف على وقوع النسخ، لأن فعل يعقوب عليه السلام دليل على جواز هذا وإباحته، لأنه معصوم. ووهب «لابان» لكل واحدة من ابنتيه جارية؛ فوهب لليا جارية اسمها: «زلفى»، ووهب لراحيل جارية اسمها: «بلهى».
وجبر الله تعالى ضعف «ليا» بأن وهب لها أولاداً، فكان أول من ولدت ليعقوب، روبيل، ثم شمعون، ثم لاوى، ثم يهوذا. فغارت عند ذلك «راحيل» وكانت لا تحبل، فوهبت ليعقوب جاريتها «بلهى» فوطئها فحملت، وولدت له غلاماً سمته «دان»، وحملت وولدت غلاماً آخر سمته «نيفتالى». فعمدت عند ذلك «ليا» فوهبت جاريتها «زلفى» من يعقوب عليه السلام فولدت له: جاد، وأشير، غلامين ذكرين ثم حملت «ليا» أيضاً فولدت غلاماً خامساً منها وسمته «ايساخر» ثم حملت وولدت غلاماً سادساً سمته «زابلون». ثم حملت وولدت بنتا سمتها «دينار» فصار لها سبعة من يعقوب.
ثم دعت الله تعالى «راحيل» وسألته أن يهب لها غلاماً من يعقوب فسمع الله نداءها وأجاب دعاءها، فحملت من نبي الله يعقوب، فولدت له غلاماً عظيماً شريفاً حسناً جميلاً سمته «يوسف».
كل هذا وهم مقيمون بأرض حران، وهو يرعى على خاله غنمه بعد دخوله على البنتين ست سنين أخرى، فصار مدة مقامه عشرين سنة.
فطلب يعقوب من خاله «لابان» أن يسرحه ليمر إلى أهله، فقال له خاله: إني قد بورك لي بسببك فسلني من مالي ما شئت. فقال: تعطيني كل حمل يولد من غنمك هذه السنة أبقع، وكل حمل ملمع أبيض بسواد، وكل أملح ببياض، وكل أجلح أبيض من المعز فقال:
نعم.
فعمد بنوه فأبرزوا من غنم أبيهم ما كان على هذه الصفات من التيوس، لئلا يولد شيء من الحملان على هذه الصفات. وساروا بها مسيرة ثلاثة أيام عن غنم أبيهم.
قالوا: فعمد يعقوب عليه السلام إلى قضبان رطبة بيض من لوز ولب، فكان يقشرها بلقا، وينصبها في مساقي الغنم من المياه، لتنظر الغنم إليها فتفزع وتتحرك أولادها في بطونها، فتصير ألوان حملانها كذلك.
وهذا يكون من باب خوارق العادات، وينتظم في سلك المعجزات.
فصار ليعقوب عليه السلام أغنام كثيرة ودواب وعبيد، وتغير له وجه خاله وبنيه. وكأنهم انحصروا منه.
وأوحى الله تعالى إلى يعقوب أن يرجع إلى بلاد أبيه وقومه، ووعده بأن يكون معه، فعرض ذلك على أهله فأجابوه مبادرين إلى طاعته، فتحمل بأهله وماله، وسرقت راحيل أصنام أبيها.
فلما جاوزوا وتحيزوا عن بلادهم، لحقهم «لابان» وقومه، فلما اجتمع لابان بيعقوب عاتبه في خروجه بغير علمه، وهلا أعلمه فيخرجهم في فرح ومزاهر وطبول، وحتى يودع بناته وأولادهن، ولم أخذوا أصنامه معهم؟
ولم يكن عند يعقوب علم من أصنامه، فأنكر أن يكون أخذوا له أصناماً. فدخل بيوت بناته وإمائهن يفتش فلم يجد شيئاً، وكانت راحيل قد جعلتهن في برذعة الجمل وهي تحتها، فلم تقم، واعتذرت بأنها طامث. فلم يقدر عليهن.
فعند ذلك تواثقوا على رابية هناك يقال لها «جلعاد» على أنه لا يهين بناته، ولا يتزوج عليهن، ولا يجاوز هذه الرابية إلى بلاد الآخر، لا لابان، ولا يعقوب، وعملا طعاماً وأكل القوم معهم وتودع كل منهما من الآخر. وتفارقوا راجعين إلى بلادهم.
فلما اقترب يعقوب من أرض «ساعير» تلقته الملائكة يبشرونه بالقدوم وبعث يعقوب البرد إلى أخيه العيصو يترفق له ويتواضع له. فرجعت البرد وأخبرت يعقوب بأن العيص قد ركب إليك في أربعمائة رجل.
فخشي يعقوب من ذلك، ودعا الله عز وجل وصلى له، وتضرع إليه وتمسكن لديه، وناشده عهده ووعده الذي وعده به. وسأله أن يكف عنه شر أخيه العيص. وأعد لأخيه هدية عظيمة هي: مائتا شاة، وعشرون تيساً ومائتا نعجة، وعشرون كبشاً، وثلاثون لقحة، وأربعون بقرة، وعشرة من الثيران وعشرون أتانا وعشرة من الحمر. وأمر عبيده أن يسوقوا كلا من هذه الأصناف وحده. وليكن بين كل قطيع وقطيع مسافة، فإذا لقيهم العيص فقال للأول لمن أنت؟ ولمن هذه معك؟ فليقل: لعبدك يعقوب، أهداها لسيدي العيص وليقل الذي بعده كذلك وكذلك الذي بعده وكذا الذي بعده، ويقول كل منهم: وهو جاء بعدنا.
وتأخر يعقوب بزوجتيه وأمتيه وبنيه الأحد عشر بعد الكل بليلتين، وجعل يسير فيهما ليلاً ويكمن نهاراً. فلما كان وقت الفجر من الليلة الثانية، تبدى له ملك من الملائكة في صورة رجل، فظنه يعقوب رجلاً من الناس، فأتاه يعقوب ليصارعه ويغالبه، فظهر عليه يعقوب فيما يرى، إلا أن الملك أصاب وركه فعرج يعقوب. فلما أضاء الفجر قال له الملك: ما اسمك؟ قال: يعقوب. قال: لا ينبغي أن تدعى بعد اليوم إلا إسرائيل. فقال له يعقوب: ومن أنت؟ وما اسمك؟ فذهب عنه. فعلم أنه ملك من الملائكة، وأصبح يعقوب وهو يعرج من رجله. فلذلك لا يأكل بنو إسرائيل عرق النساء
ورفع يعقوب عينيه فإذا أخوه عيصو قد أقبل في أربعمائة راجل، فتقدم أمام أهله. فلما رأى أخاه العيص سجد له سبع مرات، وكانت هذه تحيتهم في ذلك الزمان. وكان مشروعاً لهم؛ كما سجدت الملائكة لآدم تحية وكما سجد اخوة يوسف وأبواه له كما سيأتي.
فلما رآه العيص تقدم إليه واحتضنه وقبله وبكى، ورفع العيص عينيه ونظر إلى النساء والصبيان فقال: من أين لك هؤلاء؟ فقال: هؤلاء الذين وهب الله لعبدك، فدنت الأمتان وبنوهما فسجدوا له. ودنت «ليا» وبنوها فسجدوا له. ودنت «راحيل» وابنها يوسف فخرا سجداً له. وعرض عليه أن يقبل هديته وألح عليه فقبلها.
ورجع العيص فتقدم أمامه، ولحقه يعقوب بأهله وما معه من الأنعام والمواشي والعبيد قاصدين جبال «ساعير».
فلما مر بساحور ابتنى له بيتاً، ولدوا به ظلالاً، ثم مر على أورشليم قرية شخيم فنزل قبل القرية، واشترى مزرعة شخيم ابن جمور بمائة نعجة، فضرب هنالك فسطاطه، وابتنى ثم مذبحاً فسماه «ايل» إلٰه إسرائيل وأمره الله ببنائه ليستعلن له فيه. وهو بيت المقدس اليوم، الذي جدده بعد ذلك سليمان بن داود عليهما السلام: وهو مكان الصخرة التي علمها بوضع الدهن عليها قبل ذلك، كما ذكرنا أولاً.
وذكر أهل الكتاب هنا قصة «دينا» بنت يعقوب بنت «ليا» وما كان من أمرها مع شخيم بن جمور الذي قهرها على نفسها، وأدخلها منزله ثم خطبها من أبيها وإخوتها، فقال إخوتها إلا أن تختتنوا كلكم فنصاهركم وتصاهرونا، فإنا لا نصاهر قوماً غلفاً، فأجابوهم إلى ذلك واختتنوا كلهم. فلما كان اليوم الثالث واشتد وجعهم من ألم الختان، مال عليهم بنو يعقوب فقتلوهم عن آخرهم، وقتلوا شخيما وأباه جمور لقبيح ما صنعوا إليهم، مضافاً إلى كفرهم، وما كانوا يعبدونه من أصنامهم، فلهذا قتلهم بنو يعقوب وأخذوا أموالهم غنيمة.
ثم حملت راحيل فولدت غلاماً هو «بنيامين» إلا أنها جهدت في طلقها به جهداً شديداً وماتت عقيبه، فدفنها يعقوب في «أفراث». وهي بيت لحم، وصنع يعقوب على قبرها حجراً، وهي الحجارة المعروفة بقبر راحيل إلى اليوم. وكان أولاد يعقوب الذكور اثنى عشر رجلاً. فمن ليا: روبيل، وشمعون، ولاوي، ويهودا، وايساخر، وزابلون. ومن راحيل: يوسف، وبنيامين. ومن أمة راحيل: دان، ونفتالى، ومن أمة ليا: جاد، وأشير، عليهم السلام.
وجاء يعقوب إلى أبيه إسحاق فأقام عنده بقرية حبرون التي في أرض كنعان حيث كان يسكن إبراهيم. ثم مرض إسحاق ومات عن مائة وثمانين سنة: ودفنه ابناه: العيص ويعقوب مع أبيه إبراهيم الخليل في المغارة التي اشتراها.
يتبع


======================














التعديل الأخير تم بواسطة بحرجديد ; 02-01-2014 الساعة 11:22 PM
بحرجديد متصل الآن   رد مع اقتباس
قديم 05-23-2010, 02:29 PM   #25 (permalink)
بحرجديد
مشرف التاريخ والحضاره - أمير الأبداع - مشرف الشهر المميز
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
قـصَّــة يُـــوسُفَ ابن رَاحِيلْ


وقد أنزل الله عز وجل في شأنه وما كان من أمره سورة من القرآن العظيم، ليتدبر ما فيها من الحكم والمواعظ والآداب والأمر الحكيم. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {الر تِلْكَ ءايَاتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ (1) إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ (3) } (يوسف: 1 ـــ 3).
قد تكلمنا على الحروف المقطعة في أول تفسير سورة البقرة، فمن أراد تحقيقه فلينظره ثم، وتكلمنا على هذه السورة مستقصي في موضعها من التفسير. ونحن نذكر هاهنا نبذا مما هناك على وجه الايجاز والنجاز.
وجملة القول في هذا المقام: أنه تعالى يمدح كتابه العظيم الذي أنزله على عبده ورسوله الكريم، بلسان عربي فصيح، بين واضح جلي، يفهمه كل عاقل ذكي زكي. فهو أشرف كتاب نزل من السماء، أنزله أشرف الملائكة على أشرف الخلق في أشرف زمان ومكان، بأفصح لغة وأظهر بيان.
فإن كان السياق في الأخبار الماضية أو الآتية ذكر أحسنها وأبينها، وأظهر الحق مما اختلف الناس فيه، ودمغ الباطل وزيفه ورده.
وإن كان في الأوامر والنواهي فأعدل الشرائع وأوضح المناهج، وأبين حكمة وأعدل حكماً.
فهو كما قال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً } (الأنعام: 115).
يعني صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الأوامر والنواهي.
ولهذا قال تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ (3) } (يوسف: 3) أي بالنسبة إلى ما أوحي إليك فيه.
كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلاَ ٱلإِيمَـٰنُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُوراً نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَآء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ (52) صِرٰطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِى ٱلاْرْضِ أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلاْمُورُ (53) } (الشورى: 52 ـــ 53).
وقال تعالى: {كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآء مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَـٰكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً (99) مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وِزْراً (100) خَـٰلِدِينَ فِيهِ وَسَآء لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ حِمْلاً (101) } (طه: 99 ـــ 101).
يعني من أعرض عن هذا القرآن واتبع غيره من الكتب فإنه يناله هذا الوعيد. كما قال في الحديث المروي في «المسند» والترمذي عن أمير المؤمنين علي، مرفوعاً وموقوفاً: «من ابتغى الهدى في غيره أضله الله».
وقال الإمام أحمد: حدثنا سريج بن النعمان، حدثنا هشام، أنبأنا خالد عن الشعبي، عن جابر: أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم قال: فغضب وقال: أتتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني». إسناد صحيح.
ورواه أحمد من وجه آخر عن عمر وفيه: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم إنكم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين».
وقد أوردت طرق هذا الحديث وألفاظه في أول سورة يوسف. وفي بعضها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال في خطبته: «أيها الناس إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه، واختصر لي اختصاراً، وقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا تتهوكوا، ولا يغرنكم المتهوكون». ثم أمر بتلك الصحيفة فمحيت حرفاً حرفاً.
{إِذْ قَالَ يُوسُفُ لاِبِيهِ يٰأَبتِ إِنّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ (4) قَالَ يٰبُنَىَّ لاَ تَقْصُصْ رُءيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لِلإِنْسَـٰنِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (5) وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلاْحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ ءالِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَآ عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6) } (يوسف: 4 ـــ 6).
قد قدمنا أن يعقوب كان له من البنين اثنا عشر ولداً ذكراً وسميناهم، وإليهم ننسب أسباط بني إسرائيل كلهم، وكان أشرفهم وأجلهم وأعظمهم يوسف عليه السلام.
وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أنه لم يكن فيهم نبي غيره، وباقي إخوته لم يوح إليهم.
وظاهر ما ذكر من فعالهم ومقالهم في هذه القصة يدل على هذا القول.
ومن استدل على نبوتهم بقولهم: {قُولُواْ ءامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَى إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلاسْبَاطِ } (البقرة: 136) وزعم أن هؤلاء هم الأسباط فليس استدلاله بقوي، لأن المراد بالأسباط شعوب بني إسرائيل وما كان يوجد فيهم من الأنبياء الذين ينزل عليهم الوحي من السماء والله أعلم.
ومما يؤيد أن يوسف عليه السلام هو المختص من بين إخوته بالرسالة والنبوة ـــ أنه ما نص على واحد من إخوته سواه، فدل على ما ذكرناه.
ويستأنس لهذا بما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا عبد الرحمٰن، عن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم».
انفرد به البخاري. فرواه عن عبد الله بن محمد وعبدة عن عبد الصمد بن عبد الوارث به وقد ذكرنا طرقه في قصة إبراهيم بما أغنى عن إعادته هنا. ولله الحمد والمنة.
قال المفسرون وغيرهم: رأى يوسف عليه السلام وهو صغير قبل أن يحتلم، كأن أحد عشر كوكباً، وهم اشارة إلى بقية إخوته، والشمس والقمر وهما عبارة عن أبويه، قد سجدوا له، فهاله ذلك.
فلما استيقظ قصها على أبيه، فعرف أبوه أنه سينال منزلة عالية ورفعة عظيمة في الدنيا والآخرة، بحيث يخضع له أبواه وإخوته فيها. فأمره بكتمانها وأن لا يقصها على إخوته؛ كيلا يحسدوه ويبغوا له الغوائل ويكيدوه بأنواع الحيل والمكر.
ولهذا جاء في بعض الآثار: «استعينوا على قضاء حوائجكم بكتمانها فإن كل ذي نعمة محسود».
وعند أهل الكتاب أنه قصها على أبيه وإخوته معاً. وهو غلط منهم.
{وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ } أي وكما أراك هذه الرؤيا العظيمة، فإذا كتمتها {يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ } (يوسف: 6) أي يخصك بأنواع اللطف والرحمة، {وَيُعَلّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلاْحَادِيثِ } (يوسف: 6) أي يفهمك من معاني الكلام وتعبير المنام ما لا يفهمه غيرك.
{وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ } أي بالوحي إليك {وَعَلَىٰ ءالِ يَعْقُوبَ } أي بسببك،
ويحصل لهم بك خير الدنيا والآخرة. {كَمَآ أَتَمَّهَآ عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ } (يوسف: 6) أي ينعم عليك ويحسن إليك بالنبوة، كما أعطاها أباك يعقوب، وجدك إسحاق، ووالد جدك إبراهيم الخليل، {إن ربك عليم حكيم} كما قال تعالى: {ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } (الأنعام: 124).
ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل: أي الناس أكرم؟ قال: «يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله».
وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم في «تفسيريهما» ، وأبو يعلى والبزار في «مسنديهما» ، من حديث الحكم بن ظهير ـــ وقد ضعفه الأئمة ـــ عن السدي عن عبد الرحمٰن بن سابط، عن جابر قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود يقال له: بستانة اليهودي، فقال: يا محمد أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف أنها ساجدة له ما أسماؤها؟ قال: فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجبه بشيء، ونزل جبريل عليه السلام بأسمائها، قال: فبعث إليه رسول الله فقال: «هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها؟» قال: نعم. فقال: هي جريان، والطارق، والذيال، وذو الكتفان، وقابس، ووثاب، وعمودان، والفيلق، والمصبح، والضروح، وذو الفرع، والضياء، والذور».
فقال اليهودي: أي والله إنها لأسماؤها. وعند أبي يعلى: فلما قصها على أبيه قال: هذا أمر مشتت يجمعه الله، والشمس أبوه والقمر أمه.
{ لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ ءايَـٰتٌ لّلسَّآئِلِينَ (7) إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلٰلٍ مُّبِينٍ (8) ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَـٰلِحِينَ (9) قَالَ قَآئِلٌ مّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِى غَيَابَةِ ٱلْجُبّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ (10) } (يوسف: 7 ـــ 10).
ينبه تعالى على ما في هذه القصة من الآيات والحكم، والدلالات والمواعظ والبينات. ثم ذكر حسد إخوة يوسف له على محبة أبيه له ولأخيه ـــ يعنون شقيقه لأمه بنيامين ـــ أكثر منهم، وهم عصبة أي جماعة يقولون: فكنا نحن أحق بالمحبة من هذين {إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلٰلٍ مُّبِينٍ } أي بتقديمه حبهما علينا.
ثم اشتوروا فيما بينهم في قتل يوسف أو إبعاده إلى أرض لا يرجع منها، ليخلو لهم وجه أبيهم أي لتتمحض محبته لهم وتتوفر عليهم، وأضمروا التوبة بعد ذلك.
فلما تمالأوا على ذلك وتوافقوا عليه {قَالَ قَآئِلٌ مّنْهُمْ } قال مجاهد: هو شمعون، وقال السدي: هو يهوذا، وقال قتادة ومحمد بن إسحاق هو أكبرهم روبيل: {لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِى غَيَابَةِ ٱلْجُبّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ } الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعينأي المارة من المسافرين {إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ } ما تقولون لا محالة، فليكن هذا الذي أقول لكم، فهو أقرب حالاً من قتله أو نفيه وتغريبه.
فأجمعوا رأيهم على هذا، فعند ذلك {قَالُواْ يَـأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَـٰصِحُونَ (11) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ (12) قَالَ إِنّى لَيَحْزُنُنِى أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَـٰفِلُونَ (13) قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّآ إِذَا لَّخَـٰسِرُونَ (14) } (يوسف: 11 ـــ 14). طلبوا من أبيهم أن يرسل معهم أخاهم يوسف، وأظهروا له أنهم يريدون أن يرعى معهم، وأن يلعب وينبسط، وقد أضمروا له ما الله به عليم.
فأجابهم الشيخ، عليه من الله أفضل الصلاة والتسليم: يا بني يشق علي أن أفارقه ساعة من النهار، ومع هذا أخشى أن تشتغلوا في لعبكم وما أنتم فيه، فيأتي الذئب فيأكله، ولا يقدر على دفعه عنه لصغره وغفلتكم عنه.
{قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّآ إِذَا لَّخَـٰسِرُونَ } (يوسف: 14) أي لئن عدا عليه الذئب فأكله من بيننا، أو اشتغلنا عنه حتى وقع هذا ونحن جماعة، إنا إذن لخاسرون، أي عاجزون هالكون.
وعند أهل الكتاب: أنه أرسله وراءهم يتبعهم، فضل عن الطريق حتى أرشده رجل إليهم. وهذا أيضاً من غلطهم وخطئهم في التعريب؛ فإن يعقوب عليه السلام كان أحرص عليه من أن يبعثه معهم، فكيف يبعثه وحده.
{فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَابَةِ ٱلْجُبّ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ (15) وَجَآءوا أَبَاهُمْ عِشَآء يَبْكُونَ (16) قَالُواْ يَـأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَـٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذّئْبُ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَـٰدِقِينَ (17) وَجَآءوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ (18) } (يوسف: 15 ـــ 18).
لم يزالوا بأبيهم حتى بعثه معهم، فما كان إلا غابوا عن عينيه، فجعلوا يشتمونه ويهينونه بالفعال والمقال، وأجمعوا على إلقائه في غيابة الجب، أي في قعره على راعونته، وهي الصخرة التي تكون في وسطه يقف عليها المائح، وهو الذي ينزل ليملأ الدلاء إذا قل الماء والذي يرفعها بالحبل يسمى الماتح.
فلما ألقوه فيه، أوحى الله إليه: أنه لا بد لك من فرج ومخرج من هذه الشدة التي أنت فيها، ولتخبرن إخوتك بصنيعهم هذا في حال أنت فيها عزيز، وهم محتاجون إليك خائفون منك، {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ }.
قال مجاهد وقتادة: وهم لا يشعرون بإيحاء الله إليه ذلك. عن ابن عباس: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } أي لتخبرنهم بأمرهم هذا في حال لا يعرفونك فيها رواه ابن جرير عنه.
فلما وضعوه فيه ورجعوا عنه، أخذوا قميصه فلطخوه بشيء من دم، ورجعوا إلى أبيهم عشاء وهم يبكون، أي على أخيهم. ولهذا قال بعض السلف: لا يغرنك بكاء المتظلم فرب ظالم وهو باك، وذكر بكاء إخوة يوسف وقد جاءوا أباهم عشاء يبكون، أي في ظلمة الليل؛ ليكون أمشي لغدرهم لا لعذرهم.
{قَالُواْ يَـأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَـٰعِنَا } أي ثيابنا {فَأَكَلَهُ ٱلذّئْبُ } أي في غيبتنا عنه في استباقنا. وقولهم {وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَـٰدِقِينَ } أي وما أنت بمصدق لنا في الذي أخبرناك من أكل الذئب له، ولو كنا غير متهمين عندك. فكيف وأنت تتهمنا في هذا؟ فإنك خشيت أن يأكله الذئب، وضمنا لك أن لا يأكله لكثرتنا حوله، فصرنا غير مصدقين عندك، فمعذور أنت في عدم تصديقك لنا والحالة هذه.
{وَجَآءوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ } أي مكذوب مفتعل؛ لأنهم عمدوا إلى سخلة ذبحوها، فأخذوا من دمها فوضعوه على قميصه، ليوهموه أنه أكله الذئب. قالوا: ونسوا أن يخرقوه، وآفة الكذب النسيان ولما ظهرت عليهم علائم الريبة لم يرج صنيعهم على أبيهم؛ فإنه كان يفهم عداوتهم له، وحسدهم إياه على محبته له من بينهم أكثر منهم، لما كان يتوسم فيه من الجلالة والمهابة التي كانت عليه في صغره، لما يريد الله أن يخصه به من نبوته، ولما راودوه عن أخذه فبمجرد ما أخذوه أعدموه، وغيبوه عن عينيه وجاءوا وهم يتباكون، وعلى ما تملأوا يتواطأون. ولهذا {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ }.

