قصص الف ليله وليله - الصفحة 2
تصفح


العودة   منتديات عالم الرومانسية > منتديات القصص والروايات > قصص وحكايات عربية وشعبية وعالمية

قصص وحكايات عربية وشعبية وعالمية أروع القصص العربية الخيالية و قصص الحب الغرام العشق بين العشاق في عالم الروايات والقصص الطويلة, تمتع بقراءة القصص بدون اشتراك لأنها خدمة مجانية من منتديات عالم الرومانسية






موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 02-08-2009, 12:05 PM   #11 (permalink)
حمودي2009
رومانسي مجتهد
 
الصورة الرمزية حمودي2009
 

ADS




][®][^][®][ الليلة الواحدة بعد المئه ][®][^][®][



قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان قال لضوء المكان: إن الجارية قالت لوالدك: إن أخت بشر الحافي قصدت أحمد بن حنبل فقالت له: يا إمام الدين إنا قوم نغزل بالليل ونشتغل بمعاشنا في النهار وربما تمر بنا مشاعل ولاة بغداد ونحن على السطح نغزل في ضوئها فهل يحرم علينا ذلك? قال لها: من أنت? قالت: أخت بشر الحافي فقال: يا أهل بشر لا أزال أستنشق الورع من قلوبكم. وقال بعض العارفين: إذا أراد الله بعبد خيراً فتح عليه باب العمل. وكان ملك بن دينار إذا مر في السوق ورأى ما يشتهيه يقول: يا نفس اصبري فلا أوافقك على ما تريدين. وقال رضي الله عنه: سلامة النفس في مخالفتها وبلاؤها في متابعتها. وقال منصور بن عمار حججت حجة فقصدت مكة من طريق الكوفة وكانت ليلة مظلمة وإذا بصارخ يصرخ في جوف الليلة ويقول: إلهي وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتك مخالفتك وما أنا جاهل بك ولكن خطيئة قضيتها علي في قديم أزلك فاغفر لي ما فرط مني فإني قد عصيتك بجهلي، فلما فرغ من دعائه تلا هذه الآية: يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة وسمعت سقطة لم أعرف لها حقيقة فمضيت، فلما كان الغد مشينا إلى مدرجنا وإذا بجنازة خرجت وراءها عجوز ذهبت قوتها فسألتها عن الميت فقالت: هذه جنازة رجل كان مر بنا البارحة وولدي قائم يصلي فتلا آية من كتاب الله تعالى فانفطرت مرارة ذلك الرجل فوقع ميتاً، ثم تأخرت الجارية الرابعة وتقدمت الجارية الخامسة وقالت: ها أنا أذكر بعض ما يحضرني من أخبار السلف الصالح: كان مسلمة بن دينار يقول: عند تصحيح الضمائر نغفر الصغائر والكبائر، وإذا عزم العبد على ترك الآثام أتاه الفتوح وقال: كل نعمة لا تقرب إلى الله فهي بلية وقليل الدنيا يشغل عن كثير الآخرة وكثيرها ينسيك قليلها. وسئل أبو حازم: من أيسر الناس? فقال: رجل امضى عمره في طاعة الله، قال: فمن أحمق الناس? قال: رجل باع آخرته بدنيا غيره.

***********************

وروي أن موسى عليه السلام لما ورد ماء مدين قال: رب إني لما أنزلت لي من خير فقير فسأل موسى ربه ولم يسأل الناس وجاءت الجاريتان فسقى لهما ولم تصدر الرعاء فلما رجعتا أخبرتا أباهما شعيباً فقال لهما: لعله جائع ثم قال لإحداهن: ارجعي إليه وادعيه فلما أتته غطت وجهها وقالت: إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فكره موسى ذلك وأراد أن لا يتبعها وكانت امرأة ذات عجز فكانت الريح تضرب ثوبها فيظهر لموسى عجزها فيغض بصره ثم قال لهاك كوني خلفي فمشت خلفه حتى دخل على شعيب والعشاء مهيأ. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

*****************************

وألى لقاء مع الليلة الثانية بعد المئة



][®][^][®][ الليلة الثانية بعد المئه ][®][^][®][

*********************************

قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان قال لضوء المكان: وقالت الجارية الخامسة لوالدك فدخل موسى على شعيب عليهما السلام والعشاء مهيأ فقال شعيب لموسى: يا موسى إني أريد أن أعطيك أجر ما سقيت لهما فقال موسى: أنا من أهل بيت لا نبيع شيئاً من عمل الآخرة بما على الأرض من ذهب وفضة فقال شعيب: يا شاب ولكن أنت ضيفي وإكرام الضيف عادتي وعادة آبائي بإطعام الطعام فجلس موسى فأكل، ثم إن شعيباً استأجر موسى ثماني حجج أي ثماني سنين وجعل أجرته على ذلك تزويجه إحدى ابنتيه وكان عمل موسى لشعيب صداقاً لها كما قال تعالى حكاية عنه أني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تؤجرني ثماني حجج فإن أتممت عشراً فمن عندك وما أريد أن أشق عليك.

***************************

وقال رجل لبعض أصحابه وكان له مدة لم يره: إنك أوحشتني أني ما رأيتك منذ زمان قال: اشتغلت عنك بابن شهاب أتعرفه? قال: نعم هو جاري منذ ثلاثين سنة إلا أنني لم أكلمه، قال له: إنك نسيت الله فنسيت جارك ولو أحببت الله لأحببت جارك، أما علمت أن للجار علي حقاً كحق القرابة? وقال حذيفة: دخلنا مكة مع إبراهيم بن أدهم وكان شقيق البلخي قد حج في تلك السنة فاجتمعنا في الطواف فقال إبراهيم لشقيق: ما شأنكم في بلادكم? فقال شقيق: إننا إذا رزقنا أكلنا وإذا جعنا صبرنا فقال: كذا تفعل كلاب بلخ ولكننا إذا رزقنا آثرنا وإذا جعنا شكرنا فجلس شقيق بين يدي إبراهيم قال له: أنت أستاذي. وقال محمد بن عمران: سأل رجل حاتماً الأصم فقال له: ما أمرك في التوكل على الله تعالى? قال على خصلتين علمت أن رفاقي لا يأكله غيري فاطمأنت نفسي به وعلمت أني لم أخلق من غير علم الله فاستحييت منه.

*******************************

ثم تأخرت الجارية الخامسة وتقدمت العجوز وقبلت الأرض بين يدي والدك تسع مرات وقالت: قد سمعت أيها الملك ما تكلم به الجميع في باب الزهد وأنا تابعة لهن فاذكر بعض ما بلغني عن أكابر المتقدمين. قيل: كان الإمام الشافعي رضي الله عنه يقسم الليل ثلاثة أقسام: الثلث الأول للعلم والثاني للنوم والثالث للتهجد وكان الإمام أبو حنيفة يحيي نصف الليل فأشار إليه إنسان وهو يمشي وقال الآخران: إن هذا يحيي الليل كله فلما سمع ذلك قال: إني أستحي من الله أن أوصف بما ليس في فصار بعد ذلك يحيي الليل كله. وقال الربيع: كان الشافعي يختم القرآن في شهر رمضان سبعين مرة كل ذلك في الصلاة. وقال الشافعي رضي الله عنه: ما شبعت من خبز الشعير عشر سنين لأن الشبع يقسي القلب ويزيل الفطنة ويجلب النوم ويضعف صاحبه عن القيام.

*********************************

وروي عن عبد الله ومحمد السكري أنه قال: كنت أنا وعمرة نتحدث فقال لي: ما رأيت أروع ولا أفصح من محمد بن إدريس الشافعي واتفق أنني خرجت أنا والحرث بن لبيب الصغار وكان الحرث تلميذ المزني وكان صوته حسناً فقرأ قوله تعالى: هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون فرأيت الإمام الشافعي تغير لونه واقشعر جلده واضطرب اضطراباً شديداً وخر مغشياً عليه فلما أفاق قال: أعوذ بالله من مقام الكذابين وأعراض الغافلين اللهم لك خشعت قلوب العارفين. اللهم هب لي غفران ذنوبي من جودك وجملني بسترك واعف عن تقصيري بكرم وجهك، ثم قمت وانصرفت

****************************

وقال بعض الثقات: لما دخلت بغداد كان الشافعي بها فجلست على الشاطئ لأتوضأ للصلاة إذ مر بي إنسان فقال لي: يا غلام أحسن وضوءك يحسن الله إليك في الدنيا والآخرة فالتفت وإذا برجل يتبعه جماعة فأسرعت في وضوئي وجعلت أقفوا أثره فالتفت إلي وقال: هل لك من حاجة? فقلت: نعم تعلمني مما علمك الله تعالى فقال: اعلم أن من صدق الله ونجا ومن نجا ومن أشفق على دينه سلم من الردى ومن زهد في الدنيا قرت عيناه غداً أفلا أزيدك? قلت: بلى قال: كن في الدنيا زاهداً وفي الآخرة راغباً واصدق في جميع أمورك تنج مع الناجين ثم مضى فسألت عنه فقيل لي: هذا الإمام الشافعي. وكان الإمام الشافعي رضي الله عنه يقول: وددت أن الناس ينتفعون بهذا العلم على أن لا ينسب إلي منه شيء.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح

***************************

وألى لقاء مع الليلة الثالثه بعد المئة



][®][^][®][ الليلة الثالثـة بعد المئه ][®][^][®][

******************************

قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان قال لضوء المكان: قالت العجوز لوالدك: كان الإمام الشافعي يقول: وددت أن الناس ينتفعون بهذا العلم على أن لا ينسب إلي منه شيء وقال: ما ناظرت أحداً إلا أحببت أن يوفقه الله تعالى للحق ويعينه على إظهاره وما ناظرت أحداً قط إلا لأجل إظهار الحق وما أبالي أن يبين الله الحق على لساني أو على لسانه. وقال رضي الله تعالى عنه: إذا خفت على علمك العجب فاذكر رضا من تطلب وفي أي نعيم ترغب ومن أي عقاب ترهب.

*************************

وقيل لأبي حنيفة: إن أمير المؤمنين أبا جعفر المنصور قد جعلك قاضياً ورسم لك بعشرة آلاف درهم فما رضي، فلما كان اليوم الذي توقع أن يؤتى إليه فيه بالمال صلى الصبح ثم تغشى بثوبه فلم يتكلم ثم جاء رسول أمير المؤمنين بالمال فلما دخل عليه وخاطبه لم يكلمه فقال له رسول الخليفة: إن هذا المال حلال فقال: اعلم أنه حلال لي ولكني أكره أن يقع في قلبي مودة الجبابرة فقال له: لو دخلت إليهم وتحفظت من ودهم قال:

هل آمن أن ألج البحر ولا تبتل ثيابي من كلام الشافعي رضي الله عنه:
ألا يا نفس إن ترضي بقولي فأنت عزيزة أبـداً غـنـية
دعي عنك المطامع والأماني فكم أمنية جلبـت غـنـية

********************************

ومن كلام سفيان النوري فيما أوصى به علي بن الحسين السلمي: عليك بالصدق وإياك والكذب والخيانة والرياء فإن العمل الصالح يحيطه الله بخصلة من هذه الخصال ولا تأخذ دينك إلا عمن هو مشفق على دينه وليكن جليسك من يزهدك في الدنيا وأكثر ذكر الموت وأكثر الاستغفار واسأل الله السلامة فيما بقي من عمرك وانصح كل مؤمن إذا سألك عن أمر دينه وإياك أن تخون مؤمناً فإن من خان مؤمناً فقد خان الله ورسوله، وإياك الجدال والخصام ودع ما يريبك إلى ما لا يريبك تكن سليماً وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر تكن حبيب الله وأحسن سريرتك يحسن الله علانيتك واقبل المعذرة ممن اعتذر إليك ولا تبغض أحداً من المسلمين وصل من قطعك واعف عمن ظلمك تكن رفيق الأنبياء وليكن أمرك مفوضاً إلى الله في السر والعلانية واخش الله من خشية من قد علم أنه ميت ومبعوث وسائر إلى الحشر والوقوف بين يدي الجبار واذكر مصيرك إلى إحدى الدارين أما إلى جنة عالية وأما إلى نار حامية.

***********************


ثم إن العجوز جلست إلى جانب الجواري فلما سمع والدك المرحوم كلامهن علم أنهن أفضل أهل زمانهن ورأى حسنهن وجمالهن وزيادة أدبهن فأواهن إليه وأقبل على العجوز فأكرمها وأخلى لها هي وجواريها القصر الذي كانت فيه الملكة إبريزة بنت ملك الروم ونقل إليهن ما يحتجن إليه من الخيرات فأقامت عنده عشرة أيام وكلما دخل عليها يجدها معتكفة على صلاتها وقيامها في ليلها وصيامها فوقع في قلبه محبتها وقال لي: يا وزير إن هذه العجوز من الصالحات وقد عظمت في قلبي مهابتها.

*********************************

فلما كان اليوم الحادي عشر اجتمع بها من جهة دفع ثمن الجواري إليها فقالت له: أيها الملك اعلم أن ثمن هذه الجواري فوق ما يتعامل الناس به فإني ما أطلب فيهن ذهباً ولا فضة ولا جواهر قليلاً كان ذلك، فلما سمع والدك كلامها تحير وقال: أيها السيدة وما ثمنهن? قالت: ما أبيعهن لك إلا بصيام شهر كامل تصوم نهاره وتقوم ليله لوجه الله تعالى فإن فعلت ذلك فهن لك في قصرك تصنع بهن ما شئت. فتعجب الملك من كمال سلاحها وزهدها وورعها وعظمت في عينه وقال نفعنا الله بهذه المرأة الصالحة ثم اتفق معها على أن يصوم الشهر كما اشترطته عليه. فقالت: وأنا أعينك بدعوات أدعو بهن لك فائتني بكوز ماء فأخذته وقرأت عليه وهممت وقعدت ساعة تتكلم بكلام لا تفهمه ولا تعرف منه شيئاً، ثم غطته بخرقة وختمته وناولته لوالدك وقالت له: إذا صمت العشرة الأولى فأفطر في الليلة الحادية عشرة على ما في هذا الكوز فإنه ينزع حب الدنيا من قلبك وبملأه نوراً وإيماناً وفي غد أخرج إلى أخواني وهم رجال الغيب فإني اشتقت إليهم ثم أجيء إليك إذا مضت العشرة الأولى فأخذ والدك الكوز ثم نهض وأفرد له خلوة في القصر ووضع الكوز فيها وأخذ مفتاح الخلوة في جيبه فلما كان النهار صام السلطان وخرجت العجوز إلى حال سبيلها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

********************************

وألى لقاء مع الليلة الـرابعــــة بعد المئة




][®][^][®][ الليلة الـرابعــــــة بعد المئه ][®][^][®][

**************************************


قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان قال لضوء المكان: فلما كان النهار صام وخرجت العجوز في حال سبيلها وأتم الملك صوم العشرة أيام وفي اليوم الحادي عشر فتح الكوز وشربه فوجد له في فؤاده فعلاً جميلاً وفي العشرة أيام الثانية من الشهر جاءت العجوز ومعها حلاوة في ورق أخضر يشبه ورق الشجر فدخلت على والدك وسلمت عليه فلما رآها قام وقال لها: مرحباً بالسيدة الصالحة فقالت له: أيها الملك أن رجال الغيب يسلمون عليك لأني أخبرتهم عنك فرحوا بك وأرسلوا معي هذه الحلاوة وهي من حلاوة الآخرة فأفطر عليها في آخر النهار.

**********************************

ففرح والدك فرحاً زائداً وقال: الحمد لله الذي جعل لي إخواناً من رجال الغيب ثم شكر العجوز وقبل يديها وأكرمها وأكرم الجواري غاية الإكرام ثم مضت مدة عشرين يوماً وأبوك صائم وعند رأس العشرين يوماً أقبلت عليه العجوز وقالت: أيها الملك اعلم أني أخبرت رجال الغيب بما بيني وبينك من المحبة وأعلمتهم بأني تركت الجواري عندك، ففرحوا حيث كانت الجواري عند ملك مثلك لأنهم إذا رأوهن يبالغون في الدعاء المستجاب فأريد أن أذهب بهن إلى رجال الغيب لتحصيل نفحاتهم لهن وربما أنهن لا يرجعن إليك إلا ومعهن كنز من كنوز الأرض حتى أنك بعد تمام صومك تشتغل بكسوتهن وتستعين بالمال الذي يأتيك به على أغراضك فلما سمع والدك كلامها شكرها على ذلك وقال لها: لولا أني أخشى مخالفتي لك ما رضيت بالكنز ولا بغيره ولكن متى تخرجن بهن?

***********************************

فقالت له: في الليلة السابعة والعشرين فأرجع بهن إليك في رأس الشهر وتكون أنت قد أوفيت الصوم وحصل استبراؤهن وصرن لك وتحت أمرك. والله أن كل جارية ثمنها أعظم من ملكك مرات، فقال لها: وأنا أعرف ذلك أيتها السيدة الصالحة فقالت له: بعد ذلك ولا بد أن ترسل معهن من يعز عليك من القصر حتى تجد الأنس ويلتمس البركة من رجال الغيب فقال لها: عندي جارية رومية اسمها صفية ورزقت منها بولدين أنثى وذكر ولكنهما فقدا منذ سنتين فخذيها معهن لأجل أن تحصل البركة.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

******************************

وألى لقاء مع الليلة الخـامســــة بعد المئة



][®][^][®][ الليلة الـخـامســـة بعد المئه ][®][^][®][

*********************************

قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان قال لضوء المكان: لعل رجال الغيب يدعون الله لها بأني رد عليها ولديها ويجمع شملنا بهما، فقالت العجوز: نعم ما قلت وكان ذلك أعظم غرضها، ثم إن والدك أخذ في تمام صيامه فقالت له: يا ولدي إني متوجهة إلى رجال الغيب فأحضر لي صفية فدعا بها في ساعتها فسلمها إلى العجوز فخلطتها بالجواري، ثم دخلت العجوز مخدعها وخرجت للسلطان بكأس مختوم وناولته له وقالت: إذا كان يوم الثلاثين فادخل الحمام ثم اخرج منه وادخل خلوة من الخلاوي التي في قصرك واشرب هذا الكأس وثم فقد نلت ما تطلب والسلام مني عليك.

************************

فعند ذلك فرح الملك وشكرها وقبل يدها فقالت له: أستودعك الله فقال لها: ومتى أراك أيتها السيدة الصالحة فإني أود أن لا أفارقك? فدعت له وتوجهت ومعها الجواري والملكة صفية وقعد الملك بعدها ثلاثة أيام ثم قام ودخل الحمام وخرج منه إلى الخلوة التي في القصر وأمر أن لا يدخل عليه أحد ورد الباب عليه ثم شرب الكأس ونام ونحن قاعدون في انتظاره إلى آخر النهار فلم يخرج من الخلوة قلنا: لعله تعبان من الحمام ومن سهر الليل وصيام النهار فبسبب ذلك نام، فانتظرناه ثاني يوم فلم يخرج فوقفنا بباب الخلوة وأعلنا برفع الصوت لعله ينتبه ويسأل عن الخبر فلم يحصل منه صوت، فخلعنا الباب ودخلنا عليه فوجدناه قد تمزق لحمه وتفتت عظمه.

*************************

فلما رأيناه على هذه الحالة عظم علينا ذلك وأخذنا الكأس فوجدنا في غطائه قطعة من ورق مكتوباً فيها: من أساء لا يستوحش منه وهذا جزاء من يحتال على بنات الملوك ويفسدهن والذي نعلم به كل من وقف على هذه الورقة. إن شركان لما جاء بلادنا أفسد علينا الملكة إبريزة وما كفاه ذلك حتى أخذها من عندنا وجاء بها إليكم ثم أرسلها مع عبد أسود فقتلها ووجدناها مقتولة في الخلاء مطروحة على الأرض، فهذا ما هو فعل الملوك، وهذا جزاء من يفعل هذا الفعل إلا ما حل به، وأنتم لا تتهموا أبداً بقتله، ما قتله إلا العاهرة الشاطرة التي اسمها ذات الدواهي، وها أنا أخذت زوجة الملك صفية ومضيت بها إلى والدها أفريدون ملك القسطنطينية، ولا بد أن نغزوكم ونقتلكم ونأخذ منكم الديار فتهلكون عن آخركم ولا يبقى منكم ديار ولا من ينفخ النار إلا من يعبد الصليب والزنار.

********************************

فلما قرأنا هذه الورقة علمنا أن العجوز خدعتنا وتمت حيلتها علينا فعند ذلك صرخنا ولطمنا على وجوهنا وبكينا فلما يفدنا البكاء شيئاً، واختلفت العساكر فيمن يجعلونه سلطاناً عليهم فمنهم من يريدك ومنهم من يريد أخاك شركان ولم نزل في هذا الاختلاف مدة شهر، ثم جمعنا بعضنا وأردنا أن نمضي إلى أخيك شركان فسافرنا إلى أن وجدناك. وهذا سبب موت الملك عمر النعمان.

**************************************

فلما فرغ الوزير من كلامه بكى ضوء المكان هو وأخته نزهة الزمان وبكى الحاجب أيضاً، ثم قال الحاجب لضوء المكان: أيها الملك أن البكاء لا يفيدك شيئاً ولا يفيدك إلا أن تشد قلبك وتقوي عزمك وتؤيد مملكتك ومن خلف ذلك، فعند ذلك سكت عن بكائه وأمر بنصب السرير خارج الدهليز، ثم أمر أن يعرضوا عليه العساكر ووقف الحاجب بجانبه والسلحدراية من ورائه ووقف الوزير دندان قدامه ووقف كل واحد من الأمراء وأرباب الدولة في مرتبته، ثم إن الملك ضوء المكان قال للوزير دندان: أخبرني بخزائن أبي فقال: سمعاً وطاعة وأخبره بخزائن الأموال وبما فيها من الذخائر والجواهر وعرض عليه ما في خزانته من الأموال وبما فيها من الذخائر والجواهر وعرض عليه ما في خزانته من الأموال فأنفق على العساكر وخلع على الوزير دندان خلعة سنية وقال له: أتت في مكانك فقبل الأرض بين يديه ودعا له بالبقاء، ثم خلع على الأمراء ثم إنه قال للحاجب: أعرض علي الذي معك من خراج دمشق فعرض عليه صناديق المال والتحف والجواهر فأخذها وفرقها على العساكر. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح

*************************

وألى لقاء مع الليلة الســادســـــة بعد المئة





][®][^][®][ الليلة السادسة بعد المئه ][®][^][®]

*****************************


قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ضوء المكان أمر الحاجب أن يعرض عليه ما أتى به من خراج دمشق فعرض عليه صناديق المال والتحف والجواهر فأخذها وفرقها على العساكر ولم يبق منها شيئاً، فقبل الأمراء الأرض بين يدي ضوء المكان ودعوا له بطول البقاء وقالوا: ما رأينا ملكاً يعطي مثل هذه العطايا، ثم إنهم مضوا إلى خيامهم فلما أصبحوا أمرهم بالسفر فسافروا ثلاثة أيام وفي اليوم الرابع أشرفوا على بغداد فدخلوا المدينة فوجدوها قد تزينت، وطلع السلطان ضوء المكان قصر أبيه وجلس على السرير ووقف أمراء العسكر والوزير دندان وحاجب دمشق بين يديه فعند ذلك أمر كاتب السر أن يكتب كتاباً إلى أخيه شركان ويذكر فيه ما جرى من الأول إلى الآخر ويذكر في آخره وساعة وقوفك على هذا المكتوب تجهز أمرك وتحضر بعسكرك حتى تتوجه إلى غزو الكفار ونأخذ منهم الثأر ونكشف العار.
ثم طوى الكتاب وختمه وقال للوزير دندان: ما يتوجه بهذا الكتاب إلا أنت ولكن ينبغي أن تتلطف به في الكلام وتقول له: إن أردت ملك أبيك فهو لك وأخوك نائباً عنك في دمشق كما أخبرنا بذلك. فنزل الوزير دندان من عنده وتجهز للسفر، ثم إن ضوء المكان أمر أن يجعلوا للوقاد مكاناً حسناً ويفرشوه بأحسن الفرش، وذلك الوقاد له حديث طويل.

*****************************

ثم إن ضوء المكان توجه يوماً إلى الصيد والقنص وعاد إلى بغداد فقدم له بعض الأمراء من الخيول والجياد ومن الجواري الحسان ما يعجز عن وصفه اللسان فأعجبته جارية منهن فاختلى بها ودخل عليها في تلك الليلة فعلقت منه من ساعتها. وبعد مدة عاد الوزير دندان من سفره وأخبره بخبر أخيه شركان وإنه قادم عليه وقال له: ينبغي أن تخرج وتلاقيه فقال له ضوء المكان: سمعاً وطاعة. فخرج إليه مع كبار دولته من بغداد مسيرة يوم، ثم نصب خيامه هناك لانتظار أخيه. وعند الصباح أقبل الملك شركان في عساكر الشام ما بين فارس مقدام وأسد ضرغام وبطل مصدام، فلام أشرفت الكتائب وقدمت النجائب وأقبلت المصائب وخفقت أعلام المراكب توجه ضوء المكان هو ومن معه لملاقاتهم فلما عاين ضوء المكان أراد أن يترجل إليه فأقسم عليه شركان أن لا يفعل ذلك، وترجل شركان ومشى نحوه فلما صار بين يدي ضوء المكان رمى ضوء المكان نفسه عليه فاحتضنه شركان إلى صدره وبكيا بكاءاً شديداً وعزى بعضهما بعضاً.

**************************

ثم ركب الاثنان وسار العسكر معهما إلى أن أشرفوا على بغداد ونزلوا، ثم تقدم ضوء المكان هو وأخوه شركان إلى قصر الملك وباتا تلك الليلة، وعند الصباح نهض ضوء المكان وأمر أن يجمعوا العساكر من كل ناحية وينادون بالغزو والجهاد ثم أقاموا ينتظرون مجيء الجيوش من سائر البلدان وكل من حضر يكرمونه ويعدونه بالجميل إلى أن مضى على ذلك الحال مدة شهر كامل والقوم يأتون أفواجاً متتابعة، ثم قال شركان لأخيه: يا أخي أعلمني بقضيتك فأعلمه بجميع ما وقع له من الأول إلى الآخر وبما صنعه معه الوقاد من المعروف، فقال له: يا أخي ما كافأته إلى الآن ولكن أكافئه إن شاء الله تعالى لما أرجع من الغزوة.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

**********************

وألى لقاء مع الليلة السابعـــة بعد المئة




][®][^][®][الليلة السابعــــة بعد المئه ][®][^][®][

****************************


قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن شركان قال لأخيه ضوء المكان أما كافأت الوقاد على معروفه? فقال له: يا أخي ما كافأته إلى الآن ولكن إن شاء الله تعالى لما أرجع من الغزوة وأتفرغ له، فعند ذلك عرف شركان أن أخته نزهة الزمان صادقة في جميع ما أخبرته به، ثم كتم أمره وأمرها وأرسل إليها السلام مع الحاجب زوجها فبعثت له أيضاً معه السلام ودعت له وسألت عن ابنتها قضى فأخبرها أنها بعافية وأنها في غاية ما يكون من الصحة والسلامة فحمدت الله تعالى وشكرته، ورجع شركان إلى أخيه يشاوره في أمر الرحيل فقال له: يا أخي لما تتكامل العساكر وتأتي العربان من كل مكان ثم أمر بتجهيز الميرة وإحضار الذخيرة ودخل ضوء المكان إلى زوجته وكان مضى لها خمسة أشهر وجعل أرباب الأقلام وأهل الحساب تحت طاعتها ورتب لها الجرايات والجوامك وسافر في ثالث شهر من حين نزول عسكر الشام بعد أن قدمت العربان وجميع العساكر من كل مكان وسارت الجيوش والعساكر وتتابعت الجحافل وكان اسم رئيس عسكر الديلم رستم واسم رئيس عسكر الترك بهرمان.

*******************************

وسار ضوء المكان في وسط الجيوش وعن يمينه أخوه شركان وعن يساره الحاجب صهره ولم يزالوا سائرين مدة شهر وكل جمعة ينزلون في مكان يستريحون فيه ثلاثة أيام لأن الخلق كثيرة، ولم يزالوا سائرين على هذه الحالة حتى وصلوا إلى بلاد الروم فنفر أهل القرى والضياع والصعاليك وفروا إلى القسطنطينية فلما سمع أفريدون ملكهم بخبرهم قام وتوجه إلى ذات الدواهي فإنها هي التي دبرت الحيل وسافرت إلى بغداد حتى قتلت الملك عمر النعمان، ثم أخذت جواريها الملكة صفية ورجعت بالجميع إلى بلادها.

************************************

فلما رجعت إلى ولدها ملك الروم وأمنت على نفسها قالت لابنها: قر عيناً فقد أخذت لك بثأر ابنتك إبريزة وقتلت الملك النعمان وجئت بصفية، فقم الآن وتوجه إلى ملك القسطنطينية وأظن أن المسلمين لا يثبتون على قتالنا فقال: أمهلي أن يقربوا من بلادنا حتى نجهز أحوالنا، ثم أخذوا في جمع رجالهم وتجهز أحوالهم فلما جاءهم الخبر كانوا قد جهزوا حالهم وجمعوا الجيوش وسارت في أوائلهم ذات الدواهي فلما وصلوا إلى القسطنطينية سمع الملك الأكبر ملكها أفريدون بقدوم حردوب ملك الروم فخرج لملاقاته فلما اجتمع أفريدون بملك الروم سأله عن حاله وعن سبب قدومه فأخبره بما عملته أمه ذات الدواهي من الحيل وأنها قتلت ملك المسلمين وأخذت من عنده الملكة صفية وقالوا أن المسلمين جمعوا عساكرهم.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

*****************************

وألى لقاء مع الليلة الثامنة بعد المئة



][®][^][®][الليلة الثامنــــة بعد المئه ][®][^][®][

******************************

قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أفريدون قال لملك الروم أن المسلمين جمعوا عساكرهم وجاؤوا ونريد أن نكون جميعاً يداً واحدة ونلقاهم، ففرح الملك أفريدون بقدوم ابنته وقتل عمر النعمان وأرسل إلى سائر الأقاليم طالباً منهم النجدة ويذكر لهم أسباب قتل الملك عمر النعمان فهرعت إليه جيوش النصارى فما مر ثلاثة شهور حتى تكاملت جيوش الروم، ثم أقبلت الإفرنج من سائر أطرافها كالفرنسيس والنمسا ودوبره وجورنه وبندق وجنوير وسائر عساكر بني الأصفر، فلما تكاملت العساكر وضاقت بهم الأرض من كثرتهم أمرهم الملك الأكبر أفريدون أن يرحلوا من القسطيطينية فرحلوا واستمر تابع عساكرهم في الرحيل عشرة أيام وساروا حتى نزلوا بواد واسع الأطراف وكان ذلك الوادي قريباً من البحر المالح فأقاموا ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع أرادوا أن يرحلوا فأتتهم الأخبار بقدوم عساكر الإسلام وحماة ملة خير الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام فأقاموا فيه ثلاثة أيام أخرى، وفي اليوم الرابع رأوا غباراً طار حتى سد الأقطار فلم تمض ساعة من النهار حتى انجلى ذلك الغبار وتمزق إلى الجو وطارت ومحت ظلمته كواكب الأسنة والرماح وبريق بيض الصفاح وبان من تحته رايات إسلامية وأعلام محمدية، وأقبلت الفرسان كاندفاع البحار في دروع تحسبها سحباً مزررة على أقمار، فعند ذلك تقابل الجيشان والتطم البحران ووقعت العين في العين فأول من برز للقتال الوزير دندان هو وعساكر الشام وكانوا عشرين ألف عنان.

****************************

وكان مع الوزير مقدم الترك ومقدم الديلم رستم وبهرام في عشرين ألف فارس وطلع من ورائهم رجال من صوباً لبحر المالح وهم لابسون زرود الحديد وقد صاروا فيه كالبدور السافرة في الليالي العاكرة وصارت عساكر النصارى ينادون عيسى ومريم والصليب المسخم ثم انطبقوا على الوزير دندان ومن معه من عساكر الشام وكان هذا كله تدبير العجوز ذات الدواهي لأن الملك أقبل عليها قبل خروجه وقال لها كيف العمل والتدبير وأنت السبب في هذا الأمر العسير، فقالت: اعلم أيها الملك الكبير والكاهن الخطير أني أشير عليك بأمر يعجز عن تدبيره إبليس ولو استعان عليه بحزبه المتاعيس. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

**************************

وفي الليلة التاسعة بعد المئة



][®][^][®][الليلة التاسعـــة بعد المئه ][®][^][®][

************************************

قالت: بلغني أيها الملك أن هذا كله كان تدبير العجوز لأن الملك كان أقبل عليها قبل خروجها وقال لها: كيف العمل والتدبير وأنت السبب في هذا الأمر العسير فقالت: اعلم أيها الملك الكبير والكاهن الخطير أني أشير عليك بأمر يعجز عن تدبيره إبليس وهو أن ترسل خمسين ألفاً من الرجال ينزلون في المراكب ويتوجهون في البحر إلى أن يصلوا إلى جبل الدخان فيقيمون هناك ولا يرحلون من ذلك المكان حتى تأتيكم أعلام الإسلام فدونكم وإياهم، ثم تخرج إليهم العساكر من البحر ويكونون خلفهم ونحن نقابلهم من البر فلا ينجو منهم أحد وقد زال عنا العناء ودام لنا الهناء فاستصوب الملك أفريدون كلام العجوز وقال: نعم الرأي رأيك يا سيدة العجائز الماكرة ومرجع الكهان في الفتن الثائرة.

************************************

وحين هجم عليهم عسكر الإسلام في ذلك الوادي لم يشعر إلا والنار تلتهب في الخيام والسيوف تعمل في الأجسام، ثم أقبلت جيوش بغداد وخراسان وهم في مائة وعشرين ألف فارس وفي أوائلهم ضوء المكان، فلما رآهم عسكر الكفار الذين كانوا في البحر طلعوا إليهم من البحر وتبعوا أثرهم فلما رآهم ضوء المكان قال: ارجعوا إلى الكفار يا حزب النبي المختار وقاتلوا أهل الكفار والعدوان في طاعة الرحمن الرحيم وأقبل شركان بطائفة أخرى من عساكر المسلمين نحو مائة ألف وعشرين ألفاً وكانت عساكر الكفار نحو ألف ألف وستمائة ألف، فلما اختلط المسلمون ببعض قويت قلوبهم ونادوا قائلين: إن الله وعدنا بالنصر وأوعد الكفار بالخذلان، ثم تصادموا بالسيف والسنان واخترق شركان الصفوف وهاج في الألوف وقاتل قتالاً تشيب منه الأطفال ولم يزل يجول في الكفار ويعمل فيهم بالصارم البتار وينادي الله أكبر حتى رد القوم إلى ساحل البحر وكانت منهم الأجسام ونصر دين الإسلام والناس يقاتلون وهم سكارى بغير مدام وقد قتل من القوم في ذلك الوقت خمسة وأربعون ألفاً وقتل من المسلمين ثلاثة آلاف وخمسمائة، ثم إن أسد الدين الملك شركان لم ينم في تلك الليلة لا هو ولا أخوه ضوء المكان بل كانا يباشران الناس وينقذان المرضى ويهنئانهم بالنصر والسلامة والثواب في القيامة.

**********************************

هذا ما كان من أمر المسلمين، وأما ما كان من أمر الملك أفريدون ملك القسطيطينية ومل الروم وأمه العجوز ذات الدواهي فإنهم جمعوا أمراء العسكر وقالوا لبعضهم: إنا كنا بلغنا المراد وشفينا الفؤاد ولكن إعجابنا بكثرتنا هو الذي خذلنا فقالت لهم العجوز ذات الدواهي: إنه لا ينفعكم إلا أنكم تتقربون للمسيح وتتمسكون بالاعتقاد الصحيح، فوحق المسيح ما قوى عسكر المسلمين إلا هذا الشيطان الملك شركان، فقال الملك أفريدون إني قد عولت في غد على أن أصف لهم الصفوف وأخرج لهم الفارس المعروف لوقابن شملوط فإنه إذا برز إلى الملك شركان قتله وقتل غيره من الأبطال حتى لم يبق منهم أحد، وقد عولت في هذه الليلة على تقديسكم بالبخور الأكبر، فلما سمعوا كلامه قبلوا الأرض.

*******************************

وكان البخور الذي أراده أخوه البطريق الكبير ذو الإنكار والنكير فإنهم كانوا يتنافسون فيه ويستحسنون مساويه حتى كانت أكابر بطارقة الروم يبعثونه إلى سائر أقاليم بلادهم في خرق من الحرير ويمزجونه بالمسك والعنبر فإذا وصل خراؤه إلى الملوك يأخذون منه كل درهم بألف دينار حتى كان الملوك يرسلون في طلبه من أجل بخور العرائس وكانت البطارقة يخلطونه بخرائهم فإن خره البطريق الكبير لا يكفي عشرة أقاليم وكان خواص ملوكهم يجعلون قليلاً منه في كحل العيون ويداوون به المريض والمبطون، فلما أصبح الصباح وأشرق بنوره ولاح وتبادرت الفرسان إلى حمل الرماح. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

******************************

وفي الليلة العاشرة بعد المئة




][®][^][®][الليلة العاشــرة بعد المئه ][®][^][®][

*************************************

قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنه لما اصبح الصباح عاد الملك أفريدون بخواص بطارقته وأرباب دولته وخلع عليهم ونقش الصليب في وجوههم وبخرهم بالبخور المتقدم ذكره الذي هو خره البطريق الأكبر والكاهن الأكبر فلما بخرهم دعا بحضور لوقا بن شملوط الذي يسمونه سيف المسيح وبخره بالرجيع وحنكه به بعد التبخير ونشقه ولطخ به عوارضه ومسح بالفضلة شواربه وكان ذلك الملعون لوقا ما في بلاد الروم أعظم منه ولا أرمى بالنبال ولا أضرب بالسيف ولا أطعن بالرمح والنزال، وكان بشع المنظر، كان وجهه وجه حمار وصورته صورة قرد وطلعته طلعة الرقيب وقربه أصعب من فراق الحبيب له من الليل ظلمته ومن البحر الأبخرة نكهته ومن القوس قامته ومن الكفر سميته، وبعد ذلك أقبل على الملك أفريدون وقبل قدميه ثم وقف بين يديه فقال الملك أفريدون: إني أريد أن تبرز إلى شركان ملك دمشق ابن عمر النعمان وقد انجلى عنا هذا الشر والهوان

*********************************

فقال: سمعاً وطاعة.
ثم أن الملك نقش في وجه الصليب وزعم أن النصر يحصل له عن قريب ثم انصرف لوقا من عند الملك أفريدون وركب الملعون لوقا جواداً أشقر وعليه ثوب أحمر وزردية من الذهب المرصع بالجواهر وحمل رمحاً له ثلاث حراب كأنه إبليس الليل يوم الأحزاب وتوجه هو وحزبه الكفار كأنهم يساقون إلى النار وبينهم مناد ينادي بالعربي ويقول: يا أمة محمدلا يخرج منكم إلا فارسكم سيف الإسلام شركان صاحب دمشق الشام، فما استتم كلامه إلا وضجة في الفلا سمع صوتها جميع الملا وركضات فرقت الصفي واذكرت يوم حنين ففزع اللئام منها ولفتوا الأعناق نحوها وإذا هو الملك شركان ابن الملك النعمان وكان أخوه ضوء المكان لما رأى ذلك الملعون في الميدان وسمع المنادي التفت لأخيه شركان وقال له: إنهم يريدونك

********************************

فقال: إن كان الأمر كذلك فهو أحب إلي، فلما تحققوا الأمر وسمعوا هذا المنادي وهو يقول في الميدان لا يبرز إلا شركان علموا أن هذا الملعون فارس بلاد الروم وكان قد حلف أن يخلي الأرض من المسلمين وإلا فهو أخسر الخاسرين لأنه هو الذي حرق الأكباد وفزعت من سره الأجناد من الترك والديلم والأكراد، فعند ذلك برز إليه شركان كأنه أسد غضبان وكان راكباً على ظهر جواد يشبه شارد الغزالان فساقه نحو لوقا حتى صار عنده وهز الرمح في يده كأنه أفعى من الحيات، وأنشد هذه الأبيات:

لي أشقر سمج العنان مـغـاير يعطيك ما يرضيك من مجهوده
ومثقف لدن السنـان كـأنـمـا أم المنايا ركبـت فـي عـوده
ومهند غـضـب إذا جـردتـه خلت البروق تموج في تجريده

***********************************

فلم يفهم لوقا معنى هذا الكلام ولا حماسة هذا النظام بل لطم وجهه بيده تعظيماً للصليب المنقوش عليه ثم قبلها وأشرع الرمح نحو شركان وكر عليه ثم طوح الحربة بإحدى يديه حتى خفيت عن أعين الناظرين وتلقاها باليد الأخرى كفعل الساحرين ثم رمى بها شركان فخرجت من يديه كأنها شهاب ثاقب، فضجت الناس وخافوا على شركان. فلما قربت الحربة منه اختطفها من الهواء فتحيرت عقول الورى، ثم إن شركان هزها بيده التي أخذها بها النصراني حتى كادان يقصلها ورماها في الجو حتى خفيت عن النظر وتلقاها بيده الثانية في أقرب من لمح البصر وصاح صيحة من صميم قلبه وقال: وحق من خلق السبع الطباق لأجعلن هذا اللعين شهرة في الآفاق ثم رماه بالحربة فأراد لوقا أن يفعل بالحربة كما فعل شركان ومد يده إلى الحربة ليختطفها من الهواء فعاجله شركان بحربة ثانية فضربه بها فوقعت في وسط الصليب الذي في وجهه وعجل الله بروحه إلى النار وبئس القرار، فلما رأى الكفار لوقا بن سملوط وقع مقتولاً لطموا على وجوههم ونادوا بالويل والثبور واستغاثوا ببطارقة الديور. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

*******************************

وفي الليلة الحادية عشرة بعد المئة


وألى لقاء مع الليلة الثــالثــــة والتســـــعين






][®][^][®][ الليلة الحادية عشرة بعد المئة ][®][^][®]

*************


قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الكفار لما رأوا لوقا بن شملوط وقع مقتولاً لطموا على وجوههم واستغاثوا ببطارقة الديور وقالوا: أين الصلبان وتزهد الرهبان? ثم اجتمعوا جميعاً عليه وأعملوا الصوارم والرماح وهجموا للحرب والكفاح والتقت العساكر بالعساكر وصارت الصدور تحت وقع الحوافر وتحكمت الرماح والصوارم وضعفت السواعد والمعاصم وكان الخيل خلقت بلا قوائم ولا زال منادي الحرب ينادي إلى أن كلت الأيادي وذهب النهار وأقبل الليل بالاعتكار وافترق الجيشان وصار كل شجاع كالسكران من شدة الضرب والطعان وقد امتلأت الأرض بالقتلى وعظمت الجراحات وصار لا يعرف الجريح ممن مات، ثم إن شركان اجتمع بأخيه ضوء المكان والحاجب والوزير دندان، فقال شركان لأخيه ضوء المكان والحاجب: إن الله قد فتح باباً لهلاك الكافرين والحمد لله رب العالمين.

*************************

فقال ضوء المكان لأخيه: لم نزل نحمد الله لكشف الحرب عن العرب والعجم وسوف تتحدث الناس جيلاً بعد جيل بما صنعت باللعين لوقا محرف الإنجيل وأخذك الحربة من الهواء وضربك لعدو الله بين الورى ويبقى حديثك إلى آخر الزمان. ثم قال شركان: أيها الحاجب الكبير والمقدام الخطير فأجابه بالتلبية فقال له: خذ معك الوزير دندان وعشرين ألف فارس وسر بهم إلى ناحية البحر مقدار سبعة فراسخ وأسرعوا في السير حتى تكونوا قريباً من الساحل بحيث يبقى بينكم وبين القوم قدر فرسخين واختفوا في وهدأت الأرض حتى تسمعوا ضجة الكفار إذا طلعوا من المراكب وتسمعوا الصياح من كل جانب وقد عملت بيننا وبينهم القواضب، فإذا رأيتم عسكرنا تقهقروا إلى الوراء كأنهم منهزمون وجاءت الكفار زاحفة خلفهم من جميع الجهات حتى من جانب الساحل فكونا لهم بالمرصاد وإذا رأيت أنت علماً عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فارفع العلم الأخضر وصح قائلاً: الله أكبر واحمل عليهم من ورائهم واجتهد في أن لا يحول الكفار بين المنهزمين وبين البحر، فقال: السمع والطاعة واتفقوا على ذلك الأمر في تلك الساعة.

*************************

ثم تجهزوا وساروا وقد أخذ الحاجب معه الوزير دندان وعشرين ألفاً كما أمر الملك شركان، فلما أصبح الصباح ركب القوم وهم مجردون الصفاح ومعتلون بالرماح وحاملون السلاح وانتشرت الخلائق في الربا والبطاح وصاحت القسوس وكشفت الرؤوس ورفعت الصلبان على قلوع المراكب وقصدوا الساحل من كل جانب وأنزلوا الخيل في البر وعزموا من الكر والفر ولمعت السيوف وتوجهت الجموع وبرقت شهب الرماح على الدروع ودارت طاحون المنايا على الرجال والفرسان وطارت الرؤوس عن الأبدان وخرست الألسن وتغشت الأعين وانفطرت المرائر وعملت البواتر وطارت الجماجم وقطعت المعاصم وخاضت الخيل في الدما وتقابضوا باللحى وصاحت عساكر الإسلام بالصلاة والسلام على سيدنا محمد خير الأنام وبالثناء على الرحمن بما أولى من الإحسان وصاحت عساكر الكفر بالثناء على الصليب والزنار والعصير والعصار والقسوس والرهبان والشعانين والمطران وتأخر ضوء المكان هو وشركان إلى ورائهما وتقهقرت الجيوش وأظهروا الانهزام للأعداء وزحفت عليهم عساكر الكفر لولهم الهزيمة وتهيئوا للطعن والضرب فاستهل أهل الإسلام قراءة أول سورة البقرة وصارت القتلى تحت أرجل الخيل مندثرة وصار منادي الروم يقول: يا عبدة المسيح وذوي الدين الصحيح يا خدام الجاثليق قد لاح لكم التوفيق، إن عساكر الإسلام قد جنحوا إلى الفرار فلا تولوا عنهم الأدبار فمكنوا السيوف في أقفائهم ولا ترجعوا من ورائهم وإلا برئتم من المسيح بن مريم الذي في المهد تكلم.

*****************************

وظن أفريدون ملك القسطنطينية أن عساكر الكفار منصورة ولم يعلم أن ذلك من تدبير المسلمين صورة فارسل إلى ملك الروم يبشره بالظفر ويقول له: ما نفعنا لا غائط البطريق الأكبر لما لاحت رائحته من اللحى والشوارب بين عباد الصليب حاضر وغائب وأقسم بالمعجزات النصرانية المريمية والمياه المعمودية، أني لا أترك على الأرض مجاهداً بالكلية وأني مصر على سوء هذه النية، وتوجه الرسول بهذا الخطاب ثم صاح على بعضهم قائلين: خذوا بثأر لوقا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

***********************

وفي الليلة الثانية عشرة بعد المئة




][®][^][®][ الليلة الثانية عشرة بعد المئة ][®][^][®]




قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الكفار صاحوا على بعضهم قائلين: خذوا بثأر لوقا، وصار ملك الروم ينادي بالأخذ بثأر إبريزة، فعند ذلك صاح الملك ضوء المكان وقال: يا عباد الملك الديان اضربوا أهل الكفر والطغيان ببيض الصفاح وسمر الرماح فرجع المسلمون على الكفار وأعملوا فيهم الصارم البتار وصار ينادي منادي المسلمين ويقول: عليكم بأعداء الدين يا محب النبي المختار هذا وقت إرضاء الكريم الغفار يا راجي النجاة في اليوم المخيف، إن الجنة تحت ظلال السيوف وإذا بشركان قد حمل ومن معه على الكفار وقطعوا عليهم طريق الفرار وجال بين الصفوف وطاف وإذا بفارس مليح الانعطاف وقد فتح بين عسكر الكفر ميداناً وجال في الكفرة حرباً وطعاناً وملأ الأرض رؤوساً وأبداناً وقد خافت الكفار من حربه ومالت أعناقهم لطعنه وضربه قد تقلد بسيفين لحظ وحسام واعتقل برمحين قناة وقوام بوفرة تغني عن وافر عدد العساكر كما قال فيه الشاعر:

لا تحسن الوفرة إلا وهـي منشورة القرعين يوم النزال
على فتى معتقل صـعـده يعلها من كل وافي السبـال


فلما رآه شركان قال: أعيذك بالقرآن وآيات الرحمن من أنت أيها الفارس من الفرسان فلقد أرضيت بفعلك الملك الديان الذي لا يشغله شأن عن شأن حيث هزمت أهل الكفر والطغيان فناداه الفارس قائلاً: أنت الذي بالأمس عاهدتني فما أسرع ما نسيتني.
ثم كشف اللثام عن وجهه حتى ظهر ما خفي من حسنه فإذا هو ضوء المكان ففرح به شركان إلا أنه خاف عليه من ازدحام الأقران وانطباق الشجعان وذلك لأمرين أحدهما صغر سنه وصيانته عن العين والثاني أن بقاءه للمملكة أعظم الجناحين، فقال له: يا ملك إنك لقد خاطرت بنفسك فالصق جوادك بجوادي فإني لا آمن عليك من الأعادي والمصلحة في أن لا تخرج من تلك العصائب لأجل أن ترمي الأعداء بسهمك الصائب، فقال ضوء المكان أني أردت أن أساويك في النزال ولا أبخل بنفسي بين يديك في القتال.