وعند أهل الكتاب: أن روبيل أشار بوضعه في الجب ليأخذه من حيث لا يشعرون ويرده إلى أبيه، فغافلوه وباعوه لتلك القافلة. فلما جاء روبيل آخر النهار ليخرج يوسف لم يجده، فصاح وشق ثيابه، وعمد أولئك إلى جدي فذبحوه، ولطخوا من دمه جبة يوسف، فلما علم يعقوب شق ثيابه، ولبس مئزراً أسود وحزن على ابنه أياماً كثيرة.
وهذه الركاكة جاءت من خطئهم في التعبير والتصوير.
{وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ قَالَ يٰبُشْرَىٰ هَـٰذَا غُلاَمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَـٰعَةً وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرٰهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزهِدِينَ (20) وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَاهُ مِن مّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِى مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلاْرْضِ وَلِنُعَلّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلاْحَادِيثِ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (21) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ (22) } (يوسف: 19 ـــ 22).
يخبر تعالى عن قصة يوسف حين وضع في الجب: أنه جلس ينتظر فرج الله ولطفه به، فجاءت سيارة، أي مسافرون. قال أهل الكتاب: كانت بضاعتهم من الفستق والصنوبر والبطم قاصدين ديار مصر من الشام، فأرسلوا بعضهم ليستقوا من ذلك البئر، فلما أدلى أحدهم دلوه تعلق فيه يوسف.
فلما رآه ذلك الرجل {قَالَ يٰبُشْرَىٰ } أي يا بشارتي {هَـٰذَا غُلاَمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَـٰعَةً } أي أوهموا أنه معهم غلام من جملة متجرهم { ، } أي هو عالم بما تمالأ عليه إخوته، وبما يسره واجدوه من أنه بضاعة لهم.g ومع هذا لا يغيره تعالى، لما له في ذلك من الحكمة العظيمة والقدر السابق والرحمة بأهل مصر؛ بما يجري الله على يدي هذا الغلام الذي يدخلها في صورة أسير رقيق، ثم بعد هذا يملكه أزمة الأمور وينفعهم الله به في دنياهم وأخراهم، بما لا يحد ولا يوصف.
ولما استشعر إخوة يوسف بأخذ السيارة له لحقوهم، وقالوا هذا غلامنا أبق منا، فاشتروه منهم بثمن بخس، أي قليل نزر، وقيل هو الزيف {دَرٰهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزهِدِينَ }.
قال ابن مسعود وابن عباس ونوف البكالي والسدي وقتادة وعطية العوفي:
باعوه بعشرين درهما، اقتسموها درهمين وقال مجاهد: اثنان وعشرون درهماً. وقال عكرمة ومحمد بن إسحاق: أربعون درهماً. والله أعلم.
{وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَاهُ مِن مّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِى مَثْوَاهُ } أي أحسني إليه {عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا }، وهذا من لطف الله به ورحمته وإحسانه إليه، بما يريد أن يؤهله له ويعطيه من خيري الدنيا والآخرة.
قالوا: وكان الذي اشتراه من أهل مصر عزيزها وهو الوزير بها، الذي (تكون) الخزائن مسلمة إليه. قال ابن إسحاق: واسمه اطفير بن روحيب قال: وكان ملك مصر يومئذ الريان بن الوليد، رجل من العماليق. قال: واسم امرأة العزيز «راعيل» بنت رعاييل. وقال غيره: كان اسمها «زليخا» والظاهر أنه لقبها. وقيل «فكا» بنت ينوس، رواه الثعلبي عن ابن هشام الرفاعي.
وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس: كان اسم الذي باعه بمصر ـــ يعني الذي جلبه إليها ـــ مالك بن زعر بن نويب بن عفقا بن مديان بن إبراهيم. فالله أعلم.
وقال ابن إسحاق عن أبي عبيدة عن ابن مسعود قال: أفرس الناس ثلاثة: عزيز مصر حين قال لامرأته: {أَكْرِمِى مَثْوَاهُ }، والمرأة التي قالت لأبيها عن موسى: {يٰأَبَتِ ٱسْتَـجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَـجَرْتَ ٱلْقَوِىُّ ٱلامِينُ } (القصص: 26)، وأبو بكر الصديق حين استخلف عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.
ثم قيل: اشتراه العزيز بعشرين دينارا، وقيل بوزنه مسكاً ووزنه حريراً ووزنه ورقاً. فالله أعلم.
وقوله: {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلاْرْضِ } (يوسف: 21) أي وكما قيضنا هذا العزيز وامرأته يحسنان إليه ويعتنيان به مكنا له في أرض مصر {وَلِنُعَلّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلاْحَادِيثِ } (يوسف: 21) أي فهمها، وتعبير الرؤيا من ذلك. {وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ } (يوسف: 21) أي إذا أراد شيئاً فإنه يقيض له أسباباً وأموراً لا يهتدي إليها العباد. ولهذا قال تعالى: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } (يوسف: 21).
{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ (22) } (يوسف: 22) . فدل على أن هذا كله كان وهو قبل بلوغ الأشد، وهو حد الأربعين الذي يوحي الله فيه إلى عباده النبيين، عليهم الصلاة والسلام من رب العالمين.
وقد اختلفوا في مدة العمر الذي هو بلوغ الأشد: فقال مالك وربيعة وزيد بن أسلم والشعبي: هو الحلم. وقال سعيد بن جبير: ثماني عشرة سنة. وقال الضحاك: عشرون سنة. وقال عكرمة: خمس وعشرون سنة. وقال السدى: ثلاثون سنة. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ثلاث وثلاثون سنة. وقال الحسن: أربعون سنة، ويشهد له قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً } (الأحقاف: 15).
{وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ ٱلاْبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ إِنَّهُ رَبّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَّ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلآ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ كَذٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوء وَٱلْفَحْشَآء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ (24) وَٱسُتَبَقَا ٱلْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَىٰ ٱلْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَآء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءا إِلا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25) قَالَ هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَـٰذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّـٰدِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا وَٱسْتَغْفِرِى لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَـٰطِئِينَ} (يوسف: 23 ـــ 29).
يذكر تعالى ما كان من مراودة امرأة العزيز ليوسف عليه السلام عن نفسه وطلبها منه ما لا يليق بحاله ومقامه، وهي في غاية الجمال والمال. والمنصب والشباب. وكيف غلقت الأبواب عليها وعليه، وتهيأت له وتصنعت، ولبست أحسن ثيابها وأفخر لباسها، وهي مع هذا كله امرأة الوزير. قال ابن إسحاق: وبنت أخت الملك الريان بن الوليد صاحب مصر.
وهذا كله مع أن يوسف عليه السلام شاب بديع الجمال والبهاء، إلا إنه نبي من سلالة الأنبياء، فعصمه ربه عن الفحشاء، وحماه عن مكر النساء، فهو سيد السادة النجباء، السبعة الأتقياء المذكورين في «الصحيحين» عن خاتم الأنبياء، في قوله عليه الصلاة والسلام من رب الأرض والسماء:
«سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه، ورجل معلق قلبه بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله».
والمقصود إنها دعته إليها وحرصت على ذلك أشد الحرص، فقال: {مَعَاذَ ٱللَّهِ إِنَّهُ رَبّى } يعني زوجها صاحب المنزل سيدي {أَحْسَنَ مَثْوَاىَّ } (يوسف: 23) أي أحسن إلي وأكرم مقامي عنده {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } وقد تكلمنا على قوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلآ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ } بما فيه كفاية ومقنع في التفسير.
وأكثر أقوال المفسرين هاهنا متلقى من كتب أهل الكتاب، فالإعراض عنه أولى بنا.
والذي يجب أن يعتقد: أن الله تعالى عصمه وبرأه، ونزهه عن الفاحشة وحماه عنها وصانه منها، ولهذا قال تعالى: {كَذٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوء وَٱلْفَحْشَآء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ }.
{وَٱسُتَبَقَا ٱلْبَابَ } أي هرب منها طالباً الباب ليخرج منه فراراً منها فاتبعته في أثره {وَأَلْفَيَا } أي وجدا {سَيِّدَهَا } أي زوجها {لَدَىٰ ٱلْبَابِ }، فبدرته بالكلام وحرضته عليه، {قَالَتْ مَا جَزَآء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءا إِلا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } (يوسف: 25) اتهمته وهي المتهمة، وبرأت عرضها ونزهت ساحتها. فلهذا قال يوسف عليه السلام: {هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى } احتاج إلى أن يقول الحق عند الحاجة.
{وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّنْ أَهْلِهَآ } قيل كان صغيراً في المهد. قاله ابن عباس وروي عن أبي هريرة وهلال بن يساف والحسن البصري وسعيد بن جبير والضحاك. واختاره ابن جرير، وروى فيه حديثا مرفوعاً عن ابن عباس، ووقفه غيره عنه.
وقيل كان رجلاً قريباً إلى «قطفير» بعلها، وقيل قريباً إليها. وممن قال أنه كان رجلاً: ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق وزيد بن أسلم.
فقال: {إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَـٰذِبِينَ } أي لأنه يكون قد راودها فدافعته حتى قدت مقدم قميصه.
{وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّـٰدِقِينَ (27) } أي لأنه يكون قد هرب منها فاتبعته وتعلقت فيه فانشق قميصه لذلك، وكذلك كان. ولهذا قال تعالى: {فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) } أي هذا الذي جرى من مكركن، أنت راودتيه عن نفسه، ثم اتهمتيه بالباطل.
ثم أضرب بعلها عن هذا صفحا فقال: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا } أي لا تذكره لأحد، لأن كتمان مثل هذه الأمور هو الأليق والأحسن وأمرها بالاستغفار لذنبها الذي صدر منها، والتوبة إلى ربها، فإن العبد إذا تاب إلى الله تاب الله عليه.
وأهل مصر وإن كانوا يعبدون الأصنام إلا أنهم يعلمون أن الذي يغفر الذنوب ويؤاخذ بها هو الله وحده لا شريك له في ذلك. ولهذا قال لها بعلها، وعذرها من بعض الوجوه؛ لأنها رأت ما لا صبر لها على مثله، إلا أنه عفيف نزيه بريء العرض سليم الناحية فقال: {وَٱسْتَغْفِرِى لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَـٰطِئِينَ } (يوسف: 29).
{ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَـٰهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ (30) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئًا وَءاتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مّنْهُنَّ سِكّينًا وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ للَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) قَالَتْ فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَٱسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءامُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مّن ٱلصَّـٰغِرِينَ (32) قَالَ رَبّ ٱلسّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِى إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مّنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ (33) فَٱسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ (34) } (يوسف: 30 ـــ 34).


يذكر تعالى ما كان من قبل نساء المدينة، من نساء الأمراء وبنات الكبراء في الطعن على امرأة العزيز وعيبها، والتشنيع عليها في مراودتها فتاها، وحبها الشديد له وهو لا يساوي هذا لأنه مولى من الموالي وليس مثله أهلاً لهذا. ولهذا قلن: {إِنَّا لَنَرَاهَا فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } أي في وضعها الشيء في غير محله.
{فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ } أي بتشنيعهن عليها والتنقص لها، والإشارة إليها بالعيب والمذمة بحب مولاها وعشق فتاها، فأظهرن ذماً وهي معذورة في نفس الأمر، فلهذا أحبت أن تبسط عذرها عندهن، وتبين أن هذا الفتى ليس كما حسبن، ولا من قبيل ما لديهن. فأرسلت إليهن فجمعتهن في منزلها، وأعتدت لهن ضيافة مثلهن، وأحضرت في جملة ذلك شيئاً مما يقطع بالسكاكين، كالأترج ونحوه، وآتت كل واحدة منهن سكيناً، وكانت قد هيأت يوسف عليه السلام، وألبسته أحسن الثياب وهو في غاية طراوة الشباب وأمرته بالخروج عليهن بهذه الحالة، فخرج وهو أحسن من البدر لا محالة.
{فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ } أي أعظمنه وأجللنه وهبنه، وما ظنن أن يكون مثل هذا في بني آدم، وبهرهن حسنه حتى اشتغلن عن أنفسهن، وجعلن يحززن في أيديهن بتلك السكاكين ولا يشعرن بالجراح، وقلن حاش لله ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم.
وقد جاء في حديث الإسراء: «فمررت بيوسف وإذا هو قد أعطى شطر الحسن». قال السهيلي وغيره من الأئمة: معناه أنه كان على النصف من حسن آدم عليه السلام، لأن الله تعالى خلق آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، فكان في غاية نهايات الحسن البشري. ولهذا يدخل أهل الجنة الجنة على طول آدم وحسنه. ويوسف كان على النصف من حسن آدم. ولم يكن بينهما أحسن منهما؛ كما أنه لم تكن أنثى بعد حواء أشبه بها من سارة امرأة الخليل عليه السلام.
قال ابن مسعود: وكان وجه يوسف مثل البرق، وكان إذا أتته امرأة لحاجة غطى وجهه. وقال غيره: كان في الغالب مبرقعاً لئلا يراه الناس. ولهذا لما قام عذرن امرأة العزيز في محبتها لهذا المعنى المذكور، وجرى لهن وعليهن ما جرى؛ من تقطيع أيديهن بجراح السكاكين، وما ركبهن من المهابة والدهش عند رؤيته ومعاينته.
{قَالَتْ فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ } ثم مدحته بالعفة التامة فقال: {وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَٱسَتَعْصَمَ } أي امتنع {وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءامُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مّن ٱلصَّـٰغِرِينَ } (يوسف: 32).
وكان بقية النساء حرضنه على السمع والطاعة لسيدته،
فأبى أشد الإباء، ونأى لأنه من سلالة الأنبياء، ودعا فقال في دعائه لرب العالمين: {رَبّ ٱلسّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِى إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مّنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ } يعني إن وكلتني إلى نفسي، فليس لي من نفسي إلا العجز والضعف، ولا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله. فأنا ضعيف إلا ما قويتني وعصمتني وحفظتني، وحطتني بحولك وقوتك.
ولهذا قال تعالى: {فَٱسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ (34) ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَـٰتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ (35) وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنّى أَرَانِى أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ ٱلآخَرُ إِنّى أَرَانِى أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ نَبّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ (36) قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبّى إِنّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُمْ بِٱلاْخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ (37) وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءابَآءي إِبْرٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْء ذٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ (38) يٰصَاحِبَىِ ٱلسّجْنِ ءأَرْبَابٌ مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآء سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءابَآؤُكُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذٰلِكَ ٱلدّينُ ٱلْقَيّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (40) يٰصَاحِبَىِ ٱلسّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا ٱلاْخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِىَ ٱلاْمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (41) } (يوسف: 34 ـــ 41).
يذكر تعالى عن العزيز وامرأته أنهم بدا لهم، أي ظهر لهم من الرأي بعد ما علموا براءة يوسف أن يسجنوه إلى وقت؛ ليكون ذلك أقل لكلام الناس في تلك القضية، وأحمد لأمرها، وليظهروا أنه راودها عن نفسها فسجن بسببها، فسجنوه ظلماً وعدواناً.
وكان هذا مما قدر الله له، ومن جملة ما عصمه به؛ فإنه أبعد له عن معاشرتهم ومخالطتهم.
ومن هاهنا استنبط بعض الصوفية ما حكاه عنهم الشافعي: أن من العصمة أن لا تجد.
قال الله: {وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسّجْنَ فَتَيَانَ }: قيل كان أحدهما ساقي الملك واسمه فيما قيل «نبوا» والآخر خبازه، يعني الذي يلي طعامه، وهو الذي يقول له الترك: «الجاشنكير» واسمه فيما قيل «مجلث» وكان الملك قد اتهمهما في بعض الأمور فسجنهما. فلما رأيا يوسف في السجن أعجبهما سمته وهديه، ودله وطريقته، وقوله وفعله، وكثرة عبادته ربه، وإحسانه إلى خلقه، فرأى كل واحد منهما رؤيا تناسبه.
قال أهل التفسير: رأيا في ليلة واحدة. أما الساقي فرأى كأن ثلاث قضبان من حبلة وقد أورقت وأينعت عناقيد العنب، فأخذها فاعتصرها في كأس الملك وسقاه. ورأى الخباز على رأسه ثلاث سلال من خبز، وضواري الطيور تأكل من السل الأعلى.
فقصاها عليه وطلبا منه أن يعبرها لهما وقالا: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ } فأخبرهما أنه عليم بتعبيرها خبير بأمرها، {قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا } (يوسف: 37) . قيل: معناه مهما رأيتما من حلم فإني أعبره لكم قبل وقوعه فيكون كما أقول. وقيل: معناه أني أخبركما بما يأتيكما من الطعام قبل مجيئه حلواً وحامضاً، كما قال عيسى: {وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ } (آل عمران: 49).
وقال لهما: إن هذا من تعليم الله إياي، لأني مؤمن به موحد له، متبع ملة آبائي الكرام: إبراهيم الخليل، وإسحاق ويعقوب. {مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْء ذٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا } أي بأن هدانا لهذا، {وَعَلَى ٱلنَّاسِ } (يوسف: 38) أي بأن أمرنا أن ندعوهم إليه ونرشدهم وندلهم عليه. وهو في فطرهم مركوز، وفي جبلتهم مغروز {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ } (يوسف: 38) .
ثم دعاهم إلى التوحيد وذم عبادة ما سوى الله عز وجل، وصغر أمر الأوثان وحقرها، وضعف أمرها فقال: {يٰصَاحِبَىِ ٱلسّجْنِ ءأَرْبَابٌ مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآء سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءابَآؤُكُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ } (يوسف: 40) أي المتصرف في خلقه الفعال لما يريد، الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء {أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ } أي وحده لا شريك له و{ذٰلِكَ ٱلدّينُ ٱلْقَيّمُ } أي المستقيم والصراط القويم {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } (يوسف: 40) أي فهم لا يهتدون إليه مع وضوحه وظهوره.
وكانت دعوته لهما في هذه الحال في غاية الكمال؛ لأن نفوسهما معظمة له، منبعثة على تلقي ما يقول بالقبول، فناسب أن يدعوهما إلى ما هو الأنفع لهما مما سألا عنه وطلبا منه.
ثم لما قام بما وجب عليه وأرشد إلى ما أرشد إليه قال: {يٰصَاحِبَىِ ٱلسّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا } قالوا وهو الساقي {وَأَمَّا ٱلاْخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ } قالوا وهو الخباز {قُضِىَ ٱلاْمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } (يوسف: 41) أي وقع هذا لا محالة، ووجب كونه على كل حالة. ولهذا جاء في الحديث: «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر؛ فإذا عبرت وقعت».
وقد روي عن ابن مسعود ومجاهد وعبد الرحمٰن بن زيد بن أسلم أنهما قالا: لم نر شيئاً فقال لهما: {قُضِىَ ٱلاْمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ }.
{وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مّنْهُمَا ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبّكَ فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ ذِكْرَ رَبّهِ فَلَبِثَ فِى ٱلسّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42) } (يوسف: 42).
يخبر تعالى أن يوسف قال للذي ظنه ناجياً منهما وهو الساقي: {ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبّكَ }، يعني اذكر أمري وما أنا فيه من السجن بغير جرم عند الملك. وفي هذا دليل على جواز السعي في الأسباب، ولا ينافي ذلك التوكل على رب الأرباب.
وقوله: {فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ ذِكْرَ رَبّهِ } أي فأنسى الناجي منهما الشيطان أن يذكر ما وصاه به يوسف عليه السلام قاله مجاهد ومحمد بن إسحاق وغير واحد. وهو الصواب، وهو منصوص أهل الكتاب.
{فَلَبِثَ } يوسف {فِى ٱلسّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ }. والبضع: ما بين الثلاث إلى التسع، وقيل إلى السبع، وقيل إلى الخمس، وقيل ما دون العشرة حكاها الثعلبي. ويقال بضع نسوة وبضعة رجال.
ومنع الفراء استعمال البضع فيما دون العشر. قال: وإنما يقال نيف وقال الله تعالى:
{فَلَبِثَ فِى ٱلسّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ } وقال تعالى: {فِى بِضْعِ سِنِينَ } (الروم: 2). وهذا رد لقوله.
قال الفراء: ويقال بضعة عشر وبضعة وعشرون إلى التسعين، ولا يقال: بضع ومائة، وبضع وألف. وخالف الجوهري فيما زاد على بضعة عشر، فمنع أن يقال بضعة وعشرون إلى تسعين. وفي الصحيح: «الإيمان بضع وستون شعبة، وفي رواية: وسبعون شعبة، وأعلاها قول لا إلٰه إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق».
ومن قال أن الضمير في قوله: {فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ ذِكْرَ رَبّهِ } (يوسف: 42) عائد على يوسف فقد ضعف ما قاله، وإن كان قد روى عن ابن عباس وعكرمة.
والحديث الذي رواه ابن جرير في هذا الموضع ضعيف من كل وجه. تفرد بإسناده إبراهيم بن يزيد الخوري المكي وهو متروك. ومرسل الحسن وقتادة لا يقبل، ولا هاهنا بطريق الأولى والأحرى، والله أعلم.
فأما قول ابن حبان في «صحيحه» ، عند ذكر السبب الذي من أجله لبث يوسف في السجن ما لبث: أخبرنا الفضل بن الحباب الجمحي، حدثنا مسدد بن مسرهد، حدثنا خالد بن عبد الله، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قالها {ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبّكَ } (يوسف: 42) ما لبث في السجن ما لبث، ورحم الله لوطا إن كان ليأوي إلى ركن شديد، إذ قال لقومه:{لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِى إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ } (هود: 80)، قال: فما بعث الله نبياً بعده إلا في ثروة من قومه».
فإنه حديث منكر من هذا الوجه. ومحمد بن عمرو بن علقمة له أشياء ينفرد بها وفيها نكارة. وهذه اللفظة من أنكرها وأشدها والذي في «الصحيحين» يشهد بغلطها. والله أعلم.
{وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنّى أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَـٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَـٰتٍ يأَيُّهَا ٱلْمَلا أَفْتُونِى فِى رُؤْيَـٰىَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43) قَالُواْ أَضْغَـٰثُ أَحْلَـٰمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلاْحْلَـٰمِ بِعَـٰلِمِينَ (44) وَقَالَ ٱلَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصّدِيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَـٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَـٰبِسَـٰتٍ لَّعَلّى أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49) } (يوسف: 43 ـــ 49).
هذا كان من جملة أسباب خروج يوسف عليه السلام من السجن على وجه الاحترام والإكرام، وذلك أن ملك مصر، وهو الريان بن الوليد بن ثروان بن أراشه بن فاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح، رأى هذه الرؤيا.
قال أهل الكتاب: رأى كأنه على حافة نهر، وكأنه قد خرج منه سبع بقرات سمان، فجعلن يرتعن في روضة هناك، فخرجت سبع هزال ضعاف من ذلك النهر، فرتعن معهن ثم ملن عليهن فأكلتهن، فاستيقظ مذعوراً. ثم نام فرأى سبع سنبلات خضر في قصبة واحدة، وإذا سبع أخر دقاق يابسات فأكلنهن فاستيقظ مذعوراً.
فلما قصها على ملئه وقومه لم يكن فيهم من يحسن تعبيرها، بل {قَالُواْ أَضْغَـٰثُ أَحْلَـٰمٍ } أي أخلاط أحلام من الليل، لعلها لا تعبير لها، ومع هذا فلا خبرة لنا بذلك. ولهذا قالوا: {وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلاْحْلَـٰمِ بِعَـٰلِمِينَ } فعند ذلك تذكر الناجي منهما، الذي وصاه يوسف بأن يذكره عند ربه فنسيه إلى حينه هذا، وذلك عن تقدير الله عز وجل له الحكمة في ذلك. فلما سمع رؤيا الملك، ورأى عجز الناس عن تعبيرها، تذكر أمر يوسف، وما كان أوصاه به من التذكار.
ولهذا قال تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ } أي تذكر {بَعْدَ أُمَّةٍ } أي بعد مدة من الزمان، وهو بضع سنين. وقرأ بعضهم كما حكى عن ابن عباس وعكرمة والضحاك: {وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ } أي بعد نسيان. وقرأها مجاهد: {بَعْدَ أُمَّةٍ } باسكان الميم وهو النسيان أيضاً. يقال أمه الرجل يأمه أمها وأمها، إذا نسي. قال الشاعر:
أمهت وكنت لا أنسى حديثا كذاك الدهر يزري بالعقول فقال لقومه وللملك: {أَنَاْ أُنَبّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ } أي فأرسلوني إلى يوسف فجاءه فقال: {يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصّدِيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَـٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَـٰبِسَـٰتٍ لَّعَلّى أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) } (يوسف: 46) .
وعند أهل الكتاب: أن الملك لما ذكره له الساقي، استدعاه إلى حضرته، وقص عليه ما رآه ففسره له. وهذا غلط. والصواب ما قصه الله في كتابه القرآن لا ما عربه هؤلاء الجهلة الثيران؛ من فرى وهذيان.
فبذل يوسف عليه السلام ما عنده من العلم بلا تأخر ولا شرط، ولا طلب الخروج سريعاً؛ بل أجابهم إلى ما سألوا، وعبر لهم ما كان من منام الملك، الدال على وقوع سبع سنين من الخصب ويعقبها سبع جدب {ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ } يعني يأتيهم الغيث والخصب والرفاهية {وَفِيهِ يَعْصِرُونَ } يعني ما كانوا يعصرونه من الأقصاب والأعناب والزيتون والسمسم وغيرها.
فعبر لهم وعلى الخير دلهم، وأرشدهم إلى ما يعتمدونه في حالتي خصبهم وجدبهم، وما يفعلونه من ادخار حبوب سني الخصب في السبع الأول في سنبله، إلا ما يرصد بسبب الأكل، ومن تقليل البذر في سني الجدب في السبع الثانية، إذ الغالب على الظن أنه لا يرد البذر من الحقل، وهذا يدل على كمال العلم وكمال الرأي والفهم.

يتبع (قـصَّــة يُـــوسُفَ ابن رَاحِيلْ )

=============














التعديل الأخير تم بواسطة بحرجديد ; 02-01-2014 الساعة 11:23 PM
بحرجديد متصل الآن   رد مع اقتباس
قديم 05-23-2010, 02:32 PM   #26 (permalink)
بحرجديد
مشرف التاريخ والحضاره - أمير الأبداع - مشرف الشهر المميز
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
اكمال (قـصَّــة يُـــوسُفَ ابن رَاحِيلْ )




{وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِ فَلَمَّا جَآءهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنّسْوَةِ ٱلَّـٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوء قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلئَنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَاْ رٰوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ (51) ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى كَيْدَ ٱلْخَـٰئِنِينَ (52) وَمَآ أُبَرّىء نَفْسِى إِنَّ ٱلنَّفْسَ لامَّارَةٌ بِٱلسُّوء إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى إِنَّ رَبّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ (53) }
(يوسف: 50 ـــ 53).
لما أحاط الملك علماً بكمال علم يوسف عليه الصلاة والسلام، وتمام عقله، ورأيه السديد وفهمه، أمر بإحضاره إلى حضرته؛ ليكون من جملة خاصته، فلما جاءه الرسول بذلك، أحب أن لا يخرج حتى يتبين لكل أحد أنه حبس ظلماً وعدواناً، وأنه بريء الساحة مما نسبوه إليه بهتانا.
{قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبّكَ } يعني الملك {فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنّسْوَةِ ٱلَّـٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ } قيل معناه: إن سيدي العزيز يعلم براءتي مما نسب إلي؛ أي فمر الملك فليسألهن: كيف كان امتناعي الشديد عن مراودتهن إياي؟ وحثهن لي على الأمر الذي ليس برشيد ولا سديد؟
فلما سئلن عن ذلك اعترفن بما وقع من الأمر، وما كان منه من الأمر الحميد و
{قُلْنَ حَاشَ للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوء }.
فعند ذلك
{قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ } وهي زليخا: {ٱلئَنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ } أي ظهر وتبين ووضح، والحق أحق أن يتبع. {أَنَاْ رٰوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } أي فيما يقوله؛ ومن أنه بريء وأنه لم يراودني، وأنه حبس ظلماً وعدواناً، وزوراً وبهتاناً.
وقوله:
{ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى كَيْدَ ٱلْخَـٰئِنِينَ (52) } (يوسف: 52) قيل إنه من كلام يوسف، أي إنما طلبت تحقيق هذا ليعلم العزيز أني لم أخنه بظهر الغيب. وقيل أنه من تمام كلام زليخا، أي إنما اعترفت بهذا ليعلم زوجي أني لم أخنه في نفس الأمر، وإنما كان مراودة لم يقع معها فعل فاحشة.
وهذا القول هو الذي نصره طائفة كثيرة من أئمة المتأخرين وغيرهم. ولم يحك ابن جرير وابن أبي حاتم سوى الأول.
{ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى كَيْدَ ٱلْخَـٰئِنِينَ (52) } (يوسف: 52) ؛ قيل إنه من كلام يوسف، وقيل من كلام زليخا، وهو مفرع على القولين الأولين، وكونه من تمام كلام زليخا أظهر وأنسب وأقوى. والله أعلم.
{وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ (54) قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلاْرْضِ إِنّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلاْرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ (56) وَلاَجْرُ ٱلاْخِرَةِ خَيْرٌ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ (57) } (يوسف: 54 ـــ 57).
لما ظهر للملك براءة عرضه، ونزاهة ساحته عما كانوا أظهروا عنه مما نسبوه إليه، قال:
{ٱئْتُونِى بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى } أي أجعله من خاصتي، ومن أكابر دولتي، ومن أعيان حاشيتي، فلما كلمه وسمع مقاله وتبين حاله {قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ } أي ذو مكانة وأمانة.
{قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلاْرْضِ إِنّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) } طلب أن يوليه النظر فيما يتعلق بالأهراء، لما يتوقع من حصول الخلل فيها بعد مضي سبع سني الخصب، لينظر فيها بما يرضي الله في خلقه، من الاحتياط لهم والرفق بهم، وأخبر الملك أنه حفيظ، أي قوي على حفظ ما لديه، أمين عليه، عليم بضبط الأشياء ومصالح الأهراء.
وفي هذا دليل على جواز طلب الولاية لمن علم من نفسه الأمانة والكفاءة.
وعند أهل الكتاب: أن فرعون عظم يوسف عليه السلام جداً، وسلطه على جميع أرض مصر، وألبسه خاتمه، وألبسه الحرير وطوقه الذهب وحمله على مركبه الثاني، ونودي بين يديه: أنت رب ومسلط وقال له: لست أعظم منك إلا بالكرسي.
قالوا: وكان يوسف إذ ذاك ابن ثلاثين سنة، وزوجه امرأة عظيمة الشأن. وحكى الثعلبي أنه عزل قطفير عن وظيفته وولاها يوسف.
وقيل إنه لما مات زوجه امرأته زليخا فوجدها عذراء، لأن زوجها كان لا يأتي النساء، فولدت ليوسف عليه السلام رجلين وهما: أفرايم ومنسا. قال: واستوثق ليوسف ملك مصر، وعمل فيهم بالعدل فأحبه الرجال والنساء.
وحكى أن يوسف كان يوم دخل على الملك عمره ثلاثين سنة، وأن الملك خاطبه بسبعين لغة، وفي كل ذلك يجاوبه بكل لغة منها، فأعجبه ذلك مع حداثة سنه. فالله أعلم.
قال الله تعالى:
{وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلاْرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآء } (يوسف: 56) أي بعد السجن والضيق والحصر، صار مطلق الركاب بديار مصر، {يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآء } (يوسف: 56) أي أين شاء حل منها مكرماً محسوداً معظماً.
{نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ } من أي هذا كله من جزاء الله وثوابه للمؤمن، مع ما يدخر له في آخرته من الخير الجزيل والثواب الجميل.
ولهذا قال:
{وَلاَجْرُ ٱلاْخِرَةِ خَيْرٌ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ (57) }.
ويقال إن قطفير زوج زليخا كان قد مات، فولاه الملك مكانه وزوجه امرأته زليخا، فكان وزير صدق.
وذكر محمد بن إسحاق أن صاحب مصر ـــ الوليد بن الريان ـــ أسلم على يدي يوسف عليه السلام. فالله أعلم. وقد قال بعضهم:
وراء مضيق الخوف متسع الأمن وأول مفروح به غاية الحزن فلا تيأسن فاللَّه ملك يوسفاً خزائنه بعد الخلاص من السجن
{وَجَآء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ (58) وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ٱئْتُونِى بِأَخٍ لَّكُمْ مّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنّى أُوفِى ٱلْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ (59) فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلاَ تَقْرَبُونِ (60) قَالُواْ سَنُرٰوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَـٰعِلُونَ (61) وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ ٱجْعَلُواْ بِضَـٰعَتَهُمْ فِى رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا ٱنْقَلَبُواْ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62) } (يوسف: 58 ـــ 62).
يخبر تعالى عن قدوم إخوة يوسف عليه السلام إلى الديار المصرية يمتارون طعاماً، وذلك بعد اتيان سني الجدب وعمومها على سائر العباد والبلاد.
وكان يوسف عليه السلام إذ ذاك الحاكم في أمور الديار المصرية ديناً ودنيا. فلما دخلوا عليه عرفهم ولم يعرفوه؛ لأنهم لم يخطر ببالهم ما صار إليه يوسف عليه السلام من المكانة والعظمة، فلهذا عرفهم وهم له منكرون.
وعند أهل الكتاب: أنهم لما قدموا عليه سجدوا له فعرفهم، وأراد أن لا يعرفوه فأغلظ لهم في القول، وقال: أنتم جواسيس، جئتم لنا لتأخذوا خير بلادي. فقالوا: معاذ الله؛ إنما جئنا نمتار لقومنا من الجهد والجوع الذي أصابنا، ونحن بنو أب واحد من كنعان ونحن اثنا عشر رجلاً ذهب منا واحد، وصغيرنا عند أبينا. فقال لا بد أن أستعلم امركم. وعندهم: أنه حبسهم ثلاثة أيام ثم أخرجهم، واحتبس شمعون عنده ليأتوه بالأخ الآخر. وفي بعض هذا نظر.
قال الله تعالى
{فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ } أي أعطاهم من الميرة ما جرت به عادته؛ من إعطاء كل إنسان حمل بعير لا يزيده عليه {قَالَ ٱئْتُونِى بِأَخٍ لَّكُمْ مّنْ أَبِيكُمْ } وكان قد سألهم عن حالهم، وكم هم؟ فقالوا: كنا اثني عشر رجلاً، فذهب منا واحد وبقي شقيقه عند أبينا. فقال: إذا قدمتم من العام المقبل فأتوني به معكم.
{أَلاَ تَرَوْنَ أَنّى أُوفِى ٱلْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ } أي قد أحسنت نزلكم وقراكم، فرغبهم ليأتوه به ثم رهبهم إن لم يأتوه به فقال {فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلاَ تَقْرَبُونِ } أي فلست أعطيكم ميرة، ولا أقربكم بالكلية، عكس ما أسدى إليهم أولاً.
فاجتهد في إحضاره معهم ليبل شوقه منه بالترغيب والترهيب.
{قَالُواْ سَنُرٰوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ } أي سنجتهد في مجيئه معنا وإتيانه إليك بكل ممكن. {وَإِنَّا لَفَـٰعِلُونَ } أي وأنا لقادرون على تحصيله.
ثم أمر فتيانه أن يضعوا بضاعتهم وهي ما جاءوا به يتعرضون به عن الميرة، في أمتعتهم من حيث لا يشعرون بها
{لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا ٱنْقَلَبُواْ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }. قيل أراد أن يردوها إذا وجدوها في بلادهم، وقيل خشى أن لا يكون عندهم ما يرجعون به مرة ثانية وقيل تذمم أن يأخذ منهم عوضا عن الميرة.
وقد اختلف المفسرون في بضاعتهم على أقوال سيأتي ذكرها. وعند أهل الكتاب: أنها كانت صرراً من ورق، وهو أشبه. والله أعلم.
{فَلَمَّا رَجِعُوا إِلَىٰ أَبِيهِمْ قَالُواْ يأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ (63) قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَـٰفِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرحِمِينَ (64) وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَـٰعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَـٰعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يأَبَانَا مَا نَبْغِى هَـٰذِهِ بِضَـٰعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65) قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مّنَ ٱللَّهِ لَتَأْتُنَّنِى بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّآ ءاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (66) وَقَالَ يبَنِىَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرّقَةٍ وَمَآ أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْء إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكّلُونَ (67) وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُمْ مّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْء إِلاَّ حَاجَةً فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (68) } (يوسف: 63 ـــ 68).
يذكر تعالى ما كان من أمرهم بعد رجوعهم إلى أبيهم وقولهم له:
{مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ } أي بعد عامنا هذا إن لم ترسل معنا أخانا، فإن أرسلته معنا لم يمنع منا.
{وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَـٰعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَـٰعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يأَبَانَا مَا نَبْغِى } أي شيء نريد وقد ردت إلينا بضاعتنا {وَنَمِيرُ أَهْلَنَا } أي نمتار لهم ونأتيهم بما يصلحهم في سنتهم ومحلهم، {وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ } بسببه {كَيْلَ بَعِيرٍ }.
قال الله تعالى:
{ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ } أي في مقابلة ذهاب ولده الآخر.
وكان يعقوب عليه السلام أضن شيء بولده بنيامين؛ لأنه كان يشم فيه رائحة أخيه ويتسلى به عنه،
ويتعوض بسببه منه.
فلهذا قال:
{لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مّنَ ٱللَّهِ لَتَأْتُنَّنِى بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ } (يوسف: 66) أي إلا أن تغلبوا كلكم عن الاتيان به. {فَلَمَّآ ءاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } (يوسف: 66).
أكد المواثيق وقرر العهود، واحتاط لنفسه في ولده، ولن يغني حذر من قدر ولولا حاجته وحاجة قومه إلى الميرة، لما بعث الولد العزيز، ولكن الأقدار لها أحكام، والرب تعالى يقدر ما يشاء ويختار ما يريد، ويحكم ما يشاء وهو الحكيم العليم.
ثم أمرهم أن لا يدخلوا المدينة من باب واحد، ولكن ليدخلوا من أبواب متفرقة. قيل: أراد أن لا يصيبهم أحد بالعين، وذلك لأنهم كانوا أشكالاً حسنة وصوراً بديعة. قاله ابن عباس ومحمد بن كعب وقتادة والسدي والضحاك.
وقيل: أراد أن يتفرقوا لعلهم يجدون خبراً ليوسف أو يحدثون عنه بأثر. قاله إبراهيم النخعي.
والأول أظهر. ولهذا قال:
{وَمَآ أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْء }.
وقال تعالى:
{وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُمْ مّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْء إِلاَّ حَاجَةً فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } (يوسف: 68) .
وعند أهل الكتاب: أنه بعث معهم هدية إلى العزيز من الفستق واللوز والصنوبر والبطم والعسل، وأخذوا الدراهم الأولى وعرضا آخر.
{وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنّى أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (69) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسّقَايَةَ فِى رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذّنٌ أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70) قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ مَّاذَا تَفْقِدُونَ (71) قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ وَلِمَن جَآء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ (72) قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى ٱلاْرْضِ وَمَا كُنَّا سَـٰرِقِينَ (73) قَالُواْ فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَـٰذِبِينَ (74) قَالُواْ جَزؤُهُ مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ (75) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآء أَخِيهِ ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآء أَخِيهِ كَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ ٱلْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَآء ٱللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَآء وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ (76) قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً وَٱللَّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ (77) قَالُواْ يأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ (78) قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَـٰعَنَا عِندَهُ إِنَّـآ إِذًا لَّظَـٰلِمُونَ (79) } (يوسف: 69 ـــ 79).
يذكر تعالى ما كان من أمرهم حين دخلوا بأخيهم بنيامين على شقيقه يوسف، وإيوائه إليه، وإخباره له سراً عنهم بأنه أخوه، وأمره بكتم ذلك عنهم، وسلاه عما كان منهم من الإساءة إليه.
ثم احتال على أخذه منهم وتركهم إياه عنده دونهم، فأمر فتيانه بوضع سقايته، وهي التي كان يشرب بها ويكيل بها للناس الطعام، عن غرة في متاع بنيامين، ثم أعلمهم بأنهم قد سرقوا صواع الملك، ووعدهم جعالة على رده، حمل بعير، وضمنه المنادي لهم. فأقبلوا على من اتهمهم بذلك فأنبوه وهجنوه قاله لهم:
{قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى ٱلاْرْضِ وَمَا كُنَّا سَـٰرِقِينَ (73) } يقولون: أنتم تعلمون منا خلاف ما رميتمونا به من السرقة.
{قَالُواْ فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَـٰذِبِينَ (74) قَالُواْ جَزؤُهُ مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ (75) وهذه كانت شريعتهم: أن السارق يدفع إلى المسروق منه. ولهذا قالوا: {كَذٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ }.
قال الله تعالى:
{فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآء أَخِيهِ ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآء أَخِيهِ } ليكون ذلك أبعد للتهمة وأبلغ في الحيلة ثم قال الله تعالى: {كَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ ٱلْمَلِكِ } أي لولا اعترافهم بأن جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه، لما كان يقدر يوسف على أخذه منهم في سياسة ملك مصر، {إِلاَّ أَن يَشَآء ٱللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَآء } أي في العلم {وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ }.
وذلك لأن يوسف كان أعلم منهم، وأتم رأياً وأقوى عزماً وحزماً وإنما فعل ما فعل عن أمر الله له في ذلك؛ لأنه يترتب على هذا الأمر مصلحة عظيمة بعد ذلك: من قدوم أبيه وقومه عليه، ووفودهم إليه.
فلما عاينوا استخراج الصواع من حمل بنيامين
{قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ } يعنون يوسف. قيل: كان قد سرق صنم جده أبي أمه فكسره. وقيل: كانت عمته قد علقت عليه بين ثيابه وهو صغير منطقة كانت لإسحاق، ثم استخرجوها من بين ثيابه وهو لا يشعر بما صنعت، وإنما أرادت أن يكون عندها وفي حضانتها لمحبتها له. وقيل: كان يأخذ الطعام من البيت فيطعمه الفقراء.
وقيل: غير ذلك. فلهذا:
{قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِ } (يوسف: 77) وهي كلمته بعدها، وقوله: {أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً وَٱللَّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ } أجابهم سراً لا جهراً، حلماً وكرماً وصفحاً وعفواً، فدخلوا معه في الترفق والتعطف فقالوا: {قَالُواْ يأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ (78) قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَـٰعَنَا عِندَهُ إِنَّـآ إِذًا لَّظَـٰلِمُونَ (79) } (يوسف: 78 ـــ 79) أي إن أطلقنا المتهم وأخذنا البريء، وهذا ما لا نفعله ولا نسمح به، وإنما نأخذ من وجدنا متاعنا عنده.
وعند أهل الكتاب: أن يوسف تعرف إليهم حينئذ. وهذا مما غلطوا فيه ولم يفهموه جيداً.
{فَلَمَّا ٱسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقًا مّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلاْرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِى أَبِى أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ (80) ٱرْجِعُواْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يأَبَانَا إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَـٰفِظِينَ (81) وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا وَٱلّعِيْرَ ٱلَّتِى أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ (82) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ (83) وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يٰأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَـٰلِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى ٱللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (86) يبَنِىَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَايْـئَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَايْـئَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ (87) } (يوسف: 80 ـــ 87).
يقول تعالى مخبراً عنهم لما استيأسوا من أخذه منه: خلصوا يتناجون فيما بينهم، قال كبيرهم وهو روبيل:
{أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقًا مّنَ ٱللَّهِ } لتأتنني به إلا أن يحاط بكم؟ لقد أخلفتم عهده، وفرطتم فيه كما فرطتم في أخيه يوسف من قبله، فلم يبق لي وجه أقابله به {فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلاْرْضَ } أي لا أزال مقيماً هاهنا {حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِى أَبِى } في القدوم عليه {أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى } بأن يقدرني على رد أخي إلى أبي، {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ }.
{ٱرْجِعُواْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يأَبَانَا إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ } أي أخبروه بما رأيتم من الأمر في ظاهر المشاهدة {وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَـٰفِظِينَ وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا وَٱلّعِيْرَ ٱلَّتِى أَقْبَلْنَا فِيهَا } (يوسف: 81 ـــ 82)، أي فإن هذا الذي أخبرناك به ـــ من أخذهم أخانا لأنه سرق ـــ أمر اشتهر بمصر وعلمه العير التي كنا نحن وهم هناك، {وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ }.
{قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } أي ليس الأمر كما ذكرتم، لم يسرق فإنه ليس سجية له ولا (هو) خلقه. وإنما {سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ }.
قال ابن إسحاق وغيره: لما كان التفريط منهم في بنيامين مترتباً على صنيعهم في يوسف قال لهم ما قال. وهذا كما قال بعض السلف: إن من جزاء السيئة السيئة بعدها
ثم قال:
{عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا } يعني يوسف وبنيامين وروبيل، {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ } أي بحالي وما أنا فيه من فراق الأحبة {ٱلْحَكِيمُ } فيما يقدره ويفعله، وله الحكمة البالغة والحجة القاطعة.
{وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ } أي أعرض عن بنيه {وَقَالَ يٰأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ } ذكره حزنه الجديد بالحزن القديم، وحرك ما كان كامناً، كما قال بعضهم:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول وقال آخر:
لقد لامني عند القبور على البكا رفيقي لتذراف الدموع السوافك فقال: أتبكي كل قبر رأيته؟ لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك فقلت له:
إن الأسى يبعث الأسى فدعني فهذا كله قبر مالك وقوله:
{وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ } أي من كثرة البكاء. {فَهُوَ كَظِيمٌ } أي مكظم من كثرة حزنه وأسفه وشوقه إلى يوسف.
فلما رأى بنوه ما يقاسيه من الوجد وألم الفراق
{قَالُواْ } له على وجه الرحمة له والرأفة به والحرص عليه {قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَـٰلِكِينَ (85) } (يوسف: 85) .
يقولون: لا تزال تتذكره حتى ينحل جسدك وتضعف قوتك، فلو رفقت بنفسك كان أولى بك.
{قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى ٱللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (86) } (يوسف: 86) يقول لبنيه: لست أشكو إليكم ولا إلى أحد من الناس ما أنا فيه، إنما أشكوه إلى الله عز وجل، وأعلم أن الله سيجعل لي مما أنا فيه فرجاً ومخرجاً، وأعلم أن رؤيا يوسف لا بد أن تقع، ولا بد أن أسجد له أنا وأنتم حسب ما رأى. ولهذا قال: {وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }.
ثم قال لهم محرضاً على تطلب يوسف وأخيه، وأن يبحثوا عن أمرهما:
{يبَنِىَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَايْـئَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَايْـئَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ (87) } أي لا تيأسوا من الفرج بعد الشدة، فإنه لا ييأس من روح الله وفرجه، وما يقدره من المخرج في المضايق، إلا القوم الكافرون.
{فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدّقِينَ (88) قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَـٰهِلُونَ (89) قَالُواْ أَءنَّكَ لاَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـٰذَا أَخِى قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ (90) قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَـٰطِئِينَ (91) قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرحِمِينَ (92) ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِى هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93) } (يوسف: 88 ـــ 93).
يخبر تعالى عن رجوع أخوة يوسف إليه وقدومهم عليه، ورغبتهم فيما لديه من الميرة، والصدقة عليهم برد أخيهم بنيامين إليهم:
{فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ } أي من الجدب وضيق الحال وكثرة العيال، {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ } أي ضعيفة لا يقبل مثلها منا إلا أن تتجاوز عنا. قيل: كانت دراهم رديئة. وقيل قليلة، وقيل: حب الصنوبر وحب البطم ونحو ذلك. وعن ابن عباس: كانت خلق الغرائر والحبال ونحو ذلك.
{فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدّقِينَ }. وقيل بقبولها، قاله السدي. وقيل: برد أخينا إلينا، قاله ابن جريج. وقال سفيان بن عيينة: إنما حرمت الصدقة على نبينا محمد ونزع بهذه الآية. رواه ابن جرير.
فلما رأى ما هم فيه من الحال وما جاءوا به مما لم يبق عندهم سواه من ضعيف المال، تعرف إليهم وعطف عليهم، قائلاً لهم عن أمر ربه وربهم، وقد حسر لهم عن جبينه الشريف، وما يحويه من الحال الذي يعرفون فيه:
{هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَـٰهِلُونَ }.
{قَالُواْ } وتعجبوا كل العجب، وقد ترددوا إليه مراراً عديدة وهم لا يعرفون أنه هو:
{أَءنَّكَ لاَنتَ يُوسُفُ }.
{قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـٰذَا أَخِى }. يعني أنا يوسف الذي صنعتم معه ما صنعتم، وسلف من أمركم فيه ما فرطتم. وقوله: {وَهَـٰذَا أَخِى } تأكيد لما قال وتنبيه على ما كانوا أضمروا لهما من الحسد، وعملوا في أمرهما من الاحتيال. ولهذا قال: {قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ } أي بإحسانه إلينا وصدقته علينا، وإيوائه لنا وشدة معاقد عزنا، وذلك بما أسلفنا من طاعة ربنا، وصبرنا على ما كان منكم إلينا، وطاعتنا وبرنا لأبينا، ومحبته الشديدة لنا وشفقته علينا. {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ }. {قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا } أي فضلك وأعطاك ما لم يعطنا، {وَإِن كُنَّا لَخَـٰطِئِينَ } أي فيما أسدينا إليك، وها نحن بين يديك. {قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ } أي لست أعاتبكم على ما كان منكم بعد يومكم هذا.
ثم زادهم على ذلك فقال:
{يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرحِمِينَ } ومن زعم أن الوقف على قوله {لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ } وابتدأ بقوله: {ٱلْيَوْمَ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ } فقوله ضعيف والصحيح الأول.
ثم أمرهم بأن يذهبوا بقميصه، وهو الذي يلي جسده، فيضعوه على عيني أبيه، فإنه يرجع إليه بصره بعد ما كان ذهب، بإذن الله. وهذا من خوارق العادات ودلائل النبوات وأكبر المعجزات.
ثم أمرهم أن يتحملوا بأهلهم أجمعين إلى ديار مصر، إلى الخير والدعة وجمع الشمل بعد الفرقة، على أكمل الوجوه وأعلى الأمور.
{وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنّى لاجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنّدُونِ (94) قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَـٰلِكَ ٱلْقَدِيمِ (95) فَلَمَّآ أَن جَآء ٱلْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَٱرْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنّى أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (96) قَالُواْ يأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَـٰطِئِينَ (97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّى إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ (98) } (يوسف: 94 ـــ 98).
قال عبد الرزاق: أنبأنا إسرائيل، عن أبي سنان، عن عبد الله بن أبي الهذيل، سمعت ابن عباس يقول:
{وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ } قال: لما خرجت العير هاجت ريح، فجاءت يعقوب بريح قميص يوسف فقال: {إِنّى لاجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنّدُونِ }. قال: فوجد ريحه من مسيرة ثلاثة أيام. وكذا رواه الثوري وشعبة وغيرهم عن أبي سنان به.
وقال الحسن البصري وابن جريج المكي: كان بينهما مسيرة ثمانين فرسخاً، وكان له منذ فارقه ثمانون سنة.
وقوله:
{لَوْلاَ أَن تُفَنّدُونِ } أي تقولون إنما قلت هذا من الفند، وهو الخرف وكبر السن.
قال ابن عباس وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة:
{تُفَنّدُونِ } تسفهون. وقال مجاهد أيضاً والحسن: تهرمون.
{قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَـٰلِكَ ٱلْقَدِيمِ (95) } قال قتادة والسدي: قالوا له كلمة غليظة.
قال الله تعالى:
{فَلَمَّآ أَن جَآء ٱلْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَٱرْتَدَّ بَصِيرًا } أي بمجرد ما جاء ألقى القميص على وجه يعقوب فرجع من فوره بصيراً بعد ما كان ضريراً.
وقال لبنيه عند ذلك:
{أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنّى أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } أي أعلم أن الله سيجمع شملي بيوسف وستقر عيني به، وسيريني فيه ومنه ما يسرني.
فعند ذلك
{قَالُواْ يأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَـٰطِئِينَ (97) }. طلبوا منه أن يستغفر لهم الله عز وجل عما كانوا فعلوا ونالوا منه ومن ابنه، وما كانوا عزموا عليه، ولما كان من نيتهم التوبة قبل الفعل، وفقهم الله للاستغفار عند وقوع ذلك منهم. فأجابهم أبوهم إلى ما سألوا، وما عليه عولوا قائلاً: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّى إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ } (يوسف: 98) .
قال ابن مسعود وإبراهيم التيمي وعمرو بن قيس وابن جريج وغيرهم: أرجأهم إلى وقت السحر. قال ابن جرير: حدثني أبو السائب، حدثنا ابن إدريس قال: سمعت عبد الرحمٰن بن إسحاق يذكر عن محارب بن دثار قال: كان عمر يأتي المسجد فسمع إنساناً يقول: «اللهم دعوتني فأجبت، وأمرتني فأطعت، وهذا السحر فاغفر لي» قال: فاستمع إلى الصوت فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود، فسأل عبد الله عن ذلك فقال: إن يعقوب أخر بنيه إلى السحر بقوله:
{سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّى }. وقد قال الله تعالى: {وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلاْسْحَارِ } (آل عمران: 17).
وثبت في «الصحيحين» عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟». وقد ورد في حديث: «أن يعقوب أرجأ بنيه إلى ليلة الجمعة».
قال ابن جرير: حدثني المثنى؛ قال: حدثنا سليمٰن بن عبد الرحمٰن أبو أيوب الدمشقي، حدثنا الوليد، أنبأنا ابن جريح، عن عطاء وعكرمة عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
{سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّى } (يوسف: 98) يقول: «حتى ليلة الجمعة، وهو قول أخي يعقوب لبنيه».
وهذا غريب من هذا الوجه، وفي رفعه نظر. والأشبه أن يكون موقوفاً على ابن عباس رضي الله عنهما.
{فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ ءاوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآء ٱللَّهُ ءامِنِينَ (99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا وَقَالَ يأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَـٰى مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبّى حَقّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَى إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسّجْنِ وَجَآء بِكُمْ مّنَ ٱلْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى إِنَّ رَبّى لَطِيفٌ لّمَا يَشَآء إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ (100) رَبّ قَدْ آتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلاْحَادِيثِ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلاْرْضِ أَنتَ وَلِىّ فِى ٱلدُّنُيَا وَٱلاْخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ (101) } (يوسف: 99 ـــ 101).
هذا إخبار عن حال اجتماع المتحابين بعد الفرقة الطويلة، التي قيل: إنها ثمانون سنة. وقيل: ثلاث وثمانون سنة، وهما روايتان عن الحسن وقيل: خمس وثلاثون سنة. قاله قتادة. وقال محمد بن إسحاق: ذكروا أنه غاب عنه ثماني عشرة سنة. قال: وأهل الكتاب يزعمون أنه غاب عنه أربعين سنة.
وظاهر سياق القصة يرشد إلى تحديد المدة تقريباً؛ فإن المرأة راودته وهو شاب ابن سبع عشرة سنة، فيما قاله غير واحد، فامتنع. فكان في السجن بضع سنين؛ وهي سبع عند عكرمة وغيره. ثم أخرج فكانت سنوات الخصب السبع، ثم لما أمحل الناس في السبع البواقي، جاء إخوته يمتارون في السنة الأولى وحدهم، وفي الثانية ومعهم أخوه بنيامين، وفي الثالثة تعرف إليهم وأمرهم بإحضار أهلهم أجمعين، فجاءوا كلهم.
{فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ ءاوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ } واجتمع بهما خصوصاً وحدهما دون إخوته، {وَقَالَ ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآء ٱللَّهُ ءامِنِينَ }. قيل هذا من المقدم والمؤخر؛ تقديره قال: ادخلوا، مصر وآوى إليه أبويه. وضعفه ابن جرير وهو معذور. وقيل: بل تلقاهما وآواهما في منزل الخيام، ثم لما اقتربوا من باب مصر قال: {ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآء ٱللَّهُ ءامِنِينَ }، قاله السدي ولو قيل إن الأمر لا يحتاج إلى هذا أيضاً، وإنه ضمن قوله ادخلوا، بمعنى اسكنوا مصر، أو أقيموا بها، {إِن شَآء ٱللَّهُ ءامِنِينَ } لكان صحيحاً مليحاً أيضاً.