ثم انطبقت عساكر الإسلام على الكفار وأحاطوا بهم من جميع الأقطار وجاهدوهم حق الجهاد وكسروا شوكة الكفر والعناد والفساد فتأسف الملك أفريدون لما رأى ما حل بالروم من الأمر المذموم وركنوا إلى الفرار يقصدون المراكب، وإذا بالعساكر قد خرجت عليهم من ساحل البحر وفي أوائلهم الوزير دندان مجندل الشجعان وضرب فيهم بالسيف والسنان وكذا بالأمير بهرام صاحب دوائر الشام وهو في عشرين ألف ضرغام وأحاطت بهم عساكر الإسلام من خلف ومن أمام ومالت فرقة من المسلمين على من كان في المراكب وأوقعوا فيهم المعاطب فرموا أنفسهم في البحر وقتلوا منهم جمعاً عظيماً يزيد على مائة ألف خنزير ولم ينج من أبطالهم صغير ولا كبير وأخذوا مراكبهم بما فيها من الأموال والذخائر والأثقال إلا عشرين مركباً، وغنم المسلمون في ذلك اليوم غنيمة ما غنم مثلها في سالف الزمان إذن بمثل هذا الحرب والطعان، ومن جملة ما غنموه خمسون ألفاً من الخيل غير من مزيد بما من الله عليهم من النصر والتأييد.


هذا ما كان من أمرهم، وأما ما كان من أمر المنهزمين فإنهم وصلوا إلى القسطنطينية وكان الخبر قد وصل إلى أهاليها أولاً بأن الملك أفريدون هو الظافر بالمسلمين فقالت العجوز ذات الدواهي: أنا أعلم أن ولدي ملك الروم لا يكون من المنهزمين ولا يخاف من الجيوش الإسلامية ويرد أهل الأرض إلى ملة النصرانية، ثم إن العجوز كانت أمرت أفريدون أن يزين البلد فأظهروا السرور وشربوا الخمور وما علموا بالمقدور، فبينما هم في وسط الأفراح إذ نعق عليهم غراب الحزن والأتراح وأقبلت عليهم العشرون مركباً الهاربة وفيها ملك الروم فقابلهم أفريدون ملك القسطنطينية على الساحل وأخبروه بما جرى لهم من المسلمين فزاد بكاؤهم وعلا نحيبهم وانقلبت بشارات الخير بالغم والضير أخبروه أن لوقا بن شملوط حلت به النوائب وتمكن منه سهم المنية الصائب فقامت على الملك أفريدون القيامة وعلم أن اعوجاجهم ليس له استقامة وقامت بينهم المآتم وانحلت منهم العزائم وندبت النوادب وعلا النحيب والبكاء من كل جانب، ولما دخل ملك الروم أفريدون وأخبره بحقيقة الحال وأن هزيمة المسلمين كانت على وجه الخداع والمحال قال له: لا تنتظر أن يصل من العسكر إلا من وصل إليك، فلما سمع الملك أفريدون ذلك الكلام وقع مغشياً عليه وصار أنفه تحت قدميه.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.



وفي الليلة الثالثة عشرة بعد المئة




][®][^][®][ الليلة الثالثة عشرة بعد المئة ][®][^][®]




قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك أفريدون لما أفاق من غشيته نفض خوف جراب معدته فشكا إلى العجوز ذات الدواهي وكانت تلك اللعينة كاهنة من الكهان متقنة للسحر والبهتان عامرة مكارة فاجرة غدارة ولها فم وشعر أشهب وظهر أحدب ولون حائل ومخاط سائل لكنها قرأت كتب الإسلام وسافرت إلى بيت الله الحرام كل ذلك لتطلع على الأدبار وتعرف آيات القرآن ومكثت في بيت المقدس سنتين لتحوز مكر النقلين.



فهي آفة من الآفات وبلية من البليات فاسدة الاعتقاد ليست لدين تنقاد وكانت أكثر إقامتها عند ولدها حردوب ملك الروم لأجل الجواري الأبكار لأنها كانت تحب السحاق وإن تأخر عنها تكون في انمحاق وكل جارية أعجبتها تعلمها الحكمة وتسحق عليها الزعفران فيغشى عليها من فرط اللذة مدة من الزمان فمن طاوعتها أحسنت إليها ورعيت ولدها فيها ومن لا تطاوعها تتحايل على هلاكها وبسبب ذلك علمت مرجانة وريحانة وأترجة جواري إبريزة، وكانت الملكة إبريزة تكره العجوز وتكره أن ترقد معها لأن صنانها يخرج من تحت إبطيها ورائحة فسائها أنتن من الجيفة وجسدها أخشن من الليفة وكانت ترغب من يساحقها بالجواهر والتعليم وكانت إبريزة تبرأ منها إلى الحكيم العليم، ولله در القائل:

يا من تسفل للغـنـي مـذلة وعلى الفقير لقد علا تياهـا
ويزين شنعته بجمع دراهـم عطر القبيحة لا يبقى بفساها



ولنرجع إلى حديث مكرها ودواهي أمرها، ثم إنها سارت وسار معها عظماء النصارى وعساكرهم وتوجهوا إلى عسكر الإسلام وبعدها دخل الملك أفريدون على ملك الروم وقال له: أيها الملك ليس لنا حاجة بأمر البطريق الكبير ولا بدعائه بل نعمل برأي أمي ذات الدواهي وتنظر ما تعمل بخداعها غير المتناهي مع عسكر المسلمين فإنهم بقوتهم واصلون إلينا وعن قريب يكونون لدينا ويحيطون بنا. فلما سمع الملك أفريدون ذلك الكلام عظم في قلبه فكتب من وقته وساعته إلى سائر أقاليم النصارى يقول لهم: ينبغي أن لا يتخلف أحد من أهل الملة النصرانية والعصابة الصليبية خصوصاً أهل الحصون والقلاع بل يأتون إلينا جميعاً رجالاً ونساء وصبياناً، فإن عسكر المسلمين قد وطئوا أرضنا فالعجل العجل قبل حلول الوجل. هذا ما كان من أمر هؤلاء.



وأما ما كان من أمر العجوز ذات الدواهي فإنها طلعت خارج البلد مع أصحابها وألبستهم زي تجار المسلمين وكانت قد أخذت معها مائة بغل محملة من القماش الأنطاكي ما بين أطلس معدني وديباج ملكي وغير ذلك وأخذت من الملك أفريدون كتاباً مضمونه أن أهل هؤلاء التجار من أرض الشام وكانوا في ديارنا فلا ينبغي أن يتعرض لهم أحد بسوء عشراً أو غيره حتى يصلوا إلى بلادهم ومحل أمنهم لأن التجار بهم عمار البلاد وليسوا من أهل الحرب والفساد ثم إن الملعونة ذات الدواهي قالت لمن معها: إني أريد أن أدبر حيلة على هلاك المسلمين فقالوا لها: أيتها الملكة أؤمرينا بما شئت فنحن تحت طاعتك فلا أحبط المسيح عملك فلبست ثياباً من الصوف الأبيض الناعم وحكت جبينها حتى صار له وسم ودهنته بدهان دبرته حتى صار له ضوء عظيم، وكانت الملعونة نحيلة الجسم غايرة العينين فقيدت رجليها من فوق قدميها وسارت حتى وصلت إلى عسكر المسلمين ثم حلت القيد من رجليها وقد أثر القيد في ساقها ثم دهنتهما بدم الأخوين وأمرت من معها أن يضربوها ضرباً عنيفاً وأن يضعوها في صندوق فقالوا لها: كيف نضربك وأنت سيدتنا ذات الدواهي أم الملك الباهي? فقالت: لا لوم ولا تعنيف على من يأتي الكنيف ولأجل الضرورات تباح المحظورات، وبعد أن تضعوني في الصندوق خذوه في جملة الأموال واحملوه على البغال ومروا بذلك فوق عسكر الإسلام ولا تخشوا شيئاً من الملام وإن تعرض لكم أحد من المسلمين فسلموا له البغال وما عليها من الأموال وانصرفوا إلى ملكهم ضوء المكان واستغيثوا به وقولوا له نحن كنا في بلاد الكفر ولم يأخذوا منا شيئاً بل كتبوا لنا توقيعاً أنه لا يتعرض لنا أحد فكيف تأخذون أنتم أموالنا وهذا كتاب ملك الروم الذي مضمونه أن لا يتعرض لنا أحد بمكروه فإذا قال: وما الذي ربحتموه من بلاد الروم في تجارتكم? فقولوا له: ربحنا خلاص رجل زاهد وقد كان في سرداب تحت الأرض له فيه خمسة عشر عاماً وهو يستغيث فلا يغاث بل يعذبه الكفار ليلاً ونهاراً ولم يكن عندنا علم بذلك مع أننا أقمنا في القسطنطينية مدة من الزمان وبعنا بضائعنا واشترينا خلافها وجهزنا حالنا وعزمنا على الرحيل إلى بلادنا وبتنا تلك الليلة نتحدث في أمر السفر.



فلما أصبحنا رأينا صورة مصورة في الحائط فلما قربنا منها تأملناها فإذا هي تحركت وقالت: يا مسلمين هل فيكم من يعامل رب العالمين? فقلنا: وكيف ذلك فقالت تلك الصورة: إن الله أنطقني لكم ليقوي يقينكم ويلهمكم دينكم وتخرجوا من بلاد الكافرين وتقصدوا عسكر المسلمين فإن فيهم سيف الرحمن وبطل الزمان الملك شركان وهو الذي يفتح القسطيطينية ويهلك أهل الملة النصرانية، فإذا قطعتم سفر ثلاثة أيام تجدوا ديراً يعرف بدير مطروحنا وفيه صومعة فاقصدوا بصدق نيكم وتحيلوا على الوصول إليها بقوة عزيمتكم لأن فيها رجلاً عابداً من بيت المقدس اسمه عبد الله وهو من أدين الناس وله كرامات تزيح الشك والإلباس قد خدعه بعض الرهبان وسجنه في سرداب له فيه مدة مديدة من الزمان وفي إنقاذه وضارب العباد لأن فكاكه من أفضل الجهاد، ثم إن العجوز لما اتفقت مع من معها على هذا الكلام من تلك الصورة علمنا أن ذلك العابد.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.



وفي الليلة الرابعة عشرة بعد المئة




][®][^][®][ الليلة الرابعة عشرة بعد المئة ][®][^][®]




قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العجوز لما اتفقت مع من معها على الكلام قالت: فإذا ألقى إليكم الملك شركان سمعه فقولوا له، فلما سمعنا هذا الكلام من تلك الصورة علمنا أن ذلك العابد من أكابر الصالحين وعباد الله المخلصين فسافرنا مدة ثلاثة أيام ثم رأينا ذلك الدير فعرجنا عليه وملنا إليه وأقمنا هناك يوماً في البيع والشراء على عادة التجار، فلما ولى النهار وأقبل الليل بالاعتكار عصدنا تلك الصومعة التي فيها السرداب فسمعناه بعد تلاوة الآيات ينشد هذه الأبيات:

كيداً أكـايده وصـدري ضـيق وجرى بقلبي بحرهم مغـرق
إن لم يكن فرج فموت عاجـل إن الحمام من الرزايا أرفـق
يا برق إن جئت الديار وأهلهـا وعلا عليك من البشائر رونق
كيف السبيل إلى اللقاء وبينـنـا تلك الحروب وباب رهن مغلق
بلغ أحبتنا السلام وقـل لـهـم إني بدير الروم قاص موثـق



ثم قالت: إذا وصلتم بي إلى عسكر المسلمين وصرت أعرف أدبر حيلة في خديعتهم وقتلهم عن أخرهم، فلما سمع النصارى كلام العجوز قبلوا يديها ووضعوها في الصندوق بعد أن ضربوها أشد الضربات الموجعات تعظيماً لها لأنهن يرون طاعتها من الواجب ثم قصدوا بها عسكر المسلمين كما ذكرنا. هذا ما كان من أمر اللعينة ذات الدواهي ومن معها.
وأما ما كان من أمر عسكر المسلمين فإنهم لما نصرهم الله على أعدائهم وغنموا ما كان في المراكب من الأموال والذخائر قعدوا يتحدثون مع بعضهم فقال ضوء المكان لأخيه: إن الله عز وجل قد نصرنا بسبب عذلنا وانقيادنا لبعضنا فكن يا شركان ممتثلاً أمري في طاعة الله، فقال شركان: حباً وكرامة ومد يده إلى أخيه وقال: إن جاءك ولد أعطيته ابنتي قضى فكان ففرح بذلك وصار يهنئ بعضهم بعضاً بالنصر على الأعداء وهنا الوزير دندان شركان وقال لهما: اعلما أيها الملكان أن الله عز وجل نصرنا حيث وهبنا أنفسنا وهجرنا الأهل والأوطان، والرأي عندي أن نرحل وراءهم ونحاصرهم ونقاتلهم لعل الله أن يبلغنا مرادنا ونستأصل أعداءنا وإن شئتم فانزلوا في هذه المراكب وسيروا في البحر ونحن نسير في البر ونصبر على القتال والطعن والنزال، ثم أن الوزير دندان ما زال يحرضهم على القتال وأنشد قول من قال:



أطيب الطيبات قتل الأعادي واحتمال على ظهور الجياد
ورسول يأتي بوعد حبـيب وحبيب يأتي بلا مـيعـاد
وقال آخر: وإن عمرت جعلت الحرب والدة والمشرفي أخا والسمهري أبـا
بكل أشعث يلقي الموت مبتسماً حتى كان له في قتـلـه إربـا



فلما فرغ الوزير دندان من شعره قال: سبحان من أيدنا بنصره العزيز وأظفرنا بغنيمة الفضة والإبريز، ثم أمر ضوء المكان العسكر بالرحيل فسافروا طالبين القسطنطينية وجدوا في سيرهم حتى أشرفوا على مرج فسيح وفيه كل شيء مليح ما بين وحوش تمرح وغزلان تسنح وكانوا قد قطعوا مغاور كثيرة وانقطع عنهم الماء ستة أيام، فلما أشرفوا على ذلك المرج نظروا تلك العيون النابعة والأثمار اليانعة وتلك الأرض كأنها جنة أخذت زخرفها وازّينت وسكرت أغصانها من رحيق الظل فتمايلت وجمعت بين عذوبة التنسيم فتدهش العقل والناظر كما قال الشاعر:



انظر إلى الروض النضير كأنما نشرت عليه ملاءة خـضـراء
إن ما سنحت بلحظ عينك لا ترى إلا غديراً جـال فـيه الـمـاء
وترى بنفسك عـزة فـي دوحة إذ فوق رأسك حيث سرت لواء
وما أحسن قول الآخر:
النهر خد بـالـشـعـاع مـورد قد دب فيه عذار ظـل الـبـان
والماء في سوق الغصون خلاخل من فضة والزهر كالتـيجـان

فلما نظر ضوء المكان إلى ذلك المرج الذي التفت أشجاره وزهت أزهاره وترنمت أطياره نادى أخاه شركان وقال له: إن دمشق ما فيها مثل هذا المكان فلا نرحل منه إلا بعد ثلاثة أيام نأخذ راحة لأجل أن تنشط عساكر الإسلام وتقوي نفوسهم على لقاء الكفرة اللئام فأقاموا فيه.



فبينما هم كذلك إذ سمعوا أصواتاً من بعيد فسأل عنهم ضوء المكان فقيل أنها قافلة تجار من بلاد الشام كانوا نازلين في هذا المكان للراحة ولعل العساكر صادفوهم وربما أخذوا شيئاً من بضائعهم التي معهم حيث كانوا في بلاد الكفار وبعد ساعة جاء التجار وهم صارخون يستغيثون بالملك، فلما رأى ضوء المكان ذلك أمر بإحضارهم فحضروا بين يديه وقالوا: أيها الملك إنا كنا في بلاد الكفار ولم ينهبوا منا شيئاً فكيف تنهب أموالنا أخواننا المسلمون ونحن أخبرناك بما حصل لنا? ثم أخرجوا له كتاب ملك القسطنطينية فأخذه شركان وقرأه ثم قال لهم: سوف نرد عليكم ما أخذ منكم ولكن كان من الواجب أن لا تحملوا تجارة إلى بلاد الكفار فقالوا: يا مولانا إن الله سيرنا إلى بلادهم لنظفر بما لم يظفر به أحد من الغزاة ولا أنتم في غزوتكم، فقال له شركان: وما الذي ظفرتم به? فقالوا: ما نذكر لك ذلك إلا في خلوة لن هذا الأمر إذا شاع بين الناس ربما اطلع عليه أحد فيكون ذلك سبباً لهلاكنا وهلاك كل من توجه إلى بلاد الروم من المسلمين، وكانوا قد خبئوا الصندوق الذي فيه اللعينة ذات الداوهي، فأخذهم ضوء المكان وأخوه واختليا بهم فشرحوا لهما حديث الزاهد وصاروا يبكون حتى أبكوهما. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.



وفي الليلة الخامسة عشرة بعد المئة




][®][^][®][ الليلة الخامســة عشرة بعد المئة ][®][^][®]




قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن النصارى الذين في هيئة التجار لما اختلى بهم ضوء المكان وأخوه شركان شرحوا لهما حديث الزاهد وبكوا حتى أبكوهما وأخبروهما كما أعلمتهم الكاهنة ذات الدواهي فرق قلب شركان للزاهد وأخذته الرأفة عليه وقامت به الحمية لله تعالى وقال لهم: هل خلصتم هذا الزاهد أم هو في الدير إلى الآن? فقالوا: بل خلصناه وقتلنا صاحب الدير من خوفنا على أنفسنا ثم أسرعنا في الهرب خوفاً من العطب، وقد أخبرنا بعض الثقات أن في هذا الدير قناطير من الذهب والفضة والجواهر.



وبعد ذلك أتوا بالصندوق وأخرجوا منه تلك الملعونة كأنها قرن خيار شنبر من شدة السواد والنحول وهي مكبلة بتلك السلاسل والقيود، فلما نظرها ضوء المكان هو والحاضرون ظنوا أنها رجل من خيار العباد ومن أفضل الوهاد خصوصاً وجبينها يضيء من الدهان الذي دهنت به وجهها، فبكى ضوء المكان وأخوه شركان بكاء شديداً ثم قاموا إليها وقبلا يديها ورجليها وصارا ينتحبان، فأشارت إليهما وقالت: اعلما أني قد رضيت بما صنعه بي مولاي لأني أرى أن البلاء الذي حل بي لأجل أن أموت تحت حوافر خيل المجاهدين الذين هم بعد القتل أحياء غير أموات، ثم أنشدت هذه الأبيات:

الحصن طور ونار الحرب موقـدة وأنت موسى وهذا الوقت ميقـات
ألق العصا تتلقف كل ما صنـعـوا ولا تخف ما حبال القـوم حـيات
فاقرأ سطور العدا يوم الوغى سورا فإن سيفك فـي الأعـنـاق آيات



فلما فرغت العجوز من شعرها تناثرت من عينيها المدامع وجبينها بالدهان كالضوء اللامع فقام إليها شركان وقبل يدها وأحضر لها الطعام فامتنعت وقالت: إني لم أفطر من مدة خمسة عشر عاماً فكيف أفطر في هذه الساعة وقد جاد على المولى بالخلاص من أسر الكفار ودفع عني ما هو أشق من عذاب النار فأنا أصبر إلى الغروب.



فلما جاء وقت العشاء أقبل شركان هو وضوء المكان وقدما إليها الأكل وقالا لها: كل أيها الزاهد فقالت: ما هذا وقت الأكل وإنما هذا وقت عبادة الملك الديان. ثم انتصبت في المحراب تصلي إلى أن ذهب الليل ولم تزل على هذه الحالة ثلاثة أيام بلياليها هي لا تقعد إلا وقت التحية، فلما رآها ضوء المكان على تلك الحالة ملك قلبه حسن الاعتقاد فيها وقال لشركان: اضرب خيمة من الأديم لذلك العابد ووكل فراشاً بخدمته، وفي اليوم الرابع دعت بالطعام فقدموا لها من الألوان ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين فلم تأكل من ذلك كله إلا رغيفاً واحداً ثم نوت الصوم، ولما جاء الليل قامت إلى الصلاة فقال شركان لضوء المكان: أما هذا الرجل فقد زهد الدنيا غاية الزهد ولولا هذا الجهاد لكنت لازمته وأعبد الله بخدمته حتى ألقاه، وقد اشتهيت أن أدخل معه الخيمة وأتحدث معه ساعة، فقال له ضوء المكان: وأنا كذلك ولكن نحن في غد ذاهبون إلى غزو القسطنطينية ولم نجد لنا مثل هذه الساعة فقال الوزير دندان: وأنا الآخر اشتهي أن أرى ذلك الزاهد لعله يدعو لي بقضاء نحبي في الجهاد ولقاء ربي، فإني زهدت الدنيا.


فلما جن الليل دخلوا على تلك الكاهنة ذات الدواهي في خيمتها فرأوها قائمة تصلي فدنوا منها وصاروا يبكون رحمة لها وهي لا تلتفت إليهم إلى أن انتصف الليل فسلمت من صلاتها ثم أقبلت عليهم وحيتهم وقالت لهم: لماذا جئتم? فقالوا لها: أيها العابد أما سمعت بكاءنا حولك? فقالت: إن الذي يقف بين يدي الله لا يكون له وجود في الكون حتى يسمع صوت أحد أو يراه، ثم قالوا: إننا نشتهي أن تحدثنا بسبب أسرك وتدعو لنا في هذه الليلة فإنها خير لنا من ملك القسطنطينية،



فلما سمعت كلامهم قالت: والله لولا أنكم أمراء المسلمين ما أحدثكم بشيء من ذلك أبداً فإني لا أشكو إلا إلى الله وها أنا أخبركم بسبب أسري: اعلموا أنني كنت في القدس مع بعض الأبدال وأرباب الأحوال وكنت لا أتكبر عليهم لأن الله سبحانه وتعالى أنعم علي بالتواضع والزهد فاتفق أنني توجهت إلى البحر ليلة ومشيت على الماء فداخلني العجب من حيث لا أدري وقلت في نفسي: من مثلي يمشي على الماء فقسا قلبي من ذلك الوقت وابتلاني الله تعالى بحب السفر فسافرت إلى بلاد الروم وجلت في أقطارها سنة كاملة حتى لم أترك موضعاً إلا عبدت الله فيه، فلما وصلت إلى هذا المكان صعدت إلى هذا الجبل وفيه دير راهب يقال له مطروحنا، فلما رآني خرج إلي وقبل يدي ورجلي وقال: إني رأيتك منذ دخلت بلاد الروم وقد شوقني إلى بلاد الإسلام ثم أخذ بيدي وأدخلني في ذلك الدير ثم دخل بي إلى بيت مظلم فلما دخلت غافلني وأغلق الباب علي وتركني فيه أربعين يوماً من غير طعام ولا شراب وكان قصده بذلك قتلي صبراً، فاتفق في بعض الأيام أنه دخل ذلك الدير بطريق يقال له دقيانوس ومعه عشرة من الغلمان ومعه ابنة يقال لها تماثيل ولكنها في الحسن ليس لها مثيل.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.



كونوا مع الليلة السادسة عشرة بعد المئة


حمودي2009 غير متصل  
قديم 02-08-2009, 12:08 PM   #12 (permalink)
حمودي2009
رومانسي مجتهد
 
الصورة الرمزية حمودي2009
 



تكملة حكاية الملك عمر النعمان وولديه شركان وضوء المكان

الليلة السادسة عشرة بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن العجوز ذات الدواهي قالت :
إن البطريق دخل علي ومعه عشرة من الغلمان ومعه ابنة غاية في الجمال ليس لها مثيل ، فلما دخلوا الدير أخبرهم الراهب مطروحنا بخبري فقال البطريق :
أخرجوه لأنه لم يبق من لحمه ما يأكله الطير .
ففتحوا باب ذلك البيت المظلم فوجدوني منتصباً في المحراب أصلي وأقرأ وأسبح وأتضرع إلى الله تعالى فلما سمعوا كلامه قاموا جميعاً ودخلوا علي ، وأقبل علي دقيانوس هو وجماعته وضربوني ضرباً عنيفاً فعند ذلك تمنيت الموت ولمت نفسي وقلت :
هذا جزاء من يتكبر ويعجب بما أنعم عليه ربه مما ليس في طاقته ، وأنت يا نفسي قد داخلك العجب والكبر أما علمت أن الكبر يغضب الرب ويقسي القلب ويدخل الإنسان في النار .
ثم بعد ذلك قيدوني وردوني إلى مكاني وكان سرداباً في ذلك البيت تحت الأرض وكل ثلاثة أيام يرمون إلي قرص من الشعير وشربة ماء وكل شهر أو شهرين يأتي البطريق ويدخل ذلك الدير وقد كبرت ابنته تماثيل لأنها كانت بنت تسع سنين حين رأيتها ومضى لي في الأسر خمس عشرة سنة فجملة عمرها أربعة وعشرون عاماً ، وليس في بلادنا ولا في بلاد الروم أحسن منها وكان أبوها يخاف عليها من الملك أن يأخذها منه لأنها وهبت نفسها للمسيح غير أنها تركب مع أبيها في زي الرجال الفرسان وليس لها مثيل في الحسن ولم يعلم من رآها أنها جارية وقد خزن أبوها أمواله في هذا الدير لأن كل ما كان عنده شيء من نفائس الذخائر يضعه في ذلك الدير ، وقد رأيت فيه من أنواع الذهب والفضة والجواهر وسائر الألوان والتحف ما لا يحصي عدده إلا الله .
فأنتم أولى به من هؤلاء الكفرة ، فخذوا ما في هذا الدير وأنفقوه على المسلمين وخصوصاً المجاهدين .
ولما وصل هؤلاء التجار إلى القسطنطينية وباعوا بضاعتهم كلمتهم تلك الصورة التي في الحائط كرامة أكرمني الله بها فجاؤوا إلى ذلك الدير وقتلوا البطريق مطروحنا بعد أن عاقبوه أشد العقاب وشدوه من لحيته فدلهم على موضعي فأخذوني ولم يكن لهم سبيل إلا الهرب خوفاً من العطب .
وفي ليلة غد تأتي تماثيل إلى ذلك الدير على عادتها ويلحقها أبوها مع غلمانه لأنه يخاف عليها ، فإن شئتم أن تشاهدوا هذا الأمر فخذوني بين أيديكم وأنا أسلم لكم الأموال وخزانة البطريق دقيانوس التي في ذلك الجبل وقد رأيتهم يخرجون أواني الذهب والفضة يتسربون فيها ورأيت عندهم جارية تغني لهم بالعربي ، فواحسرتاه لو كان الصوت الحسن في قراءة القرآن ، وإن شئتم فادخلوا هذا الدير واكمنوا فيه إلى أن يصل دقيانوس وتماثيل معه ، فخذوها فإنها لا تصلح إلا لملك الزمان شركان وللملك ضوء المكان .
ففرحوا بذلك حين سمعوا كلامها إلا الوزير دندان فإنه ما دخل كلامها في عقله وإنما كان يتحدث معها لأجل خاطر الملك وصار باهتاً في كلامها ويلوح على وجهه علامة الإنكار عليها .
فقالت ذات الدواهي :
إني أخاف أن يقبل البطريق وينظر هذه العساكر في المرج فما يجسر أن يدخل الدير .
فأمر السلطان العسكر أن يرحلوا صوب القسطنطينية ، وقال ضوء المكان :
إن قصدي أن نأخذ معنا مائة فارس وبغالاً كثيرة ونتوجه إلى ذلك الجبل ونحملهم المال الذي في الدير .
ثم أرسل من وقته وساعته إلى الحاجب الكبير فأحضره بين يديه وأحضر المقدمين والأتراك والديلم وقال :
إذا كان وقت الصباح فارحلوا إلى القسطنطينية أنت أيها الحاجب تكون عوضاً عني في الرأي والتدبير ، وأنت يا رستم تكون نائباً عن أخي في القتال ولا تعلموا أحد أننا لسنا معكم وبعد ثلاثة أيام نلحقكم .
ثم انتخب مائة فارس من الأبطال وانحاز هو وأخوه الوزير دندان والمائة فارس وأخذوا معهم البغال والصناديق لأجل حمل المال .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





الليلة السابعة عشرة بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أنه لما أصبح الصباح نادى الحاجب بين العسكر بالرحيل فرحلوا وهم يظنون أن شركان وضوء المكان والوزير دندان معهم ولم يعلموا أنهم ذهبوا إلى الدير .
هذا ما كان من أمرهم .
وأما ما كان من أمر شركان وأخيه ضوء المكان والوزير دندان فإنهم أقاموا إلى آخر النهار ، وكان الكفار أصحاب ذات الدواهي رحلوا خفية بعد أن دخلوا عليها وقبلوا الأرض بين يديها ورجليها واستأذنوها في الرحيل فأذنت لهم وأمرتهم بما شاءت من المكر .
فلما جن الظلام قالت العجوز لضوء المكان هو وأصحابه :
قوموا معي إلى الجبل وخذوا معكم قليلاً من العسكر .
فأطاعوها وتركوها في سفح الجبل مع خمسة فوارس بين يدي ذات الدواهي وصار عندها قوة من شدة فرحها ، وصار ضوء المكان يقول :
سبحان من قوى هذا الزاهد الذي ما رأينا مثله .
وكانت الكاهنة قد أرسلت كتاباً على أجنحة الطير إلى ملك القسطيطينية تخبره بما جرى ، وقالت في آخر الكتاب :
أريد أن تنفذ لي عشرة آلاف فارس من شجعان الروم يكون سيرهم في سفح الجبل خفية لأجل أن لا يراهم عسكر الإسلام ويأتون إلى الدير ويكمنون فيه حتى أحضر إليهم ومعي ملك المسلمين وأخوه فإني خدعتهما وجئت بهما ومعهما الوزير ومائة فارس لا غير وسوف أسلم إليهم الصلبان التي في الدير وقد عزمت على قتل الراهب مطروحنا لأن الحيلة لا تتم إلا بقتله فإن تمت الحيلة فلا يصل من المسلمين إلى بلادهم لا ديار ولا من ينفخ النار ويكون مطروحنا فداء لأهل الملة النصرانية والعصبة الصليبية والشكر للمسيح أولاً وآخراً .
فلما وصل الكتاب إلى القسطنطينية جاء براج الحمام إلى الملك أفريدون بالورقة فلما قرأها أنفذ من الجيش وقته وجهز كل واحد بفرس وهجين وبغل وأمرهم أن يصلوا إلى ذلك الدير .
هذا ما كان من أمر هؤلاء .
وأما ما كان من أمر ضوء المكان وأخيه شركان والوزير دندان والعسكر ، فإنهم لما وصلوا إلى الدير دخلوه فرأوا الراهب مطروحنا قد أقبل لينظر حالهم فقال الزاهد :
اقتلوا هذا اللعين .
فضربوه بالسيوف وأسقوه كأس الحتوف ، ثم مضت بهم الملعونة إلى موضع النذور فأخرجوا منه التحف والذخائر أكثر مما وصفته لهم ، وبعد أن جمعوا ذلك وضعوه في الصناديق وحملوه على البغال وأما تماثيل فإنها لم تحضر هي ولا أبوها خوفاً من المسلمين فأقام ضوء المكان في انتظارها ذلك النهار وثاني يوم وثالث يوم ، فقال شركان :
والله إن قلبي مشغول بعسكر الإسلام ولا أدري ما حالهم .
فقال أخوه :
إنا قد أخذنا هذا المال وما أظن أن تماثيل ولا غيرها يأتي إلى هذا الدير بعد أن جرى لعسكر الروم ما جرى فينبغي أننا نقنع بما يسره الله لنا ونتوجه لعل الله يعيننا على فتح القسطنطينية .
ثم نزلوا من الجبل فما أمكن ذات الدواهي أن تتعرض لهم خوفاً من التفطن لخداعها ، ثم أنهم ساروا إلى باب الشعب وإذا بالعجوز قد أكمنت لهم عشرة آلاف فارس فلما رأوهم احتاطوا بهم من كل جانب وأسرعوا نحو الرماح وجردوا عليهم بيض السفاح ونادى الكفار بكلمة كفرهم وفرقعوا سهام شرهم .
فنظر ضوء المكان وأخوه شركان والوزير دندان إلى هذا الجيش فرأوه جيشاً عظيماً وقالوا :
من أعلم هذه العساكر بنا ?
فقال شركان :
يا أخي ما هذا وقت كلام بل هذا وقت الضرب بالسيف والرمي بالسهام .
فشدوا عزمكم وقووا نفوسكم فإن هذا الشعب مثل الدرب له بابان ، وحق سيد العرب والعجم لولا أن هذا المكان ضيق لكنت أفنيتهم ولو كانوا مائة ألف فارس .
فقال ضوء المكان :
لو علمنا لأخذنا معنا خمسة آلاف فارس .
فقال الوزير دندان :
لو كان معنا عشرة آلاف فارس في هذا المكان لا تفيدنا شيئاً ولكن الله يعيننا عليهم وأنا أعرف هذا الشعب وضيقه وأعرف أن فيها مفاوز كثيرة لأني قد غزوت فيه مع الملك عمر النعمان حين حاصرنا القسطنطينية وكنا نقيم فيه وفيه ماء أبرد من الثلج فانهضوا بنا لنخرج من هذا الشعب قبل أن يكثر عليها عساكر الكفار ويسبقونا إلى رأس الجبل فيرموا علينا الحجارة ولا نملك فيهم إرباً .
فأخذوا في الإسراع من ذلك الشعب فنظر إليهم الزاهد وقال لهم :
ما هذا الخوف وأنتم قد بعتم أنفسكم لله تعالى في سبيله ، والله إني مكثت مسجوناً تحت الأرض خمسة عشر عاماً ولم أعترض على الله فيما فعل بي ، فقاتلوا في سبيل الله فمن قتل منكم فالجنة مأواه ومن قتل فإلى الشرف مسعاه .
فلما سمعوا من الزاهد هذا الكلام زال عنهم الهم والغم وثبتوا حتى هجم عليهم الكفار من كل مكان ولعبت في أعناقهم السيوف ودارت بينهم كأس الحتوف وقاتل المسلمون في طاعة الله أشد قتال وأعملوا في أعدائهم الأسنة والنصال وصار ضوء المكان يضرب الرجال ويجندل الأبطال ويرمي رؤوسهم خمسة خمسة وعشرة عشرة حتى أفنى منهم عدداً لا يحصى ورجالاً يستقصى فبينما هو كذلك إذ نظر الملعونة وهي تشير بالسيف إليهم وتقويهم جانب وكل ما خاف يهرب إليها وصارت تومئ إليهم بقتل شركان فيميلون إلى قتله فرقة بعد فرقة وكل فرقة حملت عليه يحمل عليها ويهزمها وتأتي بعدها فرقة أخرى حاملة عليها فيردها بالسيف على أعقابها ، فظن أن نصره عليهم ببركة العابد وقال في نفسه :
إن هذا العابد قد نظر إلي بعين عنايته وقوى عزمي على الكفار بخالص نيته فأراهم يخافونني ولا يستطيعون الإقدام علي بل كلما حملوا علي يولون الأدبار ويركنون إلى الفرار .
ثم قاتلوا بقية يومهم إلى آخر النهار ولما أقبل الليل نزلوا في مغارة من ذلك الشعب من كثرة ما حصل لهم من الوبال ورمي الحجارة وقتل منهم في ذلك اليوم خمسة وأربعون رجلاً ولما اجتمعوا مع بعضهم فتشوا على ذلك الزاهد فلم يروا له أثر فعظم عليهم ذلك وقالوا :
لعله استشهد .
فقال شركان :
أنا رأيته يقوي الفرسان بالإشارة الربانية ويعيدهم بالآيات الرحمانية .
فبينما هم في الكلام وإذا بالملعونة ذات الدواهي قد أقبلت وفي يدها رأس البطريق الكبير الرئيس على العشرين ألفاً وكان جباراً عنيداً وشيطاناً مريداً وقد قتله رجل من الأتراك بسهم فعجل الله بروحه إلى النار فلما رأى الكفار ما فعل ذلك المسلم بصاحبهم مالوا بكليتهم عليه وأوصلوا الأذية إليه وقطعوه بالسيوف فعجل الله به إلى الجنة .
ثم إن الملعونة قطعت رأس ذلك البطريق وأتت به وألقته بين يدي شركان والملك ضوء المكان والوزير دندان ، فلما رآها شركان وثب قائماً على قدميه وقال :
الحمد لله على رؤيتك أيها العابد المجاهد الزاهد .
فقالت :
ولدي إني قد طلبت الشهادة في هذا اليوم فصرت أرمي روحي بين عسكر الكفار يهابونني فلما انفصلتم أخذتني الغيرة عليكم وهجمت على البطريق الكبير رئيسهم وكان يعد بألف فارس فضربته حتى أطحت رأسه عن بدنه ولم يقدر أحد من الكفار أن يدنو مني وأتيت برأسه إليكم .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





الليلة الثامنة عشرة بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن اللعينة ذات الدوهي قالت :
أتيت برأسه إليكم لتقوى نفوسكم على الجهاد وترضوا بسيوفكم رب العباد وأريد أن أشغلكم في الجهاد وأذهب إلى عسكركم ولو كانوا على باب القسطنطينية وآتيكم من عندهم بعشرين ألف فارس يهلكون هؤلاء الكفرة .
فقال شركان :
وكيف تمضي إليهم أيها الزاهد والوادي مسدود بالكفار من كل جانب ?
فقالت الملعونة :
الله يسترني عن أعينهم فلا يروني ومن رآني لا يجسر أن يقبل علي فإني في ذلك الوقت أكون فانياً في الله وهو يقاتل عني أعداءه .
فقال شركان :
صدقت أيها الزاهد لأني شاهدت ذلك وإذا كنت تقدر أن تمضي أول الليل يكون أجود لنا .
فقالت الملعونة :
أنا أمضي في هذه الساعة وإن كنت تريد أن تجيء معي ولا يراك أحد فقم وإن كان أخوك يذهب معنا أخذناه دون غيره فإن ظل الولي لا يستر غير اثنين .
فقال شركان :
أما أنا فلا أترك أصحابي ولكن إذا كان أخي يرضى بذلك فلا بأس حيث ذهب معك وخلص من هذا الضيق فإنه هو حصن المسلمين وسيف رب العالمين وإن شاء فليأخذ معه الوزير دندان أو من يختار ، ثم يرسل إلينا عشرة آلاف فارس إعانة على هؤلاء اللئام .
واتفقوا على هذا الحال ثم أن العجوز قالت :
أمهلوني حتى أذهب قبلكم وأنظر حال الكفرة هل هم نيام أو يقظون .
فقالوا :
ما نخرج إلا معك ونسلم أمرنا لله .
فقالت :
إذا طاوعتكم لا تلوموني ولوموا أنفسكم فالرأي عندي أن تمهلوني حتى أكتشف خبرهم .
فقام شركان وحدث أخاه بعد خروجهما وقال :
إن هذا الزاهد صاحب كرامات ما قتل هذا البطريق الجبار وفي هذا القدر كفاية في كرامة هذا الزاهد وقد انكسرت شوكة الكفار بقتل هذا البطريق لأنه كان جباراً عنيداً وشيطاناً مريداً .
فبينما هم يتحدثون في كرامات الزاهد ، وإذا باللعينة ذات الدواهي قد دخلت عليهم ووعدتهم بالنصر على الكفرة فشكروا الزاهد على ذلك ولم يعلموا أن هذا حيلة وخداع ، ثم قالت اللعينة :
أين ملك الزمان ضوء المكان ?
فأجابها بالتلبية فقالت له :
خذ معك وزيرك وسر خلفي حتى نذهب إلى القسطنطينية .
وكانت ذات الدواهي قد أعلمت الكفار بالحيلة التي عملتها ففرحوا بذلك غاية الفرح وقالوا :
ما يجبر خاطرنا إلا قتل ملكهم في نظير قتل البطريق لأنه لم يكن عندنا أفرس منه .
وقالوا لعجوز النحس ذات الدواهي حين أخبرتهم بأنها تذهب إليهم بملك المسلمين إذا أتيت به نأخذه إلى الملك أفريدون .
ثم إن العجوز ذات الدواهي توجهت وتوجه معها ضوء المكان والوزير دندان وهي سابقة عليهما وتقول لهما :
سيروا على بركة الله تعالى .
فأجاباها إلى قولها ونفذ فيهما سهم القضاء والقدر ولم تزل سائرة بهما حتى توسطت بهما بين عسكر الروم وصلوا إلى الشعب المذكورة الضيق وعساكر الكفار ينظرون إليهم ولا يتعرضون لهم بسوء لأن الملعونة أوصتهم بذلك فلما نظر ضوء المكان والوزير دندان إلى عساكر الكفار وعرفوا أن الكفار عاينوهم ولم يتعرضوا لهم قال الوزير دندان إلى ضوء المكان :
والله إن هذه كرامة من الزاهد ولا شك أنه من الخواص .
فقال ضوء المكان :
والله ما أظن الكفار إلا عمياناً لأننا نراهم وهم لا يروننا .
فبينما هم في الثناء على الزاهد وتعداد كراماته وزهده وعبادته وإذا بالكفار قد هجموا عليهما واحتاطوا بهما وقبضوا عليهما وقالوا :
هل معكما أحد غيركما فنقبض عليه ?
فقال الوزير دندان :
أما ترون هذا الرجل الآخر الذي بين أيدينا ?
فقال لهم الكفار :
وحق المسيح والرهبان والجاثليق والمطران إننا لم نر أحداً غيركما .
فقال ضوء المكان :
والله إن الذي حل بنا عقوبة لنا من الله تعالى .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه






الليلة التاسعة عشرة بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الكفار وضعوا القيود في أرجلهما ووكلوا بهما من يحرسهما في المبيت ، فصارا يتأسفان ويقولان لبعضهما :
إن الاعتراض على الصالحين يؤدي إلى أكثر من ذلك وجزاؤنا ما حل بنا من الضيق الذي نحن فيه .
هذا ما كان من أمر ضوء المكان والوزير دندان .
وأما ما كان من أمر الملك شركان فإنه بات تلك الليلة فلما أصبح الصباح قام وصلى صلاة الصبح ثم نهض هو ومن معه من العساكر وتأهبوا إلى قتال الكفار وقوى قلوبهم شركان ووعدهم بكل خير ثم ساروا إلى أن وصلوا إلى الكفار فلما رآهم الكفار من بعيد قالوا لهم :
يا مسلمين إنا أسرنا سلطانكم ووزيره الذي به انتظام أمركم وإن لم ترجعوا عن قتالنا قتلناكم عن آخركم وإذا سلمتم لنا أنفسكم فإننا نروح بكم إلى ملكنا فيصالحكم على أن تخرجوا من بلادنا وتذهبوا إلى بلادكم ولا تضرونا بشيء ولا نضركم بشيء فإن طاب خاطركم كان الحظ لكم وإن أبيتم فما يكون إلا قتلكم وقد عرفناكم وهذا آخر كلامنا .
فلما سمع شركان كلامهم وتحقق أسر أخيه والوزير دندان عظم عليه وبكى وضعفت قوته وأيقن بالهلاك وقال في نفسه :
يا ترى ما سبب أسرهما ? هل حصل منهما إساءة أدب في حق الزاهد واعتراض عليه ? وما شأنهما ?
ثم نهضوا إلى قتال الكفار فقتلوا منهم خلقاً كثيراً وتبين في ذلك اليوم الشجاع من الجبان واختضب السيف والسنان وتهافتت عليهم الكفار تهافت الذباب على الشراب من كل مكان وما زال شركان ومن معه يقاتلون قتال من لا يخاف الموت ولا يعتريه في طلب الفرصة قوت حتى سال الوادي بالدماء وامتلأت الأرض بالقتلى .
فلما أقبل الليل تفرقت الجيوش وكل من الفريقين ذهب إلى مكانه وعاد المسلمون إلى تلك المغارة ولم يبق منهم إلا القليل ولم يكن منهم إلا على الله والله عليه كل تعويل وقد قتل منهم في هذا النهار خمسة وثلاثون فارساً من الأمراء والأعيان وإن من قتل بسيفهم من الكفار آلاف من الرجال والركبان فلما عاين شركان ذلك ضاق عليه الأمر وقال لأصحابه :
كيف العمل ?
فقال له أصحابه :
لا يكون إلا ما يريده الله تعالى .
فلما كان ثاني يوم قال شركان لبقية العسكر :
إن خرجتم للقتال ما بقي منكم أحد لأنه لم يبق عندنا إلا قليل من الماء والزاد والرأي الذي عندي فيه الرشاد أن تجردوا سيوفكم وتخرجوا وتقفوا على باب تلك المغارة لأجل أن تدفعوا عن أنفسكم كل من يدخل عليكم فلعل الزاهد أن يكون وصل إلى عسكر المسلمين ويأتينا بعشرة آلاف فارس فيعينون على قتال الكفرة ولعل الكفار لم ينظروه هو ومن معه .
فقال له أصحابه :
إن هذا الرأي هو الصواب وما في سداده ارتياب .
ثم إن العسكر خرجوا وملكوا باب المغارة ووقفوا في طرفيه وكل من أراد أن يدخل عليهم من الكفار يقتلوه وصاروا يدفعون الكفار عن الباب وصبروا على قتال الكفار إلى أن ذهب النهار وأقبل الليل بالاعتكار .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه






الليلة العشرين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أنه عندما أقبل الليل لم يبق عند الملك شركان إلا خمسة وعشرون رجلاً لا غير فقال الكفار لبعضهم :
متى تنقضي هذه الأيام فإننا قد تعبنا من قتال المسلمين .
فقال بعضهم لبعض :
قوموا نهجم عليهم فإنه لم يبق منهم إلا خمسة وعشرون رجلاً فإن لم نقدر عليهم نضرم عليهم النار فإن انقادوا وسلموا أنفسهم إلينا أخذناهم أسرى وإن أبوا تركناهم حطباً للنار حتى يصيروا عبرة لأولي الأبصار فلا رحم المسيح أباهم ولا جعل مستقر النصارى مثواهم .
ثم إنهم حطوا الحطب على باب المغارة وأضرموا فيه النار فأيقن شركان ومن معه بالبوار فبينما هم كذلك وإذا بالبطريق الرئيس عليهم التفت إلى المشير بقتلهم وقال له :
لا يكون قتلهم إلا عند الملك أفريدون لأجل أن يشفي غليله فينبغي أن نبقيهم عندنا أسارى وفي غد نسافر إلى القسطنطينية ونسلمهم إلى الملك أفريدون فيفعل بهم ما يريد .
فقالوا :
هذا هو الرأي الصواب .
ثم أمروا بتكتيفهم وجعلوا عليهم حرساً فلما جن الظلام اشتغل الكفار باللهو والطعام ودعوا بالشراب فشربوا حتى انقلب كل منهم على قفاه وكان شركان وضوء المكان مقيدين وكذلك من معهم من الأبطال فعند ذلك نظر شركان إلى أخيه ، وقال له :
يا أخي كيف الخلاص ?
فقال ضوء المكان :
والله لا أدري وقد صرنا كالطير في الأقفاص .
فاغتاظ شركان وتنهد من شدة غيظه فانقطع الكتاف فلما خلص من الوثاق قام إلى رئيس الحراس وأخذ مفاتيح القيود من جيبه وفك ضوء المكان وفك الوزير دندان وفك بقية العسكر ثم التفت إلى أخيه ضوء المكان والوزير دندان وقال :
إني أريد أن أقتل من الحراس ثلاثة ونأخذ ثيابهم ونلبسها نحن الثلاثة حتى نصير في زي الروم ، ونسير بينهم حتى لا يعرفوا أحداً منا ، ثم نتوجه إلى عسكرنا .
فقال ضوء المكان :
إن هذا الرأي غير صواب لأننا إذا قتلناهم نخاف أن يسمع أحد شخيرهم فتنتبه إلينا الكفار فيقتلوننا والرأي السديد أن نسير إلى خارج الشعب .
فأجابوه إلى ذلك فلما صاروا بعيداً عن الشعب بقليل رأوا خيلاً مربوطة وأصحابها نائمون فقال شركان لأخيه :
ينبغي أن يأخذ كل واحد منا جواداً من هذه الخيول .
وكانوا خمسة وعشرين رجلاً فأخذوا خمسة وعشرين جواداً ، وقد ألقى الله النوم على الكفار لحكمة يعلمها الله .
ثم إن شركان جعل يختلس من الكفار السلاح من السيوف والرماح ، حتى اكتفوا ثم ركبوا الخيل التي أخذوها وساروا ، وكان في ظن الكفار أنه لا يقدر أحد على فكاك ضوء المكان وأخيه ومن معهما من العساكر وأنهم لا يقدرون على الهروب فلما خلصوا جميعاً من الأسر وصاروا في أمن من الكفار التفت إليهم شركان وقال لهم :
لا تخافوا حيث سترنا الله ولكن عندي رأي ولعله صواب .
فقالوا :
وما هو ?
قال :
أريد أن تطلعوا فريق الجبل وتكبروا كلكم تكبيرة واحدة وتقولوا :
لقد جاءتكم العساكر الإسلامية .
ونصيح كلنا صيحة واحدة ونقول :
الله أكبر .
فيفترق الجمع من ذلك ولا يجدون لهم في هذا الوقت حيلة فإنهم يسكنون ويظنون أن عسكر المسلمين أحاطوهم من كل جانب ، واختلطوا بهم فيقعون ضرباً بالسيف في بعضهم من دهشة السكر والنوم فنقطعهم بسيوفهم ويدور السيف فيهم إلى الصباح .
فقال ضوء المكان :
إن هذا الرأي غير صواب علينا أن نسير إلى عسكرنا ولا ننطق بكلمة لأننا إن كبرنا تنبهوا لنا ولحقونا فلم يسلم منا أحد .
فقال شركان :
والله لو انتبهوا لنا ما علينا بأس وأشتهي أن توافقونني على هذا الرأي وهو لا يكون الأخير .
فأجابوه إلى ذلك وطلعوا إلى فوق الجبل وصاحوا بالتكبير ، فكبرت معه الجبال والأشجار والأحجار من خشية الله تعالى فسمع الكفار ذلك التكبير فصاح الكفار صيحة مزعجة .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