وعند أهل الكتاب: أن يعقوب لما وصل إلى أرض جاشر ـــ وهي أرض بلبيس ـــ خرج يوسف لتلقيه، وكان يعقوب قد بعث ابنه يهوذا بين يديه مبشراً بقدومه، وعندهم أن الملك أطلق لهم أرض جاشر؛ يكونون فيها، ويقيمون بها بنعمهم ومواشيهم، وقد ذكر جماعة من المفسرين: أنه لما أزف قدوم نبي الله يعقوب ـــ وهو إسرائيل ـــ أراد يوسف أن يخرج لتلقيه، فركب معه الملك وجنوده؛ خدمة ليوسف وتعظيماً لنبي الله «إسرائيل» وأنه دعا للملك، وأن الله رفع عن أهل مصر بقية سني الجدب ببركة قدومه إليهم. فالله أعلم.
وكان جملة من قدم مع يعقوب من بنيه وأولادهم ـــ فيما قاله أبو إسحاق السبيعي عن أبي عبيدة عن ابن مسعود ـــ ثلاث وستين إنساناً.
وقال موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب، عن عبد الله بن شداد: كانوا ثلاثة وثمانين إنساناً.
وقال أبو إسحاق عن مسروق: دخلوا وهم ثلاثمائة وتسعون إنساناً.

قالوا: وخرجوا مع موسى وهم أزيد من ستمائة ألف مقاتل وفي نص أهل الكتاب: أنهم كانوا سبعين نفساً وسموهم.
قال الله تعالى:
{وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ } قيل: كانت أمه قد ماتت كما هو عند علماء التوراة. وقال بعض المفسرين: أحياها الله تعالى. وقال آخرون: بل كانت خالته «ليا» والخالة بمنزلة الأم.
وقال ابن جرير وآخرون: بل ظاهر القرآن يقتضي بقاء حياة أمه إلى يومئذ، فلا يعول على نقل أهل الكتاب فيما خالفه. وهذا قوي والله أعلم.
ورفعهما على العرش، أي أجلسهما معه على سريره
{وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا } أي سجد له الأبوان والإخوة الأحد عشر، تعظيماً وتكريماً. وكان هذا مشروعاً لهم، ولم يزل ذلك معمولاً به في سائر الشرائع حتى حرم في ملتنا.
{وَقَالَ يأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَـٰى مِن قَبْلُ } أي هذا تعبير ما كنت قصصته عليك: من رؤيتي الأحد عشر كوكباً والشمس والقمر، حين رأيتهم لي ساجدين، وأمرتني بكتمانها، ووعدتني ما وعدتني عند ذلك {قَدْ جَعَلَهَا رَبّى حَقّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَى إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسّجْنِ } أي بعد الهم والضيق، جعلني حاكماً نافذ الكلمة في الديار المصرية حيث شئت. {وَجَآء بِكُمْ مّنَ ٱلْبَدْوِ } أي البادية. وكانوا يسكنون أرض العربات من بلاد الخيل {مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى } أي فيما كان منهم إلي من الأمر الذي تقدم وسبق ذكره.
ثم قال:
{إِنَّ رَبّى لَطِيفٌ لّمَا يَشَآء } أي إذا أراد شيئاً هيأ أسبابه، ويسرها وسهلها من وجوه لا يهتدي إليها العباد، بل يقدرها وييسرها بلطيف صنعه وعظيم قدرته. {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ } أي بجميع الأمور {ٱلْحَكِيمُ } في خلقه وشرعه وقدره.
وعند أهل الكتاب: أن يوسف باع أهل مصر وغيرهم من الطعام الذي كان تحت يده، بأموالهم كلها؛ من الذهب والفضة، والعقار والأثاث، وما يملكونه كله، حتى باعهم بأنفسهم فصاروا أرقاء. ثم أطلق لهم أرضهم وأعتق رقابهم على أن يعملوا، ويكون خمس ما يستغلون من زروعهم وثمارهم للملك فصارت سنة أهل مصر بعده.
وحكى الثعلبي: أنه كان لا يشبع في تلك السنين، حتى لا ينسى الجيعان، وأنه إنما كان يأكل أكلة واحدة نصف النهار. قال: فمن ثم اقتدى به الملوك في ذلك.
قلت وقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لا يشبع بطنه عام الرمادة حتى ذهب الجدب وأتى الخصب.
قال الشافعي: قال رجل من الأعراب لعمر بعد ما ذهب عام الرمادة: لقد انجلت عنك وإنك لابن حرة
ثم لما رأى يوسف عليه السلام نعمته قد تمت، وشمله قد اجتمع، عرف أن هذه الدار لا يقر بها قرار، وأن كل شيء فيها ومن عليها فان، وما بعد التمام إلا النقصان، فعند ذلك أثنى على ربه بما هو أهله، واعترف له بعظيم إحسانه وفضله، وسأل منه ـــ وهو خير المسئولين ـــ أن يتوفاه، أي حين يتوفاه على الإسلام، وأن يلحقه بعباده الصالحين، وهكذا كما يقال في الدعاء: «اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مسلمين» أي حين تتوفانا.
ويحتمل أنه سأل ذلك عند احتضاره عليه السلام، كما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عند احتضاره أن يرفع روحه إلى الملأ الأعلى والرفقاء الصالحين من النبيين والمرسلين، كما قال: اللهم في الرفيق الأعلى ثلاثاً. ثم قضي.
ويحتمل أن يوسف عليه السلام سأل الوفاة على الإسلام منجزاً في صحة بدنه وسلامته، وأن ذلك كان سائغاً في ملتهم وشرعتهم، كما روي عن ابن عباس أنه قال: ما تمنى نبي قط الموت قبل يوسف.
فأما في شريعتنا فقد نهى عن الدعاء بالموت إلا عند الفتن؛ كما في حديث معاذ في الدعاء الذي رواه أحمد: «وإذا أردت بقوم فتنة فتوفنا إليك غير مفتونين». وفي الحديث الآخر: «ابن آدم، الموت خير لك من الفتنة». وقالت مريم عليها السلام:
{يٰلَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً } (مريم: 23). وتمنى الموت علي بن أبي طالب، لما تفاقمت الأمور وعظمت الفتن واشتد القتال، وكثر القيل والقال. وتمنى ذلك البخاري أبو عبد الله صاحب «الصحيح» ، لما اشتد عليه الحال ولقي من مخالفيه الأهوال.
فأما في حال الرفاهية فقد روى البخاري ومسلم في «صحيحيهما» من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، إما محسناً فلعله يزداد، وإما مسيئاً فلعله يستعتب. ولكن ليقل: اللَّهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي». والمراد بالضر هاهنا، ما يخص العبد في بدنه؛ من مرض ونحوه، لا في دينه.
والظاهر أن نبي الله يوسف عليه السلام سأل ذلك، إما عند احتضاره، أو إذا كان ذلك أن يكون كذلك.
وقد ذكر ابن إسحاق عن أهل الكتاب: أن يعقوب أقام بديار مصر عند يوسف سبع عشرة سنة، ثم توفي عليه السلام. وكان قد أوصى إلى يوسف عليه السلام أن يدفن عند أبويه إبراهيم وإسحاق. قال السدي: فصبره وسيره إلى بلاد الشام فدفنه بالمغارة عند أبيه إسحاق وجده الخليل عليهم السلام.
وعند أهل الكتاب: أن عمر يعقوب يوم دخل مصر مائة وثلاثون سنة. وعندهم أنه أقام بأرض مصر سبع عشرة سنة، ومع هذا قالوا: فكان جميع عمره مائة وأربعين سنة.
هذا نص كتابهم وهو غلط: إما في النسخة، أو منهم، أو قد أسقطوا الكسر وليس بعادتهم فيما هو أكثر من هذا، فكيف يستعملون هذه الطريقة هاهنا؟
وقد قال تعالى في كتابه العزيز:
{أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَآئِكَ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ إِلَـٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) } (البقرة: 133) يوصي بنيه بالإخلاص، وهو دين الإسلام الذي بعث الله به الأنبياء عليهم السلام.
وقد ذكر أهل الكتاب: أنه أوصى بنيه واحداً واحداً، وأخبرهم بما يكون من أمرهم، وبشر يهوذا بخروج نبي عظيم من نسله تطيعه الشعوب، وهو عيسى ابن مريم. والله أعلم.
وذكروا: أنه لما مات يعقوب بكى عليه أهل مصر سبعين يوماً، وأمر يوسف الأطباء فطيبوه بطيب ومكث فيه أربعين يوماً. ثم استأذن يوسف ملك مصر في الخروج مع أبيه ليدفنه عند أهله، فأذن له، وخرج معه أكابر مصر وشيوخها. فلما وصلوا حبرون دفنوه في المغارة التي كان اشتراها إبراهيم الخليل من عفرون بن صخر الحيثي، وعملوا له عزاء سبعة أيام.
قال: ثم رجعوا إلى بلادهم، وعزى اخوة يوسف يوسف في أبيهم، وترققوا له فأكرمهم، وأحسن منقلبهم، فأقاموا ببلاد مصر.
ثم حضر يوسف عليه السلام الوفاة، فأوصى أن يحمل معهم إذا خرجوا من مصر فيدفن عند آبائه. فحنطوه ووضعوه في تابوت، فكان بمصر حتى أخرجه معه موسى عليه السلام، فدفنه عند آبائه كما سيأتي. قالوا: فمات وهو ابن مائة سنة وعشر سنين.
هذا نصهم فيما رأيته، وفيما حكاه ابن جرير أيضاً. قول مبارك بن فضالة عن الحسن: ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة، وغاب عن أبيه ثمانين سنة، وعاش بعد ذلك ثلاثاً وعشرين سنة، ومات وهو ابن مائة سنة وعشرين سنة. وقال غيره: أوصى إلى أخيه يهوذا، صلوات الله عليه وسلامه.

يتبع ان شاء الله




التعديل الأخير تم بواسطة بحرجديد ; 02-01-2014 الساعة 11:26 PM
بحرجديد متصل الآن   رد مع اقتباس
قديم 05-23-2010, 03:10 PM   #27 (permalink)
! طيف ابتسامة !
مشرف متميز سابقاً
اذكروا الله يذكركم
 
الصورة الرمزية ! طيف ابتسامة !
 
و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته

ما شاء الله

بارك الله فيك أخي بحر جديد

موضوع مميز و قيم

يثبت مع الشكر و التقدير
! طيف ابتسامة ! غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-24-2010, 03:29 PM   #28 (permalink)
بحرجديد
مشرف التاريخ والحضاره - أمير الأبداع - مشرف الشهر المميز
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ! طيف ابتسامة !
و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته

ما شاء الله

بارك الله فيك أخي بحر جديد

موضوع مميز و قيم

يثبت مع الشكر و التقدير







يسلموووو على
مرورك الرائع وحضورك المميز
وتشجيعك المستمر
وربي يعطيك العافيه!!!!













بحرجديد متصل الآن   رد مع اقتباس
قديم 05-24-2010, 04:16 PM   #29 (permalink)
بحرجديد
مشرف التاريخ والحضاره - أمير الأبداع - مشرف الشهر المميز
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
قصة موسى وهارون عليهما السلام:
قد ذكر الله لموسى بن عمران ومعه أخوه هارون عليهما السلام سيرة طويلة ، وساق قصصه في مواضع من كتابه بأساليب متنوعة واختصار أو بسط يليق بذلك المقام ، وليس في قصص القرآن أعظم من قصة موسى ؛ لأنه عالج فرعون وجنوده ، وعالج بني إسرائيل أشد المعالجة ، وهو أعظم أنبياء بني إسرائيل ، وشريعته وكتابه التوراة هو مرجع أنبياء بني إسرائيل وعلمائهم وأتباعه أكثر أتباع الأنبياء غير أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وله من القوة العظيمة في إقامة دين الله والدعوة إليه والغيرة العظيمة ما ليس لغيره ، وقد ولد في وقت قد اشتد فيه فرعون على بني إسرائيل : فكان يذبح كل مولود ذكر يولد من بني إسرائيل ، ويستحيي النساء للخدمة والامتهان ، فلما ولدته أمه خافت عليه خوفا شديدا ؛ فإن فرعون جعل على بني إسرائيل من يرقب نساءهم ومواليدهم ، وكان بيتها على ضفة نهر النيل فألهمها الله أن وضعت له تابوتا إذا خافت أحدا ألقته في اليم ، وربطته بحبل لئلا تجري به جرية الماء ، ومن لطف الله بها أنه أوحى لها أن لا تخافي ولا تحزني ، إنا رادوه إليك ، وجاعلوه من المرسلين .


فلما ألقته ذات يوم انفلت رباط التابوت ، فذهب الماء بالتابوت الذي في وسطه موسى ، ومن قدر الله أن وقع في يد آل فرعون ، وجيء به إلى امرأة فرعون آسية ، فلما رأته أحبته حبا شديدا ، وكان الله قد ألقى عليه المحبة في القلوب ، وشاع الخبر ووصل إلى فرعون ، فطلبه ليقتله ، فقالت امرأته : لا تقتلوه . . قرة عين لي ولك ، عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ، فنجا بهذا السبب من قتلهم ، وكان هذا الأثر الطيب والمقدمة الصالحة من السعي المشكور عند الله ، فكان هذا من أسباب هدايتها وإيمانها بموسى بعد ذلك .
أما أم موسى فإنها فزعت ، وأصبح فؤادها فارغا ، وكاد الصبر أن يغلب فيها ، إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين ، وقالت لأخته : قصيه وتحسسي عنه ، وكانت امرأة فرعون قد عرضت عليه المراضع فلم يقبل ثدي امرأة ، وعطش وجعل يتلوى من الجوع ، وأخرجوه إلى الطريق ؛ لعل الله أن ييسر له أحدا ، فحانت من أخته نظرة إليه ، وبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون بشأنها ، فلما أقبلت عليه وفهمت منهم أنهم يطلبون له مرضعا قالت لهم : هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون ، فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ، ثم ذكر الله في هذه السورة قصة مفصلة واضحة ، وكيف تنقلت به الأحوال ، قراءتها كافية عن شرح معناها لوضوحها وتفصيلاتها ، والله تعالى ما فصل لنا إلا ما ننتفع به ونعتبر ، ولكن في قصته من العبر والفوائد شيء كثير ننبه على بعضها .

* ذكر الفوائد المستنبطة نصا أو ظاهرا أو تعميما أو تعليلا من قصة موسى صلى الله عليه وسلم :
منها : لطف الله بأم موسى بذلك الإلهام الذي به سلم ابنها ، ثم تلك البشارة من الله لها برده إليها ، التي لولاها لقضى عليها الحزن على ولدها ، ثم رده إليها بإلجائه إليها قدرا بتحريم المراضع عليه ، وبذلك وغيره يعلم أن ألطاف الله على أوليائه لا تتصورها العقول ، ولا تعبر عنها العبارات ، وتأمل موقع هذه البشارة ، وأنه أتاها ابنها ترضعه جهرا ، وتأخذ عليه أجرا ، وتسمى أمه شرعا وقدرا ، وبذلك اطمأن قلبها ، وازداد إيمانها ، وفي هذا مصداق لقوله تعالى : { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم } [البقرة : 216] .
فلا أكره لأم موسى من وقوع ابنها بيد آل فرعون ، ومع ذلك ظهرت عواقبه الحميدة ، وآثاره الطيبة .
ومنها : أن آيات الله وعبره في الأمم السابقة إنما يستفيد منها ، ويستنير بها المؤمنون ، والله يسوق القصص لأجلهم ، كما قال تعالى في هذه القصة : { نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون } [القصص : 3] .
ومنها : أن الله إذا أراد شيئا هيأ أسبابه ، وأتى به شيئا فشيئا بالتدريج لا دفعة واحدة .
ومنها : أن الأمة المستضعفة ، ولو بلغت في الضعف ما بلغت ، لا ينبغي أن يستولي عليها الكسل عن السعي في حقوقها ، ولا اليأس من الارتقاء إلى أعلى الأمور ، خصوصا إذا كانوا مظلومين ، كما استنقذ الله بني إسرائيل على ضعفها واستبعادها لفرعون وملئه منهم ، ومكنهم في الأرض ، وملكهم بلادهم .
ومنها : أن الأمة ما دامت ذليلة مقهورة لا تطالب بحقها لا يقوم لها أمر دينها كما لا يقوم لها أمر دنياها .
ومنها : أن الخوف الطبيعي من الخلق لا ينافي الإيمان ولا يزيله ، كما جرى لأم موسى ولموسى من تلك المخاوف .
ومنها : أن الإيمان يزيد وينقص لقوله :{ لتكون من المؤمنين } [القصص : 10] .
والمراد بالإيمان هنا زيادته وزيادة طمأنينته .
ومنها : أن من أعظم نعم الله على العبد تثبيت الله له عند المقلقات والمخاوف ، فإنه كما يزداد به إيمانه وثوابه فإنه يتمكن من القول الصواب والفعل الصواب ، ويبقى رأيه وأفكاره ثابتة ، وأما من لم يحصل له هذا الثبات ، فإنه لقلقه وروعه يضيع فكره ، ويذهل عقله ، ولا ينتفع بنفسه في تلك الحال .
ومنها : أن العبد وإن عرف أن القضاء والقدر حق ، وأن وعد الله نافذ لا بد منه ، فإنه لا يهمل فعل الأسباب التي تنفع ، فإن الأسباب والسعي فيها من قدر الله ، فإن الله قد وعد أم موسى أن يرده عليها ، ومع ذلك لما التقطه آل فرعون سعت بالأسباب ، وأرسلت أخته لتقصه ، وتعمل الأسباب المناسبة لتلك الحال .
ومنها : جواز خروج المرأة في حوائجها وتكليمها للرجال إذا انتفى المحذور ، كما صنعت أخت موسى وابنتا صاحب مدين .
ومنها : جواز أخذ الأجرة على الكفالة والرضاع ، كما فعلت أم موسى ، فإن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد من شرعنا ما ينسخه .
ومنها : أن قتل الكافر الذي له عهد بعقد أو عرف لا يجوز ، فإن موسى ندم على قتله القبطي ، واستغفر الله منه وتاب إليه .
ومنها : أن الذي يقتل النفوس بغير حق يعد من الجبارين المفسدين في الأرض ، ولو كان غرضه من ذلك الإرهاب ، ولو زعم أنه مصلح حتى يرد الشرع بما يبيح قتل النفس .
ومنها : أن إخبار الغير بما قيل فيه وعنه على وجه التحذير له من شر يقع به لا يكون نميمة ، بل قد يكون واجبا ، كما ساق الله خبر ذلك الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى محذرا لموسى على وجه الثناء عليه .
ومنها : إذا خاف التلف بالقتل بغير حق في إقامته في موضع ، فلا يلقي بيده إلى التهلكة ويستسلم للهلاك ، بل يفر من ذلك الموضع مع القدرة كما فعل موسى .
ومنها : إذا كان لا بد من ارتكاب إحدى مفسدتين تعين ارتكاب الأخف منهما ، الأسلم دفعا لما هو أعظم وأخطر ، فإن موسى لما دار الأمر بين بقائه في مصر ولكنه يقتل ، أو ذهابه إلى بعض البلدان البعيدة التي لا يعرف الطريق إليها ، وليس معه دليل يدله غير هداية ربه ، ومعلوم أنها أرجى للسلامة ، لا جرم آثرها موسى .
ومنها : فيه تنبيه لطيف على أن الناظر في العلم عند الحاجة إلى العمل أو التكلم به ، إذا لم يترجح عنده أحد القولين ، فإنه يستهدي ربه ، ويسأله أن يهديه إلى الصواب من القولين بعد أن يقصد الحق بقلبه ويبحث عنه ، فإن الله لا يخيب من هذه حاله ، كما جرى لموسى لما قصد تلقاء مدين ولا يدري الطريق المعين إليها قال :{ عسى ربي أن يهديني سواء السبيل } [القصص : 22] .
وقد هداه الله وأعطاه ما رجاه وتمناه .
ومنها : أن الرحمة والإحسان على الخلق ، من عرفه العبد ومن لا يعرفه ، من أخلاق الأنبياء ، وأن من جملة الإحسان الإعانة على سقي الماشية ، وخصوصا إعانة العاجز ، كما فعل موسى مع ابنتي صاحب مدين حين سقى لهما لما رآهما عاجزتين عن سقي ماشيتهما قبل صدور الرعاة .
ومنها : أن الله كما يحب من الداعي أن يتوسل إليه بأسمائه وصفاته ، ونعمه العامة والخاصة ، فإنه يحب منه أن يتوسل إليه بضعفه وعجزه وفقره ، وعدم قدرته على تحصيل مصالحه ، ودفع الأضرار عن نفسه كما قال موسى : { رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير } [القصص : 24] .
لما في ذلك من إظهار التضرع والمسكنة ، والافتقار لله الذي هو حقيقة كل عبد .
ومنها : أن الحياء والمكافأة على الإحسان لم يزل دأب الأمم الصالحين .
ومنها : أن العبد إذا عمل العمل لله خالصا ، ثم حصل به مكافأة عليه بغير قصده فإنه لا يلام على ذلك ، ولا يخل بإخلاصه وأجره ، كما قبل موسى مكافأة صاحب مدين عن معروفه الذي لم يطلبه ، ولم يستشرف له على معاوضة .
ومنها : جواز الإجارة على كل عمل معلوم في نفع معلوم أو زمن مسمى ، وأن مرد ذلك إلى العرف ، وأنه تجوز الإجارة وتكون المنفعة البضع ، كما قال صاحب مدين : { إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين } [القصص : 27] .
وأنه يجوز للإنسان أن يخطب الرجل لابنته ، ونحوها ممن هو ولي عليها ولا نقص في ذلك ، بل قد يكون نفعا وكمالا ، كما فعل صاحب مدين مع موسى .
ومنها قوله : { إن خير من استأجرت القوي الأمين } [القصص : 26] .
هذان الوصفان بهما تمام الأعمال كلها ، فكل عمل من الولايات أو من الخدمات أو من الصناعات ، أو من الأعمال التي القصد منها الحفظ والمراقبة على العمال والأعمال إذا جمع الإنسان الوصفين ، أن يكون قويا على ذلك العمل بحسب أحوال الأعمال ، وأن يكون مؤتمنا عليه ، تم ذلك العمل وحصل مقصوده وثمرته ، والخلل والنقص سببه الإخلال بهما أو بأحدهما .
ومنها : من أعظم مكارم الأخلاق تحسين الخلق مع كل من يتصل بك من خادم وأجير وزوجة وولد ومعامل وغيرهم ، ومن ذلك تخفيف العمل عن العامل لقوله : { وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين }[القصص : 27] .
وفيه أنه لا بأس أن يرغب المعامل في معاملته بالمعاوضات والإجارات بأن يصف نفسه بحسن المعاملة بشرط أن يكون صادقا في ذلك .
ومنها : جواز عقد المعاملات من إجارة وغيرها بغير إشهاد لقوله :{ والله على ما نقول وكيل } [القصص : 28] .
وتقدم أن الإشهاد تنحفظ به الحقوق ، وتقل المنازعات ، والناس في هذا الموضع درجات متفاوتة وكذلك الحقوق .
ومنها : الآيات البينات التي أيد الله بها موسى من انقلاب عصاه التي كان يعرفها :
{ حية تسعى }[طه : 20] .
ثم عودها سيرتها الأولى ، وأن يده إذا أدخلها في جيبه ثم أخرجها صارت بيضاء من غير سوء للناظرين ، ومن رحمة الله وحمايته لموسى وهارون من فرعون وملئه ، ومن انفلاق البحر لما ضربه موسى بعصاه فصار اثني عشر طريقا ، وسلكه هؤلاء فنجوا ، وقوم فرعون فهلكوا ، وغير ذلك من الآيات المتتابعات التي هي براهين وآيات لمن رآها وشاهدها ، وبراهين لمن سمعها ، فإنها نقلتها معظم مصادر اليقين الكتب السماوية ، ونقلتها القرون كلها ، ولم ينكر مثل هذه الآيات إلا جاهل مكابر زنديق ، وجميع آيات الأنبياء بهذه المثابة .
ومنها : أن آيات الأنبياء ، وكرامات الأولياء ، وما يخرقه الله من الآيات ، ومن تغيير الأسباب ، أو منع سببيتها ، أو احتياجها إلى أسباب أخر ، أو وجود موانع تعوقها هي من البراهين العظيمة على وحدانية الله ، وأنه على كل شيء قدير ، وأن أقدار الله لا يخرج عنها حادث جليل ولا حقير ، وأن هذه المعجزات والكرامات والتغييرات لا تنافي ما جعل الله في هذه المخلوقات من الأسباب المحسوسة والنظامات المعهودة ، وإنك لا تجد لسنة الله تبديلا ولا تحويلا ; فإن سنن الله في جميع الحوادث السابقة واللاحقة قسمان :
أحدهما : وهو جمهور الحوادث والكائنات والأحكام الشرعية والقدرية وأحكام الجزاء : لا تتغير ولا تتبدل عما يعهده الناس ويعرفون أسبابه ، وهذا القسم أيضا مندرج في قدرة الله وقضائه ، ويستفاد من هذا العلم بكمال حكمة الله في خلقه وشرعه ، وأن الأسباب والمسببات من سلك طرقها على وجه كامل أفضت به إلى نتائجها وثمراتها ، ومن لم يسلكها أو سلكها على وجه ناقص يحصل له الثمرات التي رتبت على الأعمال شرعا ولا قدرا ، وهذه توجب للعبد أن يجد ويجتهد في الأسباب الدينية والدنيوية النافعة مع استعانته بالله ، والثناء على ربه في تيسيرها وتيسير أسبابها وآلاتها ، وكل ما تتوقف عليه .
والقسم الثاني : حوادث معجزات الأنبياء التي تواترت تواترا لا يتواتر مثله في جميع الأخبار ، وتناقلتها القرون كلها ، وكذلك ما يكرم الله به عباده من إجابة الدعوات ، وتفريج الكربات ، وحصول المطالب المتنوعة ، ودفع المكاره التي لا قدرة للعبد على دفعها ، والفتوحات الربانية ، والإلهامات الإلهية ، والأنوار التي يقذفها الله في قلوب خواص خلقه ، فيحصل لهم بذلك من اليقين والطمأنينة والعلوم المتنوعة ما لا يدرك بمجرد الطلب وفعل السبب ، ومن نصره للرسل وأتباعهم ، وخذلانه لأعدائهم وهو مشاهد في كثير من الأوقات : فهذا القسم ليس عند الخلق اهتداء إلى أسباب هذه الحوادث ، ولا جعل لهم في الأصل وصول إلى حقيقتها وكنهها ، وإنما هي حوادث قدرها الرب العظيم الذي هو على كل شيء قدير بأسباب وحكم وسنن لا يعقلها الخلق ، ولا لحواسهم وتجاربهم وصول إليها بوجه من الوجوه ، وبها آمن الرسل من أولهم إلى آخرهم ، وأتباعهم الأولون منهم والآخرون ، وبها يعرف عظمة الباري ، وأن نواصي العباد بيده ، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، ويعرف بذلك صحة ما جاءت به الرسل ، كما يعرف أيضا بالقسم الأول ، وكما أنه لا سبيل إلى العباد في هذه الدار إلى إدراك كنه صفات اليوم الآخر ، وكنه ما في الجنة والنار ، وإنما يعلمون منها ما علمتهم به الرسل ، ونزلت به الكتب ، ولا سبيل إلى أهل هذا الكون الأرضي للوصول إلى العالم السماوي ، ولا سبيل لهم إلى إحياء الموتى وإيجاد الأرواح في الجمادات ، فكذلك هذا النوع العظيم من حوادث الكون ، وإنما أطلنا الكلام على هذه المسألة ، وإن كانت تستحق من البسط أكثر من هذا ؛ لأمرين :
* الأول : أن الزنادقة المتأخرين الذين أنكروا وجود الباري ، وأنكروا جميع ما أخبرت به الرسل والكتب السماوية من أمور الغيب ، ولم يثبتوا من العلوم إلا ما وصلت إليه حواسهم وتجاربهم القاصرة على بعض علوم الكون ، وأنكروا ما سوى ذلك ، وزعموا أن هذا العالم وهذا النظام الموجود فيه لا يمكن أن يغيره مغير ، أو يغير شيئا من أسبابه ، وأنه وجد صدفة من غير إيجاد موجد ، وأنه آلة تمشي بنفسها وطبيعتها ، ليس لها مدبر ولا رب ولا خالق ، وهؤلاء جميع أهل الأديان يعرفون مكابرتهم ومباهتتهم ؛ لأنهم كما عدموا الدين بالكلية فقد اختلت عقولهم الحقيقة ، إذ أنكروا أجلى الحقائق وأوضحها ، وأعظمها براهين وآيات ، وتاهوا بعقولهم القاصرة وآرائهم الفاسدة ، هؤلاء أمرهم معلوم ولكن .
* الأمر الثاني : أن بعض أهل العلم العصريين الذين يتظاهرون بنصر الإسلام ، والدخول مع هؤلاء الزنادقة في الجدال عنه يريدون باجتهادهم أو اغترارهم أن يطبقوا السنن الإلهية وأمور الآخرة على ما يعرفه العباد بحواسهم ، ويدركونه بتجاربهم ، فحرفوا لذلك المعجزات ، وأنكروا الآيات البينات ، ولم يستفيدوا إلا الضرر على أنفسهم ، وعلى من قرأ كتاباتهم في هذه المباحث ؛ إذ ضعف إيمانهم بالله بتحريفهم لمعجزات الأنبياء تحريفا يؤول إلى إنكارها ، وإنكارهم هذا النوع العظيم من قضاء الله وقدره ، وضعف إيمان من وقف على كلامهم ممن ليست له بصيرة ، ولا عنده من العلوم الدينية ما يبطل هذا النوع ، ولم يحصل ما زعموه من جلب الماديين إلى الهدى والدين ، بل زادوهم إغراء في مذاهبهم ، لما رأوا أمثال هؤلاء يحاولون إرجاع النصوص الدينية ، ومعجزات الأنبياء ، وأمور الغيب إلى علوم هؤلاء القاصرة على التجارب المدركات بالحواس ، فيا عظم المصيبة ، ويا شدة الجرم المزوق ، ولكن ضعف البصيرة والإعجاب بزنادقة الدهريين أوجب الخضوع لأقوالهم ، فلا حول ولا قوة إلا بالله .
ومنها : أن من أعظم العقوبات على العبد أن يكون إماما في الشر وداعيا إليه ، كما أن من أعظم نعم الله على العبد أن يجعله إماما في الخير هاديا مهديا ، قال تعالى في فرعون وملئه :
{ وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار } [القصص : 41] .
وقال : { وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا } [الأنبياء : 73] .
ومنها : ما في هذه القصة من الدلالة على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إذ أخبر بهذه القصة وغيرها خبرا مفصلا مطابقا وتأصيلا موافقا ، قصه قصا صدق به المرسلين ، وأيد به الحق المبين ، وهو لم يحضر في شيء من تلك المواضع ، ولا درس شيئا عرف به أحوال هذه التفصيلات ، ولا جالس وأخذ عن أحد من أهل العلم ، إن هو إلا رسالة الرحمن الرحيم ، ووحي أنزله عليه الكريم المنان ينذر به العباد أجمعين ، ولهذا يقول في آخر هذه القصة :
{ وما كنت بجانب الطور } [القصص : 46] .
{ وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر } [القصص : 44] .
{ وما كنت ثاويا في أهل مدين } [القصص : 45] .
وهذا نوع من أنواع براهين رسالته .
ومنها : ذكر كثير من أهل العلم أنه يستفاد من قوله تعالى عن جواب موسى لربه لما سأله عن العصا فقال : { وما تلك بيمينك يا موسى }{ قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي } [طه : 17 - 18] .
استحباب استصحاب العصا لما فيه من هذه المنافع المعينة والمجملة في قوله : { مآرب أخرى } [طه : 18] .
وأنه يستفاد منها أيضا الرحمة بالبهائم ، والإحسان إليها ، والسعي في إزالة ضررها ، ومنها : أن قوله جل ذكره : { وأقم الصلاة لذكري } [طه : 14] أي أن ذكر العبد لربه هو الذي خلق له العبد ، وبه صلاحه وفلاحه ، وأن المقصود من إقامة الصلاة إقامة هذا المقصود الأعظم ، ولولا الصلاة التي تتكرر على المؤمنين في اليوم والليلة لتذكرهم بالله ، ويتعاهدون فيها قراءة القرآن ، والثناء على الله ، ودعائه والخضوع له الذي هو روح الذكر ، لولا هذه النعمة لكانوا من الغافلين .
وكما أن الذكر هو الذي خلق الخلق لأجله ، والعبادات كلها ذكر لله ، فكذلك الذكر يعين العبد على القيام بالطاعات وإن شقت ، ويهون عليه الوقوف بين يدي الجبابرة ، ويخفف عليه الدعوة إلى الله ، قال تعالى في هذه القصة : { كي نسبحك كثيرا }{ ونذكرك كثيرا } [طه : 33 و 34] .
وقال : { اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري }[طه : 42] .
ومنها : إحسان موسى صلى الله عليه وسلم على أخيه هارون ، إذ طلب من ربه أن يكون نبيا معه ، وطلب المعاونة على الخير والمساعدة عليه إذ قال : { واجعل لي وزيرا من أهلي }{ هارون أخي }{ اشدد به أزري }{ وأشركه في أمري } [طه : 29 - 32] .
ومنها : أن الفصاحة والبيان مما يعين على التعليم ، وعلى إقامة الدعوة ، لهذا طلب موسى من ربه أن يحل عقدة من لسانه ليفقهوا قوله ، وأن اللثغة لا عيب فيها إذا حصل الفهم للكلام ، ومن كمال أدب موسى مع ربه أنه لم يسأل زوال اللثغة كلها ، بل سأل إزالة ما يحصل به المقصود .
ومنها : أن الذي ينبغي في مخاطبة الملوك والرؤساء ودعوتهم وموعظتهم : الرفق والكلام اللين الذي يحصل به الإفهام بلا تشويش ولا غلظة ، وهذا يحتاج إليه في كل مقام ، لكن هذا أهم المواضع ؛ وذلك لأنه الذي يحصل به الغرض المقصود ، وهو قوله :{ لعله يتذكر أو يخشى } [طه : 44] .
ومنها : أن من كان في طاعة الله ، مستعينا بالله ، واثقا بوعد الله ، راجيا ثواب الله ، فإن الله معه ، ومن كان الله معه فلا خوف عليه ، لقوله تعالى :{ قال لا تخافا } [ثم علله بقوله] { إنني معكما أسمع وأرى } [طه : 46] .
وقال تعالى : { إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا } [التوبة : 40] .
ومنها : أن أسباب العذاب منحصرة في هذين الوصفين : { إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى }[طه : 48] .
أي : كذب خبر الله وخبر رسله ، وتولى عن طاعة الله وطاعة رسله ، ونظيرها قوله تعالى :
{ لا يصلاها إلا الأشقى }{ الذي كذب وتولى } [الليل : 15 و 16] .
ومنها : أن قوله تعالى : { وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى } [طه : 82] .
استوعب الله بها الأسباب التي تدرك بها مغفرة الله .
* أحدها : التوبة ، وهو الرجوع عما يكرهه الله ظاهرا وباطنا إلى ما يحبه الله ظاهرا وباطنا ، وهي تجب ما قبلها من الذنوب صغارها وكبارها .
* الثاني : الإيمان ، وهو الإقرار والتصديق الجازم العام بكل ما أخبر الله به ورسوله ، الموجب لأعمال القلوب ، ثم تتبعها أعمال الجوارح ، ولا ريب أن ما في القلب من الإيمان بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر الذي لا ريب فيه أصل الطاعات وأكبرها وأساسها ، ولا ريب أنه بحسب قوته يدفع السيئات ، يدفع ما لم يقع فيمنع صاحبه من وقوعه ، ويدفع ما وقع بالإتيان بما ينافيه وعدم إصرار القلب عليه ، فإن المؤمن ما في قلبه من الإيمان ونوره لا يجامع المعاصي .
* الثالث : العمل الصالح ، وهذا شامل لأعمال القلوب ، وأعمال الجوارح ، وأقوال اللسان ، والحسنات يذهبن السيئات .
* الرابع : الاستمرار على الإيمان والهداية والازدياد منها ، فمن كمل هذه الأسباب الأربعة فليبشر بمغفرة الله العامة الشاملة ؛ ولهذا أتى فيه بوصف المبالغة فقال : { وإني لغفار } وفيها الكثير من الفوائد للمتأملين .