الليلة الحادية والعشرين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أنه عندما صاح الكفار على بعضهم ولبسوا السلاح وقالوا :
قد هجمت علينا الأعداء وحق المسيح .
ثم قتلوا من بعضهم ما لا يعلم عدده إلا الله تعالى فلما كان الصباح فتشوا على الأسارى فلم يجدوا لهم أثراً .
فقال رؤساؤهم :
إن الذي فعل بكم هذه الفعال هم الأسارى الذين كانوا عندنا فدونكم والسعي خلفهم حتى تلحقوهم فتسقوهم كأس الوبال ولا يحصل لكم خوف ولا انذهال .
ثم إنهم ركبوا خيولهم وسعوا خلفهم فما كان إلا لحظة حتى لحقوهم وأحاطوا بهم فلما رأى ضوء المكان ذلك ازداد به الفزع وقال لأخيه :
إن الذي خفت من حصوله قد حصل وما بقي لنا حيلة إلا الجهاد .
فلزم شركان السكوت عن المقال ثم انحدر ضوء المكان من أعلى الجبل وكبرت معه الرجال وعولوا على الجهاد وبيع أنفسهم في طاعة رب العباد فبينما هم كذلك وإذا باصوات يصيحون بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير فالتفتوا إلى جهة الصوت فرأوا جيوش المسلمين وعساكر الموحدين مقبلين ، فلما رأوهم قويت قلوبهم ، وحمل شركان على الكافرين وهلل وكبر هو ومن معه من الموحدين فارتجت الأرض كالزلزال وتفرقت عساكر الكفار في عرض الجبال فتبعتهم المسلمين بالضرب والطعان وأطاحوا منهم الرؤوس عن الأبدان ولم يزل ضوء المكان هو ومن معه من المسلمين يضربون في أعناق الكافرين إلى أن ولى النهار وأقبل الليل بالاعتكار .
ثم انحاز المسلمون إلى بعضهم وباتوا مستبشرين طول ليلهم ، فلما أصبح الصباح وأشرق بنوره ولاح رأوا بهرام مقدم الديلم ورستم مقدم الأتراك ، ومعهما عشرين ألف فارس مقبلين عليهم كالليوث العوابس ، فلما رأوا ضوء المكان ترجل الفرسان وسلموا عليه وقبلوا الأرض بين يديه فقال لهم ضوء المكان :
أبشروا بنصر المسلمين وهلاك الكافرين .
ثم هنوا بعضهم بالسلامة وعظيم الأجر في القيامة وكان السبب في مجيئهم إلى هذا المكان أن الأمير بهرام والأمير رستم والحاجب الكبير لما ساروا بجيوش المسلمين والرايات على رؤوسهم منشورة حتى وصلوا إلى القسطنطينية رأوا الكفار قد طلعوا على الأسوار وملكوا الأبراج والقلاع واستعدوا في كل حصن مناع حين علموا بقدوم العساكر الإسلامية والأعلام المحمدية وقد سمعوا قعقعة السلاح وضجة الصياح ونظروا فرأوا المسلمين وسمعوا حوافر خيولهم من تحت الغبار فإذا هم كالجراد المنتشر والسحاب المنهمر وسمعوا أصوات المسلمين بتلاوة القرآن وتسبيح الرحمن وكان السبب في أعلام الكفار بذلك ما دبرته العجوز ذات الدواهي من زورها وعهرها وبهتانها ومكرها حتى قربت العساكر كالبحر الزاخر من كثرة الرجال والفرسان والنساء والصبيان ، فقال أمير الترك لأمير الديلم :
يا أمير إننا بقينا على خطر منا للأعداء الذين فوق الأسوار فانظر إلى تلك الأبراج وإلى هذا العالم الذي كالبحر العجاج المتلاطم بالأمواج إن هؤلاء الكفار قدرنا مائة مرة ولا نأمن من جاسوس شر فيخبرهم أننا على خطر من الأعداء الذين لا يحصى عددهم ولا ينقطع مددهم خصوصاً مع غيبة الملك ضوء المكان وأخيه والوزير الأجل دندان فعند ذلك يطمعون فينا لغيبتهم عنا فيمحقوننا بالسيف عن آخرنا ولا ينجو منا ناج ومن الرأي أن نأخذ عشرة آلاف فارس من المواصلة والأتراك ونذهب بهم إلى الدير مطروحنا ومرج ملوخنا في طلب إخواننا وأصحابنا فإن أطعتموني فلا لوم علي وإذا توجهتم ينبغي أن ترجعوا إلينا مسرعين فإن من الحزم سوء الظن .
فعندما قبل الأمير المذكور كلامه وانتخب عشرين ألف فارس وساروا يقطعون الطرقات طالبين المرج المذكور والدير المشهور .
هذا ما كان سبب مجيئهم .
وأما ما كان من أمر العجوز ذات الدواهي فإنها لما أوقعت السلطان ضوء المكان وأخاه شركان والوزير دندان في أيدي الكفار أخذت تلك العاهرة جواداً وركبته وقالت للكفار :
إني أريد أن ألحق عسكر المسلمين وأتحيل على هلاكهم لأنهم في القسطنطينية فأعلمهم أن أصحابهم هلكوا فإذا سمعوا ذلك مني تشتت شملهم وانصرم حبلهم وتفرق جمعهم ، ثم أدخل أنا إلى الملك أفريدون ملك القسطنطينية وولدي الملك حردوب ملك الروم وأخبرهما بهذا الخبر فيخرجان بعساكر إلى المسلمين ويهلكونهم ولا يتركون أحداً منهم .
ثم سارت لقطع الأرض على ذلك الجواد طول الليل فلما أصبح الصباح لاح عسكر بهرام ورستم فدخلت بعض الغابات وأخفت جوادها هناك ، ثم خرجت وتمشت قليلاً وهي تقول في نفسها :
لعل عساكر المسلمين قد رجعوا منهزمين من حرب القسطنطينية .
فلما قربت منهم نظرت إليهم وتحققت أعلامهم فرأتها غير منكسة فعلمت أنهم أتوا غير منهزمين ولا خائفين على ملكهم وأصحابهم .
فلما عاينت ذلك أسرعت نحوهم بالجري الشديد مثل الشيطان المريد إلى أن وصلت إليهم وقالت لهم :
العجل يا جند الرحمن إلى جهاد حزب الشيطان .
فلما رآها بهرام أقبل عليها وترجل وقبل الأرض بين يديها وقال لها :
يا ولي الله ما وراءك ?
فقالت :
لا تسأل عن سوء الحال وشديد الأهوال فإن أصحابنا لما أخذوا المال من دير مطروحنا أرادوا أن يتوجهوا إلى القسطنطينية فعند ذلك خرج عليهم عسكر جرار ذو بأس من الكفار .
ثم إن الملعونة أعادت عليهم أرجافاً وجلاً وقالت :
إن أكثرهم هلك ولم يبق إلا خمسة وعشرون رجلاً .
فقال بهرام :
أيها الزاهد متى فارقتهم ?
فقال :
في ليلتي هذه .
فقال بهرام :
سبحان الذي طوى لك الأرض البعيدة وأنت ماشي على قدميك متكئاً على جريدة لكنك من الأولياء الطيارة المهمين وحي الإشارة .
ثم ركب على ظهر جواده وهو مدهوش وحيران بما سمعه من ذات الإفك والبهتان ، وقال :
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم لقد ضاع تعبنا وضاقت صدرونا وأسر سلطاننا ومن معه .
ثم جعلوا يقطعون الأرض طولاً وعرضاً ليلاً ونهاراً ، فلما كان وقت السحر أقبلوا على رأس الشعب فرأوا ضوء المكان وأخاه شركان يناديان بالتهليل والتكبير والصلاة والسلام على البشير النذير ، فحمل هو وأصحابه أحاطوا بالكفار إحاطة السيل بالقفار وصاحوا عليهم صياحاً ضجت منه الأبطال وتصدعت منه الجبال فلما أصبح الصباح وأشرق بنوره ولاح لهم من ضوء المكان طيبه ونشره وتعارفوا ببعضهم كما تقدم ذكره فقبلوا الأرض بين يدي ضوء المكان وأخيه شركان وأخبروهم بما جرى لهم في المغارة فتعجبوا من ذلك .
ثم قالوا لبعضهم :
أسرعوا بنا إلى القسطنطينية لأننا تركنا أصحابنا هناك وقلوبنا عندهم .
فعند ذلك أسرعوا في المسير وتوكلوا على اللطيف الخبير وكان ضوء المكان يقوي المسلمين على الثبات وينشد هذه الأبيات :
لك الحمد مستوجب الحمد والشكر ........ فما زلت لي بالعون يا رب في أمري
ربيت غريباً في البلاد وكنـت لي ........ كفيلاً وقد قدرت يا ربنـا نـصري
وأعطيتني مالاً وملـكـاً ونعـمة ........ وقلدتني سيف الشجاعة والـنصر
وخولتني ظل المليك معـمراً وقد ........ وجدت لي من فيض وجودك بالغمر
بفضلك قد صلنا على الروم صولة ........ وقد رجعوا بالضرب فـي خور
وأظهرت أني قد هـزمت هزيمة ........ وعدت عليهم عودة الضيغم الغـمر
تركتهم في القاع صرعى كأنـهم ........ نشاوى بكأس الموت لا قهوة الحمر
وصارت بأيدينا المراكـب كلـها ........ وصار لنا السلطان في البر والبحر
وجاء إلينا الزاهـد العـابد الذي ........ كرامته شاعت لذي البدو والحضر
أتينا لأخذ الثأر من كل كافر وقد ........ شاع عند الناس ما كان من أمري
وقد قتلوا منا رجالاً فأصـبحـوا ........ لهم غرف في الخلد تعلو على نهر
فلما فرغ ضوء المكان من شعره هنأه أخوه شركان بالسلامة وشكره على أفعاله ، ثم إنهم توجهوا مجدين المسير .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





الليلة الثانية والعشرين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن شركان هنأ أخاه ضوء المكان بالسلامة وشكره على أفعاله ثم إنهم توجهوا مجدين المسير طالبين عساكرهم .
هذا ما كان من أمرهم .
وأما ما كان من أمر العجوز ذات الدواهي فإنها لما لاقت عسكر بهرام ورستم عادت إلى الغابة وأخذت جوادها وركبته وأسرعت في سيرها حتى أشرفت على عسكر المسلمين والمحاصرين للقسطنطينية ، ثم إنها نزلت وأخذت جوادها وأتت به إلى السرداق الذي فيه الحاجب فلما رآها نهض لها قائماً وأشار إليها بالإيماء وقال :
مرحباً بالعابد الزاهد .
ثم سألها عما جرى فأخبرته بخبرها المرجف وبهتانها المتلف وقالت له :
إني أخاف على الأمير رستم والأمير بهرام لأني قد لاقيتهما مع عسكرهما في الطريق وأرسلتهما إلى الملك ومن معه وكانا في عشرين ألف فارس ، والكفار أكثر منهم وإني أردت في هذه الساعة أن ترسل جملة من عسكرك حتى يلحقوهم بسرعة ، لئلا يهلكوا عن آخرهم .
وقالت لهم :
العجل العجل .
فلما سمع الحاجب والمسلمون منها ذلك الكلام انحلت عزائمهم وبكوا وقالت لهم ذات الدواهي :
استعينوا بالله واصبروا على هذه الرزية فلكم أسوة بمن سلف من الأمة المحمدية فالجنة ذات العصور أعدها لمن يموت شهيداً ، ولا بد من الموت لكل أحد ولكنه في الجهاد أحمد .
فلما سمع الحاجب كلام اللعينة ذات الدواهي دعا بأخ الأمير بهرام وكان فارساً يقال له تركاش وانتخب له عشرة آلاف فارس أبطال عوابس ، وأمره بالسير فسار في ذلك اليوم وطول الليل حتى قرب من المسلمين فلما أصبح الصباح رأى شركان ذلك الغبار فقال :
أن يكونوا المسلمين فهذا هو النصر المبين وإما أن يكونوا من عسكر الكفار فلا اعتراض على الأقدار .
ثم إنه أتى إلى أخيه ضوء المكان ، وقال له :
لا تخف أبداً فإني أفديك بروحي من الردا فإن هؤلاء من عسكر الإسلام فهذا مزيد الأنعام وإن كان هؤلاء أعداءنا فلا بد من قتالهم لكن أشتهي أن أقابل العابد قبل موتي لأسأله أن يدعو إلى أن لا أموت إلا شهيداً فبينما هم كذلك وإذا بالرايات قد لاحت مكتوباً عليها :
لا إله إلا الله محمد رسول الله .
فصاح شركان :
كيف حال المسلمين ?
قالوا :
بعافية وسلامة وما أتينا إلا خوفاً عليكم .
ثم ترجل رئيس العسكر عن جواده وقبل الأرض بين يديه وقال :
يا مولانا كيف السلطان والوزير دندان ورستم وأخي بهرام ? أما هم الجميع سالمون ?
فقال :
بخير .
ثم قال له :
ومن الذي أخبركم بخبرنا ?
قال :
الزاهد قد ذكر أنه أتى أخي بهرام ورستم وأرسلهما إليكم وقال لنا :
إن الكفار قد أحاطوا بهم وهم كثيرون وما أرى الأمر إلا بخلاف ذلك وأنتم منصورون .
فقال لهم :
وكيف وصول الزاهد إليكم ?
فقالوا له :
كان سائراً على قدميه وقطع في يوم وليلة مسيرة عشرة أيام للفارس المجد .
فقال شركان :
لا شك أنه ولي الله ، وأين هو ?
قالوا له :
تركناه عند عسكرنا أهل الإيمان يحرضهم على قتال أهل الكفر والطغيان .
ففرح شركان بذلك وحمد الله سلامتهم وسلامة الزاهد ، وترحموا على من قتل منهم وقالوا :
كان ذلك في الكتاب المسطور .
ثم ساروا مجدين في سيرهم فبينما هم كذلك وإذا بغبار قد سار حتى سد الأقطار وأظلم منه النهار فنظر إليه شركان ، وقال :
إني أخاف أن يكون الكفار قد كسروا عسكر الإسلام لأن هذا الغبار سد المشرقين وملأ الخافقين .
ثم لاح من تحت ذلك عمود من الظلام أشد سواداً من حالك الأيام وما زالت تقرب منهم تلك الدعامة وهي أشد من هول يوم القيامة فتسارعت إليها الخيل والرجال لينظروا ما سبب سوء هذا الحال فرأوه الزاهد المشار إليه فازدحموا على تقبيل يديه وهو ينادي :
يا أمة خير الأنام ومصباح الظلام إن الكفار غدروا بالمسلمين فأدركوا عساكر الموحدين وأنقذوهم من أيدي الكفرة اللئام فإنهم هجموا عليهم في الخيام ونزل بهم العذاب المهين وكانوا في مكانهم آمنين .
فلما سمع شركان ذلك الكلام طار قلبه من شدة الخفقان وترجل عن جواده وهو حيران .
ثم قبل يد الزاهد ورجليه وكذلك أخوه ضوء المكان وبقية العسكر من الرجال والركبان إلا الوزير دندان فإنه لم يترجل عن جواده وقال :
والله إن قلبي نافر من هذا الزاهد لأني ما عرفت للمتنطعين في الدين غير المفاسد فاتركوه وأدركوا أصحابكم المسلمين فإن هذا من المطرودين عن باب رحمة رب العالمين ، فكم غزوت مع الملك عمر النعمان ودست أراضي هذا المكان .
فقال له شركان :
دع هذا الظن الفاسد أما نظرت إلى هذا العابد وهو يحرض المؤمنين على القتال ولا يبالي بالسيوف والنبال فلا تغتابه لأن الغيبة مذمومة ولحوم الصالحين مسمومة وانظر إلى تحريضه لنا على قتال أعدائنا ، ولولا أن الله تعالى يحبه ما طوى له العبد بعد أن أوقعه سابقاً في العذاب الشديد .
ثم إن شركان أمر أن يقدموا بغلة نوبية إلى الزاهد ليركبها وقال له :
اركب أيها الزاهد الناسك العابد .
فلم يقبل ذلك وامتنع عن الركوب وأظهر الزهد لينال المطلوب ، وما دروا أن هذا الزاهد الطاهر هو الذي قال في مثله الشاعر :
صلى وصام لأمر كان يطـلـبـه ........ لما قضي الأمر لا صلى ولا صاما
ثم إن ذلك الزاهد ما زال ماشياً بين الخيل والرجال كأنه الثعلب المحتال رافعاً صوته بتلاوة القرآن وتسبيح الرحمن وما زالوا سائرين حتى أشرفوا على عسكر الإسلام فوجدهم شركان في حالة الانكسار والحاجب قد أشرف على الهزيمة والفرار والسيف يعمل بين الأبرار والفجار .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





الليلة الثالثة والعشرين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن السبب في خذل المسلمين أن اللعينة ذات الدواهي عدوة الدين لما رأت بهرام ورستم قد سارا بعسكرهما نحو شركاء وأخيه ضوء المكان سارت هي نحو عسكر المسلمين وأرسلت الأمير تركاش كما تقدم ذكره وقصدها بذلك أن تفرق بين عسكر المسلمين لأجل أن يضعفوا ، ثم تركتهم وقصدت القسطنطينية ونادت بطارقة الروم بأعلى صوتها وقالت :
أدلوا حبلاً لأربط فيه هذا الكتاب وأوصلوه إلى ملككم أفريدون ليقرأه هو وولدي ملك الروم ويعملان بما فيه من أوامره ونواهيه .
فأدلوا لها حبلاً فربطت فيه الكتاب وكان مضمونه :
من عند الداهية والطامة الكبرى ذات الدواهي إلى الملك أفريدون ، أما بعد فإني دبرت لكم حيلة على هلاك المسلمين فكونوا مطمئنين وقد أسرتهم وأسرت سلطانهم ووزيرهم ثم توجهت إلى عسكرهم وأخبرتهم بذلك فانكسرت شوكتهم وضعفت قوتهم وقد خدعت العسكر المحاصرين للقسطنطينية حتى أرسلت منهم اثني عشر ألف فارس مع الأمير تركاش خلاف المأسورين وما بقي منهم إلا القليل ، فالمراد أنكم تخرجون إليهم بجميع عسكركم في بقية هذا النهار وتهجمون عليهم في خيامهم ولكنكم لا تخرجون إلا سواء واقتلوهم عن آخرهم ، فإن المسيح قد نظر إليكم والعذراء تعطف عليكم ، وأرجو من المسيح أن لا ينسى فعلي الذي قد فعلته .


فلما وصل كتابها إلى الملك أفريدون فرح فرحاً شديداً وأرسل في الحال إلى ملك الروم ابن ذات الدواهي وأحضره وقرأ الكتاب عليه ففرح وقال :
انظر إلى مكر أمي فإنه يغني عن السيوف وطلعتها تنوب عن هول اليوم المخوف .
فقال الملك أفريدون :
لا أعدمك المسيح طلعة أمك ولا أخلاك من مكرك ولؤمك .
ثم أمر البطارقة أن ينادوا بالرحيل إلى خارج المدينة وشاع الخبر في القسطنطينية وخرجت عساكر النصرانية والعصبة الصليبية وجردوا السيوف الحداد وأعلنوا بكلمة الكفر والإلحاد وكفروا برب العباد ، فلما نظر الحاجب إلى ذلك قال :
إن سلطاننا غائب فربما هجموا علينا وأكثر عساكرنا قد توجه إلى الملك ضوء المكان .
واغتاظ الحاجب ونادى :
يا عسكر المسلمين وحماة الدين المتين إن هربتم هلكتم وإن صبرتم نصرتم فاعلموا أن الشجاعة صبر ساعة وما ضاق أمر إلا أوجد الله اتساعه ، بارك الله فيكم ونظر إليكم بعين الرحمة .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





الليلة الرابعة والعشرين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الحاجب قال لجيش المسلمين :
بارك الله عليكم ونظر إليكم بعين الرحمة .
فعند ذلك كبر المسلمون وصاح الموحدون ودارت رحى الحرب بالطعن والضرب وعملت الصوارم والرماح وملأ الدم الأودية والبطاح وقسست القسوس والرهبان وشدوا الزنانير ورفعوا الصلبان وأعلن المسلمون بالتكبير للملك الديان وصاحوا بتلاوة القرآن واصطدم حزب الرحمن بحزب الشيطان وطارت الرؤوس عن الأبدان وطافت الملائكة الأخيار على أمة النبي المختار ولم يزل السيف يعمل إلى أن ولى النهار وأقبل الليل بالاعتكار وقد أحاط الكفار بالمسلمين وحسبوا أن ينجوا من العذاب المبين وطمع المشركون في أهل الإيمان إلى أن طلع الفجر وبان فركب الحاجب هو وعسكره ورجا الله أن ينصره واختلطت الأمم بالأمم وقامت الحرب على ساق وقدم وطارت القمم وثبت الشجاع وتقدم وولى الجبان وانهزم وقضى قاضي الموت وحكم حتى تطاوحت الأبطال عن السروج وامتلأت بالأمواج المروج وتأخرت المسلمون عن أماكنها وملكت بعض خيامها ومساكنها وعزم المسلمون على الانكسار والهزيمة والفرار .
فبينما هم كذلك وإذا بقدوم شركان بعساكر المسلمين ورايات الموحدين ، فلما أقبل عليهم شركان حمل على الكفار وتبعه ضوء المكان وحمل بعدهما الوزير دندان وكذلك أمير ديلم بهرام ورستم وأخوه تركاش ، فإنهم لما رأوا ذلك طارت عقولهم وغاب معقولهم وثار الغبار حتى ملأ الأقطار واجتمعت واجتمع المسلمون الأخيار بأصحابهم الأبرار واجتمع شركان بالحاجب فشكره على صبره وهنأه بتأييده ونصره وفرحت المسلمون وقويت قلوبهم وحملوا على أعدائهم وأخلصوا لله في جهادهم ، فلما نظر الكفار إلى الرايات المحمدية وعليها كلمة الإخلاص الإسلامية وصاحوا بالويل والثبور واستغاثوا ببطارقة الدبور ونادوا يوحنا ومريم والصليب وانقبضت أيديهم عن القتال وقد أقبل الملك أفريدون على ملك الروم وصار أحدهما إلى الميمنة والآخر في الميسرة وعندهم فارس مشهور يسمى لاويا فوقف وسطاً واصطفوا للنزال وإن كانوا في فزع وزلزال ثم صفت المسلمون عساكرهم .
فعند ذلك أقبل شركان على أخيه ضوء المكان وقال له :
يا ملك الزمان لا شك أنهم يريدون البراز وهذا غاية مرادنا ولكن أحب أن أقدم من العسكر من له عزم ثابت فإن التدبير نصف المعيشة .
فقال السلطان :
ماذا تريد يا صاحب الرأي السديد ?
فقال شركان :
أريد أن أكون في قلب عسكر الكفار وأن يكون الوزير دندان في الميسرة وأنت في الميمنة والأمير بهرام في الجناح الأيمن والأمير رستم في الجناح الأيسر وأنت أيها الملك العظيم تكون تحت الأعلام والرايات لأنك عمادنا وعليك بعد الله اعتمادنا ونحن كلنا نفديك من كل أمر يؤذيك .
فشكره ضوء المكان على ذلك وارتفع الصياح وجردت الصفاح .
فبينما هم كذلك وإذا بفارس قد ظهر من عسكر الروم فلما قرب رأوه راكباً على بغلة قطوف تفر بصاحبها من وقع السيوف وبردعتها من أبيض الحرير وعليها سجادة من شغل كشمير وعلى ظهرها شيخ مليح الشيبة ظاهر الهيبة عليه مدرعة من الصوف الأبيض ولم يزل يسرع بها وينهض حتى قرب من عسكر المسلمين وقال :
إني رسول إليكم أجمعين وما على الرسول إلا البلاغ فأعطوني الأمان والإقالة حتى أبلغكم الرسالة .
فقال له شركان :
لك الأمان فلا تخش حرب سيف ولا طعن سنان .
فعند ذلك ترجل الشيخ وقلع الصليب من عنقه بين يدي السلطان وخضع له خضوع راجي الإحسان فقال له المسلمون :
ما معك من الأخبار ?
فقال :
إني رسول من عند الملك أفريدون فإني نصحته ليمتنع عن تلف هذه الصور والهياكل الرحمانية وبينت له أن الصواب حقن الدماء والاقتصار على فارسين في الهيجاء فأجابني إلى ذلك وهو يقول لكم :
إني فديت عسكري بروحي فليفعل ملك المسلمين مثلي ويفدي عسكره بروحه فإن قتلني فلا يبقى لعسكر الكفار ثبات وإن قتله فلا يبقى لعسكر المسلمين ثبات .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





الليلة الخامسة والعشرين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن رسول الملك أفريدون لما قال للمسلمين :
إن قتل ملك المسلمين فلا يبقى لعسكره ثبات .
فلما سمع شركان هذا الكلام قال :
يا راهب إنا أجبناه إلى ذلك فإن هذا هو الإنصاف فلا يكون منه خلاف وها أنا أبرز إليه وأحمل عليه فإني فارس المسلمين غير المفر فارجع إليه أيها الراهب وقل له أن البراز في غد لأننا أتينا من سفرنا على تعب في هذا اليوم وبعد الراحة لا عتب ولا لوم .
فرجع الراهب وهو مسرور حتى وصل إلى الملك أفريدون وملك الروم وأخبرهما ففرح الملك أفريدون وملك الروم غاية الفرح وزال الهم والترح ، وقال في نفسه :
لا شك أن شركان هذا هو أضربهم بالسيف وأطعنهم بالسنان فإذا قتلته انكسرت همتهم وضعفت قوتهم .
وقد كانت ذات الدواهي كاتبت الملك أفريدون بذلك ، وقالت له :
إن شركان هو فارس الشجعان وشجاع الفرسان .
وحذرت أفريدون من شركان وكان أفريدون فارساً عظيماً لأنه كان يقاتل بأنواع القتال ويرمي بالحجارة والنبال ويضرب بالعمود الحديد ، ولا يخشى من البأس الشديد .
فلما سمع قول الراهب من أن شركان أجاب إلى البراز كاد أن يطير من شدة الفرح لأنه واثق بنفسه ويعلم أنه لا طاقة لأحد به ، ثم بات الكفار تلك الليلة في فرح وسرور وشرب خمور فلما كان الصباح أقبلت الفوارس بسمر الرماح وبيض الصفاح وإذا هم بفارس قد برز في الميدان وهو راكب على جواد من الخيل الجياد معد للحرب والجلاد وله قوائم شداد وعلى ذلك الفارس درع من الحديد معد للبأس الشديد وفي صدره مرآة من الجوهر وفي يده صارم أبتر وقنطارته خلنجية من غريب عمل الإفرنج أن الفارس كشف عن وجهه وقال :
من عرفني فقد اكتفاني ومن لم يعرفني فسوف يراني ، أنا أفريدون المغمور ببركة شواهي ذات الدواهي .
فما تم كلامه حتى خرج في وجهه فارس المسلمين شركان وهو راكب على جواد أشقر يساوي ألفاً من الذهب الأحمر وعليه عدة مزركشة بالدرر والجوهر وهو متقلد بسيف هندي مجوهر يقد الرقاب ويهون الأمور الصعاب .
ثم ساق جواده بين الصفين والفرسان تنظره بالعين ثم نادى أفريدون ، وقال له :
ويلك يا ملعون أتظنني كمن لاقيت من الفرسان ولا يثبت معك في حومة الميدان .
ثم حمل كل منهما على صاحبه فصار الاثنان كأنهما جبلان يصطدمان أو بحران يلتطمان ثم تقاربا وتباعدا والتصقا وافترقا ولم يزالا في كر وفر وهزل وجد وضرب وطعن والجيشان ينظران إليهما وبعضهم يقول :
إن شركان غالب .
والبعض يقول :
إن أفريدون غالب .
ولم يزل الفارسان على هذا الحال حتى بطل القيل والقال وعلا الغبار وولى النهار ومالت الشمس إلى الاصفرار وصاح الملك افريدون على شركان وقال :
وحق المسيح والاعتقاد الصحيح ما أنت إلا فارس كرار وبطل مغوار غير أنك غدار وطبعك ما هو إلا طبع الأخيار لأني أرى فعالك غير حميدة وقتالك قتال الصناديد ، وقومك ينسبونك إلى العبيد ، وها هم أخرجوا لك غير جوادك وتعود إلى القتال وإني حق ديني قد أعياني قتالك وأتعبني ضربك وضمانك فإن كنت تريد قتالي في هذه الليلة فلا تغير شيئاً من عدتك ولا جودتك ، حتى يظهر الفرسان كرمك وقتالك .
فلما سمع شركان هذا الكلام اغتاظ من قول أصحابه في حقه ، حيث ينسبونه إلى العبيد ، فالتفت إليهم شركان وأراد أن يسير إليهم ويأمرهم أن لا يغيروا له جواداً ولا عدة وإذا بأفريدون هز حربته وأرسلها إلى شركان فالتفت وراءه فلم يجد أحداً فعلم أنها حيلة من الملعون فرد وجهه بسرعة وإذا بالحربة قد أدركته فمال عنها حتى ساوى برأسه قربوس سرجه فجرت الحربة على صدره وكان شركان عالي الصدر فكشطت الحربة جلدة صدره ، فصاح صيحة واحدة وغاب عن الدنيا ففرح الملعون أفريدون بذلك وعرف أنه قد قتل فصاح على الكفار ونادى بالفرح فهاجت أهل الطغيان وبكت أهل الإيمان فلما رأى ضوء المكان أخاه مائلاً على الجواد حتى كاد أن يقع أرسل نحوه الفرسان فتسابقت إليه الأبطال وأتوا به إليه وحملت الكفار على المسلمين والتقى الجيشان واختلط الصفان وعمل اليماني وكان أسبق الناس إلى شركان الوزير دندان .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه
حمودي2009 غير متصل  
قديم 02-08-2009, 12:10 PM   #13 (permalink)
حمودي2009
رومانسي مجتهد
 
الصورة الرمزية حمودي2009
 


الليلة السادسة والعشرين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الملك ضوء المكان لما رأى اللعين قد ضرب أخاه شركان بالحربة ظن أنه مات فأرسل إليه الفرسان وكان أسبق الناس إليه الوزير دندان وأمير الترك بهرام وأمير الديلم فلحقوه وقد مال عن جواده فأسندوه ورجعوا به إلى أخيه ضوء المكان .
ثم أوصوا الغلمان وعادوا إلى الحرب والطعان واشتد النزال وتقصفت النصال وبطل القيل والقال فلا يرى إلا دم سائل وعنق مائل ولم يزل السيف يعمل في الأعناق واشتد الشقاق إلى أن أقبل الليل وكلت الطائفتان عن القتال فنادوا بالانفصال ورجعت كل طائفة إلى خيامها وتوجه جميع الكفار إلى ملكهم أفريدون وقبلوا الأرض بين يديه وهنأه القسوس والرهبان بظفره بشركان .
ثم إن الملك أفريدون دخل القسطنطينية وجلس على كرسي مملكته وأقبل عليه ملك الروم وقال له :
قوى المسيح ساعدك واستجاب من الأم الصالحة ذات الدواهي ما تدعو به لك واعلم أن المسلمين ما بقي لهم إقامة بعد شركان .
فقال أفريدون :
في غد يكون الانفصال إذا خرجت إلى النزال وطلبت ضوء المكان وقتلته فإن عسكرهم يولون الأدبار ويركنون إلى الفرار .
هذا ما كان من أمر الكفار .
وأما ما كان من أمر عساكر الإسلام فإن ضوء المكان لما رجع إلى الخيام لم يكن له شغل إلا بأخيه فلما دخل عليه وجده في أسوأ الأحوال وأشد الأهوال فدعا بالوزير دندان ورستم وبهرام للمشورة فلما دخلوا عليه اقتضى رأيهم إحضار الحكماء لعلاج شركان ثم بكوا وقالوا :
لم يسمح بمثله الزمان .
وسهروا عنده تلك الليلة وفي آخر الليل أقبل عليهم الزاهد وهو يبكي فلما رآه ضوء المكان قام إليه فملس بيده على أخيه وتلى شيئاً من القرآن ، وعوذه بآيات الرحمن وما زال سهراناً عنده إلى الصباح فعند ذلك استفاق شركان وفتح عينيه وأدار لسانه في فمه وتكلم ففرح السلطان ضوء المكان وقال :
قد حصلت له بركة الزاهد .
فقال شركان :
الحمد لله على العافية فإنني بخير في هذه الساعة وقد عمل علي هذا الملعون حيلة ولولا أني زغت أسرع من البرق لكانت الحربة نفذت في صدري فالحمد لله الذي نجاني وكيف حال المسلمين ؟
فقال ضوء المكان :
هم في بكاء من أجلك .
فقال :
إني بخير وعافية وأين الزاهد ؟
وهو عند رأسه قاعد ، فقال له :
عند رأسك .
فقام إليه وقبل يديه ، فقال الزاهد :
يا ولدي عليك بجميل الصبر يعظم الله لك الأجر فإن الأجر على قدر المشقة .
فقال له شركان :
ادع لي .
فدعا له .
فلما أصبح الصباح وبان الفجر ولاح برزت المسلمون إلى ميدان الحرب وتهيأ الكفار للطعن والضرب ، وتقدمت عساكر المسلمين فطلبوا الحرب والكفاح وجردوا السلاح وأراد الملك ضوء المكان وأفريدون أن يحملا على بعضهما وإذا بضوء المكان :
نحن فداك .
فقال لهم :
وحق البيت الحرام وزمزم والمقام لا اقعد عن الخروج إلى هؤلاء العلوج .
فلما صار في الميدان لعب بالسيف والسنان حتى أذهل الفرسان وتعجب الفريقان وحمل في الميمنة فقتل منها بطريقين وفي الميسرة فقتل منها بطريقين ونادى في وسط الميدان :
أين أفريدون حتى أذيقه عذاب الهوان .
فأراد الملعون أن يولي وهو مغبون فأقسم عليه ضوء المكان أن لا يبرح من الميدان وقال له :
يا ملك بالأمس كان قتال أخي واليوم قتالي وأنا بشجاعتك لا أبالي .
ثم خرج وبيده صارم وتحته حصان كأنه عنتر في حومة الميدان وذلك الحصان أدهم مغاير كما قال فيه الشاعر :
قد سابق الطرف بطرف سابـق ........ كأنـه يريد إدراك الـقـدر
دهمته تبدي سـواداً حـالـكـا ........ كأنها ليل إذا اللـيل عـكـر
صهيله يزعج مـن يسـمـعـه ........ كأنه الرعد إذا الرعد زجـر
لو تسابق الريح جرى من قبلها ........ والبرق لا يسبقه إذا ظـهـر
ثم حمل كل منهما على صاحبه ، واحترس من مضاربه وأظهر ما في بطنه من عجائبه وأخذا في الكر والفر حتى ضاقت الصدر وقل الصبر للمقدور وصاح ضوء المكان وهجم على ملك القسطنطينية أفريدون وضربه ضربة أطاح بها رأسه وقطع أنفاسه ، فلما نظرت الكفار إلى ذلك حملوا جميعاً عليه وتوجهوا بكليتهم إليه فقابلهم في حومة الميدان واستمر الضرب والطعان حتى سال الدم بالجريان وضج المسلمون بالتكبير والتهليل والصلاة على البشير النذير وقاتلوا قتالاً شديداً وأنزل الله النصر على المؤمنين والخزي على الكافرين ، وصاح الوزير دندان :
خذوا بثأر الملك عمر النعمان وثار ولده شركان .
وكشف برأسه وصاح :
يا للأتراك .
وكان بجانبه أكثر من عشرين ألف فارس فحملوا معه حملة واحدة فلم يجد الكفار لأنفسهم غير الفرار وتولي الأدبار وعمل فيهم الصارم البتار فقتل منهم نحو خمسين ألف فارس وأسروا ما يزيد على ذلك ، وقتل عند دخول الباب خلق كثير من شدة الزحام ، ثم أغلقوا الباب وطلعوا فوق الأسوار وخافوا خوف العذاب وعادت طوائف المسلمين مؤيدين منصورين وأتوا خيامهم ودخل ضوء المكان على أخيه فوجده في أسر الأحوال فسجد وشكر الكريم المتعال ثم أقبل عليه وهنأه بالسلامة .
فقال شركان :
إننا كلنا في بركة هذا الزاهد الأواب ما انتصرنا إلا بدعائه المستجاب ، فإنه لم يزل قاعداً يدعو للمسلمين بالنصر .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





الليلة السابعة والعشرين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الملك ضوء المكان لما دخل علي أخيه شركان وجده جالساً والعابد عنده ففرح وأقبل عليه وهنأه بالسلامة ثم إن شركان قال :
إننا كلنا في بركة هذا الزاهد وما انتصرتم إلا بدعائه لكم فإنه ما برح اليوم يدعو للمسلمين وكنت قد وجدت في نفسي قوة حين سمعت تكبيركم فعلمت أنكم منصورون على أعدائكم فاحك لي يا أخي ما وقع لك .
فحكى له جميع ما وقع له مع الملك الملعون أفريدون وأخبره أنه قتله وراح إلى لعنة الله فأثنى عليه وشكر مسعاه فلما سمعت ذات الدواهي وهي في صفة الزاهد بقتل ولدها أفريدون انقلب لونها بالاصفرار وتغرغرت عيناها بالدموع الغزار ولكنها أخفت ذلك وأظهرت للمسلمين أنها فرحت وأنها تبكي من شدة الفرح ثم إنها قالت في نفسها :
وحق المسيح ما بقي في حياتي فائدة إن لم أحرق قلبه على أخيه شركان ، كما أحرق قلبي على عماد الملة النصرانية والعبادة الصليبية الملك أفريدون .
ولكنها كفت ما بها .
ثم إن الوزير دندان والملك ضوء المكان والحاجب استمروا جالسين عند الملك شركان حتى عملوا له اللزق وأعطوه الدواء فتوجهت إليه العافية وفرحوا بذلك فرحاً شديداً وأعلموا به العساكر فتباشر المسلمون وقالوا في غد يركب معنا ويباشر الحصار ، ثم إن شركان قال لهم :
إنكم قاتلتم اليوم وتعبتم من القتال فينبغي أن تتوجهوا إلى أماكنكم وتناموا ولا تسهروا .
فأجابوه إلى ذلك وتوجه كل منهم إلى صرادقه وما بقي عند شركان سوى قليل من الغلمان والعجوز ذات الدواهي فتحدث معها قليلاً من الليل ، ثم اضطجع لينام وكذلك الغلمان ، فلما غلب عليهم النوم صاروا مثل الأموات .
هذا ما كان من أمر شركان وغلمانه .
وأما ما كان من أمر العجوز ذات الدواهي فإنها بعد نومهم صارت يقظانة وحدها في الخيمة نظرت إلى شركان فوجدته مستغرقاً في النوم ، فوثبت على قدميها كأنها دبة معطاء أو آفة نقطاء وأخرجت من وسطها خنجراً مسموماً لو وضع على صخرة لأذابها ثم جردته من غمده وأتت عند رأس شركان وجردته على رقبته فذبحته وأزالت رأسه عن جسده ثم وثبت على قدميها وأتت إلى الغلمان النيام وقطعت رؤوسهم لئلا ينتبهوا ثم خرجت من الخيمة وأتت إلى خيام السلطان ، فوجدت الحراس غير نائمين فمالت إلى خيمة الوزير دندان فوجدته يقرأ القرآن فوقعت عينه عليها فقال :
مرحباً بالزاهد العابد .
فلما سمعت ذلك من الوزير ارتجف قلبها وقالت له :
إن سبب مجيئي إلى هنا في هذا الوقت أني سمعت صوت ولي من أولياء الله وأنا ذاهب إليه .
ثم ولت .
فقال الوزير دندان في نفسه :
والله لأتبع هذا الزاهد في هذه الليلة .
فقام ومشى خلفها ، فلما أحست الملعونة بمشيه عرفت أنه وراءها فخشيت أن تفتضح وقالت في نفسها :
إن لم أخدعه بحيلة فإني أفتضح .
فأقبلت إليه وقالت :
أيها الوزير إني سائر خلف هذا الولي لأعرفه وبعد أن أعرفه أستأذنه في مجيئك إليه وأقبل عليك وأخبرك لأني أخاف أن تذهب معي بغير استئذان للولي فيحصل له نفرة مني إذا رآك معي .
فلما سمع الوزير كلامها استحى أن يرد عليها جواباً فتركها ورجع إلى خيمته وأراد أن ينام فما طاب له منام وكادت الدنيا أن تنطبق عليه فقام وخرج من خيمته وقال في نفسه :
أنا أمضي إلى شركان وأتحدث معه إلى الصباح فسار إلى أن دخل خيمة شركان فوجد الدم سائلاً منه كالقناة ونظر الغلمان مذبوحين فصاح صيحة أزعجت كل من كان نائماً ، فتسارعت الخلق إليه فرأوا الدم سائلاً فضجوا بالبكاء والنحيب .
فعند ذلك استيقظ السلطان ضوء المكان وسأل عن الخبر فقيل له :
إن شركان أخاك والغلمان مقتولون .
فقام مسرعاً إلى أن دخل الخيمة ، فوجد الوزير دندان يصيح ووجد جثة أخيه بلا رأس فغاب عن الدنيا وصاحت كل العساكر وبكوا وداروا حول ضوء المكان ساعة حتى استفاق ثم نظر إلى شركان وبكى بكاء شديداً وفعل مثله الوزير ورستم وبهرام ، وأما الحاجب فإنه صاح وأكثر من النواح ، ثم طلب الارتحال لما به من الأوجال فقال الملك :
أما علمتم بالذي فعل بأخي هذه الأفعال ومالي لا أرى الزاهد الذي عن متاع الدنيا متباعد ?
فقال الوزير :
ومن جلب هذه الأحزان إلا هذا الزاهد الشيطان فوالله إن قلبي نفر منه في الأول والآخر لأنني أعرف أن كل متنطح في الدين خبيث ماكر .
ثم إن الناس ضبوا بالبكاء والنحيب ، وتضرعوا إلى القريب المجيب أن يوقع في أيديهم ذلك الزاهد الذي هو لآيات الله جاحد ، ثم جهزوا شركان ودفنوه في الجبل المذكور وحزنوا على فضله المشهور .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه




الليلة الثامنة والعشرين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الملعونة لما فرغت عن الداهية التي عملتها والمخازي التي لنفسها أبدتها ، أخذت دواة وقرطاساً وكتبت فيه :
من عند شواهي ذات الدواهي إلى حضرة المسلمين أعلموا أني دخلت بلادكم وغششت بلؤمي كرامكم وقتلت سابقاً ملككم عمر النعمان في وسط قصره وقتلت أيضاً في واقعة الشعب والمغارة رجالاً كثيرة وآخر من قتلته بمكري ودهائي وغدري شركان وغلمانه ، ولو ساعدني الزمان وطاوعني الشيطان كنت قتلت السلطان والوزير دندان وأنا الذي أتيت إليكم في زي الزاهد ، وانطلت عليكم من الحيل والمكايد فإن شئتم سلامتكم بعد ذلك فارحلوا وإن شئتم هلاك أنفسكم فعن الإقامة لا تعدلوا فلو أقمتم سنين وأعواماً ، لا تبلغون منا مراماً .
وبعد أن كتبت الكتاب أقامت في حزنها على الملك أفريدون ثلاثة أيام وفي اليوم الرابع دعت بطريقاً وأمرته أن يأخذ الورقة ويضعها في سهم ويرميها إلى المسلمين .
ثم دخلت الكنيسة وصارت تندب وتبكي على فقد أفريدون وقالت :
لمن تسلطن بعده لا بد أن أقتل ضوء المكان وجميع أمراء الإسلام .
هذا ما كان من أمرها .
وأما ما كان من أمر المسلمين فإنهم أقاموا ثلاثة أيام في هم واغتمام وفي اليوم الرابع نظروا إلى ناحية السور وإذا ببطريق معه سهم نشاب ، وفي عرفه كتاب فصبروا عليه حتى رماه إليهم فأمر السلطان الوزير دندان أن يقرأه ، فلما قرأه وسمع ما فيه وعرف معناه هملت بالدموع عيناه ، وصاح وتضجر من مكرها وقال الوزير :
والله لقد كان قلبي نافراً منها .
فقال السلطان :
وهذه العاهرة كيف عملت علينا الحيلة مرتين والله لا أحول من هنا حتى أملأ فرجها بمسيح الرصاص وأسجنها سجن الطير في الأقفاص وبعد ذلك أصلبها من شعرها على باب القسطنطينية .
ثم تذكر أخاه فبكى بكاء شديداً .
ثم إن الكفار لما توجهت لهم ذات الدواهي وأخبرتهم بما حصل فرحوا بقتل شركان وسلامة ذات الدواهي .
ثم إن المسلمين رجعوا على باب القسطنطينية . ووعدهم السلطان أنه إذا فتح المدينة يفرق أموالها عليهم بالسوية .
هذا والسلطان لم تجف دموعه حزناً على أخيه واعترى جسمه الهزال حتى صار كالخلال فدخل عليه الوزير دندان وقال له :
طب نفساً وقر عيناً فإن أخاك ما مات إلا بأجله وليس في هذا الحزن فائدة وما أحسن قول الشاعر :
ما لا يكون فلا يكون بحـيلة ........ أبداً وما هو كائن سيكـون
سيكون ما هو كائن في وقته ........ وأخو الجهالة دائماً مغبون
فدع البكاء والنواح وقو قلبك لحمل السلاح .
فقال :
يا وزير إن قلبي مهموم من أجل موت أبي وأخي ومن أجل غيابنا عن بلادنا فإن خاطري مشغول برعيتي .
فبكى الوزير هو والحاضرون وما زالوا مقيمين على حصار القسطنطينية مدة من الزمان فبينما هم كذلك وإذا بالأخبار وردت عليهم من بغداد صحبة أمير من أمرائه مضمونها ، إن زوجة الملك ضوء المكان رزقت ولداً وسمته نزهة الزمان أخت الملك كان ما كان ولكن هذا الغلام سيكون له شأن بسبب ما رأوه من العجائب والغرائب وقد أمرت العلماء والخطباء أن يدعوا لكم على المنابر ودبر كل صلاة ، وإننا طيبون بخير والأمطار كثيرة إن صاحبك الوقاد في غاية النعمة الجزيلة وعنده الخدم والغلمان ولكنه إلى الآن لم يعلم بما جرى لك والسلام .
فقال له ضوء المكان :
اشتد ظهري حيث رزقت ولداً اسمه كان ما كان .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