يتبع



=========================













التعديل الأخير تم بواسطة بحرجديد ; 02-01-2014 الساعة 11:26 PM
بحرجديد متصل الآن   رد مع اقتباس
قديم 05-24-2010, 04:38 PM   #30 (permalink)
بحرجديد
مشرف التاريخ والحضاره - أمير الأبداع - مشرف الشهر المميز
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
ذكر قصّة موسى الكليم عليه الصلاة والتسليم:


وهو موسى بن عمران بن قاهث بن عازر بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام قال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولا نَبِيّاً، وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً، وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً}.‏
وقد ذكره الله تعالى في مواضع كثيرة متفرقة من القرآن. وذكر قصته في مواضع متعددة مبسوطة مطولة وغير مطولة، وقد تكلمنا على ذلك كله في مواضعه من التفسير، وسنورد سيرته ها هنا من ابتدائها إلى آخرها من الكتاب والسنة وما ورد في الآثار المنقولة من الإسرائيليات التي ذكرها السلف وغيرهم إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.
قال الله تعالى: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، طسم، تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ، نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ، وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ}.
يذكر تعالى ملخص القصة ثم يبسطها بعد هذا فذكر أنه يتلو على نبيه خبر موسى وفرعون بالحق، أي بالصدق الذي كأن سامعه مشاهد للأمر معاين له.
{إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً }، أي تجبّر وعتا وطغى وبغى وآثر الحياة الدنيا، وأعرض عن طاعة الرّب الأعلى، وجعل أهلها شيعا، أي قسم رعيته إلى أقسام وفَرِقٍ وأنواع، يستضعف طائفة منهم، وهم شعب بني إسرائيل، الذين هم من سلالة نبي الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله، وكانوا إذ ذاك خيار أهل الأرض. وقد سلط عليهم هذا الملك الظالم الغاشم الكافر الفاجر يستعبدهم ويستخدمهم في أخس الصنائع والحرف وأرداها وأدناها ومع هذا {يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ}.
وكان الحامل له على هذا الصنيع القبيح أن بني إسرائيل كانوا يتدارسون فيما بينهم ما يأثرونه عن إبراهيم عليه السلام من أنه سيخرج من ذريته غلام يكون هلاك ملك مصر على يديه وذلك - والله أعلم - حين كان جرى على سارة امرأة الخليل من ملك مصر من إرادته إياها على السوء وعصمة الله لها. وكانت هذه البشارة مشهورة في بني إسرائيل فتحدث بها القبط فيما بينهم ووصلت إلى فرعون فذكرها له بعض أمرائه وأساورته وهم يسمرون عنده فأمر عند ذلك بقتل أبناء بني إسرائيل حذراً من وجود هذا الغلام ولن يغني حذر من قدر.
وذكر السدي عن أبي صالح وأبي مالك عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن أناس من الصحابة أن فرعون رأى في منامه كأن ناراً قد أقبلت من نحو بيت المقدس فأحرقت دور مصر وجميعَ القبط ولم تضر بني إسرائيل. فلما استيقظ هاله ذلك فجمع الكهنة والحزقة والسحرة وسألهم عن ذلك؟ فقالوا: هذا غلام يولد من هؤلاء يكون سبب هلاك أهل مصر على يديه فلهذا أمر بقتل الغلمان وترك النسوان.
ولهذا قال الله تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ} وهم بنو إسرائيل {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ} أي الذين يؤول ملك مصر وبلادها إليهم {وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} أي سنجعل الضعيف قوياً والمقهور قادراً والذليل عزيزاً، وقد جرى هذا كله لبني إسرائيل كما قال تعالى: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إسرائِيلَ بِمَا صَبَرُوا} الآية. وقال تعالى: {فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ، كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إسرائِيلَ} وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه إن شاء الله.‏
والمقصود أن فرعون احترز كل الاحتراز أن لا يوجد موسى، حتى جعل رجالاً وقوابل يدورون على الحبالى ويعلمون ميقات وضعهن، فلا تلد امرأة ذكراً إلا ذبحه أولئك الذباحون من ساعته.
وعند أهل الكتاب أنه إنما كان يأمر بقتل الغلمان لتضعف شوكة بني إسرائيل فلا يقاومونهم إذا غالبوهم أو قاتلوهم.
وهذا فيه نظر بل هو باطل، وإنما هذا في الأمر بقتل الولدان بعد بعثة موسى كما قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ} ولهذا قالت بنو إسرائيل لموسى {أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا}.
فالصحيح أن فرعون إنما أمر بقتل الغلمان أولاً حذراً من وجود موسى.‏
هذا، والقدر يقول: يا أيها ذا الملك الجبار المغرور بكثرة جنوده وسلطة بأسه واتساع سلطانه، قد حكم العظيم الذي لا يغالب ولا يمانع ولا تخالف أقداره، أن هذا المولود الذي تحترز منه، وقد قتلت بسببه من النفوس ما لا يعد ولا يحصى لا يكون مرباه إلا في دارك، وعلى فراشك ولا يغذى إلا بطعامك وشرابك في منزلك، وأنت الذي تتبناه وتربيه وتتفداه، ولا تطلع على سر معناه. ثم يكون هلاكك في دنياك وأخراك على يديه، لمخالفتك ما جاءك به من الحق المبين، وتكذيبك ما أوحى إليه، لتعلم أنت وسائر الخلق أن رب السماوات والأرض هو الفعال لما يريد وأنه هو القويّ الشديد ذو البأس العظيم، والحول والقوة والمشيئة التي لا مرد لها.
وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن القبط شكوا إلى فرعون قلة بني إسرائيل بسبب قتل ولدانهم الذكور وخشي أن تتفانى الكبار مع قتل الصغار فيصيرون هم الذين يلون ما كان بنو إسرائيل يعالجون. فأمر فرعون بقتل الأبناء عاماً، وأن يتركوا عاما، فذكروا أن هارون عليه السلام ولد في عام المسامحة عن قتل الأبناء، وأن موسى عليه السلام ولد في عام قتلهم، فضاقت أمه به ذرعاً واحترزت من أول ما حبلت، ولم يكن يظهر عليها مخايل الحبل. فلما وضعت ألهمت أن تتخذ له تابوتاً ربطته في حبل وكانت دارها متاخمة للنيل فكانت ترضعه فإذا خشيت من أحد وضعته في ذلك التابوت فأرسلته في البحر وأمسكت طرف الحبل عندها فإذا ذهبوا استرجعته إليها به.‏
قال الله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ، فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ، وَقَالَتْ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ}.
هذا الوحي وحي إلهام وإرشاد، كما قال تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ، ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا، يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا..} الآية.
وليس هو بوحي نبوة كما زعمه ابن حزم وغير واحد من المتكلمين، بل الصحيح الأول كما حكاه أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة والجماعة.
قال السهيلي: واسم أم موسى "أيارخا"، وقيل "أياذخت". والمقصود أنها أرشدت إلى هذا الذي ذكرناه، وألقي في خلدها وروعها أن لا تخافي ولا تحزني فإنه إن ذهب فإن الله سيرده إليك وأن الله سيجعله نبياً مرسلاً يعلي كلمته في الدنيا والآخرة. فكانت تصنع ما أمرت به فأرسلته ذات يوم وذهلت أن تربط طرف الحبل عندها فذهب مع النيل فمر على دار فرعون {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ}‏.
قال الله تعالى: {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} قال بعضهم، هذه لام العاقبة، وهو ظاهر إن كان متعلقاً بقوله فالتقطه. وأما إن جعل متعلقاً بمضمون الكلام وهو أن آل فرعون قُيّضوا لالتقاطه ليكون لهم عدواً وحزناً صارت اللام معللة كغيرها والله أعلم. ويقوي هذا التقدير الثاني قوله {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ } وهو الوزير السوء {وَجُنُودَهُمَا} المتابعين لهما {كَانُوا خَاطِئِينَ} أي كانوا على خلاف الصّواب فاستحقوا هذه العقوبة والحسرة.
وذكر المفسرون أن الجواري التقطنه من البحر في تابوت مغلق عليه فلم يتجاسرون على فتحه حتى وضعنه بين يدي امرأة فرعون آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد الذي كان فرعون مصر في زمن يوسف. وقيل إنها كانت من بني إسرائيل من سبط موسى. وقيل: بل كانت عمته. حكاه السهيلي فالله أعلم.
وسيأتي مدحها والثناء عليها في قصّة مريم بنت عمران وأنهما يكونان يوم القيامة من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة.
فلما فتحت الباب وكشفت الحجاب رأت وجهه يتلألأ بتلك الأنوار النبوية والجلالة الموسوية، فلما رأته ووقع نظرها عليه أحبته حباً شديداً جداً. فلما جاء فرعون قال: ما هذا؟ وأمر بذبحه، فاستوهبته منه ودفعت عنه {وَقَالَتْ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ} فقال لها فرعون: أما لك فنعم وأما لي فلا، أي لا حاجة لي به. والبلاء مُوكَّل بالمنطق وقولها: {عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا} وقد أنالها الله ما رَجَتْ من النفع. أما في الدنيا فهداها الله به، وأما في الآخرة فأسكنها جنته بسببه {أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} وذلك أنهما تبنياه، لأنه لم يكن يولد لهما ولد. قال تعالى: {وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} أي لا يدرون ماذا يريد الله بهم حين قيضهم لالتقاطه من النقمة العظيمة بفرعون وجنوده؟
وعند أهل الكتاب: أن التي التقطت موسى (دربتة) ابنة فرعون، وليس لامرأته ذكر بالكلية، وهذا من غلطهم على كتاب الله عز وجل.
وقال الله تعالى: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ، وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ، فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ}.
قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو عبيدة والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم، {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً} أي من كل شيء من أمور الدنيا، إلا من موسى {إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} أي لتظهر أمره وتسأل عنه جهرة {لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا} أي صبرناها وثبتناها {لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَالَتْ لأُخْتِه} وهي ابنتها الكبيرة،{قُصِّيهِ}، أي اتبعي أثره واطلبي لي خبره {فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ} قال مجاهد عن بعد. وقال قتادة: جعلت تنظر إليه وكأنها لا تريده. ولهذا قال {وَهُمْ لا يَشْعُرُون} وذلك لأن موسى عليه السلام لما استقر بدار فرعون أرادوا أن يغذوه برضاعة، فلم يقبل ثدياً ولا أخذ طعاماً، فحاروا في أمره واجتهدوا على تغذيته بكل ممكن فلم يفعل. كما قال تعالى: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ} فأرسلوه مع القوابل والنساء إلى السوق لعلهم يجدون من يوافق رضاعته، فبينما هم وقوف به والناس عكوف عليه إذ بصرت به أخته فلم تظهر أنها تعرفه بل قالت: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ}. قال ابن عباس: لما قالت ذلك قالوا لها: ما يدريك بنصحهم وشفقتهم عليه؟ فقالت: رغبة في سرور الملك، ورجاء منفعته.
فأطلقوها وذهبوا معها إلى منزلهم، فأخذته أمه، فلما أرضعته التقم ثديها، وأخذ يمتصه ويرتضعه، ففرحوا بذلك فرحاً شديداً، وذهب البشير إلى {آسية} يعلمها بذلك، فاستدعتها إلى منزلها وعرضت عليها أن تكون عندها، وان تحسن إليها فأبت عليها، وقالت إن لي بعلاً وأولاداً، ولست أقدر على هذا، إلا أن ترسليه معي، فأرسلته معها ورتبت لها رواتب، وأجرت عليها النفقات والكساوي والهبات، فرجعت به تحوزه إلى رحلها، وقد جمع الله شمله بشملها.‏
قال الله تعالى: {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} أي كما وعدناها برده ورسالته، فهذا رده، وهو دليل على صدق البشارة برسالته {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ}.
وقد امتن الله على موسى بهذا ليلة كلمه، فقال له فيما قال: {مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى، إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى، أَنْ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي} وذلك أنه كان لا يراه أحد إلا أحبه {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} قال قتادة وغير واحد من السلف: أي تطعم وترفه وتغّذى بأطيب المآكل، وتلبس أحسن الملابس بمرأى مني وذلك كله بحفظي وكلائتي لك فيما صنعت بك ولك وقدرته من الأمور التي لا يقدر عليها غيري {إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنْ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً}. وسنورد حديث الفتون في موضعه بعد هذا إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان.‏
{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ، قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ}.
لما ذكر تعالى أنه أنعم على أمه برده لها وإحسانه بذلك وامتنانه عليها شرع في ذكر أنه لما بلغ أشده واستوى وهو احتكام الخَلْق والخُلقُ وهو سن الأربعين في قول الأكثرين آتاه الله حكماً وعلماً وهو النبوة والرسالة التي كان بشّر بها أمه حين قال {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ}.
ثم شرع في ذكر سبب خروجه من بلاد مصر وذهابه إلى أرض مدين وإقامته هنالك، حتى كمل الأجل وانقضى الأمد، وكان ما كان من كلام الله له وإكرامه بما أكرمه به كما سيأتي.
قال تعالى: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا} قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والسدي، وذلك نصف النهار. وعن ابن عباس بين العشائين.
{فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ} أي يتضاربان ويتهاوشان {هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ} أي إسرائيلي {وَهَذَا مِنْ عَدُوِّه} أي قبطي. قاله ابن عباس وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق.
{فَإسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ}، وذلك أن موسى عليه السلام كانت له بديار مصر صولة بسبب نسبته إلى تبني فرعون له وتربيته في بيته وكانت بنو إسرائيل قد عزوا وصارت لهم وجاهة وارتفعت رؤوسهم بسبب أنهم أرضعوه وهم أخواله أي من الرضاعة فلما استغاث ذلك الإسرائيلي موسى عليه السلام على ذلك القبطي أقبل إليه موسى {فَوَكَزَهُ}. قال مجاهد: أي طعنة بجمع كفه. وقال قتادة بعصا كانت معه {فَقَضَى عَلَيْهِ} أي فمات منها.
وقد كان ذلك القبطي كافراً مشركاً بالله العظيم ولم يرد موسى قتله بالكلية وإنما أزاد زجره وردعه ومع هذا {قَالَ} موسى {هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ، قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} أي من العز والجاه { فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ}.
{فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ، فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُصْلِحِينَ، وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ، فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}.
يخبر تعالى أن موسى أصبح بمدينة مصر خائفاً - أي من فرعون وملئه - أن يعلموا أن هذا القتيل الذي رفع إليه أمره إنما قتله موسى في نصرة رجل من بني إسرائيل فتقوى ظنونهم أن موسى منهم ويترتب على ذلك أمر عظيم.
فصار يسير في المدينة في صبيحة ذلك اليوم {خَائِفاً يَتَرَقَّبُ} أي يلتفت فبينما هو كذلك إذا ذلك الرجل الإسرائيلي الذي استنصره بالأمس يستصرخه أي يصرخ به ويستغيثه على آخر قد قاتله، فعنّفه موسى ولامه على كثرة شره ومخاصمته، قال له: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ}.