الليلة التاسعة والعشرين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الملك قال للوزير دندان :
إني أريد أن أترك هذا الحزن وأعمل لأخي ختمات وأموراً من الخيرات .
فقال الوزير :
نعم ما أردت .
ثم أمر بنصب الخيام على قبر أخيه ، فنصبوها وجمعوا من العسكر من يقرأ القرآن فصار بعضهم يذكر الله إلى الصباح ، ثم إنهم انصرفوا إلى الخيام وأقبل السلطان على الوزير دندان وأخذا يتشاورون في أمر القتال واستمرا على ذلك أياماً وليالي وضوء المكان يتضجر من الهم والأحزان ثم قال :
إني أشتهي سماع أخبار الناس وأحاديث الملوك ، وحكايات المتيمين لعل الله يفرج ما بقلبي من الهم الشديد ويذهب عني البكاء والمديد .
فقال الوزير :
إن كان ما يفرج همك أسماع قصص الملوك من نوادر الأخبار وحكايات المتقدمين من المتيمين وغيرهم فإن هذا الأمر سهل لأنني لم يكن لي شغل في حياة المرحوم والدك إلا الحكايات والأشعار وفي هذه الليلة أحدثك بخبر العاشق والمعشوق لأجل أن ينشرح صدرك .
فلما سمع ضوء المكان كلام الوزير دندان تعلق قلبه بما وعده به ولم يبق له اشتغال إلا بانتظار مجيء الليل لأجل أن يسمع ما يحكيه الوزير دندان ، من أخبار المتقدمين من الملوك والمتيمين فما صدق أن الليل أقبل ، حتى أمر بإيقاد الشموع والقناديل وإحضار ما يحتاجون إليه من الأكل والشرب وآلات البخور فأحضروا له جميع ذلك ، ثم أرسل إلى الوزير دندان فحضر وأرسل إلى بهرام رستم وتركاش والحاجب الكبير فحضروا .
فلما حضروا جميعهم بين يديه التفت إلى الوزير دندان وقال له :
اعلم أيها الوزير أن الليل قد أقبل وسدل جلابيته علينا وأسبل ، ونريد أن تحكي لنا ما وعدتنا من الحكايات .
فقال الوزير :
حباً وكرامة .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه






الليلة الثلاثين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الملك ضوء المكان ، لما حضر الوزير والحاجب ورستم وبهرام التفت إلى الوزير دندان وقال للوزير :
اعلم أيها الوزير أن الليل قد أقبل وأسدل جلابيبه علينا وأسبل ونريد أن تحكي لنا ما وعدتنا به من الحكايات .
فقال الوزير :
حباً وكرامة .
ثم قال الوزير دندان :
اعلم أيها الملك السعيد أنه كان في سالف الزمان مدينة وراء جبال أصبهان يقال لها المدينة الخضراء وكان بها ملك يقال له الملك سليمان وكان صاحب جود وإحسان وعدل وأمان وفضل وامتنان وسارت إليه الركبان من كل مكان وشاع ذكره في سائر الأقطار والبلدان وأقام في المملكة مدة مديدة من الزمان وهو في عز وأمان إلا أنه كان خالياً من الأولاد والزوجات وكان له وزير يقاربه في الصفات من الجود والهبات فاتفق أنه أرسل إلى وزيره يوماً من الأيام وأحضره بين يديه وقال له :
يا وزير إنه ضاق صدري وعيل صبري وضعف مني الجلد لكوني بلا زوجة ولا ولد وما هذا سبيل الملوك الحكام على كل أمير وصعلوك فإنهم يفرحون بخلفة الأولاد وتتضاعف لهم بهم العدد والأعداد وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم تناكحوا وتناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة فما عندك من الرأي يا وزير فأشر علي بما فيه النصح من التدبير .
فلما سمع الوزير ذلك الكلام فاضت الدموع من عينيه بالانسجام وقال :
هيهات يا ملك الزمان أن أتكلم فيما هو خصائص الرحمن أتريد أن أدخل النار بسخط الملك الجبار ?
فقال له الملك :
اعلم أيها الوزير أن الملك إذا اشترى جارية لا يعلم حسبها ولا يعرف نسبها فهو لا يدري خساسة أصلها ، حتى يجتنبها ولا شرف عنصرها حتى يتسرى بها أفضى إليها ربما حملت منه فيجيء الولد منافقاً ظالماً سفاكاً للدماء ويكون مثلها مثل الأرض السخية إذا زرع فإنه يخبث نباته ولا يحسن نباته وقد يكون ذلك الولد متعرضاً لسخط مولاه ولا يفعل ما أمره به ولا يجتنب ما عنه نهاه فأنا لا أسبب في هذا بشراء جارية أبداً وإنما مرادي أن تخطب لي بنتاً من بنات الملوك يكون نسبها معروفاً وجمالها موصوفاً فإن دلتني على ذات النسب والدين من بنات ملوك المسلمين فإني أخطبها وأتزوج بها على رؤوس الأشهاد ليحصل لي بذلك رضا رب العباد .
فقال له الوزير :
إن الله قضى حاجتك وبلغك أمنيتك .
فقال له :
وكيف ذلك ?
فقال له :
اعلم أيها الملك أنه بلغني أن الملك زهر شاه صاحب الأرض البيضاء له بنت بارعة في الجمال يعجز عن وصفها القيل والقال ولم يوجد لها في هذا الزمان مثيل لأنها في غاية الكمال قويمة الاعتدال ذات طرف كحيل وشعر طويل وخصر نحيل وردف ثقيل إن أقبلت فتنت وإن أدبرت قتلت تأخذ القلب والناظر إليها كما قال الشاعر :
هيفاء يخجل غصن البان قامـتـها ........ لم يحك طلعتها شمـس ولا قمـر
كأنما ريقـها شهـد وقـد مـزجت ........ به المدامة ولكن ثـغـرهـا درر
ممشوقة القد من حور الجنان لـها ........ وجه جميل وفي ألحاظـهـا حور
وكم لها من قتيل مات كيد من كمـد ........ وفي طريق هواها الخوف والخطر
إن عشت فهي المنى ما شئت أذكرها ........ أو مت من دونها لم يجدني العمر
فلما فرغ الوزير من وصف تلك الجارية قال للملك سليمان شاه :
الرأي عندي أيها الملك أن ترسل إلى أبيها رسولاً فطناً خبيراً بالأمور مجرباً لتصاريف الدهور ليتلطف في خطبتها لك من أبيها فإنها لا نظير لها في قاصي الأرض ودانيها وتحظى منها بالوجه الجميل ويرضى عليك الرب الجليل ، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
لا رهبانية في الإسلام .
فعند ذلك توجه إلى الملك كمال الفرح واتسع صدره وانشرح وزال عنه الهم والغم ، ثم أقبل على الوزير وقال :
اعلم أيها الوزير أنه لا يتوجه لهذا الأمر إلا أنت لكمال عقلك وأدبك ، فقم إلى منزلك واقض أشغالك وتجهز في غد واخطب لي هذه البنت التي أشغلت بها خاطري ولا تعد لي إلا بها .
فقال :
سمعاً وطاعة .
ثم إن الوزير توجه إلى منزله واستدعى بالهدايا التي تصلح للملوك من ثمين الجواهر ونفيس الذخائر وغير ذلك مما هو خفيف في الحمل وثقيل في الثمن ومن الخيل العربية والدروع الداودية وصناديق المال التي يعجز عن وصفها المقال ، ثم حملوها على البغال والجمال وتوجه الوزير ومعه مائة مملوك ومائة جارية وانتشرت على رأسه الرايات والأعلام وأوصاه الملك أن يأتي إليه في مدة قليلة من الأيام .
وبعد توجهه صار الملك سليمان شاه على مقالي النار مشغولاً بحبها في الليل والنهار وسار الوزير ليلاً نهاراً يطوي برار وأقفار حتى بقي بينه وبين المدينة التي هو متوجه إليها يوم واحد ، ثم نزل شاطئ نهر واحضر بعض خواصه وأمره أن يتوجه إلى الملك زهر شاه بسرعة ويخبره بقدومه عليه فقال :
سمعاً وطاعة .
ثم توجه بسرعة إلى تلك المدينة فلما قدم عليها وافق قدومه أن الملك زهر شاه كان جالساً في بعض المنتزهات قدام باب المدينة فرآه وهو داخل وعرف أنه غريب فأمر بإحضاره بين يديه ، فلما حضر الرسول وأخبره بقدوم وزير الملك الأعظم سليمان شاه صاحب الأرض الخضراء وجبال أصفهان ففرح الملك زهر شاه ورحب بالرسول وأخذه وتوجه إلى قصره وقال :
أين فارقت الوزير ?
فقال :
فارقته على شاطئ النهر الفلاني وفي غد يكون واصلاً إليك وقادماً عليك أدام الله نعمته عليك ورحم والديك .
فأمر زهر شاه بعض وزرائه أن يأخذ معظم خواصه وحجابه ونوابه وأرباب دولته ويخرج بهم إلى مقابلته تعظيماً للملك سليمان شاه لأن حكمه نافذ في الأرض .
هذا ما كان من أمر الملك زهر شاه .
وأما ما كان من أمر الوزير فإنه استقر في مكان إلى نصف الليل ثم رحل متوجهاً إلى المدينة فلما لاح الصباح وأشرقت الشمس على الروابي والبطاح لم يشعر إلا ووزير الملك زهر شاه وحجابه وأرباب دولته وخواص مملكته قدموا عليه واجتمعوا به على فراسخ من المدينة فأيقن الوزير بقضاء حاجته وسلم على الذين قابلوه ولم يزالوا سائرين قدامه حتى وصلوا إلى قصر الملك ودخلوا بين يديه في باب القصر إلى سابع دهليز وهو المكان الذي لا يدخله الراكب لأنه قريب من الملك فترجل الوزير وسعى على قدميه حتى وصل إلى إيوان عال وفي صدر ذلك الإيوان سرير من المرمر مرصع بالدر والجوهر وله أربعة قوائم من أنياب الفيل وعلى ذلك السرير مرتبة من الأطلس الأخضر مطرزة بالذهب لأحمر ومن فوقها سرادق بالدر والجوهر والملك زهر شاه جالس على ذلك السرير وأرباب دولته واقفون في خدمته .
فلما دخل الوزير عليه وصار بين يديه ثبت جنانه وأطلق لسانه وأبدى فصاحة الوزراء وتكلم بكلام البلغاء .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه






الليلة الحادية والثلاثين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن وزير الملك سليمان شاه لما دخل على الملك زهر شاه قربه الملك زهر شاه وأكرمه غاية الإكرام وأجلسه بجابنه وتبسم في وجهه وشرفه بلطيف الكلام ولم يزالا على ذلك إلى وقت الصباح .
ثم قدموا السماط في ذلك الإيوان فأكلوا جميعاً حتى اكتفوا ، ثم رفع السماط وخرج كل من في المجلس ولم يبق إلا الخواص ، فلما رأى الوزير خلو المكان نهض قائماً على قدميه وأثنى على الملك وقبل الأرض بين يده ثم قال :
أيها الملك الكبير والسيد الخطير إني سعيت إليك وقدمت عليك في أمر لك فيه الصلاح والخير والفلاح وهو أني قد أتيتك رسولاً خاطباً وفي بنتك الحسيبة النسيبة راغباً من عند الملك سليمان شاه صاحب العدل والأمان والفضل والإحسان ملك الأرض الخضراء وجبال أصفهان وقد أرسل إليك الهدايا الكثيرة والتحف الغزيرة وهو في مصاهرتك راغب ، فهل أنت له كذلك طالب .
ثم سكت ينتظر الجواب .
فلما سمع الملك زهر شاه ذلك الكلام نهض قائماً على الأقدام ولثم الأرض باحتشام فتعجب الحاضرون من خضوع الملك للرسول واندهشت منهم العقول ثم إن الملك أثنى على ذي الجلال والإكرام وقال وهو في حالة القيام :
أيها الوزير المعظم والسيد المكرم اسمع ما أقول :
إننا للملك سليمان شاه من جملة رعاياه ونتشرف بنسبه وننافس فيه وابنتي جارية من جملة جواريه وهذا أجل مرادي ليكون ذخري واعتمادي .
ثم إنه أحضر القضاة والشهود شهدوا أن الملك سليمان شاه وكل وزيره في الزواج وتولى الملك زهر شاه عقد ابنته بابتهاج ، ثم إن القضاة أحكموا عقد النكاح ودعوا لهما بالفوز والنجاح ، فعند ذلك قام الوزير وأحضر ما جاء به من الهدايا ونفائس التحف والعطايا وقدم الجميع للملك زهر شاه ، ثم إن الملك أخذ في تجهيز ابنته وإكرام الوزير وعم بولائمه العظيم والحقير واستمر في إقامة الفرح مدة شهرين ولم يترك فيه شيئاً مما يسر القلب والعين ، ولما تم ما تحتاج إليه العروس أمر بإخراج الخيام فضربت بظاهر المدينة وعبوا القماش في الصناديق وهيأوا الجواري الروميات والوصائف التركيات .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





الليلة الثانية والثلاثين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد ثم إنهم أحضروا الوصائف التركيات وأصحب العروسة بنفيس الذخائر وثمين الجواهر ثم صنع محفة من الذهب الأحمر مرصعة بالدر والجوهر وأفرد لها عشرة بغال للمسير وصارت تلك المحفة كأنها مقصورة من المقاصير وصاحبتها كأنها حورية من الحور الحسان وخدرها كقصر من قصور الجنان ثم حزموا الذخائر والأموال وحملوها على البغال والجمال وتوجه الملك زهر شاه معهم قدر ثلاثة فراسخ ، ثم ودع ابنته وودع الوزير ومن معه ورجع إلى الأوطان في فرح وأمان وتوجه الوزير بابنة الملك وسار ولم يزل يطوي المراحل والقفار .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه






الليلة الثالثة والثلاثين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير توجه بابنة الملك وسار ولم يزل يطوي المراحل والقفار ويجد المسير في الليلة والنهار حتى بقي بينه وبين بلاده ثلاثة أيام ثم أرسل إلى الملك سليمان شاه من يخبره بقدوم العروسة فأسرع الرسول بالسير حتى وصل إلى الملك وأخبره بقدوم العروسة ففرح الملك سليمان شاه وخلع على الرسول وأمر عساكره أن يخرجوا في موكب عظيم إلى ملاقاة العروسة ومن معها بالتكريم وأن يكونوا في أحسن البهجات وأن ينشروا على رؤوسهم الرايات فامتثلوا لأوامره ونادى المنادي أنه لا تبقى بنت مخدرة ولا حرة موقرة ولا عجوز مكسرة إلا وتخرج إلى لقاء العروسة فخرجوا جميعاً إلى لقائها وسعت كبراؤهم في خدمتها واتفقوا على أن يتوجهوا بها في الليل إلى قصر الملك واتفق أرباب الدولة على أن يزينوا الطريق وأن يقفوا حتى تمر بهم العروسة والخدم قدامها والجواري بين يديها وعليها الخلعة التي أعطاها لها أبوها .


فلما أقبلت أحاط بها العسكر ذات اليمين وذات الشمال ولم تزل المحفة سائرة بها إلى أن قربت من القصر ولم يبق أحد إلا وقد خرج ليتفرج عليها وصارت الطبول ضاربة والرماح لاعبة والبوقات صائحة وروائح الطيب فائحة والرايات خافقة والخيل متسابقة حتى وصلوا إلى باب القصر وتقدمت الغلمان بالمحفة إلى باب السر فأضاء المكان ببهجتها وأشرقت جهاته بحلي زينتها فلما أقبل الليل فتح الخدم أبواب السرادق ووقفوا وهم محيطون بالباب ، ثم جاءت العروسة وهي بين الجواري كالقمر بين النجوم أو الدرة الفريدة بين اللؤلؤ المنظوم ، ثم دخلت المقصورة وقد نصبوا لها سرير من المرمر المرصع بالدر والجوهر فجلست عليه ودخل عليها الملك وأوقع الله محبتها في قلبه فأزال بكارتها وزال ما كان عنده من القلب والسهر وأقام عندها نحو شهر فعلقت منه في أول ليلة .
وبعد تمام الشهر خرج وجلس على سرير مملكته وعدل في رعيته إلى أن وفت أشهرها .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





الليلة الرابعة والثلاثين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الملك عندما جلس على سرير مملكته إلى أن وفت زوجته أشهرها وفي آخر ليلة الشهر التاسع جاءها المخاض عند السحر فجلست على كرسي الطلق وهون الله عليها الولادة فوضعت غلاماً ذكراً تلوح عليه علامات السعادة ، فلما سمع الملك بالولد فرح فرحاً جليلاً وأعطى المبشر مالاً جزيلاً ، ومن فرحته توجه إلى الغلام وقبله بين عينيه وتعجب من جماله الباهر وتحقق فيه قول الشاعر :
الله خول منـه آجـام الـفـلا ........ أسداً وآفاق الرياسة كوكـبـا
هشت لمطلعه الأسنة والأسـرة ........ والمحافل والجحافل والظبـى
لا تركبوه على النهـود فـإنـه ........ ليرى ظهور الخيل أوطأ مركبا
ولتفطموه عن الرضاع فـإنـه ........ ليرى دم الأعداء أحلى مشربـا
ثم إن الدايات أخذن ذلك المولود وقطعن سرته وكحلن مقلته ثم سموه تاج الملوك خاران وارتضع ثدي الدلال وتربى في حجر الإقبال ، ولا زالت الأيام تجري والأعوام تمضي حتى صار له من العمر سبع سنين ، فعند ذلك أحضر الملك سليمان شاه العلماء والحكماء وأمرهم أن يعلموا ولده الخط والحكمة والأدب فمكثوا على ذلك مدة سنين حتى تعلم ما يحتاج إليه الأمر ، فلما عرف جميع ما طلبه منه الملك أحضره من عند الفقهاء والمعلمين واحضر له أستاذاً يعلمه الفروسية فلم يزل يعلمه حتى صار له من العمر أربعة عشر سنة ، وكان إذا خرج لبعض أشغاله يفتتن به كل من رآه .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





الليلة الخامسة والثلاثين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن تاج الملوك خاران بن الملك سليمان شاه مهر في الفروسية وفاق أهل زمانه وصار من فرط جماله إذا خرج إلى بعض أشغاله يفتتن به كل من رآه حتى نظموا فيه الأشعار وتهتكت في محبته الأحرار لما حوى من الجمال الباهر كما قال فيه الشاعر :
عانقته فسكرت مـن طـيب الشـذا ........ غصناً طيباً بالنسيم قد اغـتـدى
سكران ما شـرب المـدام وإنـمـا ........ أمسى بخمر رضابه متـنـبـذا
أضحى الجمـال بأسره فـي أسـره ........ فلأجل ذلك على القلوب استحوذا
والله ما خـطر السـلو بخـاطـري ........ ما دمت في قيد الحـياة ولا إذا
إن عشت عشت على هواه وإن مت ........ وجداً بـه وصـبـابة يا حـبذا
فلما بلغ من العمر ثمانية عشر عاماً وبلغ مبلغ لرجال زاد به الجمال ثم صار لتاج الملوك خاران أصحاب وأحباب وكل من تقرب إليه يرجو أنه يصير سلطاناً بعد موت أبيه وأن يكون عنده أميراً .
ثم إنه تعلق بالصيد والقنص وصار لم يفتر عنه ساعة واحدة وكان والده سليمان شاه ينهاه عن ذلك مخافة عليه من آفات البر والوحوش فلم يقبل منه ذلك ، فاتفق أنه قال لخدامه :
خذوا معكم عليق عشرة أيام .
فامتثلوا لما أمرهم به ، فلما خرج بأتباعه للصيد والقنص .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه







الليلة السادسة والثلاثين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن تاج الملوك لما أمر خدامه بالخروج وساروا في البر ولم يزالوا سائرين أربعة أيام حتى أشرفوا على أرض خضراء فيها وحوشاً راتعة وأشجار يانعة وعيوناً نابعة فقال تاج الملوك لأتباعه :
انصبوا الحبائل هنا وأوسعوا دائرة حلقتها ويكون اجتماعنا عند رأس الحلقة في المكان الفلاني .
فامتثلوا لأمره ونصبوا الحبائل وأوسعوا دائرة حلقتها فاجتمع فيها شيء كثير من أصناف الوحوش والغزلان إلى أن ضجت منهم الوحوش وتنافرت في وجوه الخيل فأغرى عليها الكلاب والفهود والصقور ثم ضربوا الوحوش بالنشاب فأصابوا مقاتل الوحوش وما وصلوا إلى آخر الحلقة لا وقد أخذوا من الوحوش شيئاً كثيراً وهرب الباقي ، وبعد ذلك نزل تاج الملوك على الماء وأحضر الصيد وقسمه وأفرد لأبيه سليمان شاه خاص الوحوش وأرسله إليه وفرق البعض على أرباب دولته .
فلما أصبح الصباح أقبلت عليه قافلة كبيرة مشتملة على عبيد وغلمان وتجار فنزلت تلك القافلة على الماء والخضرة فلما رآهم تاج الملوك قال لبعض أصحابه :
ائتني بخبر هؤلاء واسألهم لأي شيء نزلوا في هذا المكان ؟
فلما توجه إليهم الرسول قال لهم :
أخبرونا من أنتم وأسرعوا في رد الجواب .
فقالوا له :
نحن تجار ونزلنا لأجل الراحة لأن المنزل بعيد علينا وقد نزلنا في هذا المكان لأننا مطمئنون بالملك سليمان شاه وولده ونعلم أن كل من نزل في هذا المكان صار في أمان واطمئنان ومعنا قماش نفيس جئنا به من أجل ولده تاج الملوك .
فرجع الرسول إلى ابن الملك وأعلمه بحقيقة الحال وأخبره بما سمعه من التجار فقال ابن الملك :
إذا كان معهم شيء جاؤوا به من أجلي فما أدخل المدينة ولا أرحل من هذا المكان حتى أستعرضه .
ثم ركب جواده وسار وسارت مماليكه خلفه إلى أن أشرف على القافلة فقام له التجار ودعوا له بالنصر والإقبال ودوام العز والأفضال وقد ضربت له خيمة من الأطلس الأحمر مزركشة من الدر والجوهر وفرش له مقعداً سلطانياً فوق بساط من الحرير وصدره مزركش بالزمرد فجلس تاج الملوك ووقفت المماليك في خدمته وأرسل إلى التجار وأمرهم أن يحضروا بجميع ما معهم فأقبلت عليه التجار ببضائعهم فاستعرض جميع بضائعه وأخذ منها ما يصلح له ووفى لهم بالثمن ثم ركب وأراد أن يسير فلاحت منه التفاتة إلى القافلة فرأى شاب جميل الشباب نظيف الثياب ، ظريف المعاني بجبين أزهر ووجه أقمر إلا أن ذلك الشاب قد تغيرت محاسنه وعلاه الاصفرار من فرقة الأحباب .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه




الليلة السابعة والثلاثين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن تاج الملوك لاحت منه التفاتة إلى القافلة فرأى شاباً جميل الشباب نظيف الثياب ظريف المعاني ، إلا أن ذلك الشاب قد تغيرت محاسنه وعلاه الاصفرار من فرقة الأحباب وزاد به الانتحاب وسالت من جبينه العبرات وهو ينشد هذه الأبيات :
طال الفراق ودام الهـم والـوجـل ........ والدمع في مقلتي يا صاح منهمل
والقلب ودعته يوم الفـراق وقـد ........ بقيت فرداً فلا قـلـب ولا أمـل
يا صاحبي قف معي حتى أودع من ........ من نطقها تشفى الأمراض والعلل
ثم إن الشاب بعدما فرغ من الشعر بكى ساعة وغشي عليه فلما رآه تاج الملوك على هذه الحالة في أمره وتمشى إليه فلما أفاق من غشيته نظر ابن الملك واقفاً على رأسه فنهض قائماً على قدميه وفي الأرض بين يديه فقال له تاج الملوك :
لأي شيء لم تعرض بضاعتك علينا ?
فقال :
يا مولاي إن بضاعتي ليس فيها شيء يصلح لسعادتك .
فقال :
لابد أن تعرض علي ما معك وتخبرني بحالك فإني أراك باكي العين حزين القلب فإن كنت مظلوماً أزلنا ظلامتك وإن كنت مديوناً قضينا دينك فإن قلبي قد احترق من أجلك حين رأيتك .
ثم إن تاج الملوك أمر بنصب كرسي فنصبوا له كرسياً من العاج والأبنوس مشبكاً بالذهب والحرير وبسطوا له بساطاً من الحرير فجلس تاج الملوك على الكرسي وأمر الشاب أن يجلس على البساط وقال له :
اعرض علي بضاعتك .
فقال له الشاب :
يا مولاي لا تذكر لي ذلك فإن بضاعتي ليست مناسبة لك .
فقال له تاج الملوك :
لابد من ذلك .
ثم أمر بعض غلمانه بإحضارها فأحضروها قهراً عنه فلما رآها الشاب جرت دموعه وبكى وأن واشتكى وصعد الزفرات وأنشد هذه الأبيات :
بما بجفنيك من غنج ومن كـحـل ........ وما بقدك من لـين ومـن مـيل
وما بثغرك من خمر ومن شـهـد ........ وما بعطفك من لطف ومن ملـل
عندي زيارة طيف منك يا أمـلـي ........ أحلى من الأمن عند الخائف الوجل
ثم إن الشاب فتح بضاعته وعرضها على تاج الملوك قطعة قطعة وتفصيلة وأخرج من جملتها ثوباً من الأطلس منسوجاً بالذهب يساوي ألف دينار ، فلما فتح الثوب وقع من وسطه خرقة فأخذها الشاب بسرعة ووضعها تحت وركه فقال له تاج الملوك :
ما هذه الخرقة ?
فقال :
يا مولاي ليس لك بهذه الخرقة حاجة .
فقال له ابن الملك :
أرني أياها .
قال له :
ما امتنعت من عرض بضاعتي عليك إلا لأجلها فإني لا أقدر على أنك تنظر إليها .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





تكملة حكاية العاشق والمعشوق

الليلة الثامنة والثلاثين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب قال لتاج الملوك :
أنا ما امتنعت من عرض بضاعتي عليك إلا لأجلها فإني لا أقدر على أنك تنظر إليها .
فقال له تاج الملوك :
لابد من كوني أنظر إليها .
وألح عليه واغتاظ ، فأخرجها من تحت ركبتيه وبكى فقال له تاج الملوك :
أرى أحوالك غير مستقيمة فأخبرني ما سبب بكائك عند نظرك إلى هذه الخرقة ?
فلما سمع الشاب ذكر الخرقة ، تنهد وقال :
يا مولاي إن حديثي عجيب وأمري غريب ، مع هذه الخرقة وصاحبتها وصاحبة هذه الصور والتماثيل .
ثم نشر الخرقة وإذا فيها غزال مرقومة بالحرير مزركشة بالذهب الأحمر وقبالها صورة غزال آخر وهي مرقومة بالفضة وفي رقبته طوق من الذهب الأمر وثلاث قصبات من الزبرجد فلما نظر تاج الملوك إليه وإلى حسن صنعته قال :
سبحان الله الذي علم الإنسان ما لم يعلم .
وتعلق قلب تاج الملوك بحديث هذا الشاب فقال له :
احك لي قصتك مع صاحبة هذا الغزال .
فقال الشاب :
اعلم يا مولاي أن أبي كان من التجار الكبار ولم يرزق ولداً غيري وكان لي بنت عم تربيت أنا وإياها في بيت أبي لأن أباها مات ، وكان قبل موته تعاهد هو وأبي على أن يزوجاني بها فلما بلغت مبلغ الرجال وبلغت هي مبلغ النساء لم يحجبوها عني ولم يحجبوني عنها ، ثم تحدث والدي مع أمي وقال لها :
في هذه السنة نكتب كتاب عزيز على عزيزة .
واتفق مع أمي على هذا الأمر ثم شرع أبي في تجهيز مؤن الولائم هذا كله وأنا وبنت عمي ننام مع بعضنا في فراش واحد ولم ندر كيف الحال وكانت هي أشعر مني ، وأعرف وأدرى ، فلما جهز أبي أدوات الفرح ولم يبق غير كتب الكتاب ، والدخول على بنت عمي أراد أبي أن يكتب الكتاب بعد صلاة الجمعة ، ثم توجه إلى أصحابه من التجار وغيرهم وأعلمهم بذلك ومضت أمي عزمت صواحباتها من النساء ودعت أقاربها .
فلما جاء يوم الجمعة غسلوا القاعة المعدة للجلوس وغسلوا رخامها وفرشوا في دارنا البسط ووضعوا فيها ما يحتاج إليه الأمر بعد أن زوقوا حيطانها بالقماش المقصب واتفق الناس أن يجيئوا بيتنا بعد صلاة الجمعة ثم مضى أبي وعمل الحلويات وأطباق السكر وما بقي غير كتب الكتاب ، وقد أرسلتني أمي إلى الحمام وأرسلت خلفي بدلة جديدة من أفخر الثياب ، فلما خرجت من الحمام لبست تلك البدلة الفاخرة وكانت مطيبة فلما لبستها فاحت منها رائحة زكية عبقت في الطريق ، ثم أردت أن أذهب إلى الجامع فتذكرت صاحباً لي فرجعت أفتش عليه ليحضر كتب الكتاب وقلت في نفسي :
أشتغل بهذا الأمر إلى أن يقرب وقت الصلاة .
ثم إني دخلت زقاقاً ما دخلته قط وكنت عرقان من أثر الحمام والقماش الجديد الذي على جسدي فساح عرقي وفحت روائحي فقعدت في رأس الزقاق لأرتاح على مصطبة ، وفرشت تحتي منديلاً مطرزاً كان معي فاشتد الحر فعرق جبيني وصار العرق ينحدر على وجهي ولم يمكن مسح العرق عن وجهي بالمنديل لأنه مفروش تحتي ، فأردت أن آخذ ذيل فرجيتي وأمسح وجنتي فما أدري إلا ومنديل أبيض وقع علي من فوق وكان ذلك المنديل أرق من النسيم ورؤيته ألطف من شفاء السقيم فمسكته بيدي ورفعت رأسي إلى فوق لأنظر من أين سقط هذا المنديل ، فوقعت عيناي في عين صاحبة هذا الغزال .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





تكملة حكاية العاشق والمعشوق

الليلة التاسعة والثلاثين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب قال لتاج الملوك :
فرفعت رأسي إلى فوق لأنظر من أين سقط هذا المنديل فوقعت عيني في عين صاحبة هذا الغزال وإذا بها مطلة من طاقة من شباك نحاس لم تر عيني أجمل منها ، وبالجملة يعجز عن وصفها لساني فلما رأتني نظرت إليها وضعت إصبعها في فمها ثم أخذت إصبعها الوسطاني وألصقته بإصبعها الشاهد ووضعتهما على صدرها بين نهديها ثم أدخلت رأساً من الطاقة وسدت باب الطاقة وانصرفت فانطلقت في قلبي النار وزاد بي الاستعار وأعقبتني النظرة ألف حسرة وتحيرت لأني لم أسمع ما قالت ولم أفهم ما به أشارت فنظرت إلى الطاقة ثانياً ، فوجدتها مطبوقة فصبرت إلى مغيب الشمس فلم أسمع حساً ولم أر شخصاً فلما يئست من رؤيتها قمت من مكاني وأخذت المنديل معي ، ثم فتحته ففاحت منه رائحة المسك حصل لي من تلك الرائحة طرب عظيم حتى صرت كأنني في الجنة ، ثم نشرته بين يدي فسقطت منه ورقة لطيفة ففتحت الورقة فرأيتها مضمخة بالروائح الزكيات ومكتوب عليها هذه الأبيات :
بعثت له أشكو من ألم الجوى ........ بخط رقيق والخطوط فنون
فقال خليلي ما لخطك هـكذا ........ رقيقاً دقيقاً لا يكـاد يبـين
فقلت لأني في نحـول ودقة ........ كذا خطوط العاشقين تكون
ثم بعد أن قرأت الأبيات أطلقت في بهجة المنديل ، نظر العين فرأيت في إحدى حاشيته تسطير هذين البيتين :
كتب العذار ويا له من كاتـب ........ سطرين في خديه بالريحان
وأخيرة القمرين منه إذا بـدا ........ وإذا انثنى وأخجله الأغصان
وسطر الحاشية الأخرى هذين البيتين :
كتب العـذار بعنبـر فـي لـؤلـؤ ........ سطرين من سبج علـى تـفـاح
القتل في الحدق المراضي إذا رنت ........ والسكر في الوجنات لا في الراح
فلما رأيت ما على المنديل من أشعار انطلق في فؤادي لهيب النار ، وزادت بي الأشواق والأفكار وأخذت المنديل والورقة وأتيت بهما إلى البيت وأنا لا أدري لي حيلة في الوصال ولا أستطيع في العشق وتفصيل الأجمال ، فما وصلت إلى البيت إلا بعد مدة من الليل فرأيت بنت عمي جالسة تبكي فلما رأتي مسحت دموعها وأقبلت علي وقلعتني ثيابي وسألتني عن سبب غيابي وأخبرتني أن جميع الناس من أمراء وكبراء وتجار وغيرهم قد اجتمعوا في بيتنا وحضر القاضي والشهود ، وأكلوا الطعام واستمروا مدة جالسين ينتظرون حضورك من أجل كتب الكتاب فلما يئسوا من حضورك تفرقوا وذهبوا إلى حال سبيلهم وقالت لي :
أباك اغتاظ بسبب ذلك غيظاً شديداً وحلف أنه لا يكتب كتابنا إلا في السنة القابلة لأنه غرم في هذا الفرح مالاً كثيراً .
ثم قالت لي :
ما الذي جرى لك في هذا اليوم حتى تأخرت إلى هذا الوقت وحصل ما حصل بسبب غيابك ?
فقلت لها :
جرى لي كذا وكذا .
وذكرت لها المنديل وأخبرتها بالخبر من أوله إلى آخره فأخذت الورقة والمنديل ، وقرأت ما فيهما وجرت دموعها على خدودها وأنشدت هذه الأبيات :
من قال أول الهـوى اخـتـيار ........ فقل كذبت كلـه اضـطـرار
وليس بعد الاضـطـرار عـار ........ دلت على صحتـه الأخـبـار
ما زيفت على صحـيح الـنـقـد
فإن تشـأ فقـل عـذاب يعـذب ........ أو ضربان في الحشى أو ضرب
نعــمة أو نـقـــمة أو أرب ........ تأتنس النفس له أو تـعـطـب
قد حـرت بين عكـسه والطـرد
ومـع ذا أيامـه مـواســـم ........ وثغرهـا على الـدوام بـاسـم
ونفحـات طـيبـهـا نـواسـم ........ وهو لكل مـا يشـين حـاسـم
ما حل قط قلـب نـذل وغـد
ثم إنها قالت لي :
فما قالت لك وما أشارت به إليك ?
فقلت لها :
ما نطقت بشيء غير أنها وضعت إصبعها في فمها ثم قرنتها بالإصبع الوسطى وجعلت الإصبعين على صدرها وأشارت إلى الأرض ثم أدخلت رأسها وأغلقت الطاقة ولم أرها بعد ذلك فأخذت قلبي معها فقعدت إلى غياب الشمس أنها تطل من الطاقة ثانياً فلا تفعل فلما يئست منها قمت من ذلك المكان وهذه قصتي وأشتهي منك أن تعينيني على ما بليت .
فرفعت رأسها إلي وقالت :
يا ابن عمي لو طلبت عيني لأخرجتها لك من جفوني ، ولا بد أن أساعدك على حاجتك وأساعدها على حاجتها فإنها مغرمة بك كما أنك مغرم بها .
فقلت لها :
وما تفسير ما أشارت به ?
قالت :
أما موضع إصبعها في فمها فإنه إشارة إلى أنك عندها بمنزلة روحها من جسدها وإنما تعض على وصالك بالنواجذ وأما المنديل فإنه إشارة إلى سلام المحبين على المحبوبين وأما الورقة فإنها إشارة إلى أن روحها متعلقة بك وأما موضع إصبعيها على صدريها بين نهديها ، فتفسيره أنها تقول لك بعد يومين تعال هنا ليزول عني بطلعتك العناء ، اعلم يا ابن عمي أنها لك عاشقة وبك واثقة وهذا ما عندي من التفسير لإشارتها ولو كنت أدخل وأخرج لجمعت بينك وبينها في أسرع وقت وأستركما بذيلي .
قال الغلام :
فلما سمعت ذلك منها شكرتها على قولها وقلت في نفسي :
أنا اصبر يومين .
ثم قعدت في البيت يومين لا أدخل ولا أخرج ولا آكل ولا أشرب ووضعت رأسي في حجر ابنة عمي وهي تسلني وتقول :
قوي عزمك وهمتك طيب قلبك وخاطرك .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه




تكملة حكاية العاشق والمعشوق

الليلة الأربعين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب قال لتاج الملوك :
فلما انقضى اليومان قالت لي ابنة عمي :
طب نفساً وقر عيناً والبس ثيابك وتوجه إليها على الميعاد ثم إنها قامت وغيرت أثوابي وبخرتني .
ثم شددت حيلي وقويت قلبي وخرجت وتمشيت إلى أن دخلت الزقاق وجلست على المصطبة قناعه وإذا بالطاقة قد انفتحت فنظرت بعيني إليها ، فلما رأيتها وقعت مغشياً علي ثم أفقت فشددت عزمي وقويت قلبي ونظرت إليها ثانياً فغبت عن الوجود ، ثم استفقت فرأيت معها مرآة ومنديلاً أحمر ، رأتني شمرت عن ساعديها وفتحت أصابعها الخمس ، ودقت بها على صدرها بالكف والخمس أصابع ثم رفعت يديها وأبرزت الماء من الطاقة ، وأخذت المنديل الأحمر ودخلت به وعادت وأدلته من الطاقة إلى صوب الزقاق ثلاث مرات وهي تدليه وترفعه ثم عصرته ولفته بيدها وطأطأت رأسها ثم جذبتها من الطاقة وأغلقت الطاقة وانصرفت ، ولم تكلمني كلمة واحدة بل تركتني حيران لا أعلم ما أشارت به ، واستمريت جالساً إلى وقت العشاء ، ثم جئت إلى البيت قرب نصف الليل ، فوجدت ابنة عمي واضعة يدها على خدها وأجفانها تسكب العبرات وهي تنشد هذه الأبيات :
مالـي وللاحـي عـلـيك يعـنـف ........ كيف السلو وأنت غصـن أهـيف
يا طلعة سلبت فـؤادي وانـثـنـت ........ ما للهوى العذري عنها مصـرف
تركية الألحاظ تفـعل بـالـحـشـا ........ ما ليس يفعله الصقيل المـرهـف
حملتني ثقل الـغـرام ولـيس لـي ........ جلد على حمل القميص وأضعـف
ولقد بكيت دمـاً لقـول عـوازلـي ........ من جفن من تهوى بروعك مرهف
يا ليت قلبي مثل قـلـبـك إنـمـا ........ جسمي كخصرك بالنحافة ملتـف
لك يا أميري فـي الملاحة نـاظـر ........ صعب علي وحاجب لا ينـصـف
كذب الذي قال المـلاحة كـلـهـا ........ في يوسف كم في جمالك يوسـف
أتكـلف الإعراض عنـك مـخـافة ........ من أعين الرقباء كـم أتـكـلـف
فلما سمعت شعرها زاد ما بي من الهموم وتكاثرت علي الغموم ووقعت في زوايا البيت فنهضت إلي وحملتني وقلعتني أثوابي ومسحت وجهي بكمها ، ثم سألتني عما جرى لي فحكيت لها جميع ما حصل منها فقالت :
يا ابن عمي أما إشارتها بالكف والخمسة أصابع فإن تفسيره تعال بعد خمسة أيام وأما إشارتها بالمرآة وإبراز رأسها من الطاقة فإن تفسيره اقعد على دكان الصباغ حتى يأتيك رسولي .
فلما سمعت كلامها اشتعلت النار في قلبي وقلت :
بالله يا بنت عمي إنك تصدقيني في هذا التفسير لأني رأيت في الزقاق صباغاً يهودياً .
ثم بكيت فقالت ابنة عمي :
قوي عزمك وثبت قلبك فإن غيرك يشتغل بالعشق مدة سنين ويتجلد على حر الغرام وأنت لك جمعة فكيف يحصل لك هذا الجزع .
ثم أخذت بالكلام وأتت لي بالطعام فأخذت لقمة وأردت أن آكلها فما قدرت فامتنعت من الشراب والطعام وهجرت لذيذ المنام واصفر لوني وتغيرت محاسني لأني ما عشقت قبل ذلك ولا ذقت حرارة العشق إلا في هذه المرة فضعفت بنت عمي من أجلي وصارت تذكر لي أحوال العشاق والمحبين على سبيل التسلي في كل ليلة إلى أن أنام ، وكنت أستيقظ فأجدها سهرانة من أجلي ودمعها يجري على خدها ولم أزل كذلك إلى أن مضت الخمسة أيام فقامت ابنة عمي وسخنت لي ماء وحممتني وألبستني ثيابي وقالت لي :
توجه إليها قضى الله حاجتك وبلغك مقصودك من محبوبتك .
فمضيت ولم أزل ماشياً إلى أن أتيت إلى رأس الزقاق وكان ذلك في يوم السبت فرأيت دكان الصباغ مقفلة فجلست عليها حتى أذن العصر واصفرت الشمس وأذن المغرب ودخل الليل وأنا لا أدري لها أثراً ولم أسمع حساً ولا خبراً فخشيت على نفسي وأنا جالس وحدي ، فقمت وتمشيت وأنا كالسكران إلى أن دخلت البيت ، فلما دخلت رأيت ابنة عمي عزيزة وإحدى يديها قابضة على وتد مدقوق في الحائط ويدها الأخرى على صدرها وهي تصعد الزفرات وتنشد هذه الأبيات :
وما وجد أعرابية بان أهلـهـا ........ فحنت إلى بان الحجارة ورنده
إذا آنست ركباً تكفل شوقـهـا ........ بنار قرأه والدمـوع بـورده
بأعظم من وجدي بحبي وإنمـا ........ يرى أنني أذنبت ذنبـاً بـوده
فلما فرغت من شعرها التفتت إلي فرأتني أبكي فمسحت دموعها ودموعي بكمها وتبسمت في وجهي وقالت لي :
يا ابن عمي هناك الله بما أعطاك فلأي شيء لم تبت الليلة عند محبوبتك ولم تقض منها إربك .
فلما سمعت كلامها رفستها برجلي في صدرها فانقلبت على الإيوان فجاءت جبهتها على طرف الإيوان وكان هناك وتد فجاء في جبهتها فتأملتها قد انفتح وسال دمها .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه
حمودي2009 غير متصل  
قديم 02-08-2009, 12:11 PM   #14 (permalink)
حمودي2009
رومانسي مجتهد
 
الصورة الرمزية حمودي2009
 


تكملة حكاية العاشق والمعشوق

الليلة الحادية والأربعين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب قال لتاج الملوك :
فلما رفست ابنة عمي في صدرها انقلبت على طرف الإيوان فجاء الوتد في جبينها وسال دمها فسكتت ولم تنطق بحرف واحد ، ثم إنها قامت في الحال وأحرقت حرقاً وحشت به ذلك الجرح وتعصبت بعصابة ومسحت الدم الذي سال على البساط وكأن ذلك شيء ما كان ، ثم إنها أتتني وتبسمت في وجهي وقالت لي بلين الكلام :
والله يا ابن عم ما قلت هذا الكلام استهزاء بك ولا بها وقد كنت مشغولة بوجع رأسي ومسح الدم في هذه الساعة قد خفت رأسي وخفت جبهتي فأخبرني بما كان من أمرك .
فحكيت لها جميع ما وقع لي منها في ذلك اليوم وبعد كلامي بكيت فقالت :
يا ابن عمي أبشر بنجاح قصدك وبلوغ أملك إن هذه علامة القبول وذلك أنها غابت لأنها تريد أن تختبرك وتعرف هل أنت صابر أو لا وهل أنت صادق في محبتها أو لا ، وفي غد توجه إليها في مكانك الأول وانظر ماذا تشير به إليك فقد قربت أفراحك وزالت أتراحك .
وصارت تسليني على ما بي وأنا لم أزل متزايد الهموم والغموم ، ثم قدمت لي الطعام فرفسته فانكبت كل زبدية في ناحية وقلت :
كل من كان عاشقاً فهو مجنون لا يميل إلى الطعام ولا يلتذ بمنام .
فقالت لي ابنة عمي عزيزة :
والله يا ابن عمي إن هذه علامة المحبة .
وسالت دموعها ولمت شقافة الزبادي ومسحت الطعام وجلست تسايرني وأنا أدعو الله أن يصبح الصباح .
فلما أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح توجهت إليها ودخلت ذلك الزقاق بسرعة وجلست على تلك المصطبة وإذا بالطاقة انفتحت وأبرزت رأسها منها وهي تضحك ، ثم رجعت وهي معها مرآة وكيس وقصرية ممتلئة زرعاً أخضر وفي يدها قنديل ، فأول ما فعلت أخذت المرآة في يدها وأدخلتها في الكيس ثم ربطته ورمته في البيت ثم أرخت شعرها على وجهها ثم وضعت القنديل على رأس الزرع لحظة ثم أخذت جميع ذلك وانصرفت به وأغلقت الطاقة فانفطر قلبي من هذا الحال ومن إشاراتها الخفية ورموزها المخفية وهي لم تكلمني بكلمة قط فاشتد بذلك غرامي وزاد وجدي وهيامي ، ثم إني رجعت على عقبي وأنا باكي العين حزين القلب حتى دخلت البيت فرأيت بنت عمي قاعدة ووجهها إلى الحائط وقد احترق قلبها من الهم والغم والغيرة ولكن نكبتها منعتها أن تخبرني بشيء مما عندها من الغرام لما رأت ما أنا فيه من كثرة الوجد والهيام ، ثم نظرت إليها فرأيت على رأسها عصابتين إحداهما من الوقعة على جبهتها والأخرى على عينيها بسبب وجع أصابها من شدة بكائها وهي في أسوأ الحالات تبكي وتنشد هذه الأبيات :
أينما كنت لـم تـزل بـأمـان ........ أيها الراحل المقيم بقـلـبـي
ولك الله حيث أمـسـيت حـار ........ منقذ من صروف دهر وخطب
ليت شعري بـأي أرض ومغنى ........ أنت مستوطن بدار وشـعـب
إن يكن شربك الـقـراح زلالا ........ فدموعي من المحاجر شربـي
كل شيء سوى فراقك عـذب ........ كالتجافي بين الرقاد وجنـبـي
فلا فرغت من شعرها نظرت إلي فرأتني وهي تبكي فمسحت دموعها ونهضت إلي ولم تقدر أن تتكلم مما هي فيه من الوجد ولم تزل ساكتة برهة من الزمان ، ثم بعد ذلك قالت :
يا ابن عمي أخبرني بما حصل لك منها في هذه المرة .
فأخبرتها بجميع ما حصل لي فقالت لي :
اصبر فقد آن أوان وصالك وظفرت ببلوغ آمالك ، أما إشارتها لك بالمرآة وكونها أدخلتها في الكيس فإنها تقول لك :
اصبر إلى أن تغطس الشمس .
وأما إرخاؤها شعرها على وجهها فإنها تقول لك :
إذا أقبل الليل وانسدل سواد الظلام على نور النهار فتعال .
وأما إشارتها لك بالقصرية التي فيها زرع فإنها تقول لك :
إذا جئت فادخل البستان الذي وراء الزقاق .
وأما إشارتها لك بالقنديل فإنها تقول لك :
إذا جئت البستان فامش فيه وأي موضع وجدت القنديل مضيئاً فتوجه إليه واجلس تحته وانتظرني فإن هواك قاتلي .
فلما سمعت كلام ابنة عمي صحت من فرط الغرام وقلت :
كم تعديني وأتوجه إليها ولا أحصل مقصودي ولا أجد لتفسيرك معنى صحيحاً .
فعند ذلك ضحكت بنت عمي وقالت لي :
بقي عليك من الصبر أن تصبر بقية هذا اليوم إلى أن يولي النهار ويقبل الليل بالاعتكار فتحظى بالوصال وبلوغ الآمال وهذا الكلام صدق بغير يمين ، ثم أنشدت هذين البيتين :
درب الأيام تنـدرج ........ وبيوت الهم لا تلج
رب أمر عز مطلبه ........ قربته ساعة الفرج
ثم إنها أقبلت علي وصارت تسليني بلين الكلام ولم تجسر أن تأتيني بشيء من الطعام مخافة من غضبي عليها ورجاء ميلي إليها ولم يكن لها قصد إلا أنها أتت إلي وقلعتني ثم قالت :
يا ابن عمي اقعد معي حتى أحدثك بما يسليك إلى آخر النهار وإن شاء الله تعالى ما يأتي الليل إلا وأنت عند محبوبتك .
فلم ألتفت إليها وصرت أنتظر مجيء الليل وأقول :
يا رب عجل بمجيء الليل .
فلما أتى الليل بكت ابنة عمي بكاء شديداً وأعطتني حبة مسك خالص وقالت لي :
يا ابن عمي اجعل هذه الحبة في فمك فإذا اجتمعت بمحبوبتك وقضيت منها حاجتك وسمحت لك بما تمنيت فأنشدها هذا البيت :
ألا أيها العشاق بالـلـه خـبـروا ........ إذا اشتد عشق بالفتى كيف يصنع
ثم إنها قبلتني وحلفتني أني لا أنشدها ذلك البيت من الشعر إلا بعد خروجي من عندها .
فقلت لها :
سمعاً وطاعة .
ثم خرجت وقت العشاء ومشيت ولم أزل ماشياً حتى وصلت إلى البستان فوجدت بابه مفتوحاً فدخلته فرأيت نوراً على بعد فقصدته فلما وصلت إليه وجدت مقعداً عظيماً معقوداً عليه قبة من العاج والأبنوس والقنديل معلق في وسط تلك القبة وذلك المقعد مفروش بالبسط الحرير المزركشة بالذهب والفضة ، وهناك شمعة كبيرة موقودة في شمعدان من الذهب تحت القناديل وفي وسط المقعد فسقية فيها أنواع التصاوير وبجانب تلك الفسقية سفرة مغطاة بفوطة من الحرير وإلى جانبها باطية كبيرة من الصيني مملوءة خمراً وفيها قدح من بلور مزركش بالذهب وإلى جانب الجميع طبق كبير من فضة مغطى مكشفته فرأيت فيه من سائر الفواكه ما بين تين ورمان وعنب ونارنج وإترنج وكباد وبينها أنواع الرياحين من ورد وياسمين وآس ونسرين ونرجس ومن سائر المشمومات فهمت بذلك المكان وفرحت غاية الفرح وزال عني الهم والترح لكني في هذا الدار أحداً من خلق الله تعالى .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





تكملة حكاية العاشق والمعشوق

الليلة الثانية والأربعين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب قال لتاج الملوك :
ولم أر عبداً ولا جارية ولا من يعاني هذه الأمور ، فجلست في ذلك المقعد أنتظر مجيء محبوبة قلبي إلى أن مضى أول ساعة من الليل وثاني ساعة وثالث ساعة فلم تأت واشتد بي الجوع لأن لي مدة من الزمان ما أكلت طعاماً لشدة وجدي ، فلما رأيت ذلك المكان وظهر لي صدق بنت عمي في فهم إشارة معشوقتي استرحت ووجدت ألم الجوع وقد شوقتني روائح الطعام الذي في السفرة لما وصلت إلى ذلك المكان .
واطمأنت نفسي بالوصال فاشتهت نفسي الأكل فتقدمت إلى السفرة وكشفت الغطاء فوجدت في وسطها طبقاً من الصيني وفيه أربع دجاجات محمرة ومتبلة بالبهارات وحول ذلك الطبق أربع زبادي واحدة حلوى والأخرى حب الرمان والثالثة بقلاوة والرابعة قطايف وتلك الزبادي ما بين حلو وحامض ، فأكلت من القطايف وأكلت قطعة لحم وعمدت إلى البقلاوة وأكلت منها ما تيسر ثم قصدت الحلوى وأكلت ملعقة أو اثنتين أو ثلاثة أو أربعاً وأكلت بعض دجاجة وأكلت لقمة فعند ذلك امتلأت معدتي وارتخت مفاصلي وقد كسلت عن السهر فوضعت رأسي على وسادة بعد أن غسلت يدي فغلبني النوم ولم أعلم بما جرى لي بعد ذلك فما استيقظت حتى أحرقني حر الشمس لأن لي أياماً ما ذقت مناماً ، فلما استيقظت وجدت على بطني ملحاً وفحماً فانتصبت واقفاً ونفضت ثيابي وقد التفت يميناً وشمالاً فلم أجد أحداً ووجدت أني كنت نائماً على الرخام من غير فرش فتحيرت في عقلي وحزنت حزناً عميقاً وجرت دموعي على خدي وتأسفت على نفسي فقمت وقصدت البيت فلما وصلت إليه وجدت ابنة عمي تدق بيدها على صدرها وتبكي بدمع يباري السحب الماطرات وتنشد هذه الأبيات :
هب ريح من الحـي ونـسـيم ........ فأثار الهوى ينشر هبـوبـه
يا نسيم الصبا هـلـم إلـينـا ........ كل صب بحظه ونصـيبـه
أو قدرنا من الغرام اعتنقـنـا ........ كاعتناق المحب صدر حبيبه
حرم الله بعد وجـه ابن عمـي ........ كل عيش من الزمان وطيبه
ليت شعري هل قلبه مـثل قلبي ........ ذائب من حر الهوى ولهيبـه
فلما رأتني قامت مسرعة ومسحت دموعها وأقبلت علي بلين كلامها وقالت :
يا ابن عمي أنت في عشقك قد لطف الله بك حيث أحبك من تحب وأنا في بكائي وحزني على فراقك من يلومني ، ولكن لا آخذك الله من جهتي .
ثم إنها تبسمت في وجهي تبسم الغيظ ولاطفتني وقلعتني ثيابي ونشرتها وشمتها وقالت :
والله ما هذه روائح من حظي بمحبوبه فأخبرني بما جرى لك يا ابن عمي .
فأخبرتها بجميع ما جرى لي فتبسمت تبسم الغيظ ثانياً وقالت :
إن قلبي ملآن موجع فلا عاش من يوجع قلبك ، وهذه المرأة تتعزز عليك تعززاً قوياً والله يا ابن عمي إني خائفة عليك منها ، واعلم يا ابن عمي أن تفسير الملح هو أنك مستغرق في النوم فكأنك دلع الطعم بحيث تعارفك النفوس فينبغي لك أن تتملح حتى لا تمجك الطباع ، لأنك تدعي أنك من العشاق الكرام والنوم على العشاق حرام فدعواك المحبة كاذبة وكذلك هي محبتها لك كاذبة لأنها لما رأتك نائماً لم تنبهك ، ولو كانت محبتها لك صادقة أنبهتك ، وأما الفحم فإن تفسير إشارته سود الله وجهك حيث ادعيت المحبة كذباً وإنما أنت صغير لم يكن لك همة إلا الأكل والشرب والنوم فهذا تفسير إشارتها فالله يخلصك منها .