ثم أراد أن يبطش بذلك القبطي الذي هو عدو لموسى وللإسرائيلي فيردعه عنه ويخلصه منه فلما عزم على ذلك وأقبل على القبطي {قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُصْلِحِينَ}.
قال بعضهم إنما قال هذا الكلام الإسرائيلي الذي اطلع على ما كان صنع موسى بالأمس، وكأنه لما رأى موسى مقبلاً إلى القبطي اعتقد أنه جاء إليه لما عنفه قبل ذلك بقوله {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ}، فقال ما قال لموسى وأظهر الأمر الذي كان وقع بالأمس، فذهب القبطي فاستعدى موسى إلى فرعون. وهذا الذي لم يذكر كثير من الناس سواه. ويحتمل أن قائل هذا هو القبطي. وأنه لما رآه مقبلاً إليه خافه ورأى من سجيته جيداً للإسرائيلي، فقال ما قال من باب الظن والفراسة، إن هذا لعله قاتل ذاك القتيل بالأمس أو لعله فهم من كلام الإسرائيلي حين أستصرخه عليه ما دله على هذا والله أعلم.
والمقصود أن فرعون بلغه أن موسى هو قاتل ذلك المقتول بالأمس فأرسل في طلبه وسبقهم رجل ناصح من طريق أقرب {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ} ساعياً إليه مشفقاً عليه فقال {يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ} أي من هذه البلدة {إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ} أي فيما أقوله لك.‏
قال الله تعالى {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ} أي فخرج من مدينة مصر من فوره على وجهه لا يهتدي إلى طريق ولا يعرفه قائلاً {رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ، وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}.
يخبر تعالى عن خروج عبده ورسوله وكليمه من مصر خائفاً يترقب أي يتلفت خشية أن يدركه أحد من قوم فرعون وهو لا يدري أين يتوجه، ولا إلى أين يذهب، وذلك لأنه لم يخرج من مصر قبلها.‏
{وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ} أي اتجه له طريق يذهب فيه {قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ}. أي عسى أن تكون هذه الطريق موصلة إلى المقصود. وكذا وقع، فقد أوصلته إلى المقصود، وأي مقصود.
{وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ} وكانت بئراً يستقون منها. ومدين هي المدينة التي أهلك الله فيها أصحاب الأيكة وهم قوم شعيب عليه السلام. وقد كان هلاكهم قبل زمن موسى عليه السلام في أحد قولي العلماء.
وَلَمَّا وَرَدَ المَاءَ المذكور {وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ} أي تكفكفان عنهما غنمهما أن تختلط بغنم الناس.
وعند أهل الكتاب أنهن كن سبع بنات. وهذا أيضاً من الغلط ولعلهن كن سبعاً ولكن إنما كان تسقى اثنتان منهن. وهذا الجمع ممكن أن كان ذاك محفوظاً، وإلا فالظاهر أنه لم يكن له سوى بنتين {قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} أي لا نقدر على ورود الماء إلا بعد صدور الرعاء لضعفنا وسبب مباشرتنا هذه الرعية ضعف أبينا وكبره قال الله تعالى: {فَسَقَى لَهُمَا}.
قال المفسرون: وذلك أن الرعاء كانوا إذا فرغوا من وردهم وضعوا على فم البئر صخرة عظيمة فتجئ هاتان المرأتان فيشرعان غنمهما في فضل أغنام الناس، فلما كان ذلك اليوم جاء موسى فرفع تلك الصخرة وحده. ثم استقى لهما وسقى غنمهما ثم رد الحجر. كما كان. قال أمير المؤمنين عمر وكان لا يرفعه إلا عشرة وإنما استقى ذنوباً واحدا فكفاهما.
ثم تولى إلى الظل. قالوا: وكان ظل شجرة من السمر. وروى ابن جرير عن ابن مسعود أنه رآها خضراء ترف {فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}.
قال ابن عباس: سار من مصر إلى مدين لم يأكل إلا البقل وورق الشجر وكان حافياً فسقطت نعلا قدميه من الحفاء، وجلس في الظل - وهو صفوة الله من خلقه - وإن بطنه للاصق بظهره من الجوع، وإن خضرة البقل لترى من داخل جوفه، وأنه لمحتاج إلى شق تمرة.
قال عطاء بن السائب لما قال: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} أسمع المرأة.
{فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ، قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ، قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ}.
لما جلس موسى عليه السلام في الظل وقال: {فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} سمعته المرأتان فيما قيل فذهبتا إلى أبيهما فيقال إنه استنكر سرعة رجوعهما؛ فأخبرتاه بما كان من أمر موسى عليه السلام، فأمر إحداهما أن تذهب إليه فتدعوه، {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ}، أي مشى الحرائر، {قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا}. صرحت له بهذا لئلا يوهم كلامها ريبة. وهذا من تمام حيائها وصيانتها، {فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ} وأخبره خبره، وما كان من أمره في خروجه من بلاد مصر فراراً من فرعونها {قَالَ} له ذلك الشيخ {لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} أي خرجت من سلطانهم فلست في دولتهم.‏
وقد اختلفوا في هذا الشيخ من هو؟ فقيل هو شعيب عليه السلام. وهذا هو المشهور عند كثيرين وممن نص عليه: الحسن البصري ومالك بن أنس. وجاء مصرحاً به في حديث ولكن في إسناده نظر.
وصرح طائفة بأن شعيباً عليه السلام عاش عمراً طويلاً بعد هلاك قومه حتى أدركه موسى عليه السلام، وتزوج بابنته.
وروى ابن أبي حاتم وغيره عن الحسن البصري: أن صاحب موسى عليه السلام هذا اسمه شعيب، وكان سيد الماء، ولكن ليس بالنبي صاحب مدين. وقيل: إنه ابن أخي شعيب. وقيل ابن عمه. وقيل رجل مؤمن من قوم شعيب. وقيل رجل اسمه "يثرون"، هكذا هو في كتب أهل الكتاب: يثرون كاهن مدين. أي كبيرها وعالمها.
وقال ابن عباس وأبو عبيدة بن عبد الله اسمه يثرون. زاد أبو عبيدة وهو ابن أخي شعيب. وزاد ابن عباس صاحب مدين.
والمقصود أنه لما أضافه واكرم مثواه وقص عليه ما كان أمره بشره بأنه قد نجا، فعند ذلك قالت إحدى البنتين لأبيها {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ} أي لرعي غنمك، ثم مدحته بأنه قوي أمين.
قال عمر وابن عباس وشريح القاضي وأبو مالك وقتادة ومحمد بن إسحاق وغير واحد: لما قالت ذلك قال لها أبوها وما علمك بهذا؟ فقالت إنه رفع صخرة لا يطيق رفعها إلا عشرة. وأنه لما جئت معه تقدمت أمامه فقال كوني من ورائي فإذا اختلف الطريق فاحذفي لي بحصاة أعلم بها كيف الطريق.
قال ابن مسعود: أفرس الناس ثلاثة . صاحب يوسف حين قال لامرأته {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ}، وصاحبة موسى حين قالت {أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ}، وأبو بكر حين استخلف عمر بن الخطاب {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ}.
استدل بهذا جماعة من أصحاب أبي حنيفة رحمه الله على صحة ما إذا باعه أحد هذين العبدين أو الثوبين ونحو ذلك أنه يصح لقوله {إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ}.
وفي هذا نظر لأن هذه مراوضة لا معاقدة والله أعلم.‏
واستدل أصحاب أحمد على صحة الاستئجار بالطعمة والكسوة كما جرت به العادة وأستأنسوا بالحديث الذي رواه ابن ماجة في سننه مترجماً عليه كتابه "باب استئجار الأجير على طعام بطنه" حدثنا محمد بن المصفى الحمصي، حدثنا بقية بن الوليد، عن مسلمة بن علي، عن سعيد بن أبي أيوب، عن الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح قال: سمعت عتبة بن الندر يقول: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ طسم حتى إذا بلغ قصة موسى قال: "إن موسى عليه السلام آجر نفسه ثماني سنين أو عشرة سنين على عفة فرجه وطعام بطنه".
وهذا الحديث من هذا الوجه لا يصح، لأن مسلمة بن علي الحسني الدمشقي البلاطي ضعيف عند الأئمة لا يحتج بتفرده ولكن قد روى من وجه آخر فقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكر، حدثني ابن لهيعة. ح وحدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن الحارث بن يزيد الخضرمي، عن علي بن رباح اللخمي قال: سمعت عتبة بن النُدّر السلمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أن رسول الله قال: "إن موسى عليه السلام آجر نفسه لعفة فرجه وطعمة بطنه".
ثم قال تعالى: {ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} يقول: إن موسى قال لصهره: الأمر على ما قلت فأيّهما قضيت فلا عدوان علي، والله على مقالتنا سامع وشاهد، ووكيل عليّ وعليك. ومع هذا فلم يقضِ موسى إلاّ أكملَ الأجلين، وأتمهما وهو العَشْر سنين كوامل تامة.
قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا مروان بن شجاع، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، قال سألني يهوديّ من أهل الحيرة: أي الأجلين قضى موسى فقلت: لا أدري حتى أقدم على حَبْر العرب فأسأله، فقدمت فسألت ابن عباس؟ فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إنَّ رسول الله إذا قال فعل.
تفرد به البخاري من هذا الوجه، وقد رواه النسائي في حديث الفتون، كما سيأتي، من طريق القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير به.
وقد رواه ابن جرير، عن أحمد بن محمد الطوسي، وابن أبي حاتم عن أبيه، كلاهما عن الحميدي، عن سفيان بن عيينة، حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سألت جبريل: أيّ الأجلين قضى موسى؟ قال: أتمهما وأكملهما".
وإبراهيم هذا غير معروف إلا بهذا الحديث. وقد رواه البزار عن أحمد بن أبان القرشي، عن سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن أعين، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة عن ابن عباس عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم فذكره.
وقد رواه سنيد عن حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مرسلاً: أن رسول الله سأل عن ذلك جبريل؟ فسأل جبريل إسرافيل؟ فسأل إسرافيل الرب عز وجل؟ فقال: "أبرهما وأوفاهما".
وبنحوه رواه ابن أبي حاتم من حديث يوسف بن سرج مرسلاً.
ورواه ابن جرير من طريق محمد بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الأجلين قضى موسى؟ قال: "أوفاهما وأتمهما".
وقد رواه البزار وابن أبي حاتم من حديث عويد بن أبي عمران الجوني - وهو ضعيف - عن أبيه عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: "أوفاهما وأبرهما". قال :"وإن سئلت أي المرأتين تزوج؟ فقل: الصغرى منهما".
وقد رواه البزار وابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن لهيعة، عن الحارث بن يزيد الخضرمي، عن علي بن رباح، عن عتبة بن النُدْر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن موسى آجر نفسه بعفة فرجه وطعام بطنه". فلما وفى الأجل، قيل: يا رسول الله أي الأجلين؟ قال: "أبرهما وأوفاهما".
فلما أراد فراق شعيب، - سأل امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به، فأعطاها ما ولدت من غنمه من قالب لون من ولد ذلك العام، وكانت غنمه سوداء حساناً فانطلق موسى عليه السلام إلى عصا قسمها من طرفها، ثم وضعها في أدنى الحوض، ثم أوردها فسقاها، ووقف موسى عليه السلام بإزاء الحوض فلم يصدر منها شاة إلا ضرب جنبها شاة شاة قال "فأتأت وألبنت" ووضعت كلها قوالب ألوان، إلا شاة أو شاتين ليس فيها فشوش، ولا ضبوب، ولا عزوز، ولا ثعول، ولا كموش تفوت الكف، قال النبي صلى الله عليه وسلم "لو افتتحتم الشام وجدتم بقايا تلك الغنم وهي السامرية".
قال ابن لهيعة: "الفشوش: واسعة الشخب، والضبوب: طويلة الضرع تجره، والعزوز. ضيقة الشخب، والثعول: الصغيرة الضرع كالحلمتين، والكموش: التي لا يحكم الكف على ضرعها لصغره".
وفي صحة رفع هذا الحديث نظر. وقد يكون موقوفاً، كما قال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك قال: لما دعا نبي الله موسى صاحبه إلى الأجل الذي كان بينهما قال له صاحبه: كل شاة ولدت على لونها فلك ولدها. فعمد موسى فوضع حبالاً على الماء فلما رأت الحبال فزعت فجالت جولة، فولدن كلهن بلقاً إلا شاة واحدة فذهب بأولادهن كلهن ذلك العام. وهذا إسناد جيد رجاله ثقات، والله أعلم.
وقد تقدم عن نقل أهل الكتاب عن يعقوب عليه السلام حين فارق خاله لابان أنه أطلق له ما يولد من غنمه بلقاً ففعل نحو ما ذكر عن موسى عليه السلام فالله أعلم.
‏قال الله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنْ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ، فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنْ الآمِنِينَ، اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنْ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ}.
تقدم أن موسى قضى أتم الأجلين وأكملهما وقد يؤخذ هذا من قوله: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ} وعن مجاهد أنه أكمل عشراً وعشراً بعدها.
وقوله: {وَسَارَ بِأَهْلِهِ} أي من عند صهره ذاهباً فيما ذكره غير واحد من المفسرين وغيرهم أنه اشتاق إلى أهله فقصد زيارتهم ببلاد مصر في صورة مختف، فلما سار بأهله ومعه ولدان منهم، وغنم قد استفادها مدة مقامه.
قالوا: واتفق ذلك في ليلة مظلمة باردة وتاهوا في طريقهم فلم يهتدوا إلى السلوك في الدرب المألوف، وجعل يوري زناده فلا يرى شيئاً، واشتد الظلام والبرد.
فبينما هو كذلك إذ أبصر عن بعد ناراً تأجّج في جانب الطّور - وهو الجبل الغربي منه عن يمينه - فـ {قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً}، وكأنه والله أعلم رآها دونهم، لأنّ هذه النار هي نور في الحقيقة، ولا يصلح رؤيتها لكل أحد {لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ} أي لعلي أستعلم من عندها عن الطريق {أَوْ جَذْوَةٍ مِنْ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} فدل على أنهم كانوا قد تاهوا عن الطريق في ليلة باردة ومظلمة لقوله في الآية الأخرى {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى، إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى} فدل على وجود الظلام وكونهم تاهوا عن الطريق وجمع الكل في سورة النمل في قوله {إِذْ قَالَ مُوسَى لأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ}. وقد أتاهم منها بخبر، وأي خبر ووجد عندها هدى، وأيُّ هدى واقتبس منها نوراً، وأي نور.‏
قال الله تعالى: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}.
وقال في النمل {فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} أي سبحان الله الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد {يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.
وقال في سورة طه {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى، وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى، إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي، إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى، فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى}.
قال غير واحد من المفسرين من السلف والخلف: لما قصد موسى إلى تلك النار التي رآها فانتهى إليها وجدها تأجج في شجرة خضراء من العوسج، وكل ما لتلك النار في اضطرام وكل ما لخضرة تلك الشجرة في ازدياد، فوقف متعجباً، وكانت تلك الشجرة في لحف جبل غربي منه عن يمينه، كما قال تعالى: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنْ الشَّاهِدِينَ} وكان موسى في واد اسمه "طوى" فكان موسى مستقبل القبلة، وتلك الشجرة عن يمينه من ناحية الغرب {إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى} فأمر أولاً بخلع نعليه تعظيماً وتكريماً وتوقيراً لتلك البقعة المباركة ولاسيما في تلك الليلة المباركة.
وعند أهل الكتاب أنه وضع يده على وجهه من شدة ذلك النور مهابة له وخوفاً على بصره.
ثم خاطبه تعالى كما يشاء قائلاً له: {إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} أي أنا رب العالمين الذي لا إله إلا هو الذي لا تصلح العبادة وإقامة الصلاة إلا له.
ثم أخبره أن هذه الدنيا ليست بدار قرار وإنما الدار الباقية يوم القيامة التي لابد من كونها ووجودها {لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} أي من خير وشر. وحضه وحثه على العمل لها ومجانبة من لا يؤمن بها ممن عصى مولاه واتبع هواه. ثم قال له مخاطباً ومؤانساً ومبيناً له أنه القادر على كل شيء، والذي يقول للشيء كن فيكون. {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} أي أما هذه عصاك التي تعرفها منذ صحبتها؟ {قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} أي بلى هذه عصاي التي أعرفها وأتحققها. {قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى، فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى}.
وهذا خارق عظيم وبرهان قاطع على أن الذي يكلمه هو الذي يقول للشيء: كن فيكون وأنه الفعّال بالاختيار.
وعند أهل الكتاب: أنه سأل برهاناً صادقاً على صدقه عند من يكذبه من أهل مصر، فقال له الرب عز وجل ما هذه التي في يدك؟ قال: عصاي، قال ألقها إلى الأرض {فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} فهرب موسى من قدامها، فأمره الرب عز وجل أن يبسط يده ويأخذها بذنبها، فلما استمكن منها ارتدت عصا في يده.
وقد قال الله تعالى في الآية الأخرى: {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ} أي قد صارت حية عظيمة لها ضخامة هائلة وأنياب تصك وهي مع ذلك في سرعة حركة الجان وهو ضرب من الحيات يقال الجان والجنان وهو لطيف، ولكن سريع الاضطراب والحركة جداً، فهذه جمعت الضخامة والسّرعة الشديدة، فلمّا عاينها موسى عليه السلام {وَلَّى مُدْبِراً} أي هارباً منها لأن طبيعته البشرية تقتضي ذلك {وَلَمْ يُعَقِّبْ} أي ولم يتلفت، فناداه ربه قائلاً له: {يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنْ الآمِنِينَ}.
فلما رجع أمره الله تعالى أن يمسكها. {قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى}. فيقال إنّه هابها شديداً، فوضع يده في كم مدرعته ثم وضع يده في وسط فمها. وعند أهل الكتاب أمسك بذنبها، فلما استمكن منها، إذا هي قد عادت كما كانت عصا ذات شعبتين، فسبحان القدير العظيم رب المشرقين والمغربين!
ثم أمره تعالى بإدخال يده في جيبه. ثم أمره بنزعها فإذا هي تتلألأ كالقمر بياضاً من غير سوء، أي من غير برصٍ ولا بَهَق. ولهذا قال: {اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنْ الرَّهْبِ} قيل: معناه: إذا خفت فضع يدك على فؤادك يسكن جأشك. وهذا وإن كان خاصاً به إلا أن بركة الإيمان به حق بأن ينفع من استعمل ذلك على وجه الاقتداء بالأنبياء.
وقال في سورة النمل: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ} أي هاتان الآيتان وهما العصا واليد وهما البرهانان المشار إليهما في قوله {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ} ومع ذلك سبع آيات أخر فذلك تسع آيات بينات وهي المذكورة في آخر سورة سبحان حيث يقول تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْألْ بَنِي إسرائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً، قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً}.
وهي المبسوطة في سورة الأعراف في قوله: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ، فَإِذَا جَاءَتْهُمْ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ، وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ، فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ} كما سيأتي الكلام على ذلك في موضعه.
وهذه التسع آيات غير العشر الكلمات، فإنَّ التسع من كلمات الله القدرية والعشر من كلماته الشرعية، وإنما نبهنا على هذا لأنه قد اشتبه أمرها على بعض الرُّواه فظن أن هذه هي هذه كما قررنا ذلك في تفسير آخر سورة بني إسرائيل.‏
والمقصود أن الله سبحانه لما أمر موسى عليه السلام بالذّهاب إلى فرعون {قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِي، وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِي، قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنْ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ}.
يقول تعالى مخبراً عن عبده ورسوله وكليمه موسى عليه السلام في جوابه لربه عز وجل حين أمره بالذّهاب إلى عدوه الذي خرج من ديار مصر فراراً من سطوته وظلمه حين كان من أمره ما كان في قتل ذلك القبطي ولهذا {قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِي، وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِي}. أي اجعله معي معيناً وردءاً ووزيراً يساعدني ويعينني على أداء رسالتك إليهم فإنه أفصح مني لساناً وأبلغ بياناً.
قال الله تعالى مجيباً له إلى سؤاله {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً} أي برهاناً {فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا} أي فلا ينالون منكما مكروهاً بسبب قيامكما بآياتنا. وقيل ببركة آياتنا {أَنْتُمَا وَمَنْ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ}.
وقال في سورة طه {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي} قيل إنه أصابه في لسانه لثغة بسبب تلك الجمرة التي وضعها على لسانه والتي كان فرعون أراد اختبار عقله حين أخذ بلحيته وهو صغير، فهمَّ بقتله فخافت عليه آسية، وقالت: إنه طفل فاختبره بوضع تمرة وجمرة بين يديه، فهمَّ بأخذ التمرة فصرف الملك يده إلى الجمرة فأخذها فوضعها على لسانه فأصابه لثغة بسببها، فسأل زوال بعضها بمقدار ما يفهمون قوله، ولم يسأل زوالها بالكلية.
قال الحسن البصري: والرسل إنما يسألون بحسب الحاجة. ولهذا بقيت في لسانه بقية.
ولهذا قال فرعون قبحه الله فيما زعم إنه يعيب به الكليم: {وَلا يَكَادُ يُبِينُ} أي يفصح عن مراده ويعبر عما في ضميره وفؤاده.
ثم قال موسى عليه السلام {وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي، كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً، وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً، إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيراً، قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى}.
أي قد أجبناك إلى جميع ما سألت وأعطيناك الذي طلبت وهذا من وجاهته عند ربه عز وجل حين شفع أن يوحى الله إلى أخيه فأوحى إليه وهذا جاه عظيم قال الله تعالى: {وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً}.
وقال تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً}.
وقد سمعت أم المؤمنين عائشة رجلاً يقول لأناس وهم سائرون في طريق الحج: أيُّ أخٍ أمَنُّ على أخيه؟ فسكت القوم، فقالت عائشة لمن حول هودجها: هو موسى بن عمران حين شفع في أخيه هارون فأوحى إليه. قال الله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً}.
وقال تعالى في سورة الشعراء: {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنْ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ، قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِي، وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ، وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِي، قَالَ كَلا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ، فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِين، أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إسرائِيلَ، قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ، وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنْ الْكَافِرِينَ}.
تقدير الكلام: فأتياه فقالا له ذلك، وبلّغاه ما أرسلا به من دعوته إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وأن يفكَّ أسارى بني إسرائيل من قبضته وقهره وسطوته، ويتركهم يعبدون ربهم حيث شاؤا ويتفرّغون لتوحيده ودعائه والتضرّع لديه.
فتكبَّر فرعون في نفسه وعتا وطغى ونظر إلى موسى بعين الازدراء والتنقص قائلاً له: { أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} أي أما أنت الذي ربيناه في منزلنا وأحسنا إليه وأنعمنا عليه مدة من الدهر؟
وهذا يدل على أن فرعون الذي بعث إليه هو الذي فرَّ منه خلافاً لما عند أهل الكتاب من أن فرعون الذي فرّ منه مات في مدة مقامه بمدين، وأن الذي بعث إليه فرعون آخر.
وقوله: {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنْ الْكَافِرِينَ} أي وقتلت الرجل القبطيّ وفررت منا وجحدت نعمتنا.
{قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنْ الضَّالِّينَ} أي قبل أن يوحى إلي وينزل علي، {فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُرْسَلِينَ} ثم قال مجيباً لفرعون عما امتن به من التربية والاحسان إليه {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسرائِيلَ} أي وهذه النعمة التي ذكرت من أنك أحسنت إلي وأنا رجل واحد من بني إسرائيل تقابل ما استخدمت هذا الشعب العظيم بكماله واستعبدتهم في أعمالك وخدمتك وأشغالك.
{قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ، قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ، قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمْ الأَوَّلِينَ، قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمْ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ، قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}.
يذكر تعالى ما كان بين فرعون وموسى من المقاولة والمحاجّة والمناظرة، وما أقامه الكليم على فرعون اللئيم من الحجة العقلية المعنوية ثم الحسّية.‏
وذلك أنَّ فرعون - قبَّحه الله - أظهر جحد الصّانع تبارك وتعالى، وزعم أنه الإله {فَحَشَرَ فَنَادَى، فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى} {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي}.
وهو في هذه المقالة معاند يعلم أنه عبد مربوب، وأن الله هو الخالق البارئ المصوّر الاله الحق كما قال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ}.
ولهذا قال لموسى عليه السلام على سبيل الإنكار لرسالته والإظهار أنه ما ثمّ رب أرسله {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} لأنهما قالا له {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فكأنه يقول لهما: ومن رب العالمين الذي تزعمان أنه أرسلكما وابتعثكما؟.
فأجابه موسى قائلاً: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ} يعني رب العالمين خالق هذه السماوات والأرض المشاهدة وما بينهما من المخلوقات المتعددة من السّحاب والرياح والمطر والنبات والحيوانات التي يعلم كل موقن أنها لم تحدث بأنفسها ولابد لها من موجد ومحدث وخالق. وهو الله الذي لا إله إلا هو رب العالمين.
{قَالَ} أي فرعون {لِمَنْ حَوْلَهُ} من أمرائه ومرازبته ووزرائه على سبيل التهكم والتنقص لما قرره موسى عليه السلام {أَلا تَسْتَمِعُونَ}؟ يعني كلامه هذا.
{قَالَ} موسى مخاطباً له ولهم: {رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمْ الأَوَّلِينَ} أي هو الذي خلقكم والذين من قبلكم من الآباء والأجداد والقرون السَّالفة في الآباد فإنَّ كلَّ أحدٍ يعلم أنه لم يخلق نفسه ولا أبوه ولا أمّه ولا يحدث من غير محدث، وإنما أوجده وخلقه رب العالمين. وهذان المقامان هما المذكوران في قوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}.
ومع هذا كله لم يستفق فرعون من رقدته ولا نزع عن ضلالته، بل استمرّ على طغيانه وعناده وكفرانه: {قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمْ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ، قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} أي هو المسخر لهذه الكواكب الزاهرة. المسير للأفلاك الدائرة. خالق الظلام والضياء. ورب الأرض والسماء رب الأولين والآخرين خالق الشمس والقمر والكواكب السائرة والثوابت الحائرة، خالق الليل بظلامه والنَّهار بضيائه، والكل تحت قهره وتسخيره وتسييره سائرون، وفي فلك يسبحون، يتعاقبون في سائر الأوقات ويدورون، فهو تعالى الخالق المالك المتصرف في خلقه بما يشاء.
فلما قامت الحجج على فرعون وانقطعت شبهته ولم يبق له قول سوى العناد عدل إلى استعمال سلطانه وجاهه وسطوته: {قَالَ لَئِنْ اتَّخَذْتَ إِلَهَ غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنْ الْمَسْجُونِينَ، قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ، قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ، فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ، وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ}.
وهذان هما البرهانان اللذان أيده الله بهما وهما العصا واليد. وذلك مقام أظهر فيه الخارق العظيم الذي بهر به العقول والأبصار حين ألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين. أي عظيم الشكل بديع في الضخامة والهول، والمنظر العظيم الفظيع الباهر، حتى قيل: إن فرعون لما شاهد ذلك وعاينه أخذه رهب شديد وخوف عظيم بحيث أنه حصل له إسهال عظيم أكثر من أربعين مرة في يوم، وكان قبل ذلك لا يتبرز في كل أربعين يوماً إلا مرة واحدة فانعكس عليه الحال.
وهكذا لما أدخل موسى عليه السلام يده في جيبه واستخرجها أخرجها وهي كفلقة القمر تتلألأ نوراً تبهر الأبصار فإذا أعادها إلى جيبه رجعت إلى صفتها الأولى.
ومع هذا كله لم ينتفع فرعون - لعنه الله - بشيء من ذلك بل استمر على ما هو عليه، وأظهر أن هذا كله سحر، وأراد معارضته بالسحرة فأرسل يجمعهم من سائر مملكته، ومن هم في رعيته وتحت قهره ودولته، كما سيأتي، بسطه وبيانه في موضعه من إظهار الله الحق المبين والحجة الباهرة القاطعة على فرعون وملئه وأهل دولته وملته ولله الحمد والمنة.
وقال تعالى في سورة طه: {فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى، وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي، اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي، اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى، قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى، قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى}.