فلما سمعت كلامها ضربت بيدي على صدري وقلت :
والله إن هذا هو الصحيح لأني نمت والعشاق لا ينامون فأنا الظالم لنفسي وما كان أضر علي من الأكل والنوم فكيف يكون الأمر .
ثم إني زدت في البكاء وقلت لابنة عمي :
دليني على شيء أفعله وارحميني يرحمك الله وإلا مت .
وكانت بنت عمي تحبني محبة شديدة .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه




تكملة حكاية العاشق والمعشوق

الليلة الثالثة والأربعين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب قال لتاج الملوك :
فقالت لي بنت عمي :
على رأسي وعيني ولكن يا ابن عمي قد قلت لك مراراً لو كنت أدخل وأخرج لكنت أجمع بينك وبينها في أقرب زمن وأغطيكما بذيلي ولا أفعل معك هذا إلا لقصد رضاك وإن شاء الله تعالى أبذل غاية الجهد في الجمع بينكما ولكن اسمع قولي وابلغ أمري واذهب إلى نفس ذلك المكان واقعد هناك فإذا كان وقت العشاء فاجلس في الموضع الذي كنت فيه ، واحذر أن تأكل شيئاً لأن الأكل يجلب النوم وإياك أن تنام فإنها لا تأتي لك حتى يمضي الليل ربعه كفاك الله شرها .
فلما سمعت كلامها فرحت وصرت أدعو الله أن يأتي الليل ، فلما أردت الانصراف قالت لي ابنة عمي :
إذا اجتمعت بها فاذكر لها البيت المتقدم وقت انصرافك .
فقلت لها :
على الرأس والعين .
فلما خرجت وذهبت إلى البستان وجدت المكان مهيأ على الحالة التي رأيتها أولاً وفيه ما يحتاج إليه من الطعام والشراب والنقل المشموم وغير ذلك فطلعت المقعد وشممت رائحة الطعام فاشتاقت نفسي إليه فمنعتها مراراً فلم أقدر على منعها فقمت وأتيت إلى السفرة وكشفت غطاءها فوجدت صحن دجاج وحوله أربع زبادي من الطعام فيها أربعة ألوان فأكلت من كل لون لقمة وأكلت ما تيسر من الحلوى وأكلت قطعة لحم وشربت من الزردة وأعجبتني فأكثر الشرب منها بالملعقة حتى شبعت وامتلأت بطني وبعد ذلك انطبقت أجفاني فأخذت وسادة ووضعتها تحت رأسي وقلت لعلي أتكئ عليها ولا أنام فأغمضت عيني ونمت وما إن انتبهت حتى طلعت الشمس فوجدت على بطني كعب عظم وفردة طاب بلح وبزرة خروب وليس في المكان شيء من فرش ولا غيره وكأنه لم يكن فيه شيء بالأمس فقمت ونفضت الجميع عني وخرجت وأنا مغتاظ إلى أن وصلت إلى البيت فوجدت ابنة عمي تصعد الزفرات وتنشد الأبيات :
جسدنا حل وقـلـب جـريح ........ ودموع على الخدود تـسـيح
وحبيب صعب التجني ولكـن ........ كل ما يفعل المليح مـلـيح
يا ابن عمي ملأت بالوجد قلبي ........ إن طرفي من الدموع قريح
فنهرت ابنة عمي وشتمتها فبكت ، ثم مسحت دموعها وأقبلت علي وقبلتني ، أخذت تضمني إلى صدرها وأنا أتباعد عنها وأعاتب نفسي ، فقالت لي :
يا ابن عمي كأنك نمت في هذه الليلة .
فقلت لها :
نعم ولكنني لما انتبهت وجدت كعب عظم على بطني وفردت طاب ونواة بلح وبزرة خروب وما أدري لأي شيء فعلت هكذا .
ثم بكيت وأقبلت عليها وقلت لها :
فسري لي إشارة فعلها هذا وقولي لي ماذا أفعل وساعديني على الذي أنا فيه .
فقالت لي :
على الرأس والعين أما فردة الطاب التي وضعتها على بطنك فإنها تشير لك إلى أنك حضرت وقلبك غائب وكأنها تقول لك :
ليس العشق هكذا فلا تعد نفسك من العاشقين .
وأما نواة البلح فإنها تشير لك بها إلى أنك لو كنت عاشقاً لكان قلبك محترقاً بالغرام ، ولم تذق لذيذ المنام فإن لذة الحب كتمرة ألهبت في الفؤاد جمرة .
وأما بزرة الخروب فإنها تشير لك به إلى أن قلب المحب مسلوب وتقول لك :
اصبر على فراقها صبر أيوب .
فلما سمعت هذا التفسير انطلقت في فؤادي النيران وزادت بقلبي الأحزان فصحت وقلت :
قدر الله علي النوم لقلة بختي .
ثم قلت لها :
يا ابنة عمي بحياتي عندك أن تدبري لي حيلة أتوصل بها إليها .
فبكت وقالت :
يا عزيزي ، يا ابن عمي إن قلبي ملآن بالفكر ، ولا أقدر أن أتكلم ولكن رح الليلة إلى ذلك المكان واحذر أن تنام فإنك تبلغ المرام هذا هو الرأي والسلام .
فقلت لها :
إن شاء الله لا أنام وإنما أفعل ما تأمريني به .
فقامت بنت عمي وأتت بالطعام وقالت لي :
كل الآن ما يكفيك حتى لا يبقى في خاطرك شيء .
فأكلت كفايتي ولما أتى الليل قامت بنت عمي وأتتني ببدلة عظيمة ألبستني إياها وحلفتني أن أذكر لها البيت المذكور وحذرتني من النوم .
ثم خرجت من عند بيت عمي وتوجهت إلى البستان وطلعت إلى البستان وطلعت ذلك المقعد ونظرت إلى البستان وجعلت أفتح عيني بأصابعي وأهز رأسي ، حين جن الليل .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





تكملة حكاية العاشق والمعشوق

الليلة الرابعة والأربعين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب قال لتاج الملوك :
وطلعت من ذلك المقعد ونظرت إلى البستان وجعلت أفتح عيني وأهز رأسي حين جن الليل فلما طلعت رجعت من السهر وهبت علي روائح الطعام فازداد جوعي وتوجهت إلى السفرة وكشفت عظاءها ، وأكلت من كل لون لقمة ، وأكلت قطعة لحم ، وأتيت إلى باطية الخمر وقلت في نفسي :
أشرب قدحاً .
فشربته ، ثم شربت الثاني والثالث إلى غاية عشرة وقد ضربني الهواء ، فوقعت على الأرض كالقتيل ومازلت كذلك حتى طلع النهار فانتبهت فرأيت نفسي خارج البستان ، وعلى بطني شفرة ماضية ودرهم حديد ، فارتجفت وأخذتهما وأتيت بهما إلى البيت فوجدت ابنة عمي تقول :
أني في هذا البيت مسكينة حزينة ليس لي معين إلا البكاء .
فلما دخلت وقعت من طولي ورميت السكين والدرهم من يدي وغشي علي فلما أفقت عرفتها بما حصل لي وقلت لها :
إني لم أنل أربي .
فاشتد حزنها علي لما رأت بكائي ووجدي ، وقالت لي :
إني عجزت عن النوم ، فلم تسمع نصحي فكلامي لا يفيدك شيئاً .
فقلت لها :
أسألك بالله أن تفسري لي إشارة السكين والدرهم الحديد .
فقالت :
إن الدرهم الحديد فإنها تشير بها إلى عينها اليمنى وأنها تقسم بها وتقول :
وحق رب العالمين وعين اليمين إن رجعت ثاني مرة ونمت لأذبحنك بهذه السكين وأنا خائفة عليك يا ابن عمي من مكرها وقلبي ملآن بالحزن عليك فما اقدر أن أتكلم فإن كنت تعرف من أنك إن رجعت إليها لا تنام فارجع إليها واحذر النوم فإنك تفوز بحاجتك وإن عرفت أنك إن رجعت إليها تنام على عادتك ثم رجعت إليها ونمت ذبحتك .
فقلت لها :
وكيف يكون العمل يا بنت عمي أسألك بالله أن تساعديني على هذه البلية .
فقالت :
على عيني ورأسي ولكن إن سمعت كلامي وأطعت أمري قضيت حاجتك .
فقلت لها :
إني أسمع كلامك ، وأطيع أمرك .
فقالت :
إذا كان وقت الرواح أقول لك .
ثم ضمتني إلى صدرها ووضعتني على الفراش ، ولا زالت تكسبني حتى غلبني النعاس واستغرقت في النوم فأخذت مروحة وجلست عند رأسي تروح على وجهي إلى آخر النهار ثم نبهتني فلما انتبهت وجدتها عند رأسي وفي يدها المروحة وهي تبكي ودموعها قد بلت ثيابها .
فلما رأتني استيقظت مسحت دموعها وجاءت بشيء من الأكل فامتنعت منه فقالت لي :
أما قلت لك اسمع مني وكل .
فأكلت ولم أخالفها صارت تضع الأكل في فمي وأنا أمضغ حتى امتلأت ثم أسقتني نقيع عناب السكر ، ثم غسلت يدي ونشفتها بمحرمة ، ورشت علي ماء الورد وجلست معها وأنا في عافية .
فلما أظلم الليل وألبستني ثيابي وقالت :
يا ابن عمي إسهر جميع الليل ولا تنم فإنها ما تأتيك في هذه الليلة إلا في آخر الليل ، وإن شاء الله تجتمع بها في هذه الليلة ولكن لا تنس وصيتي .
ثم بكت فأوجعتني قلبي عليها من كثرة بكائها ، وقلت لها :
ما الوصية التي وعدتني بها ?
فقالت لي :
إذا انصرفت من عندها فأنشدها البيت المقدم ذكره .
ثم خرجت من عندها وأنا فرحان ومضيت إلى البستان وطلعت المقعد وأنا شبعان فجلست وسهرت إلى ربع الليل ثم طال الليل علي حتى كأنه سنة فمكثت ساهراً ، حتى مضى ثلاثة أرباع الليلة وصاحت الديوك فاشتد عندي الجوع من السهر فقمت إلى السفرة وأكلت حتى اكتفيت فثقلت رأسي وأردت أن أنام وإذا بضجة على بعد فنهضت وغسلت يدي وفمي ، ونبهت نفسي فما كان إلا قليل وإذا بها أتت ومعها عشر جوار ، وهي بينهن كأنها البدر بين الكواكب وعليها حلة من الأطلس الأخضر مزركشة بالذهب الأحمر وهي كما قال الشاعر :
تتيه على العشاق في حلل خضـر ........ مفككة الأزرار محلولة الشعـر
فقلت لها ما الاسم قالت أنا التـي ........ كويت قلوب العاشقين على الجمر
شكوت لها ما أقاسي من الهـوى ........ فقالت إلى صخر شكوت ولم تدر
فقلت لها إن كان قلبك صـخـرة ........ فقد أنبع الله الزلال من الصخـر
فلما رأتني ضحكت وقالت :
كيف انتبهت ولم يغلب عليك النوم وحيث سهرت الليل علمت أنك عاشق ، لأن من شيم العشاق سهر الليل في مكابدة الأشواق .
ثم أقبلت علي الجواري وغمزتهن فانصرفن عنها وأقبلت علي وضمتني إلى صدرها وقبلتني وقبلتها ومصت شفتي التحتانية ومصصت شفتها الفوقانية ، ثم مددت يدي إلى خصرها وغمرته ، وما نزلنا في الأرض إلا سواء وحلت سراويلها فنزلت في خلال رجليها وأخذنا في الهراس والتعنيق والغنج والكلام الرقيق والعض وحمل السيقان إلى أن ارتخت مفاصلها وغشي عليها ودخلت في الغيبوبة وكانت تلك الليلة ، مسرة القلب وقرة الناظر كما قال فيها الشاعر :
أهنى ليالي الدهر عندي لـيلة ........ لم أخل فيها الكأس من أعمال
فرقت فيها بين جفني والكرى ........ وجمعت بين القرط والخلخال
فلما أصبح الصباح أردت الانصراف وإذا بها أمسكتني وقالت لي :
قف حتى أخبرك بشيء .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه




تكملة حكاية العاشق والمعشوق

الليلة الخامسة والأربعين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب قال لتاج الملوك قالت :
عندما أردت أن انصرف أمسكتني وقالت لي :
قف حتى أخبرك بشيء وأوصيك وصية .
فوقفت فحلت منديلاً وأخرجت هذه الخرقة ونشرتها قدامي فوجدت فيها صورة غزال على هذا المثال فتعجبت منها غاية العجب فأخذته من عندها وتواعدت وإياها أن أسعى إليها في كل ليلة في ذلك البستان ثم انصرفت من عندها وأنا فرحان ومن فرحي نسيت الشعر الذي أوصتني به بنت عمي وحين أعطتني الخرقة التي فيها صورة الغزال قالت لي :
هذا عمل أختي .
فقلت لها :
وما اسم أختك ?
قالت :
اسمها نور الهدى .
فاحتفظ بهذه الخرقة ثم ودعتها وانصرفت وأنا فرحان ومشيت إلى أن دخلت على ابنة عمي فوجدتها راقدة فلما رأتني قامت ودموعها تتساقط .
ثم أقبلت علي وقبلت صدري وقالت :
هل فعلت ما أوصيتك به من إنشاد بيت الشعر ?
فقلت لها :
إني نسيته وما شغلني عنه إلا صورة هذا الغزال ورميت الخرقة قدامها فقامت وقعدت ولم تطق الصبر وأفاضت دمع العين وأنشدت هذين البيتين:
يا طالباً للفراق مهـلاً ........ فلا يغرنك العـنـاق
مهلاً فطبع الـزمـان غدر ........ وآخر الصحبة الفراق
فلما فرغت من شعرها قالت :
يا ابن عمي هب لي هذه الخرقة .
فوهبتها لها فأخذتها ونشرتها ورأت ما فيها ، فلما جاء وقت ذهابي قالت ابنة عمي :
اذهب مصحوباً بالسلامة ولكن إذا انصرفت من عندها فأنشد بيت الشعر الذي أخبرتك به أولاً ونسيته .
فقلت لها :
أعيديه لي .
فأعادته ثم مضيت إلى البستان ودخلت المقعد فوجدت الصبية في انتظاري فلما رأتني قامت وقبلتني وأجلستني في حجرها ثم أكلنا وشربنا وقضينا أغراضنا كما تقدم ولا حاجة إلى الإعادة فلما أصبح الصباح أنشدتها بيت الشعر وهو :
ألا أيها العشاق باللـه خـبـروا ........ إذا اشتد عشق الفتى كيف يصنع
فلما سمعته هملت عيناها بالدموع وأنشدت :
يداري هواه ثـم يكـتـم سـره ........ ويصبر في كل الأمور ويخضع
فحفظته وفرحت بقضاء حاجة ابنة عمي فوجدتها راقدة ، وأمي عند رأسها تبكي على حالها فلما دخلت عليها قالت لي أمي :
تباً لك من ابن عم كيف تترك بنت عمك على استواء ولا تسأل عن مرضها ?
فلما رأتني ابنة عمي ، رفعت رأسها وقعدت وقالت لي :
يا عزيز هل أنشدتها البيت الذي أخبرتك به ?
فقلت :
نعم فلما سمعته بكت وأنشدتني بيتاً آخر ، وحفظته .
فقالت بنت عمي :
أسمعني إياه .
فأسمعتها إياه فبكت بكاءً شديداً وأنشدت هذا البيت :
لقد حاول الصبر الجميل ولم يجد ........ له غير قلب في الصبابة يجزع
ثم قالت ابنة عمي :
إذا ذهبت إليها على عادتك فأنشدها هذا البيت الذي سمعته .
فقلت لها :
سمعاً وطاعة .
ثم ذهبت إليها في البستان على العادة ، وكان بيننا ما كان ما يقصر عن وصفه اللسان فلما أردت الانصراف أنشدتها ذلك البيت وهو له إلى آخره فلما سمعته سالت مدامعها في المحاجر ، وأنشدت قول الشاعر :
فإن لم يجد صبراً لكتمـان سـره ........ فليس له عندي سوى الموت أنفع
فحفظته وتوجهت إلى البيت فلما دخلت على ابنة عمي وجدتها ملقاة مغشياً عليها وأمي جالسة عند رأسها ، فلما سمعت كلامي فتحت عينيها وقالت :
يا عزيز هل أنشدتها بيت الشعر ?
قلت لها :
نعم ولما سمعته بكت وأنشدتني هذا البيت فإن لم يجد إلى آخره .
فلما سمعته بنت عمي غشي عليها ثانياً فلما أفاقت أنشدت هذا البيت :
سمعنا أطعنا ثم متنـا فـبلـغوا ........ سلامي على كل من كان للوصل يمنع
ثم لما أقبل الليل مضيت إلى البستان على جري عادتي فوجدت الصبية في انتظاري فجلسنا وأكلنا وشربنا وعملنا حظنا ثم نمنا إلى الصباح ، فلما أردت الانصراف أنشدتها ما قالته ابنة عمي فلما سمعت ذلك صرخت صرخة عظيمة تضجرت وقالت :
والله إن قائلة هذا الشعر قد ماتت .
ثم بكت وقالت :
ويلك ما تقرب لك قائلة هذا الشعر ?
قلت لها :
إنها ابنة عمي .
قالت :
كذبت والله لو كانت ابنة عمك لكان عندك لها من المحبة مثل ما عندها لك فأنت الذي قتلتها قتلك الله كما قتلتها ، والله لو أخبرتني أن لك ابنة عم ما قربتك مني .
فقلت لها :
ابنة عمي كانت تفسر لي الإشارات التي كنت تشيرين بها إلي وهي التي علمتني ما أفعل معك وما وصلت إليك إلا بحسن تدبيرها .
فقالت :
وهل عرفت بنا ?
قلت :
نعم .
قالت :
حسرك الله على شبابك كما حسرتها على شبابها .
ثم قالت لي :
رح انظرها .
فذهبت وخاطري متشوش ، وما زلت ماشياً حتى وصلت إلى زقاقنا فسمعت عياطاً فسألت عنه فقيل :
إن عزيزة وجدناها خلف الباب ميتة .
ثم دخلت الدار فلما رأتني أمي قالت :
إن خطيئتها في عنقك لا سامحك الله من دمها .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه






تكملة حكاية العاشق والمعشوق

الليلة السادسة والأربعين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب قال لتاج الملوك :
ثم دخلت الدار فلما رأتي أمي قالت :
إن خطيئتها في عنقك لا سامحك الله من دمها .
ثم إن أبي جاء وجهزناها وشيعنا جنازتها ودفناها وعملنا على قبرها الختمات ومكثنا على القبر ثلاثة أيام ثم رجعت إلى البيت وأنا حزين عليها فأقبلت علي أمي وقالت لي :
إن قصدي أن أعرف ما كنت تفعله معها حتى فقعت مرارتها ، وإني يا ولدي كنت أسألها في كل الأوقات عن سبب مرضها فلم تخبرني به ولم تطلعني عليه فبالله عليك أن تخبرني بالذي كنت تصنعه معها حتى ماتت .
فقلت :
ما عملت شيئاً .
فقالت :
الله يقتص لها منك فإنها ما ذكرت شيئاً بل كتمت أمرها حتى ماتت وهي راضية ولما ماتت كنت عندها ففتحت عينيها وقالت لي :
يا امرأة عمي جعل الله ولدك في حل من دمي ولا آخذه بما فعل معي وإنما نقلني إلى الله من الدنيا الفانية إلى الآخرة الباقية .
فقلت لها :
يا ابنتي سلامتك وسلامة شبابك .
وصرت أسألها عن سبب مرضها فما تكلمت ثم تبسمت وقالت :
يا امرأة عمي إذا أراد ابنك أن يذهب إلى الموضع الذي عادته الذهاب إليه فقول له يقول هاتين الكلمتين عند انصرافه منه :
الوفاء مليح والغدر قبيح .
وهذه سفقة مني عليه لأكون شفيقة عليه في حياتي وبعد مماتي .
ثم أعطتني لك حاجة وحلفتني أني لا أعطيها لك حتى أراك تبكي عليها وتنوح الحاجة عندي فإذا رأيتك على الصفة التي ذكرتها أعطيتك إياها .
فقلت لها :
أريني إياها .
فما رضيت ثم إني اشتغلت بلذاتي ولم أتذكر موت ابنة عمي لأني كنت طائش العقل وكنت أود في نفسي أن أكون طول ليلي ونهاري عند محبوبتي وما صدقت أن الليل أقبل حتى مضيت إلى البستان فوجدت الصبية جالسة على مقالي النار من كثرة الانتظار فما صدقت أنها رأتني فبادرت إلي وتعلقت برقبتي وسألتني عن بنت عمي فقلت لها :
إنها ماتت وعملنا لها الذكر والختمات ومضى لها أربع ليالي وهذه الخامسة .
فلما سمعت ذلك صاحت وبكت وقالت :
أما قلت لك إنك قتلتها ولو أعلمتني بها قبل موتها لكنت كافأتها على ما فعلت معي من المعروف فإنها خدمتني وأوصلتك إلي ولولاها ما اجتمعت بك وأنا خائفة عليك أن تقع في مصيبة بسبب رزيتها .
فقلت لها :
إنها قد جعلتني في حل قبل موتها .
ثم ذكرت لها ما أخبرتني به أمي فقالت :
بالله عليك إذا ذهبت إلى أمك فاعرف الحاجة التي عندها .
فقلت لها :
إن أمي قالت لي :
إن ابنة عمك قبل أن تموت أوصتني وقالت لي :
إذا أراد ابنك أن يذهب إلى الموضع الذي عادته الذهاب إليه فقولي له هاتين الكلمتين :
الوفاء مليح والغدر قبيح .
فلما سمعت الصبية ذلك قالت :
رحمة الله عليها فإنها خلصتك مني وقد كنت أضمرت على ضررك فأنا لا أضرك ولا أشوش عليك .
فتعجبت من ذلك وقلت لها :
وما كنت تريدين قبل أن تفعليه معي وقد صار بيني وبينك مودة ?
فقالت لي :
أنت مولع بي ولكنك صغير السن وقلبك خال من الخداع فأنت لا تعرف مكرنا ولا خداعنا ، ولو كانت في قيد الحياة لكانت معينة لك فإنها سبب سلامتك حتى أنجتك من الهلكة ، والآن أوصيك أن لا تتكلم مع واحدة ولا تخاطب واحدة من أمثالنا لا صغيرة ولا كبيرة ، فإياك ثم إياك ذلك لأنك غير عارف بخداع النساء ولا مكرهن والتي تفسر لك الإشارات قد ماتت وإني أخاف عليك أن تقع في رزية فلا تجد من يخلصك منها بعد موت بنت عمك .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





تكملة حكاية العاشق والمعشوق

الليلة السابعة والأربعين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب قال لتاج الملوك :
ثم إن الصبية قالت :
فواحسرتاه على بنت عمك وليتني علمت بها قبل موتها حتى أكافئها على ما فعلت معي من المعروف رحمة الله تعالى عليها فإنها كتمت سرها ولم تبح بما عندها ولولاها ما كنت تصل إلي أبداً وإني أشتهي عليك أمراً .
فقلت :
ما هو ?
قالت :
إن توصلني إلى قبرها حتى أزورها في القبر الذي هي فيه وأكتب عليه أبياتاً .
فقلت لها :
في غد إن شاء الله تعالى .
ثم إني نمت معها تلك الليلة وهي بعد كل ساعة تقول لي :
ليتك أخبرتني بابنة عمك قبل موتها .
فقلت لها :
ما معنى هاتين الكلمتين اللتين قالتهما وهما الوفاء مليح والغدر قبيح ?
فلم تجبني .
فلما أصبح الصباح قامت وأخذت كيساً فيه دنانير وقالت لي :
قم وأرني قبرها حتى أزوره وأكتب عليه أبياتاً وأعمل عليه قبة وأترحم عليها وأصرف هذه الدنانير صدقة على روحها .
فقلت لها :
سمعاً وطاعة .
ثم مشيت قدامها ومشت خلفي وصارت تتصدق وهي ماشية في الطريق وكلما تصدقت صدقة تقول :
هذه الصدقة على روح عزيزة التي كتمت سرها حتى شربت كأس مناياها ولم تبح بسر هواها .
ولم تزل تتصدق من الكيس وتقول :
على روح عزيزة .
حتى وصلنا القبر ونفذ ما في الكيس ، فلما عاينت القبر رمت روحها عليه وبكت بكاء شديداً ، ثم إنها أخرجت بكاراً من الفولاذ ومطرقة لطيفة وخطب بالبيكار على الحجر الذي على رأس القبر خطاً لطيفاً ورسمت هذه الأبيات :
مرت بقبر دارس وسـط روضة ........ عليه من النعمان سبع شـقـائق
فقلت لمن ذا القبر جاوبني الثرى ........ تأدب فهذا القبر برزخ عـاشـق
فقلت رعاك الله يا ميت الـهـوى ........ وأسكنك الفردوس أعلى الشواهق
مساكين أهل العشق حتى قبورهم ........ عليها تراب الذل بين الـخـلائق
فإن أستطع زرعاً زرعتك روضة ........ وأسقيتها من دمعي المتـدافـق
ثم بكت بكاء شديداً وقامت وقمت معها وتوجهنا إلى البستان فقالت لي :
سألتك بالله أن لا تنقطع عني أبداً .
فقلت :
سمعاً وطاعة .
ثم إني صرت أتردد عليها وكلما بت عندها تحسن إلي وتكرمني وتسألني عن الكلمتين اللتين قالتهما ابنة عمي ومكثت مستغرقاً في تلك اللذات سنة كاملة ، وعند رأس السنة دخلت الحمام وأصلحت شأني ولبست بدلة فاخرة من الحمام وشربت قدحاً من الشراب وشممت روائح قماشي المضمغ بأنواع الطيب وأنا خالي القلب من غدرات الزمان وطواق الحدثان فلما جاء وقت العشاء اشتاقت نفسي إلى الذهاب إليها وأنا سكران لا أدري أين أتوجه ، فذهبت إليها فمال بي السكر إلى زقاق يقال له :
زقاق النقيب فبينما أنا ماش في ذلك لزقاق وإذا بعجوز ماشية وفي إحدى يديها شمعة مضيئة وفي يدها الأخرى كتاب ملفوف .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه



تكملة حكاية العاشق والمعشوق

الليلة الثامنة والأربعين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب الذي اسمه عزيز قال لتاج الملوك :
فلما دخلت الزقاق الذي يقال له زقاق النقيب فمشيت فيه فبينما أنا ماش في ذلك الزقاق وإذا بعجوز ماشية وفي إحدى يديها شمعة مضيئة وفي يدها الأخرى كتاب ملفوف فتقدمت إليها وهي باكية العين وتنشد هذين البيتين :
له در مباشـري لقدومكـم ........ فلقد أتى بلطائف المسموع
لو كان يقنع بالخليع وهبته ........ قلباً تمزق ساعة التـوديع
فلما رأتني قالت لي :
يا ولدي هل تعرف أن تقرأ ?
فقلت لها :
نعم يا خالتي العجوز .
فقالت لي :
خذ هذا الكتاب واقرأه .
وناولتني إياه فأخذته منها وفتحته وقرأت مضمونه إنه كتاب من عند الغياب بالسلام على الأحباب فلما سمعته فرحت واستبشرت ودعت لي وقالت :
فرج الله همك كما فرجت همي .
ثم أخذت الكتاب ومشت خطوتين وغلبني حصر البول فقعدت في مكان لأريق الماء ثم إني قمت وتجمرت وأرخيت أثوابي واردت أن أمشي وإذا بالعجوز قد أقبلت علي وقبلت يدي وقالت :
يا مولاي الله تعالى يهنيك بشبابك ولا يفضحك أترجاك أن تمشي معي خطوات إلى ذلك الباب فإني أخبرتهم بما أسمعتني إياه من قراءة الكتاب فلم يصدقون فامش معي خطوتين واقرأ لهم الكتاب من خلف الباب واقبل دعائي لك .
فقلت لها :
وما قصة هذا الكتاب ?
فقالت لي :
يا ولدي هذا الكتاب جاء من عند ولدي وهو غائب عني مدة عشرة سنين فإنه سافر بمتجر ومكث في الغربة تلك المدة فقطعنا الرجاء منه وظننا أنه مات ثم وصل إلينا منه هذا الكتاب وله أخت تبكي عليه في مدة غيابه آناء الليل وأطراف النهار .
فقلت لها :
إنه طيب بخير فلم تصدقني .
وقالت لي :
لابد أن تأتيني بمن يقرأ هذا الكتاب فيخبرني حتى يطمئن قلبي ويطيب خاطري وأنت تعلم يا ولدي أن المحب مولع بسوء الظن فأنعم علي بقراءة هذا الكتاب وأنت واقف خلف الستارة وأخته تسمع من داخل الباب لأجل أن يحصل لك ثواب من قضى لمسلم حاجة نفس عنه كربة ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
من نفس عن مكروب كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه اثنتين وسبعين كربة من كرب يوم القيامة وأنا قصدتك فلا تخيبني .
فقلت لها :
سمعاً وطاعة .
وتقدمت فمشت قدامي ومشيت خلفها قليلاً حتى وصلت إلى باب دار عظيمة وذلك الباب مصفح بالنحاس الأحمر فوقفت خلف الباب وصاحت العجوز بالعجمية فما أشعر إلا وصبية قد أقبلت بخفة ونشاط فلما رأتني قالت بلسان فصيح عذب :
ما سمعت أحلى منه يا أمي أهذا الذي جاء يقرأ الكتاب ?
فقالت لها :
نعم .
فمدت يدها إلي بالكتاب وكان بينها وبين الباب نحو نصف قصبة فمددت يدي لأتناول الكتاب وأدخلت رأسي وأكتافي من الباب لأقترب فما أدري إلا والعجوز قد وضعت رأسها في ظهري ويدي ماسكة الباب فالتفت فرأيت نفسي في وسط الدار من داخل الدهليز ودخلت العجوز أسرع من البرق الخاطف ولم يكن لها شغل إلا قفل الباب .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه




تكملة حكاية العاشق والمعشوق

الليلة التاسعة والأربعين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب قال لتاج الملوك :
إن الصبية لما رأتني من داخل الباب بالدهليز أقبلت علي وضمتني إلى صدرها ثم قالت لي :
يا عزيزي أي الحالتين أحب إليك : الموت أم الحياة ?
فقلت لها :
الحياة .
فقالت :
إذا كانت الحياة أحب إليك فتزوج بي .
فقلت :
أنا أكره أن أتزوج بمثلك .
فقالت لي :
إن تزوجت بي تسلم من بنت الدليلة المحتالة .
فقلت لها :
ومن الدليلة المحتالة ?
فضحكت وقالت :
كيف لا تعرفها وأنت لك في صحبتها اليوم سنة وأربعة شهور أهلكها الله تعالى ، والله ما يوجد أمكر منها ، وكم شخصاً قتلت قبلك وكم عملة وكيف سلمت منها ولم تقتلك أو تشوش عليك ولك في صحبتها هذه المدة ?
فلما سمعت كلامها تعجبت غاية العجب ، فقلت لها :
يا سيدتي ومن عرفك بها ?
فقالت :
أنا أعرفها مثل ما يعرف الزمان مصائبه لكن قصدي أن تحكي لي جميع ما وقع لك منها حتى أعرف ما سبب سلامتك منها .
فحكيت لها جميع ما جرى لي معها ومع ابنة عمي عزيزة وقالت :
عوضك الله فيها خيراً يا عزيز فإنها هي سبب سلامتك من بنت الدليلة المحتالة ، ولولاها لكنت هلكت وأنا خائفة عليك من مكرها وشرها ولكن ما أقدر أن أتكلم .
فقلت لها :
والله إن ذلك كله قد حصل .
فهزت رأسها وقالت :
لا يوجد اليوم مثل عزيزة .
فقلت :
وعند موتها أوصتني أن أقول هاتين الكلمتين لا غير وهما :
الوفاء مليح والغدر قبيح .
فلما سمعت ذلك مني ، قالت :
يا عزيز والله إن هاتين الكلمتين هما اللتان خلصتاك منها وبسببهما ما قتلتك فقد خلصتك بنت عمك حية وميتة والله إني كنت أتمنى الاجتماع بك ولو يوماً واحداً فلم أقدر على ذلك إلا في هذا الوقت حتى تحيلت عليك بهذه الحيلة وقد تمت وأنت الآن صغير لا تعرف مكر النساء ولا دواهي العجائز .
فقلت :
لا والله .
فقالت لي :
طب نفساً وقر عيناً فإن الميت مرحوم والحي ملطوف وأنت شاب مليح وأنا ما أريدك إلا بسنة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ومهما أردت من مال وقماش يحضر لك سريعاً ولا أكلفك بشيء أبداً وأيضاً عندي دائماً الخبز مخبوز والماء في الكوز وما أريد منك إلا أن تعمل معي كما يعمل الديك .
فقلت لها :
وما الذي يعمله الديك ?
فضحكت وصفقت بيدها ووقعت على قفاها من شدة الضحك ، ثم إنها قعدت وقالت لي :
أما تعرف صنعة الديك ?
فقلت لها :
والله ما أعرف صنعة الديك .
قالت :
صنعة الديك أن تأكل وتشرب وتنكح .
فخجلت أنا من كلامها ثم إني قلت :
هذه صنعة الديك ?
قالت :
نعم وما أريدك إلا أن تشد وسطك وتقوي عزمك وتنكح .
ثم إنها صفقت بيدها وقالت :
يا أمي أحضري من عندك .
وإذا بالعجوز قد أقبلت بأربعة شهود عدول ثم إنها أوقدت أربع شمعات فلما دخل الشهود سلموا علي وجلسوا فقامت الصبية وأرخت عليها إزاراً ووكلت بعضهم في ولاية عقدها وقد كتبوا الكتاب وأشهدت على نفسها أنها قبضت جميع المهر مقدماً ومؤخراً وأن في ذمتها إلي عشرة آلاف درهم .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه




تكملة حكاية العاشق والمعشوق

الليلة الخمسين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب قال لتاج الملوك :
ثم إنها أعطت الشهود أجرتهم وانصرفوا من حيث أتوا فعند ذلك قامت الصبية وقلعت أثوابها وأتت في قميص رفيق مطرز بطراز من الذهب وقلعت سروالها وأخذت بيدي وطلعت بي فوق السرير وقالت لي :
ما الحلال من عيب .
ووقعت على السرير وانسطحت على ظهرها ورمتني على بطنها ثم شهقت شهقة وأتبعت الشهقة بغنجة ثم كشفت الثوب حتى جعلته فوق نهديها فلما رأيتها على تلك الحالة لم أتمالك نفسي دون أن أنكحها بعد أن مصصت شفتها وهي تتأوه وتظهر الخشوع والخضوع والبكاء والدموع .
ثم قالت :
يا حبيبي أعمل خلاصك فأنا جاريتك .
ولم تزل تسمعني الغنج والشهيق في خلال البوس والتعنيق ، حتى صار صياحنا في الطريق وحظينا بالسعادة والتوفيق ثم نمنا إلى الصباح وأردت أن أخرج وإذا هي أقبلت علي ضاحكة وقالت :
هل تحسب أن دخول الحمام مثل خروجه وما أظن إلا أنك تحسبني مثل بنت الدليلة المحتالة إياك وهذا الظن فما أنت إلا زوجي بالكتاب والسنة وإن كنت سكران فأفق لعقلك إن هذه الدار التي أنت فيها لا تفتح إلا في كل سنة يوم قم إلى الباب الكبير وانظره .
فقمت إلى الباب الكبير فوجدته مغلقاً مسمراً ، فقالت :
يا عزيز إن عندنا من الدقيق والحبوب والفواكه والرمان والسكر واللحم والغنم والدجاج وغير ذلك ما يكفينا أعواماً عديدة ولا يفتح بابنا من هذه الليلة إلا بعد سنة .
فقلت :
لا حول ولا قوة إلا بالله .
فقالت :
وأي شيء يضرك وأنت تعرف صنعة الديك التي أخبرتك بها ?
ثم ضحكت فضحكت أنا وطاوعتها فيما قالت ومكثت عندها وأنا أعمل صنعة الديك آكل واشرب وأنكح حتى مر علينا عام ، إثني عشر شهراً .
فلما كملت السنة حملت مني ورزقت منها ولداً وعند رأس السنة سمعت فتح الباب ، وإذا بالرجال دخلوا بكعك ودقيق وسكر فأردت أن أخرج فقالت :
اصبر إلى وقت العشاء ومثلما دخلت فأخرج .
فصبرت إلى وقت العشاء وأردت أن أخرج وأنا خائف مرجوف وإذا هي قالت :
والله ما أدعك تخرج حتى أحلفك أنك تعود في هذه الليلة ، قبل أن يغلق الباب .
فأجبتها إلى ذلك وحلفتني بالإيمان الوثيقة على السيف والمصحف والطلاق أني أعود إليها ثم خرجت من عندها ومضيت إلى البستان فوجدته مفتوحاً كعادته فاغتظت وقلت في نفسي :
إني غائب عن هذا المكان سنة كاملة وجئت على غفلة فوجدته مفتوحاً يا ترى هل الصبية باقية على حالها أولا فلا بد أن أدخل وأنظر قبل أن أروح إلى أمي وأنا في وقت العشاء .
ثم دخلت البستان .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه
حمودي2009 غير متصل  
قديم 02-08-2009, 09:49 PM   #15 (permalink)
حمودي2009
رومانسي مجتهد
 
الصورة الرمزية حمودي2009
 
ليلة الحادية والخمسين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن عزيز قال لتاج الملوك :
ثم دخلت البستان ومشيت حتى أتيت المقعد فوجدت بنت دليلة المحتالة جالسة ورأسها على ركبتها ويدها على خدها وقد تغير لونها وغارت عيناها فلما رأتني قالت :
الحمد لله على السلامة وهمت أن تقوم فوقعت من فرحتها .
فاستحييت منها ، وطأطأت رأسي .
ثم تقدمت إليها وقبلتها وقلت لها :
كيف عرفت أني أجيء إليك في هذه الساعة ?
قالت :
لا علم لي بذلك والله إن لي سنة لم أذق فيها نوماً بل أسهر كل ليلة في انتظار ، وأنا على هذه الحالة من يوم خرجت من عندي وأعطيتك البدلة القماش الجديدة ووعدتني أنك تجيء إلي وقد انتظرتك فما أتيت لا أول ليلة ولا ثاني ليلة ولا ثالث ليلة فاستمريت منتظرة لمجيئك والعاشق هكذا يكون وأريد أن تحكي لي ما سبب غيابك عني هذه السنة ?
فحكيت لها .
فلما علمت أني تزوجت اصفر لونها ثم قلت لها :
إني أتيتك هذه الليلة وأروح قبل الصباح .
فقالت :
أما كفاها أنها تزوجت بك وعملت عليك حيلة وحبستك عندها سنة كاملة حتى حلفتك بالطلاق أن تعود إليها قبل الصباح ولم تسمح لك بأن تتفسح عند أمك ولا عندي ولم يهن عليها أن تبيت عند أحدنا ليلة واحدة فكيف حال من غبت عنها سنة كاملة وقد عرفتك قبلها ? ولكن رحم الله عزيزة فإنها جرى لها ما لم يجر لأحد وصبرت على شيء لم يصبر عليه مثلها وماتت مقهورة منك وهي التي حمتك مني ، وكنت أظنك تجيء فأطلقت سبيلك مع أني كنت أقدر على حبسك وعلى هلاكك .
ثم بكت واغتاظت ونظرت إلي بعين الغضب .
فلما رأيتها على تلك الحالة ارتعدت فرائصي وخفت منها وصرت مثل الفولة على النار ثم قالت لي :
ما بقي فيك فائدة بعدما تزوجت وصار لك ولد فأنت لا تصلح لعشرتي لأنه لا ينفعني إلا الأعزب وأما الرجل المتزوج فإنه لا ينفعني وقد بعتني بتلك العاهرة والله لأحسرنها عليك وتصير لي ولا لها .
ثم صاحت فما أدري إلا وعشر جوار أتين ورمينني على الأرض فلما وقعت تحت أيديهن قامت هي وأخذت سكيناً وقالت :
لأذبحنك ذبح التيوس ويكون هذا أقل جزاء لك على ما فعلت مع ابنة عمك .
فلما نظرت إلى روحي وأنا تحت جواريها وتعفر خدي بالتراب ورأيت السكين في يدها تحققت الموت .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه




تكملة حكاية العاشق والمعشوق

الليلة الثانية والخمسين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان قال لضوء المكان :
ثم إن الشاب عزيز قال لتاج الملوك :
ثم استغثت بها فلم تزدد إلا قسوة وأمرتهن أن يكتفنني فكتفنني ورمينني على ظهري وجلسن على بطني وأمسكن رأسي ، وقامت جاريتان فأمرتهما أن يضرباني فضرباني حتى أغمي علي وخفي صوتي فلما استفقت قلت في نفسي :
إن موتي مذبوحاً أهون علي من هذا الضرب .
وتذكرت كلمة ابنة عمي حيث قالت :
كفاك الله شرها .
فصرخت وبكيت حتى انقطع صوتي ثم سنت السكين وقال للجواري :
اكشفن عنه .
فألهمني الله أن أقول الكلمتين اللتين أوصتني بهما ابنة عمي وهما :
الوفاء مليح والغدر قبيح .
فلما سمعت ذلك صاحت وقالت :
رحمك الله يا عزيزة سلامة شبابك ، نفعت ابن عمك في حياتك وبعد موتك .
ثم قالت لي :
والله إنك خلصت من يدي بواسطة هاتين الكلمتين لكن لابد أن أعمل فيك أثراً لأجل نكاية تلك العاهرة التي حجبتك عني .
ثم صاحت علي .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .





تكملة حكاية العاشق والمعشوق

الليلة الثالثة والخمسين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن عزيز قال :
وصاحت على الجواري وقالت لهن :
اركبن عليه .
وأمرتهن أن يربطن رجلي بالحبال ففعلن ذلك ، ثم قامت من عندي وركبت طاجناً من نحاس على النار وصبت فيه سيرجاً وقلت فيه جبناً وأنا غائب عن الدنيا ثم جاءت عندي وحلت سروالي وفعلت بي ما منع رجولتي .
وبقيت مثل المرأة ثم كوت موضع القطع وكبسته بذرور وأنا مغمى علي .
فلما أفقت كان الدم قد انقطع فأسقتني قدحاً من الشراب ثم قالت لي :
رح الآن لمن تزوجت بها وبخلت علي بليلة واحدة رحم الله ابنة عمك التي هي سبب نجاتك ولولا أنك أسمعتني كلمتيها لكنت ذبحتك فاذهب في هذه الساعة لمن تشتهي ، وأنا ما كان لي عندك سوى ما قطعته والآن ما بقي لي فيك رغبة ولا حاجة لي بك فقم وملس على رأسك وترحم على ابنة عمك .
ثم رفستني برجلها فقمت وما قدرت أن أمشي فتمشيت قليلاً قليلاً ، حتى وصلت إلى الباب فوجدته مفتوحاً فرميت نفسي فيه وأنا غائب عن الوجود وإذا بزوجتي خرجت وحملتني وأدخلتني القاعة فوجدتني مثل المرأة فنمت واستغرقت في النوم فلما صحوت وجدت نفسي مرمياً على باب البستان .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه




تكملة حكاية العاشق والمعشوق

الليلة الرابعة والخمسين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندن قال للملك ضوء المكان :
ثم إن الشاب عزيز قال لتاج الملوك :
فلما صحوت وجدت نفسي مرمياً على باب البستان فقمت وأنا أتضجر وتمشيت حتى أتيت إلى منزلي فدخلت فيه فوجدت أمي تبكي علي وتقول :
يا هل ترى يا ولدي أنت في أي أرض ?
فدنوت منها ورميت نفسي عليها فلما نظرت إلي ورأتني وجدتني على غير استواء وصار على وجهي الاصفرار والسواد ، ثم تذكرت ابنة عمي وما فعلت معي من المعروف وتحققت أنها كانت تحبني فبكيت عليها وبكت أمي ، ثم قالت إلي :
ولدي إن والدك قد مات .
فازددت غيظاً وبكيت حتى أغمي علي . فلما أفقت نظرت إلى موضع ابنة عمي التي كانت تقعد فيه فبكيت ثانياً حتى أغمي علي من شدة البكاء وما زلت في بكاء ونحيب إلى نصف الليل فقالت لي أمي :
إن لوالدك عشرة أيام وهو ميت .
فقلت لها :
أنا لا أفكر في أحد أبداً غير ابنة عمي لأني أستحق ما حصل لي حيث هملتها وهي تحبني .
فقالت :
وما حصل لك ?
فحكيت لها ما حصل لي .
فبكت ساعة ، ثم قامت وأحضرت لي شيئاً من المأكول فأكلت قليلاً وشربت وأعدت لها قصتي ، وأخبرتها جميع ما وقع لي فقالت :
الحمد لله حيث جرى لك هذا وما ذبحتك .
ثم إنها عالجتني وداوتني حتى برأت وتكاملت عافيتي فقالت لي :
يا ولدي الآن أخرج لك الوديعة التي أودعتها ابنة عمك عندي فإنها لك وقد حلفتني أني لا أخرجها لك حتى أراك تتذكرها وتحزن عليها وتقطع علائقك من غيرها والآن رجوت فيك هذه الخصال .
ثم قامت وفتحت صندوقاً وأخرجت منه هذه الخرقة التي فيها صورة هذا الغزال وهي التي وهبتها لها أولاً فلما أخذتها وجدت مكتوباً فيها هذه الأبيات :
أقمتم عيوني في الهوى وأقعدتم ........ وأسهرتموا جفني القريح ونمتم
وقد حملتوا بين الفؤاد وناظـري ........ فلا القلب يسلوكم ولو ذاب منكم
وعاهدتموني أنكم كاتموا الهـوى ........ فأغراكم الواشي وقال وقلتـم
فبالله إخوانـي إذا مـت فاكتبـوا ........ على لوح قبري إن هذا متـيم
فلما قرأت هذه الأبيات بكيت بكاء شديداً ولطمت على وجهي وفتحت الرقعة فوقعت منها ورقة أخرى ففتحتها فإذا مكتوب فيها :
اعلم يا ابن عمي أني جعلتك في حل من دمي وأرجو الله أن يوفق بينك وبين من تحب ولكن إذا أصابك شيء من دليلة المحتالة فلا ترجع إليها ولا لغيرها وبعد ذلك فاصبر على بليتك ولولا أجلك المحتم لهلكت من الزمان الماضي ولكن الحمد لله الذي جعل يومي قبل يومك وسلامي عليك واحتفظ على هذه الخرقة التي فيها صورة الغزال ولا تفرط فيها فإن تلك الصورة كانت تؤانسني إذا غبت عني .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





تكملة حكاية العاشق والمعشوق

الليلة الخامسة والخمسين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان قال لضوء المكان :
ثم إن الشاب عزيز قال لتاج الملوك :
إن ابنة عمي قالت لي :
إن قدرت على من صورت هذه الصورة ينبغي أنك تتباعد عنها ولا تخلها تقرب منك ، ولا تتزوج بها وإن لم تقدر عليها ولا تجد لك إليها سبيلاً فلا تقرب واحدة من النساء بعد واعلم أن التي صورت هذه الصورة تصور في كل سنة صورة مثلها وترسلها إلي إلى أقصى البلاد لأجل أن يشيع خبرها وحسن صنعتها التي يعجز عنها أهل الأرض وأما محبوبتك الدليلة المحتالة ، فإنها لما وصلت إليها هذه الخرقة التي فيها صورة الغزال صارت تريها للناس وتقول لهم :
إن لي أختاً تصنع هذا مع أنها كاذبة في قولها هتك الله سترها وما أوصيتك بهذه الوصية إلا لأنني أعلم أن الدنيا قد تضيق عليك بعد موتي وربما تتغرب بسبب ذلك وتطوف البلاد وتهيم بصاحبة هذه الصورة فتتشوق نفسك إلى معرفتها واعلم أن الصبية التي صورت هذه الصورة بنت ملك جزائر الكافور .
فلما قرأت تلك الورقة وفهمت ما فيها بكيت وبكت أمي لبكائي وما زلت أنظر إليها وأبكي إلى أن اقبل الليل ولم أزل على تلك الحالة مدة سنة وبعد السنة تجهز تجار من مدينتي إلى السفر وهم هؤلاء الذين أنا معهم في القافلة فأشارت علي أمي أن أتجهز وأسافر معهم وقالت لي :
لعل السفر يذهب ما بك من هذا الحزن وتغيب سنة أو سنتين أو ثلاثاً حتى تعود القافلة فلعل صدرك ينشرح .
وما زالت تلاطفني بالكلام حتى جهزت متجراً وسافرت معهم وأنا لم تنشف لي دمعة مدة سفري وفي كل منزلة ننزل بها أنشر هذه الخرقة قدامي وأنظر إلى هذه الصورة فأتذكر ابنة عمي وأبكي عليها كما تراني فإنها كانت تحبني محبة زائدة وقد ماتت مقهورة مني وما فعلت معها إلا الضرر مع أنها لم تفعل معي إلا الخير ومتى رجعت التجار من سفرهم أرجع معهم وتكمل مدة غيابي سنة وأنا في حزن زائد ، وما زاد همي وحزني إلا لأني جزت علي جزائر الكافور وقلعة البلور وهي سبع جزائر والحاكم عليهم ملك يقال له شهرمان وله بنت يقال لها دنيا فقيل لي إنها هي التي تصور صورة الغزلان وهذه الصورة التي معك من جملة تصويرها .
فلما علمت ذلك زادت بي الأشواق وغرقت في بحر الفكر والاحتراق ، فبكيت على روحي لأني بقيت مثل المرأة ولم تبق لي آلة مثل الرجال ولا حيلة لي ومن يوم فراقي لجزائر الكافور وأنا باكي العين حزين القلب ولي مدة على هذا الحال وما أدري هل يمكنني أن أرجع إلى بلدي وأموت عند والدتي أو لا وقد شبعت من الدنيا .
ثم بكى وأن واشتكى ونظر إلى صورة الغزال وجرى دمعه على خده وسال وأنشد هذين البيتين :
وقائل قال لـي لا بـد مـن فـرج ........ فقلت للغيظ كم لا بد مـن فـرج
فقال لي بعد حين قلت يا عجـبـي ........ من يضمن العمر لي يا بارد الحجج
وهذه حكايتي أيها الملك .
فلما سمع تاج الملوك قصة الشاب ، تعجب غاية العجب وانطلقت من فؤاده النيران حين سمع بجمال السيدة دنيا .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه




تكملة حكاية العاشق والمعشوق

الليلة السادسة والخمسين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان قال لضوء المكان :
ثم إن تاج الملوك قال للشاب :
والله لقد جرى لك شيء ما جرى لأحد مثله ، ولكن هذا تقدير ربك وقصدي أن أسألك عن شيء .
فقال عزيز :
وما هو ?
فقال :
تصف لي كيف رأيت تلك الصبية التي صورت الغزال .
فقال :
يا مولاي إني توصلت إليها بحيلة وهو أني لما دخلت مع القافلة إلى بلادها كنت أخرج وأدور في البساتين وهي كثيرة الأشجار ، وحارس البساتين شيخ طاعن في السن فقلت له :
لمن هذا البستان ?
فقال لي :
لابنة الملك ، تخرج في البستان فتشم رائحة الأزهار .
فقلت له :
أنعم علي بأن أقعد في هذا حتى تمر علي أن أحظى منها بنظرة .
فقال الشيخ :
لا بأس بذلك .
فلما قال ذلك أعطيته بعض الدراهم وقلت له :
اشتر لنا شيئاً نأكله .
ففرح بأخذ الدراهم وفتح الباب وأدخلني معه وسرنا وما زلنا سائرين إلى أن وصلنا إلى مكان لطيف وأحضر لي شيئاً من الفواكه اللطيفة وقال لي :
اجلس هنا حتى أذهب وأعود إليك .
وتركني ومضى فغاب ساعة ثم رجع ومعه خروف مشوي فأكلنا حتى اكتفينا وقلبي مشتاق إلى رؤية الصبية فبينما نحن جالسون وإذا بالباب قد انفتح ، فقال لي :
قم اختف .
واختفيت وإذا بطواشي أسود أخرج رأسه من الباب وقال :
يا شيخ باب البستان .
وإذا بالسيدة دنيا طلعت من الباب فلما رأيتها ظننت أن القمر نزل في الأرض فاندهش عقلي وصرت مشتاق إليها كاشتياق الظمآن إلى الماء وبعد ساعة أغلقت الباب ومضت .
فعند ذلك خرجت أنا من البستان وقصدت منزلي وعرفت أني لا أصل إليها ولا أنا من رجالها خصوصاً وقد صرت مثل المرأة فقلت في نفسي :
إن هذه ابنة الملك وأنا تاجر فمن أين لي أن أصل إليها .
فلما تجهز أصحابي للرحيل تجهزت أنا وسافرت معهم وهم قاصدون هذه المدينة ، فلما وصلنا إلى هذا الطريق اجتمعنا بك وهذه حكايتي وما جرى لي والسلام .
فلما سمع تاج الملوك ذلك الكلام اشتغل قلبه بحب السيدة دنيا ثم ركب جواده وأخذ معه عزيز وتوجه به إلى مدينة أبيه وأفرد له داراً ووضع له فيها كل ما يحتاج إليه ، ثم تركه ومضى ودموعه جارية على خدوده لأن السماع يحل محل النظر والاجتماع وما زال تاج الملوك على تلك الحالة ، حتى دخل عليه أبوه فوجده متغير اللون فعلم أنه مهموم ومغموم فقال له :
يا ولدي أخبرني عن حالك وما جرى لك حتى تغير لونك .
فأخبره بجميع ما جرى له من قصة دنيا من أولها إلى آخرها ، وكيف عشقها على السماع ولم ينظرها بالعين ، فقال له والده :
يا ولدي إن أباها ملك وبلاده بعيدة عنا ، فدع عنك هذا وادخل قصر أمك .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه




تكملة حكاية العاشق والمعشوق

الليلة السابعة والخمسين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن والد تاج الملوك قال له :
يا ولدي إن أباها ملك وبلاده بعيدة عنا فدع عنك هذا وادخل قصر أمك فإن فيه خمسمائة جارية كالأقمار فمن أعجبتك منهن فخذها وإن لم تعجبك منهن نخطب بنتاً من بنات الملوك تكون أحسن من السيدة دنيا .
فقال له :
يا والدي لا أريد غيرها وهي التي صورت صورة الغزال التي رأيتها فلا بد منها وإلا أهجج في البراري واقتل روحي بسببها .
فقال له :
يا ولدي أمهل علي حتى أرسل إلى أبيها وأخطبها منه وأبلغك المرام مثل ما فعلت لنفسي مع أمك وإن لم يرض زلزلت عليه مملكته وجردت عليه جيشاً يكون آخره عندي وأوله عنده .
ثم دعا الشاب عزيز وقال :
يا ولدي هل أنت تعرف الطريق ?
قال :
نعم .
قال له :
أشتهي منك أن تسافر مع وزيري .
فقال له :
سمعاً وطاعة .
ثم جهز عزيز مع وزيره وأعطاهم الهدايا فسافروا أياماً وليالي إلى أن أشرفوا على جزائر الكافور فأقاموا على شاطئ نهر وأنفذ الوزير رسولاً من عنده إلى الملك ليخبره بقدومهم ، وبعد ذهاب الرسول بنصف يوم لم يشعر إلا وحجاب الملك وأمراؤه قد أقبلوا عليهم ولاقوهم من مسيرة فرسخ فنقلوهم وساروا في خدمتهم إلى أن دخلوا بهم على الملك فقدموا له الهدايا وأقاموا عنده أربعة أيام وفي اليوم الخامس قام الوزير ودخل على الملك ووقف بين يديه وحدثه بحديثه وأخبره بسبب مجيئه فصار الملك متحيراً في رد الجواب لأن ابنته لا تحب الزواج وأطرق برأسه إلى الأرض ساعة ثم رفع رأسه إلى بعض الخدام وقال له :
اذهب إلى سيدتك دنيا وأخبرها بما سمعت وبما جاء به هذا الوزير .
فقام الخادم وغاب ساعة ثم عاد إلى الملك وقال له :
يا ملك الزمان لما دخلت على السيدة دنيا أخبرتها بما سمعت فغضبت غضباً شديداً ، ونهضت علي بمسوقة وأرادت كسر رأسي ففررت منها هارباً وقالت لي :
إن كان يغصبني على الزواج فالذي أتزوج به أقتله .
فقال أبوها للوزير وعزيز :
سلما على الملك وأخبراه بذلك وإن ابنتي لا تحب الزواج .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه






تكملة حكاية العاشق والمعشوق

الليلة الثامنة والخمسين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد انه عند ذلك رجع الوزير ومن معه من غير فائدة وما زالوا مسافرين إلى أن دخلوا على الملك وأخبروه ، فعند ذلك أمر النقباء أن ينبهوا العسكر إلى السفر من أجل الحرب والجهاد فقال له الوزير :
لا تفعل ذلك فإن الملك لا ذنب له وإنما الامتناع من ابنته فإنها حين علمت بذلك أرسلت تقول :
إن غصبني على الزواج أقتل من أتزوج به وأقتل نفسي بعده .
فلما سمع الملك كلام الوزير خاف على ولده تاج الملوك وقال :
إن حاربت أباها وظفرت بابنته قتلت نفسها .
ثم إن الملك أعلم ابنه تاج الملوك بحقيقة الأمر فلما علم بذلك قال لأبيه :
يا والدي أنا لا أطيق الصبر عنها فأنا أروح إليها وأتسبب في اتصالي بها ولو أموت ولا أفعل غير هذا .
فقال له أبوه :
وكيف تروح ?
فقال :
أروح في صفة تاجر .
فقال الملك :
إن كان ولا بد فخذ معك الوزير وعزيز .
ثم إنه أخرج شيئاً من خزانته وهيأ له متجراً بمائة ألف دينار واتفقا معه على ذلك .
فلما جاء الليل ذهب تاج الملوك وعزيز إلى منزل الوزير وباتا هناك تلك الليلة وصار تاج الملوك مسلوب الفؤاد ولم يطب له أكل ولا رقاد بل هجمت عليه الأفكار وغرق منها في بحار وهزه الشوق إلى محبوبته فأفاض دمع العين وأنشد هذين البيتين :
ترى هل لنا بعد البعاد وصول ........ فأشكو إليكم صبوتي وأقـول
تذكرتكم والليل ناء صباحـه ........ وأسهرتموني والأنام غفـول
فلما فرغ من شعره بكى بكاء شديداً وبكا معه عزيز وتذكر ابنة عمه وما زالا يبكيان إلى أن أصبح الصباح ثم قام تاج الملوك ودخل على والدته وهو لابس أهبة السفر فسألته عن حاله فأخبرها بحقيقة الأمر فأعطته خمسين ألف دينار ثم ودعته وخرج من عندها ودعت له بالسلامة والاجتماع بالأحباب ثم دخل على والده واستأذنه أن يرحل فأذن له وأعطاه خمسين ألف دينار وأمر أن تضرب له خيمة وأقاموا فيها يومين ثم سافروا واستأنس تاج الملوك بعزيز وقال له :
يا أخي أنا ما بقيت أطيق أن أفارقك .
فقال عزيز :
وأنا الآخر كذلك وأحب أن أموت تحت رجليك ولكن يا أخي قلبي اشتغل بوالدتي .
فقال له تاج الملوك :
لما نبلغ المرام لا يكون إلا خيراً .
وكان الوزير قد أوصى تاج الملوك بالإصطبار وصار عزيز ينشد له الأشعار ويحدثه بالتواريخ والأخبار ولم يزالوا سائرين بالليل والنهار مدة شهرين فطالت الطريق على تاج الملوك واشتد عليه الغرام وزاد به الوجد والهيام ، فلما قربوا من المدينة فرح تاج الملوك غاية الفرح وزال عنه الهم والترح ثم دخلوها وما زالوا سائرين إلى أن وصلوا إلى سوق البر .
فلما رأى التجار تاج الملوك وشاهدوا حسنه وجماله تحيرت عقولهم وصاروا يقولون :
هل رضوان فتح أبواب الجنان وسها عنها فخرج هذا الشاب البديع الحسن .
وبعضهم يقول :
لعل هذا من الملائكة .
فلما دخلوا عند التجار سألوا عن دكان شيخ السوق فدلوهم عليه فتوجهوا إليه فلما قربوا قام إليهم هو ومن معه من التجار وعظموهم خصوصاً الوزير الأجل فإنهم رأوه رجلاً كبيراً مهاباً ومعه تاج الملوك وعزيز فقال التجار لبعضهم :
لا شك أن هذا الشيخ والد هذين الغلامين .
فقال الوزير :
من الشيخ فيكم ?
فقالوا :
ها هو .
فنظر إليه الوزير وتأمله فرآه رجلاً كبيراً صاحب هيبة ووقار وخدم وغلمان ، ثم إن شيخ السوق حياهم تحية الأحباب وبالغ في إكرامهم وأجلسهم جنبه وقال لهم :
هل لكم حاجة نفوز بقضائها ?
فقال الوزير :
نعم إني رجل كبير طاعن في السن ومعي هذان الغلمان وسافرت بهما سائر الأقاليم والبلاد وما دخلت بلدة إلا أقمت بها سنة كاملة حتى يتفرجا عليها ويعرفها أهلها وإني قد أتيت بلدكم هذه واخترت المقام فيها وأشتهي منك دكاناً تكون من أحسن المواضع حتى أجلسهما فيها ليتاجرا أو يتفرجا على هذه المدينة ويتخلقا بأخلاق أهلها ويتعلما البيع والشراء والأخذ والعطاء .
فقال شيخ السوق :
لا بأس بذلك .
ثم نظر إلى الولدين وفرح بهما وأحبهما حباً زائداً وكان شيخ السوق مغرماً بفاتك اللحظات عليه حب البنين على البنات ويميل إلى الحموضة فقال في نفسه :
سبحان خالقهما ومصورهما من ماء مهين .
ثم قام واقفاً في خدمتهما كالغلام بين أيديهما ، بعد ذلك سعى وهيأ لهما الدكان وكانت في وسط السوق ولم يكن أكبر منها ولا أوجه منها عندهم لأنها كانت متسعة مزخرفة فيها رفوف من عاج وأبنوس ، ثم سلم المفاتيح للوزير وهو في صفة تاجر وقال :
جعلها الله مباركة على ولديك .
فلما أخذ الوزير مفاتيح الدكان توجه إليها والغلمان ووضعوا فيها أمتعتهم وأمر غلمانهم أن ينقلوا إليها جميع ما عندهم من البضائع والقماش .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





تكملة حكاية العاشق والمعشوق

الليلة التاسعة والخمسين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير لما أمر غلمانه أن ينقلوا البضائع والقماش وكان ذلك يساوي خزائن مال فنقلوا جميع ذلك إلى الدكان وباتوا تلك الليلة فلما أصبح الصباح أخذهما الوزير ودخل بهما الحمام فلما دخلوا الحمام تنظفوا وأخذوا غاية حظهم ، وكان كل من الغلامين ذا جمال باهر فصارا في الحمام على قول الشاعر :
بشرى لقـيتـه إذ لامـسـت يده ........ جسماً تولد بين المـاء والـنـور
ما زال يظفر لطفاً مـن صناعتـه ........ حتى جنى المسك من تمثال كافور
ثم خرجا من الحمام وكان شيخ السوق لما سمع بدخولهما الحمام قعد في انتظارهما وإذا بهما قد أقبلا وهما كالغزالين وقد احمرت خدودهما واسودت عيونهما ولمعت أبدانهما حتى كأنهما غصنان مثمران أو قمران زاهيان فقال لهما :
يا أولادي حمامكم نعيم دائم .
فقال تاج الملوك بأعذب كلام :
ليتك كنت معنا .
ثم إن الاثنين قبلا يديه ومشيا قدامه حتى وصلا إلى الدكان تعظيماً له لأنه كبير السوق وقد أحسن إليهما بإعطائهما الدكان ، فلما رأى أردافهما في ارتجاج زاد به الوجد وهاج وشخر ونخر ولم يبق مصطبراً فأحدق بهما العينين وأنشد هذين البيتين :
يطالع القلب باب الاختصاص به ........ وليس يقرأ فيه مبحث الشركه
لا غرو في كونه يرتج من قول ........ فكم لذا الفلك الدوار من حركه
فلما سمعا هذا الشعر أقسما عليه أن يدخل الحمام ثانياً وكانا قد تركا الوزير داخل الحمام فلما دخل شيخ السوق إلى الحمام ثاني مرة سمع الوزير بدخوله فخرج إليه من الخلوة واجتمع به في وسط الحمام وعزم عليه فامتنع فأمسك بإحدى يديه تاج الملوك وبيده الأخرى عزيز ودخلا به أخرى فانقاد لهما الشيخ الخبيث فحلف تاج الملوك أن لا يحميه غيره وحلف عزيز أن لا يصب عليه الماء غيره فقال له الوزير :
إنهما أولادك .
فقال شيخ السوق :
أبقاهما الله لك لقد حلت في مدينتنا البركة والسعود بقدومكم وقدوم أتباعكم ، ثم أنشد هذين البيتين :
أقبلت فاخضرت لدينا الربا ........ وقد زهت بالزهر للمجتلى
ونادت الأرض ومن فوقها ........ أهلاً وسهلاً بك من مقبل
فشكروه على ذلك ، ومازال تاج الملوك يحميه وعزيز يصب عليه الماء وهو يظن روحه في الجنة حتى أتما خدمته فدعا لهما وجلس جنب الوزير على أنه يتحدث معه ولكن معظم قصده النظر إلى تاج الملوك وعزيز ، ثم بعد ذلك جاء لهم الغلمان بالمناشف فتنشفوا ولبسوا حوائجهم ثم خرجوا من الحمام فأقبل الوزير على شيخ السوق وقال له :
يا سيدي إن الحمام نعيم الدنيا .
فقال شيخ السوق :
جعله الله لك ولأولادك عافية وكفاهما الله شر العين ، فهل تحفظون شيئاً مما قاله البلغاء في الحمام ؟
فقال تاج الملوك :
أنا أنشد لك بيتين وهما :
إن عيش الحمام أطيب عيش ........ غير أن المقام فيه قـلـيل
جنة تكره الإقـامة فـيهـا ........ وجحيم يهيب فيها الدخـول
فلما فرغ تاج الملوك من شعره قال عزيز :
وأنا أحفظ في الحمام شيئاً .
فقال شيخ السوق أسمعني إياه .
فأنشد هذين البيتين :
وبيت له من جامد الصخر أزهار ........ أنيق إذا أضرمت حوله الـنـار
تراه جحيماً وهو في الحق جـنة ........ وأكثر ما فيها شموس وأقمـار
فلما فرغ عزيز من شعره تعجب شيخ السوق من شعرهما وفصاحتهما وقال لهما :
والله لقد حزتما الفصاحة والملاحة فاسمعا أنتما مني ، ثم أطرب بالنغمات وأنشد الأبيات :
يا حسن نار والنعيم عذابـهـا ........ تحيا بهـا الأرواح والأبـدان
فأعجبت لبيت لا يزال نعيمـه ........ غضاً وتوقد تحته الـنـيران
عيش السرور إن ألم به وقـد ........ سفحت عليه دموعها الغدران
فلما سمعوا ذلك تعجبوا من هذه الأبيات ، ثم إن شيخ السوق عزم عليهم فامتنعوا ومضوا إلى منزلهم ليستريحوا من تعب الحمام ، ثم أكلوا وشربوا وباتوا تلك الليلة في منزلهم في أتم ما يكون من الحظ والسرور فلما أصبح الصباح قاموا من نومهم وتوضأوا وصلوا فرضهم وأصبحوا ، ولما طلع النهار وفتحت الدكاكين والأسواق خرجوا من المنزل وتوجهوا إلى السوق وفتحوا الدكان وكان الغلمان قد هيأوها أحسن هيئة وفرشوها بالبساط الحرير ووضعوا فيها مرتبتين كل واحدة منهما تساوي مائة دينار وجعلوا فوق كل مرتبة نطفاً ملوكياً دائره من الذهب .
فجلس تاج الملوك على مرتبة وجلس عزيز على الأخرى والوزير في وسط الدكان ووقف الغلمان بين أيديهم وتسامعت بهم الناس فازدحموا عليهم وباعوا بعض أقمشتهم وشاع ذكر تاج الملوك في المدينة واشتهر فيها خبر حسنه وجماله ثم أقاموا على ذلك أياماً وفي كل يوم تهرع الناس إليهم فأقبل الوزير على تاج الملوك وأوصاه بكتمان أمره وأوصى عليه عزيز ومضى إلى الدار ليدير أمراً يعود نفعه عليهم وصار تاج الملوك وعزيز يتحدثان وصار تاج الملوك يقول :
عسى أن يجيء أحد من عند السيدة دنيا .
ومازال تاج الملوك على ذلك أياماً وليالي وهو لا ينام وقد تمكن منه الغرام وزاد به النحول والأسقام حتى حرم لذيذ المنام وامتنع عن الشراب والطعام وكان كالبدر في تمامه فبينما تاج الملوك جالس وإذا بعجوز أقبلت عليه .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه




تكملة حكاية العاشق والمعشوق

الليلة الستين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد انه بينما تاج الملوك جالس وإذا بعجوز أقبلت عليه وتقدمت إليه وخلفها جاريتان وما زالت ماشية حتى وقفت على دكان تاج الملوك فرأت قده واعتداله وحسنه وجماله فتعجبت من ملاحته ورشحت في سراويلها ، ثم قالت :
سبحان من خلقك من ماء مهين سبحان من جعلك فتنة للعالمين .
ولم تزل تتأمل فيه وتقول :
ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم .
ثم دنت منه وسلمت عليه فرد عليها السلام وقام لها واقفاً على الأقدام وابتسم في وجهها هذا كله بإشارة عزيز ثم أجلسها إلى جانبه وصار يروح عليها إلى أن استراحت ، ثم إن العجوز قالت لتاج الملوك :
يا ولدي يا كامل الأوصاف والمعاني هل أنت من هذه الديار ?
فقال تاج الملوك بكلام فصيح عذب مليح :
والله يا سيدتي عمر ما دخلت هذه الديار إلا هذه المرة ولا أقمت فيها إلا على سبيل الفرجة .
فقالت :
لك الإكرام من قادم على الرحب والسعة ما الذي جئت به معك من القماش فأرني شيئاً مليحاً فإن المليح لا يحمل إلا المليح .
فلما سمع تاج الملوك كلامها خفق قلبه ولم يفهم معنى كلامها ، فغمزه عزيز بالإشارة فقال لها تاج الملوك :
عندي كل ما تشتهين من الشيء الذي لا يصلح إلا للملوك وبنات الملوك فلمن تريدين حتى اقلب عليك ما يصلح لأربابه .
وأراد بذلك الكلام أن يفهم معنى كلامها فقالت له :


أريد قماشاً يصلح للسيدة دنيا بنت الملك شهرمان .
فلما سمع تاج الملوك ذكر محبوبته فرح فرحاً شديداً وقال لعزيز :
ائتني بأفخر ما عندك من البضاعة .
فأتاه عزيز ببقجة وحلها بين يديه ، فقال لها تاج الملوك :
اختاري ما يصلح لها فإن هذا الشيء لا يوجد عند غيري فاختارت العجوز شيئاً يساوي ألف دينار وقالت :
بكم هذا ?
فقال لها :
وهل أساوم مثلك فيه هذا الشيء الحقير الحمد لله الذي عرفني بك .
فقالت له العجوز :
أعوذ وجهك المليح برب الفلق ، إن وجهك مليح وفعلك مليح هنيئاً لمن تنام في حضنك وتضم قوامك الرجيح وتحظى بوجهك الصبيح وخصوصاً إذا كانت صاحبة حسن مثلك .
فضحك تاج الملوك حتى استلقى على قفاه ثم قال :
يا قاضي الحاجات على أيدي العجائز الفاجرات .
فقالت :
يا ولدي ما الاسم ?
قال :
اسمي تاج الملوك .
فقالت :
إن هذا الاسم من أسماء الملوك ولكنك في زي التجار .
فقال لها عزيز :
من محبته عند أهله ومعزته عليهم سموه بهذا الاسم .
فقالت العجوز :
صدقت كفاكم الله شر الحساد ولو فتئت بمحاسنكم الأكباد .
ثم أخذت القماش ومضت وهي باهتة من حسنه وجماله وقده واعتداله ، ولم تزل ماشية حتى دخلت على السيدة دنيا وقالت لها :
يا سيدتي جئت لك بقماش مليح .
فقالت دنيا :
أين هذا القماش ؟
فقالت لها :
يا سيدتي ها هو فقبليه وانظريه .
فلما رأته السيدة دنيا قالت لها :
يا دادتي إن هذا قماش مليح ما رأيته في مدينتنا .
فقالت العجوز :
يا سيدتي إن بائعه أحسن منه كأن رضوان فتح أبواب الجنان وسها فخرج منها التاجر الذي يبيع هذا القماش ، وأنا أشتهي في هذه الليلة أن يكون عندك وينام بين نهودك ، فإنه فتنة لمن يراه وقد جاء مدينتنا بهذه الأقمشة لأجل الفرجة .
فضحكت السيدة دنيا من كلام العجوز .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه




تكملة حكاية العاشق والمعشوق

الليلة الحادية والستين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن السيدة دنيا حين ضحكت من كلام العجوز قالت :
أخزاك الله يا عجوز النحس إنك خرفت ولم يبق لك عقل .
ثم قالت :
هات القماش حتى أبصره جيداً .
فناولتها إياه فنظرته ثانياً فرأته شيئاً قليلاً وثمنه كثيراً وتعجبت من حسن ذلك القماش لأنها ما رأت في عمرها مثله فقالت لها العجوز :
يا سيدتي لو رأيت صاحبه لعرفت أنه أحسن ما يكون على وجه الأرض .
فقالت لها السيدة دنيا :
هل سألتيه إن كان له حاجة يعلمنا بها فنقضيها له ?
فقالت العجوز وقد هزت رأسها :
حفظ الله فراستك ، والله إن له حاجة وهل أحد يخلو من حاجة ?
فقالت لها السيدة دنيا :
اذهبي إليه وسلمي عليه وقولي له :
شرفت بقدومك مدينتنا ومهما كان لك من الحوائج قضيناه لك على الرأس والعين .
فرجعت العجوز إلى تاج الملوك في الوقت فلما رآها طار قلبه من الفرح ونهض لها قائماً على قدميه وأخذ يدها وأجلسها إلى جانبه ، فلما جلست واستراحت أخبرته بما قالته السيدة دنيا ، فلما سمع ذلك فرح غاية الفرح واتسع صدره وانشرح وقال في نفسه :
قد قضيت حاجتي .
ثم قال للعجوز :
لعلك توصلين إليها كتاباً من عندي وتأتيني بالجواب .
فقالت :
سمعاً وطاعة .
فلما سمع ذلك منها قال لعزيز :
ائتني بدواة وقرطاس وقلم من نحاس .
فلما أتاه بتلك الأدوات كتب هذه الأبيات :
كتبت إليـك يا سؤلي كتـابـاً ........ بما ألقاه من ألم الـفـراق
فأول مـا أسطر نـار قلـبـي ........ وثانيه غرامي واشتـياقـي
وثالثه مضى عمري وصـبري ........ ورابعه جميع الوجد باقـي
وخامسه متى عيني تـراكـم ........ وسادسه متى يوم التلاقـي
ثم كتب في إمضائه :
إن هذا الكتاب من أسير الأشواق المسجون في سجن الاشتياق الذي ليس له إطلاق إلا بالوصال ولو بطيف الخيال لأنه يقاسي أليم العذاب من فراق الأحباب ، ثم أفاض دمع العين وكتب هذين البيتين :
كتبت إليك والعبرات تجـري ........ ودمع العين ليس له انقطاع
ولست ببائس من فضل ربي ........ عسى يوم يكون به اجتماع
ثم طوى الكتاب وختمه وأعطاه للعجوز وقال :
أوصليه إلى السيدة دنيا .
فقالت :
سمعاً وطاعة .
ثم أعطاها ألف دينار وقال :
اقبلي مني هذه الهدية .
فأخذتها وانصرفت داعية له ، ولم تزل ماشية حتى دخلت على السيدة دنيا فلما رأتها قالت :
يا دادتي أي شيء طالب من الحوائج حتى نقضيها له ?
فقالت لها :
يا سيدتي قد أرسل معي كتاباً ولا أعلم بما فيه .
فقرأته وفهمت معناه ثم قالت :
من أين إلى أين حتى يراسلني هذا التاجر ويكاتبني ?
ثم لطمت وجهها وقالت :
لولا خوفي من الله تعالى لصلبته على دكانه .
فقالت العجوز :
وأي شيء في هذا الكتاب حتى أزعج قلبك هل فيه شكاية مظلمة أو فيه ثمن القماش ?
فقالت لها :
ويلك ما فيه ذلك وما فيه إلا عشق ومحبة وهذا كله منك وإلا فمن أي يتوصل هذا الشيطان إلى هذا الكلام .
فقالت لها العجوز :
يا سيدتي أنت قاعدة في قصرك العالي وما يصل إليك أحد ولا الطير الطائر ، سلامتك من اللوم والعتاب وما عليك من نباح الكلاب ، فلا تؤاخذيني حيث أتيتك بهذا الكتاب ولكن الرأي عندي أن تردي إليه جواباً وتهدديه فيه بالقتل وتنهيه عن هذا الهذيان فإنه ينتهي ولا يعود إلى فعلته .
فقالت السيدة دنيا :
أخاف أن أكاتبه فيطمع .
فقالت العجوز :
إذا سمع التهديد والوعيد رجع عما هو عليه .
فقالت :
علي بدواة وقرطاس وقلم من نحاس .
فلما أحضروا لها تلك الأدوات كتبت هذه الأبيات :
يا مدعي الحب والبلوى مع السهر ........ وما تلاقيه من وجد ومن فـكـر
أتطلب الوصل يا مغرور من قمر ........ وهل ينال المنى شخص من القمر
إني نصحتك عما أنت طـالـبـه ........ فأقصر فإنك في هذا على خطر
وإن رجعت إلى هذا الكلام فـقـد ........ أتاك مني عذاب زائد الـضـرر
وحق من خلق الإنسان من علـق ........ ومن أنار ضياء الشمس والقمـر
لئن عـدت لـمـا أنـت ذاكـره ........ لأصلبنك في جزع من الشـجـر
ثم طوت الكتاب وأعطته للعجوز ، وقالت لها :
أعطيه له وقولي له :
كف عن هذا الكلام .
فقالت لها :
سمعاً وطاعة .
ثم أخذت الكتاب وهي فرحانة ومضت إلى منزلها وباتت في بيتها ، فلما أصبح الصباح توجهت إلى دكان تاج الملوك فوجدته في انتظارهما فلما رآها كاد أن يطير من الفرح فلما قربت منه نهض إليها قائماً وأقعدها بجانبه فأخرجت له الورقة وناولته إياها وقالت له :
اقرأ ما فيها .
ثم قالت له :
إن السيدة دنيا لما قرأت كتابك اغتاظت ولكنني لاطفتها ومازحتها حتى أضحكتها ورقت لك وردت لك الجواب .
فشكرها تاج الملوك على ذلك وأمر عزيز أن يعطيها ألف دينار ، ثم إنه قرأ الكتاب وفهمه وبكى بكاء شديداً فرق له قلب العجوز ، وعظم عليها بكاؤه وشكواه ثم قالت له :
يا ولدي وأي شيء في هذه الورقة حتى أبكاك ?
فقال لها :
إنها تهددني بالقتل والصلب وتنهاني عن مراسلتها وإن لم أراسلها يكون موتي خيراً من حياتي فخذي جواب كتابها ودعيها تفعل ما تريد .
فقالت له العجوز :
وحياة شبابك لا بد أني أخاطر معك بروحي وأبلغك مرادك وأوصلك إلى ما في خاطرك .
فقال لها تاج الملوك :
كل ما تفعليه أجازيك عليه ويكون في ميزانك فإنك خبيرة بالسياسة وعارفة بأبواب الدناسة وكل عسير عليك يسير والله على كل شيء قدير ، ثم أخذ ورقة وكتب فيها هذه الأبيات :
أمست تهددني بالقتل واحـزنـي ........ والقتل لي راحة والموت مقدور
والموت أغنى لصب أن تطول به ........ حياته وهو ممنوع ومقـهـور
بالله زوروا محباً قـل نـاصـره ........ فإنني عبد والعـبـد مـأسـور
يا سادتي فارحموني في محبتكـم ........ فكل من يعشق الأحرار معذور
ثم إنه تنفس الصعداء وبكى حتى بكت العجوز ، وبعد ذلك أخذت الورقة منه وقالت له :
طب نفساً وقر عيناً ، فلا بد أن أبلغك مقصودك .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه







تكملة حكاية العاشق والمعشوق

الليلة الثانية والستين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن العجوز قامت وتركت تاج الملوك على النار وتوجهت إلى السيدة دنيا فرأتها متغيرة اللون من غيظها بمكتوب تاج الملوك فناولتها الكتاب فازدادت غيظاً ، وقالت للعجوز :
أما قلت لك أنه يطمع فينا ?
فقالت لها :
وأي شيء من هذا الكتاب حتى يطمع فيك ?
فقالت لها السيدة دنيا :
اذهبي إليه وقولي له إن راسلتها بعد ذلك ضربت عنقك .
فقالت لها العجوز :
اكتبي له هذا الكلام في مكتوب وأنا آخذ المكتوب معي لأجل أن يزداد خوفاً .
فأخذت ورقة وكتبت فيها هذه الأبيات :
أيا غافلاً عن حادثـا الـطـوارق ........ وليس إلى نيل الوصال بسـابـق
أتزعم يا مغرور أن تدرك السهـا ........ وما أنت للبدر المنير بـلا حـق
فكيف ترجينا وتأمـل وصـلـنـا ........ لتحظى بضم للقدود الـرواشـق
فدع عنك هذا القصد خيفة سطوتي ........ بيوم عبوس فيه شيب المـفـارق
ثم طوت الكتاب وناولته للعجوز فأخذته وانطلقت به إلى تاج الملوك فلما رآها قام على قدميه وقال :
لا أعدمني الله بركة قدومك .
فقالت له العجوز :
خذ جواب مكتوبك .
فأخذ الورقة وقرأها وبكى بكاء شديداً ، وقال :
إني أشتهي من يقتلني الآن فإن القتل أهون علي من هذا الأمر الذي أنا فيه .
ثم أخذ دواة وقلماً وقرطاس وكتب مكتوباً ورقم هذين البيتين :
فيا منيتي لا تبتغي الهجر والجفـا ........ فإني محب في المحبة غـارق
ولا تحسبيني في الحياة مع الجفا ........ فروحي من بعد الأحبة طالـق
ثم طوى الكتاب وأعطاه للعجوز وقال لها :
قد أتعبتك بدون فائدة .
وأمر عزيز أن يدفع لها ألف دينار وقال لها :
يا أمي إن هذه الورقة لا بد أن يعقبها كمال الاتصال أو كمال الانفصال .
فقالت له :
يا ولدي والله ما أشتهي لك إلا الخير ومرادي أن تكون عندك فإنك أنت القمر صاحب الأنوار الساطعة وهي الشمس الطالعة وإن لم أجمع بينكما فليس في حياتي فائدة وأنا قد قطعت عمري في المكر والخداع حتى بلغت التسعين من الأعوام فكيف أعجز عن الجمع بين اثنين في الحرام .
ثم ودعته وطيبت قلبه وانصرفت ولم تزل تمشي حتى دخلت السيدة دنيا وقد أخفت الورقة في شعرها .
فلما جلست عندها حكت رأسها وقالت :
يا سيدتي عساك أن تفلي شوشتي فإن لي زماناً ما دخلت الحمام .
فكشفت السيدة دنيا عن مرفقيها وحلت شعر العجوز وصارت تفلي شوشتها فسقطت الورقة من رأسها فرأتها السيدة دنيا فقالت :
ما هذه الورقة ?
فقالت :
كأني قعدت على دكان التاجر فتعلقت معي هذه الورقة هاتيها حتى أوديها له .
ففتحتها السيدة دنيا وقرأتها وفهمت ما فيها فاغتاظت غيظاً شديداً وقالت :
كل الذي جرى لي من تحت رأس هذه العجوز النحس .
فصاحت على الجواري والخدم وقالت :
أمسكوا هذه العجوز الماكرة واضربوها بنعالكم .
فنزلوا عليها ضرباً بالنعال حتى غشي عليها .
فلما أفاقت قالت لها :
والله يا عجوز السوء لولا خوفي من الله تعالى لقتلتك .
ثم قالت لهم :
أعيدوا الضرب .
فضربوها حتى غشي عليها ثم أمرتهم أن يجروها ويرموها خارج الباب فسحبوها على وجهها ورموها قدام الباب .
فلما أفاقت قامت تمشي وتقعد حتى وصلت إلى منزلها وصبرت إلى الصباح ثم قامت وتمشت حتى أتت إلى تاج الملوك وأخبرته بجميع ما جرى لها ، فصعب عليه ذلك وقال لها :
يعز علي يا أمي ما جرى لك ولكن كل شيء بقضاء وقدر .
فقالت له :
طب نفساً وقر عيناً فإني لا أزال أسعى حتى أجمع بينك وبينها وأوصلك إلى هذه العاهرة التي أحرقتني بالضرب .
فقال لها تاج الملوك :
أخبريني ما سبب بغضها للرجال ?
فقالت :
إنها رأت مناماً أوجب ذلك .
فقال لها :
وما ذلك المنام ?
فقالت :
إنها كانت نائمة ذات ليلة فرأت صياداً أنصب شركاً في الأرض وبذر حوله قمحاً ثم جلس قريباً منه فلم يبق شيء من الطيور إلا وقد أتى إلى ذلك الشرك ، ورأت في الطيور حمامتين ذكراً وأنثى .
فبينما هي تنظر إلى الشرك وإذا برجل الذكر تعلق في الشرك وصار يتخبط فنفرت عنه جميع الطيور ومرت فرجعت إليه امرأته وحامت عليه ثم تقدمت إلى الشرك والصياد غافل فصارت تنقر العين التي فيها رجل الذكر وصارت تجذبه بمنقارها حتى خلصت رجله من الشرك وطارت الطيور هي وإياه فجاء بعد ذلك الصباح وأصلح الشرك وقعد بعيداً عنه فلم يمض غير ساعة حتى نزلت الطيور وعلق الشرك في الأنثى فنفرت عنها جميع الطيور ومن جملتها الطير الذكر ولم يعد لأنثاه فجاء الصياد وأخذ الطير الأنثى وذبحها فانتبهت مرعوبة من منامها وقالت :
كل ذكر مثل هذا ما فيه خير والرجال جميعهم ما عندهم خير للنساء .
فلما فرغت من حديثها لتاج الملوك قال لها :
يا أمي أريد أن أنظر إليها نظرة واحدة ولو كان ذلك مماتي فتحيلي لي بحيلة حتى أنظرها .
فقالت له :
اعلم أن لها بستاناً تحت قصرها وهو برسم فرجتها وإنها تخرج إليه في كل شهر مرة من باب السر وتقعد فيه عشرة أيام وقد جاء أوان خروجها إلى الفرجة ، فإذا أرادت الخروج أجيء إليك أعلمك حتى تخرج وتصادفها واحرص على أنك لا تفارق البستان فلعلها إذا رأت حسنك وجمالك يتعلق قلبها بمحبتك فإن المحبة أعظم أسباب الاجتماع .
فقال :
سمعاً وطاعة .
ثم قام من الدكان هو وعزيز وأخذا معهما العجوز ومضيا إلى منزلهما وعرفاه لها ثم إن تاج الملوك قال لعزيز :
يا أخي ليس لي حاجة بالدكان وقد قضيت حاجتي منها ووهبتها لك بجميع ما فيها لأنك تغربت معي وفارقت بلادك .
فقبل عزيز منه ذلك ثم جلسا يتحدثان وصار تاج الملوك يسأله عن غريب أحواله وما جرى له وبعد ذلك أقبلا على الوزير وأعلماه بما عزم عليه تاج الملوك وقالا له :
كيف العمل ?
فقال :
قوموا بنا إلى البستان .
فلبس كل واحد منهم أفخر ما عنده وخرجوا وخلفهم ثلاثة مماليك وتوجهوا إلى البستان فرأوه كثير الأشجار غزير الأنهار ورأوا الخولي جالساً على الباب فسلموا عليه فرد عليهم السلام فناوله الوزير مائة دينار وقال :
أشتهي أن تأخذ هذه النفقة وتشتري لنا شيئاً نأكله فإننا غرباء ومعي هؤلاء الأولاد وأردت أن أفرجهم .
فأخذ البستاني الدنانير وقال لهم :
ادخلوا وتفرجوا وجميعه ملككم واجلسوا حتى أحضر لكم بما تأكلون .
ثم توجه إلى السوق ودخل الوزير وتاج الملوك وعزيز داخل البستان بعد أن ذهب البستاني إلى السوق ثم بعد ساعة أتى ومعه خروف مشوي ووضعه بين أيديهم فأكلوا وغسلوا أيديهم وجلسوا يتحدثون فقال الوزير :
أخبرني عن هذا البستان هل هو لك أم أنت مستأجره ?
فقال الشيخ :
ما هو لي وإنما لبنت الملك السيدة دنيا .
فقال الوزير :
كم لك في كل شهر من الأجرة ?
فقال :
دينار واحد لا غير .
فتأمل الوزير في البستان فرأى هناك قصراً عالياً إلا أنه عتيق فقال الوزير :
أريد أن أعمل خيراً تذكرني به .
فقال :
وما تريد أن تفعل من الخير ?
فقال :
خذ هذه الثلثمائة دينار .
فلما سمع الخولي بذكر الدنانير قال :
يا سيدي مهما شئت فافعل .
ثم أخذ الدنانير فقال له الوزير :
إن شاء الله تعالى نفعل في هذا المحل خيراً .
ثم خرجوا من عنده وتوجهوا إلى منزلهم وباتوا تلك الليلة .
فلما كان الغد أحضر الوزير مبيضاً ونقاشاً وصانعاً جيداً ، وأحضر لهم جميع ما يحتاجون إليه من الآلات ودخل بهم البستان وأمرهم ببياض ذلك القصر وزخرفته بأنواع النقش ثم أمر بإحضار الذهب واللازورد وقال للنقاش :
اعمل في صدر هذا الإيوان آدمي صياد كأنه نصب شركه ، وقد وقعت فيه حمامة واشتبكت بمنقارها في الشرك .
فلما نقش النقاش جانباً وفرع من نقشه ، قال له الوزير :
افعل في الجانب الآخر مثل الأول وصور صورة حمامة في الشرك وأن الصياد أخذها ووضع السكين على رقبتها وأعمل في الجانب الآخر صورة جارح كبير قد قنص ذكر الحمام وأنشب فيه مخالبه .
ففعل ذلك فلما فرغ من هذه الأشياء التي ذكرها الوزير ودعوا البستاني ، ثم توجهوا إلى منزلهم وجلسوا يتحدثون .
هذا ما كان من أمر هؤلاء .
وأما ما كان من أمر العجوز فإنها انقطعت في بيتها واشتاقت بنت الملك إلى الفرجة في البستان وهي لا تخرج إلا بالعجوز فأرسلت إليها وصالحتها وطيبت خاطرها وقالت :
إني أريد أن أخرج إلى البستان لأتفرج على أشجاره وأثماره وينشرح صدري بأزهاره .
فقالت لها العجوز :
سمعاً وطاعة ، ولكن أريد أن أذهب إلى بيتي وألبس أثوابي وأحضر عندك .
فقالت :
اذهبي إلى بيتك ولا تتأخري عني .
فخرجت العجوز من عندها وتوجهت إلى تاج الملوك وقالت له :
تجهز والبس أفخر ثيابك واذهب إلى البستان .
فقال :
سمعاً وطاعة .
وجعلت بينها وبينه إشارة ، ثم توجهت إلى السيدة دنيا وبعد ذهابها قام الوزير وعزيز وألبسا تاج الملوك بدلة من أفخر ملابس الملوك تساوي خمسة آلاف دينار وشد في وسطه حياصة من الذهب مرصعة بالجواهر والمعادن ثم توجه إلى البستان .
فلما وصل إلى باب البستان وجد الخولي جالساً هناك فلما رآه البستاني نهض له على الأقدام وقابله بالتعظيم والإكرام وفتح له الباب وقال له :
ادخل وتفرج في البستان .
ويعلم البستاني أن بنت الملك تدخل البستان في هذا اليوم فلما دخل تاج الملوك لم يلبث إلا مقدار ساعة وسمع ضجة فلم يشعر إلا والخدم والجواري خرجوا من باب السر فلما رآهم الخولي ذهب إلى تاج الملوك ، وأعلمه بمجيئها وقال له :
يا مولاي كيف يكون العمل وقد أتت ابنة الملك السيدة دنيا ?
فقال :
لا بأس عليك فإني أختفي في مواضع البستان .
فأوصاه البستاني بغاية الاختفاء ، ثم تركه وراح فلما دخلت بنت الملك هي وجواريها والعجوز في البستان قالت العجوز في نفسها :
متى كان الخدم معنا فإننا لا ننال مقصودنا .
ثم قالت لابنة الملك :
يا سيدتي إني أقول لك عن شيء فيه راحة لقلبك .
فقالت السيدة دنيا :
قولي ما عندك ?
فقالت العجوز :
يا سيدتي إن هؤلاء الخدم لا حاجة لك بهم في هذا الوقت ولا ينشرح صدرك ما داموا معنا فاصرفيهم عنا .
فقالت السيدة دنيا :
صدقت .
ثم صرفتهم ، وبعد قليل تمشت فصار تاج الملوك ينظر إليها وإلى حسنها وجمالها وهي لا تشعر بذلك وكلما نظر إليها يغشى عليه مما يرى من بارع حسنها ، وصارت العجوز تسارقها الحديث إلى أن أوصلتها إلى القصر الذي أمر الوزير بنقشه ، ثم دخلت ذلك القصر وتفرجت على نقشه وأبصرت الطيور ، والصياد والحمام .
فقالت :
سبحان الله إن هذه صفة ما رأيته في المنام .
وصارت تنظر إلى صور الطيور والصياد والشرك وتتعجب ثم قالت :
يا دادتي كنت ألوم الرجال وأبغضهم ولكن انظري الصياد كيف ذبح الطير الأنثى وتخلص الذكر ، وأراد أن يجيء إلى الأنثى ويخلصها فقابله الجارح وافترسه .
وصارت العجوز تتجاهل عليها وتشاغلها بالحديث إلى أن قربا من المكان المختفي فيه تاج الملوك فأشارت إليه العجوز أن يتمشى تحت شبابيك القصر .
فبينما السيدة دنيا كذلك إذ لاحت منها التفاتة فرأته وتأملت جماله وقده واعتداله ، ثم قالت :
يا دادتي من أين هذا الشاب المليح ?
فقالت :
لا أعلم به غير أني أظن أنه ولد ملك عظيم فإنه بلغ من الحسن النهاية ومن الجمال الغاية .
فهامت به السيدة دنيا وانحلت عرى عزائمها وانبهر عقلها من حسنه وجماله وقده واعتداله وتحركت عليها الشهوة ، فقالت للعجوز :
يا دادتي إن هذا الشاب مليح .
فقالت لها العجوز :
صدقت يا سيدتي .
ثم إن العجوز أشارت إلى ابن الملك أن يذهب إلى بيته وقد التهب به نار الغرام وزاد به الوجد والهيام فسار وودع الخولي وانصرف إلى منزله ولم يخالف العجوز وأخبر الوزير وعزيز بأن العجوز أشارت إليه بالانصراف فصارا يصبرانه ويقولان له :
لولا أن العجوز تعلم في رجوعك مصلحة ما أشارت عليك به .
هذا ما كان من أمر تاج الملوك والوزير وعزيز .
وأما ما كان من أمر ابنة الملك السيدة دنيا فإنها غلب عليها الغرام وزاد بها الوجد والهيام ، وقالت للعجوز :
ما أعرف اجتماعي بهذا الشاب إلا منك .
فقالت لها العجوز :
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أنت لا تريدين الرجال وكيف حلت بك من عشقه الأوجال ولكن والله ما يصلح لشبابك إلا هو .
فقالت لها السيدة دنيا :
يا دادتي أسعفيني عليه ولك عندي ألف دينار وخلعة بألف دينار وإن لم تسعفيني بوصاله فإني ميتة لا محالة .
فقالت العجوز :
امض أنت إلى قصرك وأنا أتسبب في اجتماعكما ، وأبذل روحي في مرضاتكما .
ثم إن السيدة دنيا توجهت إلى قصرها وتوجهت العجوز إلى تاج الملوك فلما رآها نهض لها على الأقدام وقابلها بإعزاز وإكرام وأجلسها إلى جانبه فقالت له :
إن الحيلة قد تمت .
وحكت له ما جرى لها مع السيدة دنيا فقال لها :
متى يكون الاجتماع ?
قالت :
في غد .
فأعطاها ألف دينار وحلة بألف دينار فأخذتهما وانصرفت ، وما زالت سائرة حتى دخلت على السيدة دنيا فقالت لها :
يا دادتي ما عندك من خبر الحبيب شيء ?
فقالت لها :
قد عرفت مكانه وفي غد أكون به عندك .
ففرحت السيدة دنيا بذلك وأعطتها ألف دينار وحلة بألف دينار فأخذتهما وانصرفت إلى منزلها وباتت فيه إلى الصباح ، ثم خرجت وتوجهت إلى تاج الملوك وألبسته لبس النساء وقالت له :
امش خلفي وتمايل في خطواتك ولا تستعجل في مشيك ولا تلتفت إلى من يكلمك .
وبعد أن أوصت تاج الملوك بهذه الوصية خرجت وخرج خلفها ، وهو في زي النسوان وصارت تعلمه في الطريق حتى لا يفزع ولم تزل ماشية وهو خلفها حتى وصلا إلى باب القصر فدخلت وهو وراءها وصارت تخرق الأبواب والدهاليز إلى أن جاوزت به سبعة أبواب ولما وصلت إلى الباب السابع قالت لتاج الملوك :
قوي قلبك ، وإذا زعقت عليك وقلت لك :
يا جارية اعبري فلا تتوان في مشيك وهرول فإذا دخلت الدهليز فانظر إلى شمالك ترى إيواناً فيه خمسة أبواب وادخل الباب السادس فإن مرادك فيه .
فقال تاج الملوك :
وأين تروحين أنت ?
فقالت له :
ما أروح موضعاً غير أني ربما أتأخر عنك وأتحدث مع الخادم الكبير .
ثم مشت وهو خلفها حتى وصلت إلى الباب الذي فيه الخادم الكبير فرأى معها تاج الملوك في صورة جارية فقال لها :
ما شأن هذه الجارية التي معك ?
فقالت له :
هذه جارية قد سمعت السيدة دنيا بأنها تعرف الأشغال وتريد أن تشتريها .
فقال لها الخادم :
أنا لا أعرف جارية ولا غيرها ولا يدخل أحد حتى أفتشه كما أمرني الملك .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه




تكملة حكاية العاشق والمعشوق

الليلة الثالثة والستين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن العجوز قالت للبواب وقد أظهرت الغضب :
أنا أعرف أنك عاقل ومؤدب فإذا كان حالك قد تغير فإني أعلمها بذلك وأخبرها أنك تعرضت لجاريتها .
ثم زعقت على تاج الملوك وقالت له :
اعبري يا جارية .
فعند ذلك عبر إلى داخل الدهليز كما أمرته وسكت الخادم ولم يتكلم ، ثم إن تاج الملوك عد خمسة أبواب ودخل الباب السادس فوجد السيدة دنيا واقفة في انتظاره ، فلما رأته عرفته فضمته إلى صدرها وضمها إلى صدره ثم دخلت العجوز عليهما وتحيلت على صرف الجواري ثم قالت السيدة دنيا للعجوز :
كوني أنت البوابة .
ثم اختلت هي وتاج الملوك ولم يزالا في ضم وعناق والتفاف ساق على ساق إلى وقت السحر .
ولما أصبح الصباح أغلقت عليهما الباب ودخلت مقصورة أخرى وجلست على جري عادتها وأتت إليها الجواري فقضت حوائجهن وصارت تحدثهن ، ثم قالت لهن :
اخرجن الآن من عندي فإني أريد أن أنشرح وحدي .
فخرجت الجواري من عندها ثم إنها أتت إليهما ومعها شيء من الأكل فأكلوا وأخذوا في الهراش إلى وقت السحر فأغلقت عليهما مثل اليوم الأول ، ولم يزالا على ذلك مدة شهر كامل .
هذا ما كان من أمر تاج الملوك والسيدة دنيا .
وأما ما كان من أمر الوزير وعزيز فإنهما لما توجه تاج الملوك إلى قصر بنت الملك ومكث تلك المدة علما أنه لا يخرج منه أبداً وأنه هالك لا محالة فقال عزيز :
يا والدي ماذا نصنع ?
فقال الوزير :
يا ولدي إن هذا الأمر مشكل وإن لم نرجع إلى أبيه ونعلمه فإنه يلومنا على ذلك .
ثم تجهزا في الوقت والساعة وتوجها إلى الأرض الخضراء والعمودين وتخت الملك سليمان شاه وسارا يقطعان الأودية في الليلة والنهار إلى أن دخلا على الملك سليمان شاه وأخبراه بما جرى لولده وأنه من حين دخل قصر بنت الملك لم يعلموا له خبر فعند ذلك قامت عليه القيامة واشتدت به الندامة وأمر أن ينادي في مملكته بالجهاد ثم أبرز العساكر إلى خارج مدينته ونصب لهم الخيام وجلس في سرادقه حتى اجتمعت الجيوش من سائر الأقطار ، وكانت رعيته تحبه لكثرة عدله وإحسانه ثم سار في عسكر سد الأفق متوجهاً في طلب ولده تاج الملوك .
هذا ما كان من أمر هؤلاء .
وأما ما كان من أمر تاج الملوك والسيدة دنيا فإنهما أقاما على حالهما نصف سنة وهما كل يوم يزدادان محبة في بعضهما وزاد على تاج الملوك العشق والهيام والوجد والغرام حتى أفصح لها عن الضمير وقال لها :
اعلمي يا حبيبة القلب والفؤاد أني كلما أقمت عندك ازددت هياماً ووجداً وغراماً لأني ما بلغت المرام بالكلية .
فقالت له :
وما تريد يا نور عيني ?



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه




تكملة حكاية العاشق والمعشوق

الليلة الرابعة والستين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن دنيا قالت لتاج الملوك :
وماذا تريد يا نور عيني وثمرة فؤادي ؟ إن شئت غير الضم والعناق والتفاف الساق على الساق فافعل الذي يرضيك وليس لله فينا شريك .
فقال :
ليس مرادي هكذا وإنما مرادي أن أخبرك بحقيقتي فاعلمي إني لست بتاجر بل أنا ملك ابن ملك واسم أبي سليمان شاه الذي أنفذ الوزير رسولاً إلى أبيك ليخطبك لي فلما بلغك الخبر ما رضيت .
ثم إنه قص عليها قصته من الأول إلى الآخر وليس في الإعادة إفادة ، وأريد الآن أن أتوجه إلى أبي ليرسل رسولاً إلى أبيك ويخطبك منه ونستريح .
فلما سمعت ذلك الكلام فرحت فرحاً شديداً لأنه وافق غرضها ثم على هذا الاتفاق ، واتفق في الأمر المقدور أن النوم غلب عليهما في تلك الليلة من دون الليالي واستمرا إلى أن طلعت الشمس ، وفي ذلك الوقت كان الملك شهرمان جالساً في دست مملكته وبين يديه أمراء دولته إذ دخل عليه عريف الصياغ وبيده حق كبير وفتحه بين يدي الملك وأخرج منه علبة لطيفة تساوي مائة ألف دينار لما فيها من الجواهر واليواقيت والزمرد والتفت إلى الخادم الكبير الذي جرى له مع العجوز ما جرى وقال له :
يا كافور خذ هذه العلبة وامض بها إلى السيدة دنيا .
فأخذها الخادم ومضى حتى وصل إلى مقصورة بنت الملك فوجد بابها مغلقاً والعجوز نائمة على عتبته فقال الخادم :
إلى هذه الساعة وأنتم نائمون ?
فلما سمعت العجوز كلام الخادم انتبهت من منامها وخافت منه وقالت له :
اصبر حتى آتيك بالمفتاح ثم خرجت على وجهها هاربة .
هذا ما كان من أمرها .
وأما ما كان من أمر الخادم فإنه عرف أنها مرتابة فخلع الثياب ودخل المقصورة فوجد السيدة دنيا معانقة لتاج الملوك وهما نائمان .
فلما رأى ذلك تحير في أمره وهم أن يعود إلى الملك فانتبهت السيدة دنيا فوجدته فتغيرت واصفر لونها وقالت له :
يا كافور استر ما ستر الله .
فقال :
أنا ما أقدر أن أخفي شيئاً عن الملك .
ثم أقفل الباب عليهما .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





تكملة حكاية العاشق والمعشوق

الليلة الخامسة والستين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الخادم لما أقفل الباب عليهما رجع إلى الملك فقال له :
هل أعطيت العلبة لسيدتك ?
فقال الخادم :
خذ العلبة ها هي وأنا لا أقدر أن أخفي شيئاً ، اعلم أني رأيت عند السيدة دنيا شاباً جميلاً نائماً معها في فراش واحد وهما متعانقان .
فأمر الملك بإحضارهما فلما حضرا بين يديه قال لهما :
ما هذه الفعال ?
واشتد به الغيظ فأخذ نمشة وهم أن يضرب به تاج الملوك وقال له :
ويلك من أنت ? ومن أين أنت ? ومن هو أبوك وما جسرك على ابنتي ?
فقال تاج الملوك :
اعلم أيها الملك إن قتلتني هلكت وندمت أنت ومن معك في مملكتك .
فقال له الملك :
ولم ذلك ?
فقال :
اعلم أني ابن الملك سليمان شاه وما تدري إلا وقد أقبل عليك بخيله ورجاله .
فلما سمع الملك شهرمان ذلك الكلام أراد أن يؤخر قتله ويضعه في السجن حتى ينظر صحة قوله ، فقال له وزيره :
يا ملك الزمان الرأي عندي أن تعجل قتل هذا العلق فإنه تجاسر على بنات الملوك .
فقال للسياف :
اضرب عنقه فإنه خائن .
فأخذه السياف وشد وثاقه ورفع يده وشاور الأمراء أولاً وثانياً وقصد بذلك أن يكون في الأمر توان فزعق عليه الملك وقال :
متى تشاور إن شاورت مرة أخرى ضربت عنقك .
فرفع السياف يده حتى بان شعر إبطه وأراد أن يضرب عنقه .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه
حمودي2009 غير متصل  
قديم 02-08-2009, 10:02 PM   #16 (permalink)
حمودي2009
رومانسي مجتهد
 
الصورة الرمزية حمودي2009
 

تكملة حكاية العاشق والمعشوق

الليلة السادسة والستين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن السياف رفع يده وأراد أن يضرب عنقه وإذا بزعقات عالية والناس أغلقوا الدكاكين فقال للسياف :
لا تعجل .
ثم أرسل من يكشف الخبر فمضى الرسول ثم عاد إليه وقال له :
رأيت عسكراً كالبحر العجاج المتلاطم بالأمواج وخيلهم في ركض وقد ارتجت لهم الأرض وما أدري خبرهم .
فاندهش الملك وخاف على ملكه أن ينزع منه ثم التفت إلى وزيره وقال له :
أما خرج أحد من عسكرنا إلى هذا العسكر ?
فما أتم كلامه إلا وحجابه قد دخلوا عليه ومعهم رسل الملك القادم ومن جملتهم الوزير فابتدأه بالسلام فنهض لهم قائماً وقربهم وسألهم عن شأن قدومهم فنهض الوزير من بينهم وتقدم إليه وقال له :
اعلم أن الذي نزل بأرضك ليس كالملوك المتقدمين ولا مثل السلاطين السالفين .
فقال له الملك :
ومن هو ?
قال الوزير :
هو صاحب العدل والأمان الذي سارت بعلو همته الركبان السلطان سليمان شاه صاحب الأرض الخضراء والعمودين وجبال أصفهان وهو يحب العدل والإنصاف ويكره الجور والاعتساف ويقول لك :
إن ابنه عندك وفي مدينتك وهو حشاشة قلبه وثمرة فؤاده ، فإن وجده سالماً فهو المقصود وأنت المشكور المحمود وإن كان فقد من بلادك أو أصابه شيء فأبشر بالدمار وخراب الديار لأنه يصير بلدك قفراً ينعق فيها البوم والغراب ، وها أنا قد بلغتك الرسالة والسلام .
فلما سمع الملك شهرمان ذلك الكلام من الرسول انزعج فؤاده وخاف على مملكته وزعق على أرباب دولته ووزرائه وحجابه ونوابه فلما حضروا قال لهم :
ويلكم انزلوا وفتشوا على ذلك الغلام .
وكان تحت يد السياف وقد تغير من كثرة ما حصل من الفزع ، ثم إن الرسول لاحت منه التفاتة فوجد ابن ملكه على نطع الدم فعرفه وقام ورمى روحه عليه وكذلك بقية الرسل ثم تقدموا وحلوا وثاقه وقبلوا يديه ورجليه ففتح تاج الملوك عينيه فعرف وزير والده وعرف صاحبه عزيز فوقع مغشياً عليه من شدة فرحته بهما .
ثم إن الملك شهرمان صار متحيراً في أمره وخاف خوفاً شديداً لا تحقق مجيء هذا العسكر بسبب هذا الغلام فقام وتمشى إلى تاج الملوك وقبل رأسه ودمعت عيناه وقال له :
يا ولدي لا تؤاخذني ولا تؤاخذ المسيء بفعله فارحم شيبتي ولا تخرب مملكتي .
فدنا منه تاج الملوك وقبل يده وقال له :
لا باس عليك وأنت عندي بمنزلة والدي ولكن الحذر أن يصيب محبوبتي السيدة دنيا شيء .
فقال الملك شهرمان :
لا تخف عليها فما يحصل لها إلا السرور .
وسار الملك يعتذر إليه ويطيب خاطر وزير الملك سليمان شاه ووعده بالمال الجزيل على أن يخفي من الملك ما رآه ، ثم بعد ذلك أمر كبراء دولته أن يأخذوا تاج الملوك ويذهبوا به إلى الحمام ويلبسوه بدلة من خيار الملابس ويأتوا بسرعة ففعلوا ذلك وأدخلوه الحمام وألبسوه البدلة التي أفردها له الملك شهرمان ثم أتوا به إلى المجلس .
فلما دخل على الملك شهرمان وقف له هو وجميع أرباب دولته وقام الجميع في خدمته .
ثم إن تاج الملوك جلس يحدث وزير والده وعزيز بما وقع له ، فقال له الوزير وعزيز :
ونحن في تلك المدة مضينا إلى والدك فأخبرناه بأنك دخلت سراية بنت الملك ولم تخرج والتبس علينا أمرك ، فحين سمع بذلك جهز العساكر ثم قدمنا هذه الديار وكان في قدومنا الفرح والسرور .
فقال لهما :
لا زال الخير يجري على أيديكما أولاً وآخراً .
وكان الملك في ذلك الوقت قد دخل على ابنته السيدة دنيا فوجدها تبكي على تاج الملوك وقد أخذت سيفاً وركزت قبضته إلى الأرض وجعلت ذبابته على رأس قلبها بين نهديها وانحنت على السيف وصارت تقول :
لابد أن أقتل نفسي ولا أعيش بعد حبيبي .
فلما دخل عليها أبوها ورآها على هذه الحالة صاح عليها وقال لها :
يا سيدة بنات الملوك لا تفعلي وارحمي أباك وأهل بلدتك .
ثم تقدم إليها وقال لها :
أحاشيك أن يصيب والدك بسببك سوء .
ثم أعلمها بالقصة وأن محبوبها ابن الملك سليمان شاه يريد زواجها وقال لها :
إن أمر الخطبة والزواج مفوض إلى رأيك .
فتبسمت وقالت له :
أما قلت لك إنه ابن سلطان فأنا أخليه يصلبك على خشبة لا تساوي درهمين .
فقال لها :
بالله عليك أن ترحمي أباك .
فقالت له :
رح إليه وائتني به .
فقال لها :
على الرأس والعين .
ثم رجع من عندها سريعاً ودخل على تاج الملوك وشاوره بهذا الكلام ، ثم قام معه وتوجها إليها فلما رأت تاج الملوك عانقته قدام أبيها وتعلقت به وقالت له :
أوحشتني .
ثم التفتت إلى أبيها وقالت :
هل أحد يفرط في مثل هذا الشاب المليح وهو ملك ابن ملك ?
فعند ذلك خرج الملك شهرمان ورد الباب عليهما ومضى إلى وزير أبي تاج الملوك ورسله وأمرهم أن يعلموا السلطان شاه بأن ولده بخير وعافية وهو في ألذ عيش ، ثم إن السلطان شهرمان أمر بإخراج الضيافات والعلوفات إلى عساكر السلطان سليمان شاه والد تاج الملوك فلما خرجوا جميع ما أمر به أخرج مائة من الخيل ومائة هجين ومائة مملوك ومائة عبد ومائة جارية وأرسل الجميع إليه هدية ، ثم بعد ذلك توجه إليه هو وأرباب دولته وخواصه حتى صاروا في ظاهر المدينة .
فلما علم بذلك السلطان سليمان شاه تمشى خطوات إلى لقائه وكان الوزير وعزيز أعلماه ففرح وقال :
الحمد لله الذي بلغ ولدي مناه .
ثم إن الملك سليمان شاه أخذ الملك شهرمان بالحضن وأجلسه بجانبه على السرير وصار يتحدث هو وإياه ثم قدموا لهم الطعام فأكلوا حتى اكتفوا ثم قدموا لهم الحلويات ولم يمض إلا قليل حتى جاء تاج الملوك وقدم عليه بلباسه وزينته ، فلما رآه والده قام له وقبله وقام له جميع من حضر وجلس بين أيديهم ساعة يتحدثون .
فقال الملك سليمان شاه :
إني أريد أن أكتب كتاب ولدي على ابنتك على رؤوس الأشهاد .
فقال له :
سمعاً وطاعة .
ثم أرسل الملك شهرمان إلى القاضي والشهود فحضروا وكتبوا الكتاب وفرح العساكر بذلك وشرع الملك شهرمان في تجهيز ابنته .
ثم قال تاج الملوك لوالده :
أن عزيزاً رجل من الكرام وقد خدمني خدمة عظيمة وتعب وسافر معي وأوصلني إلى بغيتي ولم يزل يصبر لي حتى قضيت حاجتي ومضى معنا سنتان وهو مشتت من بلاده ، فالمقصود أننا نهيء له تجارة لأن بلاده قريبة .
فقال له والده :
نعم ما رأيت .
ثم هيأوا له مائة حمل من أغلى القماش وأقبل عليه تاج الملوك وودعه وقال له :
اقبل هذه على سبيل الهدية .
فقبلها منه وقبل الأرض قدامه وقدام والده سليمان شاه ثم ركب تاج الملوك وسافر مع عزيز قدر ثلاثة أميال وبعدها أقسم عليه عزيز أن يرجع .
وقال :
بالله لولا والدتي ما صبرت على فراقك ، فبالله عليك لا تقطع أخبارك عني .
ثم ودعه ومضى إلى مدينته فوجد والدته بنت له في وسط الدار قبراً وصارت تزوره ، ولما دخل الدار وجدها قد حلت شعرها ونشرته على القبر وهي تفيض دمع العين وتنشد هذين البيتين :
بالله يا قبر هل زالت محاسنـه ........ أو قد تغير ذات المنظر النضر
يا قبر ما أنت بستان ولا فلـك ........ فكيف يجمع فيك البدر والزهر
ثم صعدت الزفرات وأنشدت هذه الأبيات :
مالي مررت على القبور مسلما ........ قبر الحبيب فلم يرد جـوابـي
قال الحبيب وكيف رد جوابكـم ........ وأنا رهين جـنـادل وتـراب
أكل التراب محاسني فنسيتكـم ........ وحجبت عن أهلي وعن أحبابي
فلما أتمت شعرها إلا وعزيز داخل عليها ، فلما رأته قامت إليه واحتضنته وسألته عن سبب غيابه فحدثها بما وقع له من أوله إلى آخره وأن تاج الملوك أعطاه من المال والأقمشة مائة حمل من القماش ففرحت بذلك وأقام عزيز عند والدته متحيراً فيما وقع له من الدليلة المحتالة التي خصته .
هذا ما كان من أمر عزيز .
وأما ما كان من أمر تاج الملوك فإنه دخل بمحبوبته السيدة دنيا وأزال بكارتها ، ثم إن الملك شهرمان شرع في تجهيز ابنته للسفر مع زوجها وأبيه فأحضر لهم الزاد والهدايا والتحف ، ثم حملوا وسار معهم الملك شهرمان ثلاثة أيام لأجل الوداع فأقسم عليه الملك سليمان شاه بالرجوع فرجع وما زال تاج الملوك ووالده وزوجته سائرين في الليل والنهار حتى أشرفوا على بلادهم وزينت لهم المدينة .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





تكملة حكاية العاشق والمعشوق
وعوده لحكاية الملك عمر النعمان وولديه شركان وضوء المكان

الليلة السابعة والستين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الملك سليمان شاه لما وصل إلى بلده جلس على سرير مملكته وابنه تاج الملوك في جانبه ثم أعطى ووهب وأطلق من كان في الحبوس ، ثم عمل لولده عرساً ثانياً واستمرت به المغاني والملاهي شهراً كاملاً ، وازدحمت المواشط على السيدة دنيا وهي لا تمل من الجلاء ولا يمللن من النظر إليها ، ثم دخل تاج الملوك على زوجته بعد أن اجتمع مع أبيه وأمه وما زالوا في ألذ العيش وأهنأه .
فعند ذلك قال ضوء المكان للوزير دندان :
إن مثلك من ينادم الملوك ويسلك في تدبيرهم أحسن السلوك .
هذا كله وهم محاصرون للقسطنطينية حتى مضى عليهم أربع سنين ثم اشتاقوا إلى أوطانهم وضجرت العساكر من الحصار وإدامة الحرب في الليل والنهار فأمر الملك ضوء المكان بإحضار بهرام ورستم وتركاش ، فلما حضروا قال لهم :
اعلموا أننا قمنا هذه السنين وما بلغنا مراماً فازددنا غماً وهماً ، وقد أتينا لنخلص ثأر الملك عمر النعمان فقتل أخي شركان فصارت الحسرة حسرتين والمصيبة مصيبتين ، هذا كله من العجوز ذات الدواهي فإنها قتلت السلطان في مملكته وأخذت زوجته الملكة صفية وما كفاها ذلك حتى عملت الحيلة علينا ، وذبحت أخي وقد حلفت الأيمان العظيمة أنه لابد من أخذ الثأر فما تقولون أنتم فافهموا هذا الخطاب وردوا علي الجواب .
فأطرقوا رؤوسهم وأحالوا الأمر على الوزير دندان .
فعند ذلك تقدم الوزير دندان إلى الملك ضوء المكان ، وقال له :
اعلم يا ملك الزمان أنه ما بقي في إقامتنا فائدة والرأي أننا نرحل إلى الأوطان ونقيم هناك برهة من الزمان ثم نعود ونغزوا الأعداء .
فقال الملك :
نعم هذا الرأي لأن الناس اشتاقوا إلى رؤية عيالهم وأنا أيضاً أقلقني الشوق إلى ولدي كان ما كان وإلى ابنة أخي قضى فكان لأنها في دمشق ولا أعلم ما كان من أمرهما .
فلما سمعت العساكر ذلك فرحوا ودعوا للوزير دندان ثم إن الملك ضوء المكان أمر المنادي أن ينادي بالرحيل بعد ثلاثة أيام ، فابتدأوا في تجهيز أحوالهم وفي اليوم الرابع دقت الكاسات ونشرت الرايات ، وتقدم الوزير دندان في مقدم العسكر وسار الملك في وسط العساكر ، وبجانبه الحاجب الكبير وسارت الجيوش ومازالوا مجدين السير بالليل والنهار حتى وصلوا إلى مدينة بغداد ففرحت بقدومهم الناس وزال عنهم الهم والبأس ثم ذهب كل أمير إلى داره وطلع الملك إلى قصره ودخل على ولده كان ما كان ، وقد بلغ من العمر سبع سنين وصار ينزل ويركب ولما استراح الملك من السفر دخل الحمام هو وولده كان ما كان ثم رجع وجلس على كرسي مملكته ووقف الوزير دندان بين يديه وطلعت الأمراء وخواص الدولة ووقفوا في خدمته .
فعند ذلك أمر الملك ضوء المكان بإحضار صاحبه الوقاد ، الذي أحسن إليه في غربته فحضر بين يديه فلما رآه الملك ضوء المكان قادماً عليه نهض له قائماً وأجلسه إلى جانبه وكان الملك ضوء المكان قد أخبر الوزير دندان بما فعل معه صاحبه الوقاد من المعروف فعظم في عينه وفي أعين الأمراء وكان الوقاد قد غلظ وسمن من الأكل والراحة ، وصار عنقه كعنق الفيل وبطنه كبطن الدرفيل وصار طائش العقل لأنه كان لا يخرج من المكان الذي هو فيه فلم يعرف الملك بسيماه .
أقبل عليه الملك وبش في وجهه وحياه أعظم التحيات وقال له :
ما أسرع ما نسيتني .
فأمعن فيه النظر فلما تحققه وعرفه قام له على الأقدام قال له :
يا حبيبي من عملك سلطاناً ?
فضحك عليه فأقبل عليه الوزير بالكلام وشرح له بالقصة وقال له :
إنه كان أخاك وصاحبك والآن صار ملك الأرض ولابد أن يصل إليك منه خير كثير وها أنا أوصيك إذا قال لك :
تمن علي فلا تتمن إلا شيئاً عظيماً لأنك عنده عزيز .
فقال الوقاد :
أخاف أن أتمنى عليه شيئاً فلا يسمح لي به أو لا يقدر عليه .
فقال له الوزير :
طيب قلبك والله لو طلبت ولاية دمشق موضع أخيه لولاك عليها .
فقال له :
والله لابد أن أتمنى عليه الشيء الذي هو في خاطري وكل يوم أرجو منه أن يسمح لي به .
فعند ذلك قام الوقاد على قدميه فأشار له ضوء المكان أن يجلس فأبى ، وقال :
معاذ الله قد انفضت أيام قعودي في حضرتك .
فقال له السلطان :
لا بل هي باقية إلى الآن فإنك كنت سبباً لحياتي والله لو طلبت مني مهما أردت لأعطيتك إياه فيمن علي الله .
فقال :
والله يا سيدي إني أخاف أن أتمنى شيئاً فلا تسمح لي به أو لا تقدر عليه .
فضحك السلطان وقال له :
لو تمنيت نصف مملكتي لشاركتك فيها فتمن ما تريد .
قال الوقاد :
أخاف أن أتمنى شيئاً لا تقدر عليه .
فغضب السلطان وقال له :
تمن ما أردت .
فقال له :
تمنيت عليك أن تكتب لي مرسوماً بمرافقة جميع الوقادين الذين في مدينة القدس .
فضحك السلطان وجميع من حضر وقال له :
تمن غير هذا .
فقال الوقاد :
أنا ما قلت لك إني أن أتمنى شيئاً لا تسمح لي به وما تقدر عليه .
فغمزه الوزير ثانياً وفي هذه المرة قال :
أتمنى عليك أن تجعلني رئيس الزبالين في مدينة القدس أو في دمشق .
فانقلب الحاضرون على ظهورهم من الضحك عليه وضربه الوزير .
فالتفت الوقاد إلى الوزير وقال له :
ما تكون حتى تضربني ومالي ذنب فإنك أنت الذي قلت لي تمن شيئاً عظيماً .
ثم قال :
دعوني أسير إلى بلادي .
فعرف السلطان أنه يلعب فصبر قليلاً ، ثم أقبل عليه وقال له :
يا أخي تمن علي أمراً عظيماً بمقامي لائقاً .
فقال له :
أتمنى سلطنة دمشق موضع أخيك .
فكتب له التوقيع بذلك وقال للوزير دندان :
ما يروح معه غيرك ، وإذا أردت العودة فأحضر معك بنت أخي قضى فكان .
فقال الوزير :
سمعاً وطاعة .
ثم أخذ الوقاد ونزل به وتجهز للسفر ، وأمر ضوء المكان أن يخرجوا للوقاد تختاً جديداً وطقم سلطنة وقال للأمراء :
من كان يحبني فليقدم إليه هدية عظيمة .
ثم سماه السلطان الزبلكان ولقبه بالمجاهد وبعد أن كملت حوائجه وطلع الزبلكان وفي خدمته الوزير دندان ثم دخل على ضوء المكان ليودعه فقام له وعانقه وأوصاه بالعدل بين الرعية وأمره أن يأخذ الأهبة للجهاد بعد سنتين ثم ودعه وانصرف .
وسار الملك المجاهد المسمى بالزبلكان ، بعد أن أوصاه الملك ضوء المكان بالرعية خيراً وقدمت له الأمراء المماليك فبلغوا خمسة آلاف مملوك وركبوا خلفه وركب الحاجب الكبير وأمير الديلم بهرام وأمير الترك رستم وأمير العرب تركاش وساروا في توديعه ما زالوا سائرين معه ثلاثة أيام ثم عادوا إلى بغداد وسار السلطان الزبلكان هو والوزير دندان .
وما زالوا سائرين حتى وصلوا إلى دمشق وكانت الأخبار قد وصلت إليهم على أجنحة الطيور بأن الملك ضوء المكان سلطن على دمشق ملكاً يقال له :
الزبلكان ولقبه بالمجاهد .
فلما وصل إليهم الخبر زينوا له المدينة وخرج إلى ملاقاته كل من في دمشق ثم دخل دمشق وطلع القلعة وجلس على سرير المملكة ووقف الوزير دندان في خدمته يعرفه منازل الأمراء ومراتبهم وهم يدخلون عليه ويقبلون يديه ويلوحون له .
فأقبل عليهم الملك الزبلكان وخلع وأعطى ووهب ، ثم فتح خزائن الأموال وأنفقها على جميع العساكر كبيراً وصغيراً ، وحكم وعدل وشرع الزبلكان في تجهيز بنت السلطان قضى فكان وجعل لها محفة من الإبريسم وجهز الوزير وقدم له شيئاً من المال .
فأتى الوزير دندان ، وقال له :
أنت قريب عهد بالملك وربما تحتاج إلى الأموال أو نرسل إليك نطلب منك مالاً للجهاد أو غير ذلك .
ولما تهيأ الوزير دندان للسفر ركب السلطان المجاهد إلى وداعه وأحضر قضى فكان وأركبها في المحفة وأرسل معها عشر جوار برسم الخدمة .
وبعد أن سافر الوزير دندان رجع الملك المجاهد إلى مملكته ليديرها واهتم بآلة السلاح وصار ينتظر الوقت الذي يرسل فيه الملك ضوء المكان .
هذا ما كان من أمر السلطان الزبلكان .
وأما ما كان من أمر الوزير دندان فإنه لم يزل يقطع المراحل بقضى فكان حتى وصل إلى الرحبة بعد شهر ، ثم سار حتى أشرف على بغداد وأرسل يعلم ضوء المكان بقدومه فركب وخرج إلى لقائه فأراد الوزير دندان أن يترجل .


فأقسم عليه الملك ضوء المكان أن لا يفعل فسار راكباً حتى جاء إلى جانبه وسأله عن المجاهد فأعلمه أنه بخير وأعلمه بقدوم قضى فكان بنت أخيه شركان ففرح وقال له :
دونك والراحة من تعب السفر ثلاثة أيام .
ثم بعد ذلك تعال عندي فقال :
حباً وكرامة .
ثم دخل بيته وطلع الملك إلى قصره ودخل على ابنة أخيه قضى فكان وهي ابنة ثمان سنين فلما رآها فرح بها وحزن على أبيها وأعطاها حلياً ومصاغاً عظيماً ، وأمر أن يجعلوها مع ابن عمها كان ما كان في مكان واحد وكانت أحسن أهل زمانها وأشجعهم لأنها كانت صاحبة تدبير وعقل ومعرفة بعواقب الأمور .
وأما كان ما كان فإنه كان مولعاً بمكارم الأخلاق ولكنه لا يفكر في عاقبة شيء ثم بلغ عمر كل واحد من الاثنين عشر سنين وصارت قضى فكان تركب الخيل وتطلع مع ابن عمها في البر ، ويتعلمان الضرب بالسيف والطعن بالرمح حتى بلغ عمر كل منهما اثنتي عشرة سنة .
ثم إن الملك انتهت أشغاله للجهاد وأكمل الأهبة والاستعداد ، فأحضر الوزير دندان وقال له :
اعلم أني عزمت على شيء وأريد إطلاعك عليه فأسرع في رد الجواب .
فقال الوزير دندان :
ما هو يا ملك الزمان .
قال :
عزمت على أن أسلطن ولدي كان ما كان وأفرح به في حياتي وأقاتل قدامه إلى أن يدركني الممات فما عندك من الرأي ?
فقبل الوزير دندان الأرض بين يدي الملك ضوء المكان ، وقال له :
اعلم أيها الملك السعيد صاحب الرأي السديد أن ما خطر ببالك مليح غير أنه لا يناسب في هذا الوقت الخصلتين ، الأولى :
أن ولدك كان ما كان صغير السن .
والثانية :
ما جرت به العادة أن من سلطن ولده في حياته لا يعيش إلا قليلاً ، وهذا ما عندي من الجواب .
فقال :
اعلم أيها الوزير أننا نوصي عليه الحاجب الكبير صار منا وعلينا ، وقد تزوج أختي ، فهو في منزلة أخي .
فقال الوزير :
افعل ما بدا لك فنحن ممتثلون أمرك .
فأرسل الملك إلى الحاجب الكبير فأحضره وكذلك أكابر مملكته وقال لهم :
إن هذا ولدي كان ما كان قد علمتم أنه فارس الزمان وليس له نظير في الحرب والطعان وقد جعلته سلطاناً عليكم والحاجب الكبير وصي عليه .
فقال الحاجب :
يا ملك الزمان إنما أنا أسير نعمتك .
فقال ضوء المكان :
أيها الحاجب إن ولدي كان ما كان وابنة أخي قضى فكان ولدا عم وقد زوجتها به وأشهد الحاضرين على ذلك .
ثم نقل لولده المال ما يعجز عن وصفه اللسان وبعد ذلك دخل على أخته نزهة الزمان وأعلمها بذلك ففرحت ، وقالت :
إن الاثنين ولداي والله تعالى يبقيك لهما مدى الزمان .
فقال :
يا أختي إني قضيت من الدنيا غرضي وأمنت على ولدي ولكن ينبغي أن تلاحظيه بعينك وتلاحظي أمه ثم أخذ يوصي الحاجب ونزهة الزمان على ولده وعلى زوجته ليالي وأياماً وقد أيقن بكأس الحمام ولزم الوساد وصار الحاجب يتعاطى أحكام العباد وبعد سنة أحضر ولده كان ما كان والوزير دندان ، وقال :
يا ولدي إن هذا الوزير والدك من بعدي ، واعلم أني راحل من الدار الفانية إلى الدار الباقية وقد قضيت غرضي من الدنيا ولكن بقي في قلبي حسرة يزيلها الله على يديك .
فقال ولده :
وما تلك الحسرة يا والدي ?
فقال :
يا ولدي أن أموت ولم تأخذ بثأر جدك عمر النعمان ، وعمك الملك شركان من عجوز يقال لها ذات الدواهي فإن أعطاك الله النصر لا تغفل عن أخذ الثأر وكشف العار وإياك من مكر العجوز وأقبل ما يقوله لك الوزير دندان لأنه عماد ملكنا من قديم الزمان .
فقال له ولده :
سمعاً وطاعة .
ثم هملت عيناه بالدموع .
وبعد ذلك ازداد المرض بضوء المكان وصار أمر المملكة للحاجب فصار يحكم ويأمر وينهي واستمر على ذلك سنة كاملة وضوء المكان مشغول بمرضه ومازالت به الأمراض مدة أربع سنين والحاجب الكبير قائم بأمر الملك ، وارتضى به أهل المملكة ودعت له جميع البلاد .
هذا ما كان من أمر ضوء المكان والحاجب .
وأما ما كان من أمر كان ما كان فإنه لم يكن له شغل إلا ركوب الخيل واللعب بالرمح والضرب بالنشاب وكذلك ابنة عمه قضى فكان وكانت تخرج هي وإياه من أول النهار إلى الليل فتدخل إلى أمها ويدخل هو إلى أمه فيجدها جالسة عند رأس أبيه تبكي فيخدمه بالليل .
وإذا أصبح يخرج هو وبنت عمه على عادتهما وطالت بضوء المكان التوجعات فبكى وأنشد هذه الأبيات :
تفانت قوتـي ومضى زمانـي ........ وها أنا قد بقيت كما ترانـي
فيوم العز كنت أعز قـومـي ........ وأسبقهم إلى نـيل الأمـانـي
وقد فارقت ملكي بعـد عـزي ........ إلى ذل تخـلـل بـالـهـوان
ترى قبل الممـات أرى غلامي ........ يكون على الورى ملكاً مكاني
ويفتك بالـعـداة لأخـذ ثـأر ........ بضرب السيف أو طعن السنان
أنا المغبون فـي هـزل وجد ........ إذا مولاي لا يشفي جنـانـي
فلما فرغ من شعره وضع رأسه على الوسادة ونام فرأى في منامه قائلاً يقول له :
أبشر فإن ولدك يملك البلاد وتطيعه العباد .
فانتبه من منامه مسروراً ثم بعد أيام قلائل طرقه الممات فأصاب أهل بغداد مصاب عظيم وبكى عليه الوضيع والعظيم ومضى عليه الزمان كأنه ما كان وتغير حال كان ما كان وعزله أهل بغداد وجعلوه هو وأمه في بيت على حدتهم .
فلما رأت أم كان ما كان ذلك صارت في أذل الأحوال ثم قالت :
لابد من قصد الحاجب الكبير وأرجو الرأفة من اللطيف الخبير .
فقامت من منزلها إلى أن أتت إلى بيت الحاجب الذي صار سلطاناً فوجدته جالساً على فراشه .
فدخلت عند زوجته نزهة الزمان ، وقالت :
إن الميت ماله صاحب فلا أحوجكم الله مدى الدهور والأعوام ولا زلتم تحكمون بالعدل بين الخاص والعام قد سمعت أذناك ورأت عيناك ما كنا فيه من الملك والعز والجاه والمال وحسن المعيشة والحال والآن انقلبت علينا الزمان وقصدنا الدهر بالعدوان ، وأتيت إليك قاصدة إحسانك بعد إسدائي للإحسان لأن الرجل إذا مات ذلت بعده النساء والبنات ، ثم أنشدت هذه الأبيات :
كفاك بان الموت بادي العجـائب ........ وما غائب الأعمار عنا بغـائب
وما هـذه الأيـام إلا مـراحـل ........ مواردها ممزوجة بالمصـائب
وحاضر قلبي مثل فقـد أكـارم ........ أحاطت بهم مستعظمات النوائب
فلما سمعت نزهة الزمان هذا الكلام تذكرت أخاها ضوء المكان وابنه كان ما كان فقربتها وأقبلت عليها وقالت :
أنا غنية وأنت فقيرة فوالله ما تركنا افتقارك إلا خوفاً من انكسار قلبك ، لئلا يخطر ببالك أن ما نهديه إليك صدقة مع أن جميع ما نحن فيه من الخير منك ومن زوجك ، فبيتنا بيتك ولك ما لنا وعليك ما علينا .
ثم خلعت عليها ثياباً فاخرة وأفردت لها مكاناً في القصر ملاصقا لمقصورتها وأقامت عندهم في عشية طيبة هي وولدها كان ما كان وخلعت عليه ثياب الملوك وأفردت لهما جواري برسم كل منهما .
ثم إن نزهة الزمان بعد مدة قليلة ذكرت لزوجها حديث زوجة أخيها ضوء المكان فدمعت عيناه وقال :
إن شئت أنت تنتظري الدنيا بعدك فانظريها بعد غيرك فأكرمي مثواها .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه
تقبلوا تحياتي




تكملة حكاية الملك عمر النعمان وولديه شركان وضوء المكان

الليلة الثامنة والستين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن هذا ما كان من أمر نزهة الزمان وزوجها وزوجة ضوء المكان .
وأما ما كان من أمر كان ما كان وابنة عمه قضى فكان فإنهما كبرا وترعرعا حتى صار كأنهما غصنان مثمران أو قمران أزهران .
وبلغنا من العمر خمسة عشر عاماً وكانت قضى فكان من أحسن البنات المخدرات ، بوجه جميل وخصر نحيل وردف ثقيل وريق كالسلسبيل وقد رشيق وثغر ألذ من الرحيق كما قال فيها بعض واصفيها هذين البيتين :
كان سلاف الخمر من ريقها بـدت ........ وعنقودها من ثغرها الدر يقطف
وأعنابها مالت إذا ما ثـنـيتـها ........ فسبحان خلاق لـهـا لا يكـيف
وقد جمع الله كل المحاسن فيها فقدها يخجل الأغصان والورد يطلب من خدها الأمان وأما الريق فإنه يهزأ بالرحيق تسر القلب والناظر كما قال فيها الشاعر :
مليحة الوصف قد تمت محاسنها ........ أجفانها تفضح التكحيل بالكحل
كأن ألحاظها في قلب عاشقهـا ........ سيف بكف أمير المؤمنين علي
وأما كان ما كان فإنه كان بديع الجمال فائق الكمال عز في الحسن عن مثال الشجاعة تلوح بين عينيه تشهد له لا عليه وقيل كل القلوب إليه وحين اخضر منه العذار كثرت فيه الأشعار كقول بعضهم :
ما بان عذري فيـه حتـى عـذرا ........ ومشى الدجى في خده متحـيرا
فأعجب لهم شهدوا ومسكنهم لظى ........ ولباسهم فيها الحرير الأخضـر
واتفق في بعض الأعياد أن قضى فكان خرجت تعيد على بعض أقاربها من الدولة والحواري حواليها ، والحسن قد عمها وورد الخد يحسد خالها والأقحوان يبتسم عن بارق ثغرها فجعل كان ما كان يدور حولها ويطلق النظر إليها وهي كالقمر الزاهر فقوى جنانه بالشعر لسانه وأنشد هذين البيتين :
متى يشتفي قلب الدنو من الـبعد ........ ويضحك ثغر الوصل من زائد الصد
فيا ليت شعري هـل أبـيتن ليلة ........ بوصل حبيب عنده بعض ما عنـدي
فلما سمعت قضى فكان هذا الشعر أظهرت له الملامة والعتاب وتوعدته بأليم العقاب فاغتاظ كان ما كان وعاد إلى بغداد وهو غضبان ثم طلعت قضى فكان إلى قصرها وشكت ابن عمها إلى أمها فقالت لها :
يا بنتي لعله ما أرادك بسوء وهل هو إلا يتيم ومع هذا لم يذكر شيئاً يعيبك فإياك أن تعلمي بذلك أحداً ، فربما بلغ الخبر إلى السلطان فيقصر عمره ويخمد ذكره ويجعل أثره كأمس الدابر والميت الغابر .
وشاع في بغداد حب كان ما كان لقضى فكان وتحدثت به النسوان ثم إن كان ما كان ضاق صدره وقل صبره اشتغل باله ولم يخف على الناس حاله واشتهى أن يبوح بما في قلبه من لوعة البين فخاف من غضبها وأنشد هذين البيتين :
إذا خفت يوماً عتاب التـي ........ تغير أخلاقها الـصـافـية
صبرت عليها كصبر الفتى ........ على الكي في طلب العافية