يقول تعالى مخاطباً لموسى فيما كلمه به ليلة أوحى إليه وأنعم بالنبوة عليه وكلمه منه إليه قد كنت شاهداً لك وأنت في دار فرعون وأنت تحت كنفي وحفظي ولطفي ثم أخرجتك من أرض مصر إلى أرض مدين بمشيئتي وقدرتي وتدبيري فلبثت فيها سنين {ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ} أي مني لذلك فيرافق ذلك تقديري وتسييري {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} أي اصطفيتك لنفسي برسالتي وبكلامي.
{اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي} يعني ولا تفترا في ذكري إذ قدمتما عليه ووفدتما إليه فإن ذلك عون لكما على مخاطبته ومجاوبته وأداء النصيحة إليه وإقامة الحجة عليه.
وقد جاء في بعض الأحاديث يقول الله تعالى: "إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه" وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً} ثم قال تعالى: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} وهذا من حلمه تعالى وكرمه ورأفته ورحمته بخلقه مع علمه بكفر فرعون وعتوه وتجبره، وهو إذ ذاك أردأ خلقه، وقد بعث إليه صفوته من خلقه في ذلك الزمان ومع هذا يقول لهما ويأمرهما أن يدعواه إليه بالتي هي أحسن برفق ولين ويعاملاه بألطف معاملة من يرجو أن يتذكر أو يخشى.
كما قال لرسوله {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} وقال تعالى: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} قال الحسن البصري: {فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّناً} أعذرا إليه قولا له أن لك رباً ولنا معاداً، وإن بين يديك جنة وناراً.
وقال وهب بن منبه: قولا له إني إلى العفو والمغفرة أقرب مني إلى الغضب والعقوبة. قال يزيد الرقاشي عند هذه الآية: يا من يتحبب إلى من يعاديه فكيف بمن يتولاه ويناديه؟!
{قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى} وذلك أن فرعون كان جبّاراً عنيداً وشيطاناً مريداً له سلطان في بلاد مصر طويل عريض وجاه وجنود وعساكر وسطوة فهاباه من حيث البشرية وخافا أن يسطو عليهما في بادئ الأمر فثبتهما تعالى وهو العلي الأعلى فقال: {لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} كما قال في الآية الأخرى{إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ}.
{فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إسرائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى، إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} يذكر تعالى أنه أمرهما أن يذهبا إلى فرعون فيدعواه إلى الله تعالى أن يعبده وحده لا شريك له وأن يرسل معهما بني إسرائيل ويطلقهم من أسره وقهره ولا يعذبهم {قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ} وهو البرهان العظيم في العصا واليد {وَالسَّلامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى} تقييد مفيد بليغ عظيم. ثم تهدداه وتوعدّاه على التكذيب فقالا: {إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} أي كذب بالحق بقلبه وتولّى عن العمل بقالبه.
وقد ذكر السدي وغيره: أنه لما قدم من بلاد مدين دخل على أمّه وأخيه هارون وهما يتعشيان من طعام فيه "الطفشيل"، وهو اللفت فأكل معهما، ثم قال: يا هرون إن الله أمرني وأمرك أن ندعو فرعون إلى عبادته فقم معي، فقاما يقصدان باب فرعون، فإذا هو مغلق، فقال موسى للبوابين والحجبة أعلموه أن رسول الله بالباب، فجعلوا يسخرون منه ويستهزؤن به. وقد زعم بعضهم أنه لم يؤذن لهما عليه إلا بعد حين طويل.
وقال محمد بن إسحاق: أذن لهما بعد سنتين، لأنه لم يك أحد يتجاسر على الاستئذان لهما فالله أعلم ويقال: إن موسى تقدم إلى الباب، فطرقه بعصاه فانزعج فرعون، وأمر باحضارهما فوقفا بين يديه فدعواه إلى الله عز وجل كما أمرهما.
وعند أهل الكتاب أن الله قال لموسى عليه السلام: إن هارون اللاوي - يعني من نسل لاوى بن يعقوب - سيخرج ويتلقاك، وأمره أن يأخذ معه مشايخ بني إسرائيل إلى عند فرعون، وأمره أن يظهر ما أتاه من الآيات وقال له إني سأقسّي قلبه فلا يرسل الشعب، وأكثر آياتي وأعاجيبي بأرض مصر. وأوحى الله إلى هرون أن يخرج إلى أخيه يتلقاه بالبرّية عند جبل حوريب، فلما تلقاه أخبره موسى بما أمره به ربه. فلما دخلا مصر جمعا شيوخ بني إسرائيل وذهبا إلى فرعون، فلما بلّغاه رسالة الله، قال: من هو الله، لا أعرفه، ولا أرسل بني إسرائيل.
وقال الله مخبراً عن فرعون: {قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى، قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى، قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى، قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى، الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى، كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى، مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى}.
يقول تعالى مخبراً عن فرعون: إنه أنكر إثبات الصانع تعالى قائلاً: {فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى، قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} أي هو الذي خلق الخلق وقدر لهم أعمالاً وأرزاقاً وآجالاً وكتب ذلك عنده في كتابه اللوح المحفوظ ثم هدى كل مخلوق إلى ما قدره له فطابق عمله فيهم الوجه الذي قدره وعلمه لكمال علمه، وهذه الآية كقوله تعالى: {سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} أي قدر قدراً وهدى الخلائق إليه.
{قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى} يقول فرعون لموسى: فإذا كان ربك هو الخالق المقدر الهادي الخلائق لما قدره، وهو بهذه المثابة من أنه لا يستحق العبادة سواه فلم عبد الأولون غيره؟ وأشركوا به من الكواكب والأنداد ما قد علمت؟ فهلا اهتدى إلى ما ذكرته القرون الأولى؟ {قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى} أي هم وإن عبدوا غيره فليس ذلك بحجة لك ولا يدل على خلاف ما أقول لأنهم جهلة مثلك كل شيء فعلوه مستطر عليهم في الزبر من صغير وكبير وسيجزيهم على ذلك ربي عز وجل ولا يظلم أحد مثقال ذرة لأن جميع أفعال العباد مكتوبة عنده في كتاب لا يضل عنه شيء ولا ينسى ربي شيئاً.
ثم ذكر له عظمة الرب وقدرته على خلق الأشياء وجعله الأرض مهاداً والسماء سقفاً محفوظاً وتسخيره السّحاب والأمطار لرزق العباد ودوابّهم وأنعامهم كما قال: {كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى} أي لذوي العقول الصحيحة المستقيمة والفطر القويمة غير السقيمة فهو تعالى الخالق الرازق. وكما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.
ولما ذكر إحياء الأرض بالمطر واهتزازها باخراج نباتها فيه نبه به على المعاد فقال {مِنْهَا} أي من الأرض {خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} كما قال تعالى: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.‏
ثم قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى، قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى، فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَاناً سُوًى، قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى}.
يخبر تعالى عن شقاء فرعون وكثرة جهله وقلة عقله في تكذيبه بآيات الله واستكباره عن إتباعها، وقوله لموسى إنَّ هذا الذي جئت به سحر ونحن نعارضك بمثله، ثم طلب من موسى أن يواعده إلى وقت معلوم ومكان معلوم.
وكان هذا من أكبر مقاصد موسى عليه السلام أن يظهر آيات الله وحججه وبراهينه جهرة بحضرة النّاس ولهذا: {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ} وكان يوم عيد من أعيادهم ومجتمع لهم {وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى} أي من أول النهار في وقت اشتداد ضياء الشمس فيكون الحق أظهر وأجلى، ولم يطلب أن يكون ذلك ليلاً في ظلام كيما يروج عليهم محالاً وباطلاً، بل طلب أن يكون نهاراً جهرة لأنه على بصيرة من ربِّه ويقين بأن الله سيظهر كلمته ودينه وإن رغمت أنوف القبط!.‏
قال الله تعالى: {فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى، قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنْ افْتَرَى، فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى، قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمْ الْمُثْلَى، فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنْ اسْتَعْلَى}.
يخبر تعالى عن فرعون أنه ذهب فجمع من كان ببلاده من السحرة، وكانت بلاد مصر في ذلك الزمان مملوءة سحرة فضلاء، في فنهم غاية، فجمعوا له من كل بلد، ومن كل مكان، فاجتمع منهم خلق كثير وجم غفير، فقيل: كانوا ثمانين ألفاً - قاله محمد بن كعب - وقيل: سبعين ألفاً قاله القاسم بن أبي بردة. وقال السدي: بضعة وثلاثين ألفاً. وعن أبي أمامة: تسعة عشر ألفاً. وقال محمد بن إسحاق خمسة عشر ألفاً. وقال كعب الأحبار: كانوا إثني عشر ألفاً.
وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس: كانوا سبعين رجلاً، وروى عنه أيضاً: أنهم كانوا أربعين غلاماً من بني إسرائيل، أمرهم فرعون أن يذهبوا إلى العرفاء فيتعلّموا السِّحر، ولهذا قالوا: {وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ}، وفي هذا نظر.
وحضر فرعون وأمراؤه وأهل دولته وأهل بلده عن بكرة أبيهم. وذلك أن فرعون نادى فيهم أن يحضروا هذا الموقف العظيم فخرجوا وهم يقولون: {لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمْ الْغَالِبِينَ}.
وتقدم موسى عليه السلام إلى السحرة فوعظهم وزجرهم عن تعاطي السحر الباطل الذي فيه معارضة لآيات الله وحججه، فقال: {وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنْ افْتَرَى، فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ}.
قيل: معناه أنهم اختلفوا فيما بينهم، فقائل يقول: هذا كلام نبي وليس بساحر، وقائل منهم يقول: بل هو ساحر فالله أعلم. وأسرّوا التناجي بهذا وغيره.
{قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا} يقولون: إن هذا وأخاه هارون ساحران عليمان مطبقان متقنان لهذه الصناعة، ومرادهما أن يجتمع الناس عليهما، ويصولا على الملك وحاشيته ويستأصلاكم عن آخركم، ويستأمرهما عليكم بهذه الصناعة.
{فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنْ اسْتَعْلَى} وإنما قالوا الكلام الأول ليتدبروا ويتواصوا ويأتوا بجميع ما عندهم من المكيدة والمكر والخديعة والسحر والبهتان.
وهيهات! كذبت والله الظنون واخطأت الآراء. أنى يعارض البهتان. والسحر والهذيان. خوارق العادات التي أجراها الديان. على يدي عبده الكليم. ورسوله الكريم المؤيد بالبرهان الذي يبهر الأبصار وتحار فيه العقول والأذهان!
وقولهم: {فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ} أي جميع ما عندكم {ثُمَّ ائْتُوا صَفّاً} أي جملة واحدة، ثم حضّوا بعضهم بعضاً على التقدم في هذا المقام، لأن فرعون كان قد وعدهم ومناهم وما يعدهم الشّيطان إلا غرورا.
{قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى، قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى، فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى، قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى، وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى}.
لما اصطف السحرة ووقف موسى وهرون عليهما السّلام تجاههم قالوا له إما أن تلقي قبلنا، وإما أن نلقي قبلك؟ {قَالَ بَلْ أَلْقُوا} أنتم وكانوا قد عمدوا إلى حبال وعصيّ فأودعوها الزئبق وغيره من الآلات التي تضطرب بسببها تلك الحبال والعصي اضطراباً يخيل للرائي
أنها تسعى باختيارها، وإنما تتحرك بسبب ذلك. فعند ذلك سحروا أعين الناس واسترهبوهم وألقوا حبالهم وعصيهم وهم يقولون {بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ}.
قال الله تعالى: {فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ}. وقال تعالى: {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى، فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى} أي خاف على الناس أن يفتتنوا بسحرهم ومحالهم قبل أن يلقي ما في يده فإنه لا يضع شيئاً قبل أن يؤمر فأوحى الله إليه في السّاعة الراهنة {لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى، وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} فعند ذلك ألقى موسى عصاه وقال {مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ، وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ}.‏
وقال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُون، فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ، وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ، قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ}.
وذلك أن موسى عليه السلام لما ألقاها صارت حية عظيمة ذات قوائم فيما ذكره غير واحد من علماء السلف وعنق عظيم وشكل هائل مزعج بحيث أن الناس انحازوا منها وهربوا سراعاً وتأخروا عن مكانها وأقبلت هي على ما ألقوه من الحبال والعصي فجعلت تلقفه واحداً واحداً في أسرع ما يكون من الحركة، والناس ينظرون إليها ويتعجّبون منها.‏
وأما السّحرة فإنهم رأوا ما هالهم وحيّرهم في أمرهم واطلعوا على أمر لم يكن في خلدهم ولا بالهم ولا يدخل تحت صناعاتهم وأشغالهم. فعند ذلك وهنالك تحققوا بما عندهم من العلم أنَّ هذا ليس بسحر ولا شعوذة ولا محال ولا خيال ولا زور ولا بهتان ولا ضلال بل حق لا يقدر عليه إلا الحق الذي ابتعث هذا المؤيد به بالحق وكشف الله عن قلوبهم غشاوة الغفلة وأنارها بما خلق فيها من الهدى وأزاح عنها القسوة وأنابوا إلى ربهم وخرّوا له ساجدين وقالوا جهرة للحاضرين ولم يخشوا عقوبة ولا بلوى {آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى}، كما قال تعالى: {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى، قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى، قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى، إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا، وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ الدَّرَجَاتُ الْعُلا، جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى}.
قال سعيد بن جبير وعكرمة والقاسم بن أبي بردة والأوزاعي وغيرهم: لما سجد السحرة رأوا منازلهم وقصورهم في الجنة تهيأ لهم وتزخرف لقدومهم ولهذا لم يلتفتوا إلى تهويل فرعون وتهديده ووعيده.‏
وذلك لأن فرعون لما رأى هؤلاء السّحرة قد أسلموا وأشهروا ذكر موسى وهرون في الناس على هذه الصفة الجميلة أفزعه ذلك ورأى أمراً بهره وأعمى بصيرته وبصره، وكان فيه كيد ومكر وخداع وصنعة بليغة في الصد عن سبيل الله فقال مخاطباً للسحرة بحضرة الناس {آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ} أي هلا شاورتموني فيما صنعتم من الأمر الفظيع بحضرة رعيتي ثم تهدد وتوعد وأبرق وأرعد وكذب فأبعد قائلاً {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ} وقال في الآية الأخرى {إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ}.
وهذا الذي قاله من البهتان يعلم كل فرد عاقل ما فيه من الكفر والكذب والهذيان، بل لا يروج مثله على الصبيان، فإن الناس كلهم من أهل دولته وغيرهم يعلمون أن موسى لم يره هؤلاء يوماً من الدهر، فكيف يكون كبيرهم الذي علمهم السحر؟ ثم هو لم يجمعهم ولا علم باجتماعهم حتى كان فرعون هو الذي استدعاهم واجتباهم من كل فج عميق وواد سحيق ومن حواضر بلاد مصر والأطراف ومن المدن والأرياف.
قال الله تعالى في سورة الأعراف: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ، وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِي بَنِي إسرائِيلَ، قَالَ إِنْ كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ، فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ، وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ، قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ، يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ، قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ، يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ، وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ، قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ، قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ، قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ، وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ، فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ، وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ، قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ، قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ، لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ، قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ، وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ}.
وقال تعالى في سورة يونس: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ، قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ، قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ، وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ، فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ، فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ، وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ}.
وقال تعالى في سورة الشعراء: {قَالَ لَئِنْ اتَّخَذْتَ إِلَهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنْ الْمَسْجُونِين، قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ، قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ، فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ، وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ، قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيم، يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ، قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ، يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ، فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُوم، وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ، لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمْ الْغَالِبِينَ، فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ، قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ، قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ، فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ، فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ، فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ، قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ، قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ، قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ، إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ}.
والمقصود أن فرعون كذب وافترى وكفر غاية الكفر في قوله: {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْر} وأتى ببهتان يعلمه العالمون، بل العالمون في قوله: {إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} وقوله: {لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ} يعني يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى وعكسه {ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ} أي ليجعلنهم مثلة ونكالاً لئلا يقتدي بهم أحد من رعيته وأهل ملته ولهذا قال: {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} أي على جذوع النخل لأنها أعلى وأشهر {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى} يعني في الدنيا.
{قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ} أي لن نطيعك ونترك ما وقر في قلوبنا من البينات والدلائل القاطعات {وَالَّذِي فَطَرَنَا} قيل معطوف. وقيل قسم {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ} أي فافعل ما قدرت عليه {إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} أي إنما حكمك علينا في هذه الحياة الدنيا فإذاً انقلنا منها إلى الدار الآخرة صرنا إلى حكم الذي أسلمنا له واتبعنا رسله {إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} أي وثوابه خير مما وعدتنا به من التقريب والترغيب {وَأَبْقَى}، أي وأدوم من هذه الدار الفانية وفي الآية الأخرى {قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ، إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا} أي ما اجترمناه من المآثم والمحارم {أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ} أي من القبط بموسى وهارون عليهما السلام.
وقالوا له أيضاً: {وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا} أي ليس لنا عندك ذنب إلا إيماننا بما جاءنا به رسولنا وأتباعنا آيات ربنا لما جاءتنا {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً} أي ثبتنا على ما أبتلينا به من عقوبة هذا الجبار العنيد والسلطان الشديد بل الشيطان المريد {وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ}.
وقالوا أيضاً يعظونه ويخوفونه بأس ربه العظيم {إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا} يقولون له فإياك أن تكون منهم فكان منهم {وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ الدَّرَجَاتُ الْعُلا} أي المنازل العالية {جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى} فاحرص أن تكون منهم فحالت بينه وبين ذلك الأقدار التي لا تغالب ولا تمانع وحكم العلي العظيم بأن فرعون - لعنه الله - من أهل الجحيم ليباشر العذاب الأليم يصب من فوق رأسه الحميم. ويقال له على وجه التقريع والتوبيخ وهو المقبوح المنبوح والذميم اللئيم {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ}.
والظاهر من هذه السياقات أن فرعون لعنه الله صلبهم وعذبهم رضي الله عنهم. قال عبد الله بن عباس وعبيد بن عمير: كانوا من أول النهار سحرة فصاروا من آخره شهداء بررة!
ويؤيد هذا قولهم {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ}.
‏ولما وقع ما وقع من الأمر العظيم، وهو الغلب الذي غلبته القبط في ذلك الموقف الهائل، وأسلم السَّحرة الذين استنصروا بهم، لم يزدهم ذلك إلا كفراً وعناداً وبعداً عن الحق.
قال الله تعالى بعد قصص ما تقدم في سورة الأعراف: {وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ، قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}.
يخبر تعالى عن الملأ من قوم فرعون وهم الأمراء والكبراء أنهم حرّضوا ملكهم فرعون على أذية نبي الله موسى عليه السلام ومقابلته بدل التصديق بما جاء به بالكفر والرد والأذى.
قالوا: {أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} يعنون - قبَّحهم اللهُ - أن دعوته إلى عبادة الله وحده لا شريك له والنهي عن عبادة ما سواه فسادٌ بالنِّسبة إلى اعتقادِ القبط لعنهم الله. وقرأ بعضهم: {وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} أي وعبادتك ويحتمل شيئين أحدهما ويذر دينك وتقويه القراءة الأخرى. الثاني ويذر أن يعبدك فإنه كان يزعم أنه إله لعنه الله.
{قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ} أي لئلا يكثر مقاتلتهم {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} أي غالبون.
{وقَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} أي إذا هموا هم بأذيتكم والفتك بكم فاستعينوا أنتم بربكم واصبروا على بليتكم {إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} أي فكونوا أنتم المتقين لتكون لكم العاقبة كما قال في الآية الأخرى {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ، فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنْ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} وقولهم {قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} أي قد كانت الأنبياء تقتل قبل مجيئك وبعد مجيئك إلينا {قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} وقال الله تعالى في سورة حم المؤمن: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ، إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ}.
وكان فرعون الملك وهامان الوزير، وكان قارون إسرائيلياً من قوم موسى إلا أنه كان على دين فرعون وملئه، وكان ذا مال جزيل جداً، كما ستأتي قصته فيما بعد إن شاء الله تعالى.
{فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ} وهذا القتل للغلمان من بعد بعثة موسى إنما كان على وجه الاهانة والاذلال والتقليل لملأ بني إسرائيل لئلا يكون لهم شوكة يمتنعون بها، ويصولون على القبط بسببها وكانت القبط منهم يحذرون فلم ينفعهم ذلك ولم يردّ عنهم قدر الذي يقول للشيء كن فيكون.
{وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ}. ولهذا يقول الناس على سبيل التهكم: صار فرعون مذكراً. وهذا منه، فإنَّ فرعون في زعمه يخاف على الناس أن يضلَّهم موسى عليه السلام!
{وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ}، أي عذت بالله ولجأت إليه واستجرت بجنابه من أن يسطو فرعون وغيره عليَّ بسوء وقوله {مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ}، أي جبار عنيد لا يرعوي ولا ينتهي ولا يخاف عذاب الله وعقابه، لأنه لا يعتقد معاداً ولا جزاء. ولهذا قال: {مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ}.‏
{وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ، يَا قَوْمِ لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ}.
وهذا الرجل هو ابن عم فرعون، وكان يكتم إيمانه من قومه خوفاً منهم على نفسه، وزعم بعض الناس أنه كان إسرائيلياً وهو بعيد ومخالف لسياق الكلام لفظاً ومعنى والله أعلم.
قال ابن جريج: قال ابن عباس: لم يؤمن من القبط بموسى إلا هذا، والذي جاء من أقصى المدينة، وامرأة فرعون. رواه ابن أبي حاتم.
قال الدارقطني: لا يعرف من اسمه شمعان - بالشين المعجمة - إلا مؤمن آل فرعون. حكاه السهيلي.
وفي تاريخ الطبراني: أن اسمه "خير" فالله أعلم.
والمقصود أن هذا الرجل كان يكتم إيمانه فلمّا همّ فرعون - لعنه الله - بقتل موسى عليه السلام وعزم على ذلك وشاور ملأه فيه خاف هذا المؤمنُ على موسى فتلطّف في رد فرعون بكلام جمع فيه الترغيب والترهيب، فقال على وجه المشورة والرأي.
وقد ثبت في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر" وهذا من أعلى مراتب هذا المقام، فإن فرعون لا أشد جوراً منه وهذا الكلام لا أعدل منه لأن فيه عصمة نبيّ ويحتمل أنه كاشفهم بإظهار إيمانه، وصرَّح لهم بما كان يكتمه، والأول أظهر والله أعلم.
قال: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ} أي من أجل أنه قال ربي الله، فمثل هذا لا يقابل بهذا بل بالإكرام والاحترام والموادعة وترك الانتقام.
يعني لأنه {قَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} أي بالخوارق التي دلت على صدقه فيما جاء به عمن أرسله، فهذا إن وادعتموه كنتم في سلامة لأنه {وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ} ولا يضركم ذلك {وَإِنْ يَكُ صَادِقاً}
وقد تعرضتم له {يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ} أي وأنتم تشفقون أن ينالكم أيسر جزاء مما يتوعدكم به فكيف بكم إن حل جميعه عليكم؟
وهذا الكلام في هذا المقام من أعلى مقامات التلطّف والاحتراز والعقل التام.
وقوله: {يَا قَوْمِ لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ} يحذّرهم أن يسلبوا هذا الملك العزيز فإنّه ما تعرضت الدول للدين الا سلبوا ملكهم وذلوا بعد عزهم!.
وكذا وقع لآل فرعون، ما زالوا في شك وريب ومخالفة ومعاندة لما جاءهم موسى به، حتى أخرجهم الله مما كانوا فيه من الملك والأملاك والدور والقصور والنعمة والحبور، ثم حولوا إلى البحر مهانين، ونقلت أرواحهم بعد العلو والرفعة إلى أسفل السّافلين.
ولهذا قال هذا الرجل المؤمن المصدّق البار الراشد التابع للحق الناصح لقومه الكامل العقل: {يَا قَوْمِ لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ} أي عالين على الناس حاكمين عليهم، {فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا} أي لو كنتم أضعاف ما أنتم فيه من العدد والعدة والقوة والشدة لما نفعنا ذلك ولا رد عنا بأس مالك الممالك.
{قَالَ فِرْعَوْنُ} أي في جواب هذا كله {مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى} أي ما أقول لكم إلا ما عندي {وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ}.
وكذب في كلِّ من هذين القولين وهاتين المقدمتين، فإنه قد كان يتحقق في باطنه وفي نفسه أن هذا الذي جاء به موسى من عند الله لا محالة، وإنما كان يظهر خلافه بغياً وعدواناً وعتواً وكفراناً.




يتبع




===================






التعديل الأخير تم بواسطة بحرجديد ; 02-01-2014 الساعة 11:28 PM
بحرجديد متصل الآن   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
السيستاني لايكفر من إستهان بالرسول عليه الصلاة والسلام وبإهل البيت عليهم السلام Islam4all منتدى الأديان والمذاهب المعاصرة 9 01-20-2010 05:03 AM
هل يحب الشيعه رسول الله وآله عليهم الصلاة والسلام TMtomy منتدى الأديان والمذاهب المعاصرة 26 07-16-2009 07:59 PM
المرأة في حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام hany_fo2sh مواضيع اسلامية - الشريعة و الحياه 3 05-06-2008 12:02 PM
القاب الانبياء عليهم الصلاة والسلام ملكـ الشوقـ مواضيع اسلامية - الشريعة و الحياه 0 05-25-2004 12:01 AM
فضل الصلاة على سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام abureem0 مواضيع اسلامية - الشريعة و الحياه 9 05-22-2004 12:56 PM


الساعة الآن 03:28 AM


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd diamond

Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0