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه




تكملة حكاية الملك عمر النعمان وولديه شركان وضوء المكان

الليلة التاسعة والستين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الحاجب الكبير لما صار سلطان ، ثم أنه بلغه حب كان ما كان لقضي فكان فندم على جعلهما معاً في محل واحد .
ثم دخل على زوجته نزهة الزمان وقال :
إن الجمع بين الخلفة والنار لمن أعظم الأخطار وليست الرجال على النساء بمؤتمنين ما دامت العيون في عج والمعاطف في لين وابن أخيك كان ما كان قد بلغ مبلغ الرجال فيجب منعه عن الدخول على ربات الحجال ومنع ابنتك عن الرجال أوجب لأن مثلها ينبغي أن يحجب .
فقالت :
صدقت أيها الملك العاقل والهمام الكامل .
فلما أصبح الصباح جاء كان ما كان ودخل على عمته نزهة الزمان على جري عادته وسلم عليها ، فردت عليه السلام وقالت له :
عندي لك كلام ما كنت احب أن أقوله لك ، ولكن أخبرك به رغماً عني .
فقال لها :
وما ذاك الكلام ?
قالت :
إن الملك سمع بحبك لقضي فكان فأمر بحجبها عنك وإذا كان لك حاجة فأنا أرسلها إليك من خلف الباب ولا تنظر قضي فكان .
فلما سمع كلامها رجع ولم ينطق بحرف واحد وأعلم والدته بما قالته عمته فقالت له :
إنما نشأ هذا من كثرة كلامك وقد علمت أن حديث حبك لقضي فكان شاع وانتشر في كل مكان وكيف تأكل زادهم وبعد ذلك تعشق ابنتهم ?
فقال :
إني أريد الزواج بها لأنها بنت عمي وأنا أحق بها .
فقالت له أمه :
أسكت لئلا يصل الخبر إلى الملك سلسان فيكون ذلك سبباً لغرقك في بحر الأحزان وهم يبعثوا لنا في هذه الليلة عشاء ولو كنا في بلد غير هذه لمتنا من ألم الجوع أو ذل السؤال .
فلما سمع كان ما كان كلام أمه زادت بقلبه الحسرات وأنشد هذه الأبيات :
أقلي من اللوم الـذي لا يفـارق ........ فقلبي إلى من تيمتني مفـارق
ولا تطلبي عند الـصـبـر ذرة ........ فصبري وبيت الله من طالـق
إذا سامني اللوام نهيا عصيتهـم ........ وهاأنا في دعوى المحبة صادق
وقد منعوني عنوة أن أزورهـا ........ وإني والرحمن ما أنا فـاسـق
وإن عظامي حين تسمع ذكرهـا ........ تشابه طيراً خلقهـن بـواشـق
ألا قل لمن قد لام في الحب أنني ........ وحق إلهي لبنت عمي لعاشـق
ولما فرغ من شعره قال لأمه :
ما بقي لي عند عمتي ولا عند هؤلاء القوم مقام بل أخرج من القصر وأسكن في أطراف المدينة بجوار قوم صعاليك .
ثم خرج وفعل كما قال وصارت أمه تتردد إلى بيت الملك سلسان وتأخذ منه ما تقتات به هي وإياه .
ثم إن قضي فكان اختلت بأم كان ما كان وقالت لها :
يا امرأة عمي ، كيف حال ولدك ?
فقالت :
أنه باكي العين حزين القلب ليس له من أسر الغرام فكاك ومقتنص من هواك في أشراك .
فبكت قضي فكان وقالت :
والله ما هجرته بغضاً له ولكن خوفاً عليه من الأعداء وعندي من الشوق أضعاف ما عنده ولولا عثرات لسانه وخفقان جنانه ما قطع أبي عنه إحسانه وأولاه منعه وحرمانه ولكن أيام الورى دول والصبر في كل الأمور أجمل ولعل من حكم بالفراق أن يمن علينا بالتلاق .
ثم أفاضت دمع العينين وأنشدت هذين البيتين :
فعندي يا ابن عمي من غرامي ........ كأمثال الذي قد حل عـنـدك
ولكن كتمت عن الناس وجدي ........ فهلا كنت أنت كتمت وجدك
فشكرتها أم كان ما كان وخرجت من عندها وأعلمت ولدها كان ما كان بذلك فزاد شوقه إليها وقال :
ما أبدلها من الحور بألفين وأنشد هذين البيتين :
فو الله لا أصغي إلى قـوم لائـم ........ ولا بحت بالسر الذي كنت كاتما
وقد غاب عني من أرجى وصاله ........ وقد سهرت عيني وقد بات نائما
ثم مضت الأيام والليالي وهو يتقلب على جمر المقالي حتى مضى له من العمر سبعة عشر عاماً وقد كمل حسنه ، ففي بعض الليالي أخذه السهر وقال في نفسه :
ما لي أرى جسمي يذوب وإلى متى لا أقدر على نيل المطلوب وما لي عيب سوى عدم الجاه والمال ، ولكن عند الله بلوغ الآمال ، فينبغي أن أشرد نفسي عن بلادها حتى تموت أو تحظى بمرادها .
ثم أضمر هذه العزمات وأنشد هذه الأبيات :
دع مهجتي تزداد في خفقانـهـا ........ ليس التذلل في الورى من شأنها
واعذر فإن حشاشـتي كصحـيفة ........ لا شك أن الدمع من عنوانـهـا
ها بنت عمي قـد بـدت حـورية ........ نزلت إلينا عن رضا رضوانهـا
من رام ألحاظ العـيون معارضـاً ........ فتكاتها لم ينج من عـدوانـهـا
سأسير في الأرض الوسيعة منقذاً ........ نفسي وأمنحها سوى حرمانهـا
وأعود مسرور الفؤاد بمطلـبـي ........ وأقاتل الأبطال في مـيدانـهـا
ولسوف أشتاق الغـنـائم عـائداً ........ وأصول مقتدراً على أقرانـهـا
ثم إن كان ما كان خرج من القصر حافياً في قميص قصير الأكمام وعلى رأسه لبدة لها سبعة أعوام وصحبته رغيف له ثلاثة أيام ، ثم سار في حندس الظلام حتى وصل إلى باب بغداد فوقف هناك .
ولما فتحوا باب المدينة كان أول من خرج منه ، ثم صار يقطع الأودية والقفار في ذلك النهار ولما أتى الليل طلبته أمه فلم تجده فضاقت عليها الدنيا باتساعها ولم تلتذ بشيء من متاعها ومكثت تنتظر أول يوم وثاني يوم وثالث يوم إلى أن مضى عشرة أيام فلم تر له خبراً فضاق صدرها ونادت قائلة :
يا مؤنسي قد هيجت أحزاني حيث فارقتني وتركت أوطاني يا ولدي من أي الجهات أناديك ? ويا هل ترى أي بلدٍ يأويك ?
ثم صعدت الزفرات وأنشدت هذه الأبيات :
علمنا بأن بعد غيبـتـكـم نـبلـى ........ ومدت قسى للفراق لـنا نـبلا
وقد خلفوني بعـد شـد رحالـهـم ........ أعالج كرب الموت إذ قطعوا الرملا
لقد هتف بي حنـين لـيل حـمامة ........ مطوقة ناحت فقلت لهـا مـهـلا
لعمرك لو كانت كمثـلـي حـزينـة ........ لما لبست طوقاً ولا خضبت رجـلا
وفارقني ألفي فـألـفـيت بـعـده ........ دواعي الهم لا تفارقـنـي أصـلا
ثم أنها امتنعت من الطعام والشراب وزادت في البكاء والانتحاب وصار بكائها على رؤوس الأشهاد ، واشتهر حزنها بين العباد والبلاد ، وصار الناس يقولون أين عينك يا ضوء المكان ويا ترى ما جرى على كان ما كان حتى بعد عن وطنه وخرج من المكان ، وكان أبوه يشبع الجيعان ويأمر بالعدل والإحسان ، ووصل خبر كان ما كان إلى الملك سلسان .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





تكملة حكاية الملك عمر النعمان وولديه شركان وضوء المكان

الليلة السبعين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الملك سلسان وصل إليه خبر كان ما كان من الكبار وقال :
إنه ولد ملكنا ومن ذرية الملك عمر النعمان وقد بلغنا أنه تغرب عن الأوطان .
فلما سمع الملك سلسان هذا الكلام اغتاظ غيظاً شديداً وتذكر إحسان أبيه إليه وانه أوصاه عليه فحزن على كان ما كان وقال :
لابد من التفتيش عليه في سائر البلاد ثم بعث في طلبه الأمير تركاش في مائة فارس فغاب عشرة أيام ثم رجع وقال له :
ما اطلعت له على خبر ولا وقفت له على أثر .
فحزن عليه الملك سلسان حزناً شديداً ، وأما أمه فإنها صارت لا يقر لها قرار ولا يطاوعها اصطبار وقد مضى له عشرون يوماً .
هذا ما كان من أمر هؤلاء .
و أما ما كان من أمر كان ما كان فإنه لما خرج من بغداد صار متحيراً في أمره ولم يدر إلى أين يتوجه ، ثم إنه سافر في البر ثلاثة أيام وحده ولم ير راجلاً ولا فارساً فطار رقاده وزاد سهاده وتفكر أهله وبلاده وصار يتقوت من نبات الأرض ويشرب من أنهارها ويقبل وقت الحر تحت أشجارها ، ثم خرج من تلك الطريق إلى طريق أخرى وسار فيها ثلاثة أيام ، وفي اليوم الرابع أشرف على أرض معشبة الفلوات مليحة النبات وهذه الأرض قد شربت من كؤوس الغمام على أصوات القمري والحمام فاخضرت رباها وطاب فلاها فتذكر كان ما كان بلاد أبيه فأنشد من فرط ما هو فيه :
خرجت وفي أملي عودة ........ ولكني لست أدري متى
وشردني أنني لـم أجـد ........ سبيلاً إلى دفع ما قد أتى
فلما فرغ من شعره أكل من ذلك النبات وتوضأ وصلى ما كان عليه من الفريضة وجلس يستريح ومكث طول ذلك النهار ، فلما جاء الليل نام واستمر نائماً إلى نصف الليل ثم انتبه فسمع صوت إنسان ينشد هذه الأبيات :
ما العيش إلا أن يرى لك بارق ........ من ثغر من تهوى ووجه رائق
والموت أسهل من صدود حبيبة ........ لم يغشني منها خـيال طـارق
يا فرحة الندماء حيث تجمعـوا ........ وأقام معشوق هناك وعاشـق
لا سيما وقت الربـيع وزهـره ........ طاب الزمان بما إليه تسابـق
يا شارب الصهباء دونك ما ترى ........ أرض مزخرفة ومـاء دافـق
فلما سمع كان ما كان هذه الأبيات هاجت به الأشجان وجرت دموعه على خده كالغدران وانطلقت من قلبه النيران فقام ينظر قائل هذا الكلام فلم ير أحداً في جنح الظلام فأخذه القلق ونزل في مكانه إلى أسفل الوادي ومشى على شاطئ النهر فسمع صاحب الصوت يصعد الزفرات وينشد هذه الأبيات :
إن كنت تضمر ما في الحب إشفاقاً ........ فأطلق الدمع يوم البين إطـلاقـا
بيني وبين أحبائي عـهـود هوى ........ لذا إليهم أظل الدهر مـشـتـاقـا
يرتاح قلبي إلى تيم ويطـربـنـي ........ نسيم تيم إذا مـا هـب أشـواقـا
يا سعد هل ربة الخلخال تذكرنـي ........ بعد البعاد لنا عـهـداً ومـيثـاقـا
وهل تعود ليالي الوصل تجمعـنا ........ يوماً ويشرح كل بعضٍ ما لاقـى
قالت فتنت بنا وجدا فقلـت لـها ........ كم قد فتنت رعاك الله عـشـاقـا
لا متع الله طرفي في محاسنـها ........ إن كان من بعدها طيب الكرى ذاقا
يا لسعة في فؤادي ما رأيت لـها ........ سوى الوصال ورشف الثغر ترياقا
فلما سمع كان ما كان هذه الأشعار من صاحب الصوت ثاني مرة ولم ير شخصه عرف أن القائل عاشق منع من الوصول إلى من يحبه فقال في نفسه :
لعلي اجتمع بهذا فيشكو كل واحد لصاحبه وأجعله أنيسي في غيبتي .
ثم تنحنح ونادى :
أيها السائر في الليل العاكر تقرب مني وقص علي لعلك تجدني معيناً لك على بليتك .
فلما سمع صاحب الصوت هذا الكلام أجابه قائلاً :
أيها المنادي السامع لإنشادي من تكون من الفرسان وهل أنت من الأنس أو الجان ? فعجل علي بكلامك قبل دنو حمامك وامش .
فقال كان ما كان :
لا تفعل يا أخا العرب لأن أهلي لا يشتروني بفضة ولا ذهب وأنا رجل فقر ولا معي قليل ولا كثير فدع عنك هذه الأخلاق واتخذني من الرفاق واخرج بنا من أرض العراق .
فلما سمع صاحب الصوت هذا الكلام وكان اسمه صباح غضب وزاد به الالتهاب وقال له :
ويلك تراددني في الجواب يا أخس الكلاب ، أدر كتافك وإلا أنزلت عليك العذاب .
فتبسم كان ما كان وقال :
كيف أدير الكتاف ، أما عندك أوصاف ? أما تخشى معايرة العربان حيث تأسر غلاماً بالذل والهوان وما اختبرته في حومة الميدان وعلمت أهو فارس أم جبان ?.
فضحك صباح وقال :
يا الله العجب إنك في سن الغلام ولكنك كبير الكلام لأن هذا القول لا يصدر إلا عن البطل المصدام .
فقال كان ما كان :
الإنصاف أنك إذا شئت أخذي أسيراً خادماً لك أن ترمي سلاحك وتخفف لباسك وتصارعني وكل من صرع صاحبه بلغ منه مرامه وجعله غلامه .
فضحك صباح وقال :
ما أظن كثرة كلامك إلا لدنو حمامك .
ثم رمى سلاحه وشمر أذياله ودنا من كان ما كان وتجاذبا فوجده البدوي يرجح عليه كما يرجح للقنطار على الدينار ، ونظر إلى ثبات رجليه في الأرض فوجدهما كالمأذنتين المؤسستين أو الجبلين الراسخين فعرف في نفسه قصر باعه وندم على الدنو من صراعه وقال في نفسه :
ليتني قاتلته بسلاحي .
ثم إن كان ما كان قبضه وتمكن منه وهزه فأحس أن أمعاءه تقطعت في بطنه .
فصاح :
أمسك يدك يا غلام .
فلم يلتفت إلى ما أبداه من الكلام بل حمله من الأرض وقصد به النهر فناداه صباح قائلاً :
أيها البطل ما تريد أن تفعل بي .
قال :
أريد أن أرميك في هذا النهر فإنه يوصلك إلى دجلة ، والدجلة يوصلك إلى نهر عيسى ونهر عيسى يوصلك إلى الفرات والفرات يلقيك إلى بلادك فيراك قومك فيعرفونك ويعرفون مروءتك وصدق محبتك .
فصاح صباح ونادى :
يا فارس البطاح لا تفعل فعل القباح أطلقني بحياة بنت عمك سيدة الملاح .
فحطه كان ما كان في الأرض فلما رأى نفسه خالصاً ذهب إلى ترسه وسيفه وأخذهما وصار يشاور نفسه على الهجوم عليه فعرف كان ما كان ما يشاور نفسه عليه فقال له :
قد عرفت ما في قلبك حيث أخذت سيفك وترسك فإنه قد خطر ببالي أنه ليس لك يد في الصراع تطول ، ولو كنت على فرس تجول لكنت بسيفك تصول وهاأنا أبلغك ما تختار حتى لا يبقى في قلبك إنكار فأعطني الترس واهجم علي بالسيف فإما تقتلني أو أقتلك .
فرمى الترس وجرد سيفه وهجم به على كان ما كان فتناول الترس بيمينه وصار يلاقي به عن نفسه وصار صباح يضربه ويقول :
ما بقي إلا هذه الضربة الفاصلة .
فيتلقاها كان ما كان وتروح ضائعة ولم يكن مع كان ما كان ما يضرب به ولم يزل صباح يضرب بالسيف حتى كلت يده وعرف كان ما كان ضعف قوته وانحلال عزيمته فهجم عليه وهزه وألقاه في الأرض وكتفه بحبائل سيفه وجره من رجليه إلى جهة النهر. فقال صباح :
ما تريد أن تصنع بي يا فارس الزمان وبطل الميدان ?
قال :
ألم أقل لك أنني أرسلك إلى قومك في النهر حتى لا يشغل خاطرهم عليك وتتعوق عن عرس بنت عمك .
فتضجر صباح وبكى وصاح وقال :
لا تفعل بي يا فارس الزمان واجعلني لك من بعض الغلمان .
ثم أفاض دمع العينين وأنشد هذين البيتين :
تغربت عن أهلي فيا طول غربتي ........ ويا ليت شعري هل أموت غريبا
أموت وأهلي ليس تعرف مقتلـي ........ وأودي غريباً لا أزور حـبـيبـا
فرحمه كان ما كان ، وأطلقه بعد أن أخذ عليه العهود والمواثيق أنه يصحبه في الطريق ويكون له نعم الرفيق ، ثم إن صباحاً أراد أن يقبل يد كان ما كان فمنعه من تقبيلها ، ثم قام البدوي إلى جرابه وفتحه وأخذ منه ثلاث قرصات شعير وحطها قدام كان ما كان وجلس معه على شاطئ النهر وأكلا مع بعضهما ، ثم توضأ وصليا وجلسا يتحدثان فيم ألقياه من صروف هذا الزمان .
فقال كان ما كان للبدوي :
أين تقصد ?
فقال صباح :
أقصد بغداد بلدك ، وأقيم بها حتى يرزقني الله بالصداق .
فقال له :
دونك والطريق .
ثم ودعه البدوي وتوجه في طريق بغداد وأقام كان ما كان وقال في نفسه :
يا نفسي أي وجه للرجوع مع الفقر والفاقة والله لا أرجع خائباً ولابد لي من الفرج إن شاء الله تعالى .
ثم تقدم إلى النهر وتوضأ وصلى ، فلما سجد ووضع جبهته على التراب ونادى به ربه قائلاً :
اللهم منزل القطر ورازق الدود في الصخر أسألك أن ترزقني بقدرتك ولطيف رحمتك ثم سلم من صلاته وضاق به كل مسلك .
فبينما هو جالس يلتفت يميناً وشمالاً وإذا بفارس أقبل على جواد ، وقد اقتعد ظهره وأرخى عنانه فاستوى كان ما كان جالساً وبعد ساعة وصل إليه الفارس وهو في آخر نفس لأنه كان به جرح بالغ ، فلما وصل إليه جرى دمعه على خده مثل أفواه القرب وقال لكان ما كان :
يا وجه العرب اتخذني ما عشت لك صديقاً فإنك لا تجد مثلي واسقني قليلاً من الماء ، وإن كان شرب الماء لا يصلح للجروح لاسيما وقت خروج الروح وإن عشت أعطيتك ما يدفع فقرك وإن مت فأنت المسعود بحسن نيتك .
وكان تحت الفارس حصان يتحير في حسنه الإنسان ويكل عن وصفه اللسان وله قوائم مثل أعمدة الرخام معد ليوم الحرب والزحام ، فلما نظر كان ما كان إلى ذلك الحصان أخذه الهيام وقال في نفسه :
إن هذا الحصان لا يكون في هذا الزمان .
ثم أنه أنزل الفارس ورفق به وجرعه يسيراً من الماء ثم صبر عليه حتى أخذ الراحة وأقبل عليه وقال له :
من الذي فعل بك هذه الفعال ?
فقال الفارس :
أنا أخبرك بحقيقة الحال ، إني رجل سلال غيار طول دهري أسل الخيل وأختلسها في الليل والنهار واسمي غصان آفة كل فرس وحصان وقد سمعت بهذا الحصان في بلاد الروم عند الملك أفريدون وقد سماه بالقانون ولقبه بالمجنون وقد سافرت إلى القسطنطينية من أجله وصرت أراقبه فبينما أنا كذلك إذ خرجت عجوز معظمة عند الروم وأمرها عندهم في الخداع متناهي تسمى شواهي ذات الدواهي ، ومعها هذا الجواد وصحبتها عشرة عبيد لا غير برسم خدمة هذا الحصان وهي تقصد بغداد تريد الدخول على الملك سلسان لتطلب منه الصلح والأمان ، فخرجت في أثرهم طمعاً في الحصان وما زلت أتابعهم ، ولا أتمكن من الوصول إليه لأن العبيد شداد الحرس عليه إلى أن أتوا تلك البلاد وخفت أن يدخلوا مدينة بغداد ، فبينما أنا أشاور نفسي في سرقة الحصان إذ طلع عليهم غبار حتى سد الأقطار ثم انكشف الغبار عن خمسين فارساً مجتمعين لقطع الطريق على التجار ورئيسهم يقال لهم كهرداش ولكنه في الحرب كأسد يجعل الأبطال كالفراش .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه


الليلة الحادية والسبعين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الفارس المجروح قال لكان ما كان :
فخرج على العجوز ومن معها كهرداش ثم أحاط بهم وهاش وناش فلم تمض ساعة حتى ربط العشرة عبيد والعجوز وتسلم الحصان وسار بهم وهو فرحان فقلت في نفسي :
قد ضاع تعبي وبلغت أربي ثم صبرت حتى أنظر ما يؤول الأمر إليه .
فلما رأت العجوز روحها في الأسر بكت وقالت لكهرداش :
أيها الفارس الهمام والبطل الضرغام ماذا تصنع بالعجوز والعبيد وقد بلغت من الحصان ما تريد ?
وخادعته بلين الكلام ، وحلفت أنها تسوق له الخيل والأنعام فأطلقها هي والعبيد ، ثم سار هو والعبيد وأصحابه وتبعتهم حتى وصلت إلى هذه الديار وأنا ألاحظه .
فلما وجدت إليه سبيلاً سرقته وركبته ، وأخرجت من مخلاتي سوطاً فضربته ، فلما أحسوا بي لحقوني وأحاطوا بي من كل مكان ورموني بالسهام والسنان وأنا ثابت عليه وهو يقاتل عني بيديه ورجليه إلى أن خرج بي من بينهم مثل النجم الطارق والسهم الراشق ، ولكن لما اشتد الكفاح أصابتني بعض الجراح وقد مضى لي على ظهره ثلاثة أيام ولم أستطعم بطعام وقد ضعفت مني القوى وهانت علي الدنيا أحسنت إلي وأشفقت علي وأراك عاري الجسد ظاهر عليك الكمد ، ويلوح عليك أثر النعمة فما يقال لك ?.
فقال كان ما كان :
أنا يقال لي كان ما كان ابن الملك ضوء المكان بن الملك عمر النعمان قد مات والدي وربيت يتيماً وتولى رجل لئيم وصار ملكاً على الحقير والعظيم ثم حدثه بحديثه من أوله إلى آخره .
فقال الرجل السلال وقد رق له :
إنك ذو حسب عظيم وشرف جسيم وليس لك شأن وتصير أفرس هذا الزمان فإن قدرت أن تحملني وتركب ورائي وتوديني إلى بلادي يكن لك الشرف في الدنيا والجر في يوم التناد فإنه لم يبق لي قوة أمسك بها نفسي وإن أمت في الطريق فزت بهذا الحصان وأنت أولى به من كل إنسان .
فقال له كان ما كان :
والله لو قدرت أن أحملك على أكتافي لفعلت ولو كان عمري بيدي لأعطيتك نصفه من غير هذا الجواد لأني من أهل المعروف وإغاثة الملهوف وفعل الخير لوجه الله تعالى يسد سبعين باباً من البلاء .
وعزم على أن يمله على الحصان ويسير متوكلاً على اللطيف الخبير ، فقال له :
اصبر علي قليلاً .
ثم أغمض عينيه وفتح يديه وقال :
أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن سيدنا محمد رسول الله .
وتهيأ للممات وأنشد هذه الأبيات :
ظلمت العباد وطفـت الـبـلاد ........ وأمضيت عمري بشرب الخمور
وخضت السيول لسل الـخـيول ........ وهدم الطلول بفعل الـنـكـور
وأمري عظيم وجرمي جـسـيم ........ وفاتول منـي تـمـام الأمـور
وأملت أنـي أنـال الـمـنـى ........ بذاك الحصان فأعيا مـسـيري
وطول الحـياة أسل الـخـيول ........ فكانت وفاتي عـنـد الـغـدير
وآخر أمـري أنـي تـعـبـت ........ لرزق الغري اليتيم الـفـقـير
فلما فرغ من شعره أغمض عينيه وفتح فاه وشهق شهقة ففارق الدنيا فحفر له كان ما كان حفرة وواراه التراب ، ثم مسح وجه الحصان ورآه لا يوجد في حوزة الملك سلسان ، ثم أتته الأخبار من التجار بجميع ما جرى في غيبته بين الملك سلسان والوزير دندان خرج عن طاعة الملك سلسان هو ونصف العسكر وحلفوا أنهم ما لهم سلطان إلا كان ما كان واستوثق منهم بالأيمان ودخل بهم إلى جزائر الهند والبربر وبلاد السودان واجتمع معهم عساكر مثل البحر الزاخر لا يعرف لهم أول من آخر وعزم على أن يرجع بجميع الجيوش إلى البلاد ويقتل من يخالفه من العباد وأقسم أنه لا يرد سيف الحرب إلى غمده حتى يملك كان ما كان .
فلما بلغته هذه الأخبار غرق في بحر الأفكار ، ثم إن الملك سلسان علم أن الدولة انحرفت عليه الكبار والصغار فغرق في بحر الهموم والأكدار وفتح الخزائن وفرق على أرباب الدولة الأموال والنعم وتمنى أن يقدم عليه كان ما كان ويجذب قلبه إليه بالملاطفة والإحسان ويجعله أميراً على العساكر الذين لم يزالوا تحت طاعته لتقوى به شرارة جمرته ، ثم إن كان ما كان لما بلغه ذلك الخبر من التجار رجع مسرعاً إلى بغداد على ظهر ذلك الجواد .
فبينما الملك سلسان في ربكته حيران إذ سمع بقدوم كان ما كان فأخرج جميع العساكر ووجهاء بغداد ولاقوه ومشوا قدامه إلى القصر ودخلت الطواشية بالأخبار إلى أمه فجاءت إليه وقبلته بين عينيه ، فقال :
يا أماهد عيني أمضي إلى عمي السلطان سلسان الذي غمرني بالنعمة والإحسان . ثم إن أرباب الدولة تحيروا في وصف ذلك الحصان وفي وصف صاحبه سيد الفرسان وقالوا للملك سلسان :
أيها الملك إننا ما رأينا مثل هذا الإنسان .
ثم ذهب الملك سلسان وسلم عليه .
فلما رآه كان ما كان مقبلاً عليه قام إليه وقبل يديه ورجليه وقدم إليه الحصان هدية فرحب به وقال :
أهلاً وسهلاً بولدي كان ما كان ، والله لقد ضاقت بي الأرض لأجل غيبتك والحمد لله على سلامتك .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه






الليلة الثانية والسبعين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الملك سلسان قال لكان ما كان :
أهلاً وسهلاً بولدي كان ما كان والله لقد ضاقت بي الأرض لجل غيبتك والحمد لله على سلامتك .
ثم نظر السلطان إلى هذا الحصان المسمى القانون ، فعرف أنه الحصان الذي رآه سنة كذا وكذا في حصار عبدة الصلبان مع أبيه ضوء المكان حين قتل عمه شركان وقال له :
لو قدر عليه أبوك لاشتراه بألف جواد ولكن الآن عاد العز إلى أهله وقد قبلناه ومنا لك وهبناه وأنت أحق به من كل إنسان لأنك سيد الفرسان .
ثم أمر أن يحضر لكان ما كان خلعة سنية وجملة من الخيل وأفرد له في القصر أكبر الدور وأقبل عليه العز والسرور ، وأعطاه مالاً جزيلاً وأكرمه غاية الإكرام لأنه كان يخشى عاقبة الوزير دندان ففرح بذلك كان ما كان وذهب عنه الذل والهوان ودخل بيته وأقبل على أمه وقال :
يا أمي ما حال ابنة عمي .
فقالت :
والله يا ولدي انه كان عندي من غيبتك ما شغلني عن محبوبتك .
فقال :
يا أمي اذهبي إليها وأبلي عليها لعلها تجود علي بنظرة .
فقالت له :
إن المطامع تذل أعناق الرجال فدع عنك هذا المقال لئلا يقضي بك إلى الوبال فأنا أذهب إليها ولا أدخل بهذا الكلام عليها .
فلما سمع من أمه ذلك أخبرها بما قاله السلال من أن العجوز ذات الدواهي طرقت البلاد وعزمت على أن تدخل بغداد وقال :
هي التي قتلت عمي وجدي ولا بد أن أكشف العار وآخذ بالثأر .
ثم ترك أمه وأقبل على عجوز عاهرة محتالة ماكرة اسمها سعدانة وشكا إليها حاله وما تجده من حب قضي فكان وسألها أن تتوجه العجوز إليها وتستعطفها عليه ، فقالت له العجوز :
سمعاً وطاعة .
ثم فارقته ومضت إلى قصر قضي فكان واستعطفت قلبها عليه ، ثم رجعت إليه وأعلمته بأن قضي فكان تسلم عليه ووعدتها أنها في نصف الليل تجيء إليه .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه






الليلة الثالثة والسبعين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن العجوز قالت لكان ما كان بأنها ستجيء إليك في نصف الليل ففرح لوعد ابنة عمه قضي فكان ، فلما جاء نصف الليل أتته بملاءة سوداء من الحرير ودخلت عليه ونبهته من نومه وقالت له :
كيف تدعي أنك تحبني وأنت خلي البال نائم على أحسن حال .
فانتبه وقال :
والله يا منية القلب أني ما نمت إلا طمعاً في أن يزورني منك طيف الخيال .
فعند ذلك عاتبته بعتاب لطيف الكلمات وأنشدت هذه الأبيات :
لو كنت تصدق في المحبة ........ ما جنحت إلى المـنـام
يا مدعي طـرق المحـبة ........ في المـودة والـغـرام
والله يا ابـن الـعـم مـا ........ رقدت عيون المستهـام
فاستحيا منها كان ما كان ، وتعانقا وتشاكيا ألم الفراق وعظيم الوجد والاشتياق ولم يزالا كذلك إلى أن بدت غرة الصباح وطلع الفجر ولاح فبكى كان ما كان بكاءً شديداً وصعد الزفرات وأنشد هذه الأبيات :
فيا زائري من بعد فـرط صـدوده ........ وفي الثغر منه الدر في نظم عقده
فقبلته ألـفـاً وعـانـقـت قـده ........ وبت وخدي لاصق تحـت خـده
إلى أن بدا نور الصباح فراعـنـا ........ كحد حسام لاح من جوف غمـده
فلما فرغ من شعره ودعته قضي فكان ورجعت إلى خدرها وأظهرت بعض الجواري على سرها فذهبت جارية منهن إلى الملك سلسان وأعلمته بالخبر فتوجه إلى قضي فكان وجرد عليها الحسام وأراد أن يضرب عنقها فدخلت عليه أمها نزهة الزمان ، وقالت له :
بالله لا تفعل بها ضرراً فإنك إن فعلت بها ضرراً يشيع الخبر بين الناس وتبقى معيرة عند ملوك الزمان وإن كان ما كان صاحب عرض ومروءة ولا يفعل أمراً يعاب عليه فاصبر ولا تعجل فإن أهل القصر وجميع بغداد قد شاع عندهم أن الوزير دندان ، قاد العسكر من جميع البلدان وجاء بهم ليملكوا كان ما كان .
فقال لها :
لابد أن أرميه في بلية بحيث لا أرض تقله ولا سماء تظلله وإني ما طيبت خاطره إلا لأجل أهل مملكتي ، لئلا يميلوا إليه وسوف ترين ما يكون .
ثم تركها وخرج يدير أمر مملكته .
هذا ما كان من أمر الملك سلسان .
وأما كان ما كان فإنه أقبل على أمه في ثاني يوم وقال لها :
يا أمي إني عزمت على شن الغارات وقطع الطرقات وسوق الخيل والنعم والعبيد والمماليك وإذا كثر مالي وحسن حالي خطبت قضي فكان من عمي سلسان .
فقالت :
يا ولدي إن أموال الناس غير سائبة ، لأن دونها ضرب الصفاح وطعن الرمح ورجالاً تقتنص الأسود وتصيد الفهود .
فقال لها كان ما كان :
هيهات أن أرجع عن عزيمتي إلا إذا بلغت منيتي .
ثم أرسل العجوز إلى قضي فكان ليعلمها أنه يريد السير حتى يحصل لها مهراً يصلح لها وقال للعجوز :
لابد أن تأتيني منها بالجواب .
فقالت له :
سمعاً وطاعة .
ثم ذهبت إليها ورجعت له بالجواب . وقالت له :
إنها في منتصف الليل تكون عندك .
فأقام سهران إلى نصف الليل من قلقه فلم يشعر إلا وهي داخلة عليه وتقول له :
روحي فداك من السهر .
فنهض لها قائماً وقال :
يا منية القلب روحي فداك من جميع الأسواء .
ثم أعلمها بما عزم عليه فبكت فقال لها :
لا تبكي يا بنت العم فأن الذي حكم علينا بالفراق أن يمن علينا بالتلاق والوفاق .
ثم إن كان ما كان أخذ في السفر ودخل على أمه وودعها ونزل من القصر ونقله بسيفه وتعمم وتلثم وركب جواده القانون ومشى في شوارع المدينة وهو كالبدر حتى وصل إلى باب بغداد وإذا برفيقه صباح بن رباح خارج من المدينة ، فلما رآه جرى في ركابه وحياه فرد عليه السلام فقال صباح :
يا أخي كيف صار لك هذا الجواد وهذا المال ، وأنا الآن لا أملك غير سيفي ?
فقال له كان ما كان :
لا يرجع الصياد بصيد إلا إلى قدر نيته وبعد فراقك بساعة حصلت لي السعادة وهل لك أن تأتي معي وتخلص النية في صحبتي ونسافر في تلك البرية ?
فقال :
ورب الكعبة ما بقيت أدعوك إلا مولاي .
ثم جرى قدام الجواد وسيفه على عاتقه وجرابه بين كتفيه ولم يزالا سائرين في البر أربعة أيام وهما يأكلان من صيد الغزلان ويشربان من ماء العيون وفي اليوم الخامس أشرفا على تلٍ عال تحته مراتع فيها إبل وغنم وبقر خيل قد ملأت الروابي والبطاح وأولادها الصغار تلعب حول المراح .
فلما رأى ذلك كان ما كان ، زادت به الأفراح وامتلأ صدره بالإنشراح وعول على القتال وأخذ النياق والجمال فقال لصباح :
انزل بنا على هذا المال الذي عن أهله وحيد ونقاتل دونه القريب والبعيد حتى يكون لنا في أخذه نصيب .
فقال صباح :
يا مولاي إن أصحابه خلق كثير وجم غفير وفيهم أبطال من فرسان ورجال وإن رمينا أرواحنا في هذا الخطب الجسيم فإننا نكون من هوله على خطر عظيم .
فضحك كان ما كان وعلم أنه جبان فتركه وانحدر من الرابية عازماً على شن الغارات وترنم بإنشاد هذه الأبيات :
وآل نعمان هم ذوو الهـمـم ........ والسادة الضاربون في القسم
قوم إذا ما الهياج قام لـهـم ........ قاموا بأسواقه علـى قـدم
تنام عين الفقـير بـينـهـم ........ ولا يرى قبح صور العـدم
وإنني أرتـجـي مـعـاونة ........ من مالك الملك بارئ النسم
ثم حمل على ذلك المال مثل الجمل الهائج وساق جميع الإبل والبقر والغنم والخيل قدامه فتبادرت إليه العبيد بالسيوف النقال والرماح الطوال وفي أولهم فارس تركي إلا أنه شديد الحرب والكفاح عارف بأعمال سمر القنا وبيض الصفاح فحمل على كان ما كان وقال له :
ويلك لو علمت لمن هذا المال ما فعلت هذه الفعال ، اعلم أن هذه الأموال للعصابة الرومية والفرقة الجركسية الذين ما فيهم إلا كل بطل عابس وهم مائة فارس قد خرجوا عن طاعة كل سلطان وقد سرق منهم حصان وحلفوا بان لا يرجعوا من هنا إلا به .
فلما سمع كان ما كان هذا الكلام صاح قائلاً :
هذا هو الحصان الذي تعنون وأنتم له طالبون وفي قتالي بسببه راغبون فبارزوني كلكم أجمعون وشانكم وما تريدون .
ثم صرخ بين أذني القانون فخرج عليهم مثل الغول وعطف على الفارس وطعنه فأخرج كلاه ومال على ثانٍ وثالث ورابع فأعدمهم الحياة فعند ذلك هابته العبيد فقال لهم :
يا بني الزواني سوقوا المال والخيول وإلا خضبت من دمائكم سناني .
فساقوا المال وأخذوا في الانطلاق وانحدر إليه صباح وأعلن بالصياح وزادت به الأفراح وإذا بغبار قد علا وطار حتى سد الأقطار وبان من تحته مائة فارس مثل الليوث العوابس .
فلما رآهم صباح فر إلى الرابية وترك البطاح وصار يتفرج على الكفاح ، وقال :
ما أنا بفارس إلا في اللعب والمزاح .
ثم إن المائة فارس داروا حول كان ما كان وأحاطوا به من كل مكان فتقدم إليه منهم وقال :
أين تذهب بهذا المال ?
فقال له كان ما كان :
دونك والقتال واعلم أن من دونه أسداً أروع وبطل صميدع وسيفاً أينما مال قطع .
فلما سمع الفارس ذلك الكلام التفت إليه فرآه فارساً كالأسد الضرغام إلا أن وجهه بدر التمام وكان ذلك الفارس رئيس المائة فارس واسمه كهرداش .
فلما رأى كان ما كان مع كمال فروسيته بديع المحاسن يشبه حسنه حسن معشوقة له يقال لها فاتن وكانت من أحسن النساء وجهاً قد أعطاها الله من الحسن والجمال وكرم الخصال ما يعجز عن وصفه اللسان ويشغل قلب كل إنسان وكانت فرسان القوم تخشى سطوتها وأبطال ذلك القطر تخاف هيبتها وحلفت أنها لا تتزوج إلا من يقهرها وكان كهرداش من جملة خطابها فقالت لأبيها :
ما يقربني إلا من يقهرني في الميدان وموقف الحرب والطعان .
فلما بلغ كهرداش هذا القول اختشى أن يقاتل جارية وخاف من العار فقال في بعض خواصه :
أنت كامل الخصال في الحسن والجمال فلو قاتلتها وكانت أقوى منك فإنك تغلبها لأنها إذا رأت حسنك وجمالك تنهزم قبالك حتى تملكها لأن النساء لهن غرض في الرجال ولا يخفى عنك هذا الحال .
فأبى كهرداش وامتنع من قتالها واستمر على امتناعه من القتال إلى أن جرت له مع كان ما كان هذه الأفعال فظن أنه محبوبته فاتن قد عشقته لما سمعت بحسنه وشجاعته فتقدم إلى كان ما كان وقال :
ويلك يا فاتن قد أتيت لتريني شجاعتك فانزلي عن جوادك حتى أتحدث معك فإني قد سقت هذه الأموال وقطعت الطريق على الفرسان والأبطال وكل هذا لحسنك وجمالك الذي ما له مثيل وتزوجيني حتى تخدمك بنات الملوك وتصيري ملكة هذه الأقطار .
فلما سمع كان ما كان هذا الكلام صارت نار غيظه في اضطرام وقال :
ويلك يا كلب الأعجام دع فاتناً وما بها ترتاب وتقدم إلى الطعن والضراب فعن قليل تبقى على التراب .
ثم صال وجال وطلب الحرب والنزال فلما نظر كهرداش إليه علم أنه فارس همام وبطل مصدام وتبين خطأ ظنه حيث لاح له عذار أخضر فوق خده كآس نبت خلال ورد أحمر وقال للذين معه :
ويلكم ليحمل واحد منكم عليه ويظهر له السيف البتار والرمح الخطار واعلموا أن قتال الجماعة للواحد عار ولو كان في سنان رمحه بشعلة نار .
فعند ذلك حمل عليه فارس تحته جواد أدهم بتحجيل وغرة كالدرهم يحير العقل والناظر كما قال فيه الشاعر :
قد جاءك المهر الذي نزل الوغى ........ جذلان يخلط أرضه بسـمـائه
وكأنما لطم الصبـاح جـبـينـه ........ واقتص منه فخاض في أحشائه
ثم إن الفارس حمل عليه كان ما كان وتجاولا في الحرب برهة من الزمان وتضاربا ضرباً يحير الأفكار ويغشي الأبصار فسبقه كان ما كان بضربة بطل شجاع قطعت منه العمامة والمغفر فمال عن جواده كأنه البعير إذا انحدر وحمل عليه الثاني والثالث والرابع والخامس ففعل بهم كالأول ، ثم حمل عليه الباقون وقد اشتد بهم القلق وزادت الحرق فما كان إلا ساعة التقطهم بسنان رمحه . فنظر كهرداش إلى هذا الحال فخاف من الإرتحال وعرف من نفسه أن عنده ثبات الجنان واعتقد أنه أوجد الأبطال والفرسان فقال لكان ما كان :
قد وهبت لك دمك ودم أصحابي فخذ من المال ما شئت واذهب إلى حال سبيلك فقد رحمتك لحسن شبابك والحياة أولى بك .
فقال له كان ما كان :
لا عدمت مروءة الكرام ولكن اترك عنك هذا الكلام وفز بنفسك ولا تخشى الملام ولا تطمع نفسك في رد الغنيمة واسلك لنجاة نفسك طريقة مستقيمة .
فعند ذلك اشتد بكهرداش الغضب وحصل عنده ما يوجب العطب فقال لكان ما كان :
ويلك لو عرفت من أنا ما نطقت بهذا الكلام في حومة الزحام فاسأل عني الأسد البطاش المعروف بكهرداش الذي نهب الملوك الكبار وقطع الطريق على جميع السفار وأخذ أموال التجار وهذا الحصان الذي تحتك طلبتي وأريد أن تعرفني كيف وصلت إليه حتى استوليت عليه .
فقال كان ما كان :
اعلم أن هذا الجواد كان سائراً إلى عمي الملك سلسان تحت عجوز كبيرة ولنا عندها ثأر من جهة جدي الملك عمر النعمان وعمي الملك شركان .
فقال كهرداش :
ويلك ومن أبوك لا أم لك .
فقال كان ما كان :
اعلم أني كان ما كان ابن الملك ضوء المكان بن عمر النعمان .
فلما سمع كهرداش هذا الخطاب قال :
لا يستنكر عليك الكمال والجمع بين الفروسية والجمال .
ثم قال له :
توجه بأمان فإن أباك كان ذا فضل وإحسان .
فقال له كان ما كان :
أنا والله ما أوقرك يا مهان .
فاغتاظ البدوي ثم حمل كل منهما على صاحبه فشدت لهما الخيل أذانها ورفعت أذنابها ولم يزالا يصطدمان حتى ظن كل منهما أن السماء قد انشقت ، ثم بعد ذلك تقاتلا ككباش النطاح واختلفت بينهما طعنات الرماح فحاوله كهرداش بطعنة فزاغ عنها كان ما كان ثم كر عليه وطعنه في صدره فطلع السنان يلمع من ظهره وجمع الخيل والأسلاب وصاح في العبيد :
دونكم والسوق الشديد .
فنزل عند ذلك صباح وجاء إلى كان ما كان وقال له :
أحسنت يا فارس الزمان إني دعوت لك واستجاب ربي لدعائي .
ثم إن صباح قطع رأس كهرداش فضحك كان ما كان وقال له :
ويلك يا صباح إني كنت أظن أنك فارس الحرب والكفاح .
فقال :
لا تنسى عبدك من هذه الغنيمة لعلي أصل بسببها إلى زواج بنت عمي نجمة .
فقال له :
لابد لك من نصيب ولكن كن محافظاً على الغنيمة والعبيد .
ثم إن كان ما كان سار متوجهاً إلى الديار ولم يزل سائراً بالليل والنهار حتى أشرف على مدينة بغداد وعلمت به جميع الأجناد ورأوا ما معه من الغنيمة والأموال ورأس كهرداش على رمح صباح وعرف التجار رأس كهرداش ففرحوا وقالوا :
لقد أراح الله الخلق منه لأنه كان قاطع الطريق .
وتعجبوا من قتله ودعوا لقاتله ، وأتى أهل بغداد إلى كان ما كان بما جرى من الأخبار فهابته جميع الرجال وخافته الفرسان والأبطال وساق ما معه إلى أن أوصله تحت القصر وركز الرمح الذي عليه رأس كهرداش إلى باب القصر وهب للناس وأعطاهم الخيل والجمال فأحبه أهل بغداد ومالت إليه القلوب ثم أقبل على صباح وأنزله في بعض الأماكن الفساح ثم دخل على أمه وأخبرها بما جرى له في سفره .
وقد وصل إلى الملك خبره فقام من مجلسه واختلى بخواصه وقال لهم :
اعلموا أني أريد البوح لكم بسري وأبدي لكم مكنون أمري اعلموا أن كان ما كان هو الذي يكون سبباً لانقلاعنا من هذه الأوطان لأنه قتل كهرداش مع أن قبائل من الأكراد والأتراك وأمرنا معه إلى الهلاك وأكثر خوفنا من أقاربه ، وقد علمتم بما فعل الوزير دندان فإنه جحد معروفي بعد الإحسان وخانني في الأيمان وبلغني أنه جمع عساكر البلدان وقصد أن يسلطن كان ما كان لأن السلطنة كانت لأبيه وجده ، ولا شك أنه قاتلي لا محالة .
فلما سمع خواص مملكته منه هذا الكلام قالوا له :
أيها الملك إنه أقل من ذلك ولولا أننا علمنا بأنه تربيتك لم يقبل عليه منا أحد واعلم أننا بين يديك إن شئت قتله قتلناه وإن شئت ابعاده أبعدناه .
فلما سمع كلامهم قال :
إن قتله هو الصواب ولكن لابد من أخذ الميثاق .
فتحالفوا على أنهم لا بد أن يقتلوا كان ما كان فإذا أتى الوزير دندان وسمع بقتله تضعف قوته عما هو عازم عليه ، فلما أعطوه العهد والميثاق على ذلك أكرمهم غاية الإكرام ثم دخل بيته وقد تفرق عنه الرؤساء وامتنعت العساكر من الركوب والنزول حتى يبصروا ما يكون لأنهم رأوا غالب العسكر مع الوزير دندان ، ثم إن الخبر وصل إلى قضى فكان فحصل عندها غم زائد وأرسلت إلى العجوز التي عادتها أن تأتيها من عند ابن عمها بالأخبار فلما حضرت عندها أمرتها أن تذهب إليه وتخبره بالخبر ، فلما سمع ذلك قال :
بلغي بنت عمي سلامي وقولي لها :
إن الأرض لله عز وجل يورثها من يشاء من عباده ، وما أحسن قول الشاعر :
الملك لله ومن يظفر بنيل منـي ........ يردده قهر ويضمن عنده الدركا
لو كان لي أو لغيري قدر أنملة ........ من التراب لكان الأمر مشتركا
فرجعت العجوز إلى بنت عمه وأخبرتها بما قاله وأعلمتها بأن كان ما كان أقام في المدينة ، ثم إن الملك سلسان صار ينتظر خروجه من بغداد ليرسل وراءه من يقتله فاتفق أنه خرج إلى الصيد والقنص وخرج صباح معه لأنه كان لا يفارقه ليلاً ولا نهاراً فاصطاد عشر غزلان وفيهن غزالة حلاء العيون صارت تتلفت يميناً وشمالاً فأطلقها فقال له صباح :
لأي شيء أطلقت هذه الغزالة ?
فضحك كان ما كان وأطلق الباقي وقال :
إن من المروءة إطلاق الغزلان التي لها أولاد وما تتلفت تلك الغزالة إلا لأن لها أولاد فأطلقتها وأطلقت الباقي في كرامتها .
فقال له صباح :
أطلقني حتى أروح إلى أهلي .
فضحك وضربه بعقب الرمح على قلبه فوقع على الأرض يتلوى كاثعبان ، فبينما هما كذلك وإذا بغبرة سائرة وخيل تركض وبان من تحتها فرسان شجعان وسبب ذلك أن الملك سلسان أخبروه أن كان ما كان خرج إلى الصيد والقنص فأرسل أمير من الديلم يقال له جامع ومعه عشرين فارساً ودفع لهم المال ثم أمرهم أن يقتلوا كان ما كان فلما قربوا منه حملوا عليه وحمل عليهم فقتلهم عن آخرهم وإذا بالملك سلسان ركب وسار ولحق بالعسكر فوجدهم مقتولين فتعجب ورجع وإذا بأهاليهم قبضوا عليه وشدوا وثاقه ، ثم إن كان ما كان توجه بعد ذلك من المكان وتوجه معه صباح البدوي .
فبينما هو سائر في طريقه رأى شاباً على باب داره فألقى كان ما كان عليه السلام فرد الشاب عليه السلام ثم دخل وخرج ومعه قصعتان إحداهما فيها لبن والثانية ثريد والسمن في جوانبها يموج ووضع القصعتين قدام كان ما كان وقال له :
تفضل علينا بالأكل من زادنا .
فامتنع كان ما كان وقال له الشاب :
مالك أيها الإنسان لا تأكل ?
فقال له كان ما كان :
اعلم أن الملك سلسان غصب ملكي ظلماً وعدواناً ثم إن ذلك الملك كان لأبي وجدي من قبلي فاستولى عليه قهراً بعد موت أبي ولم يعتبرني لصغر سني فنذرت أنني لا آكل لأحد زاد حتى أشفي فؤادي من غريمي .
فقال له الشاب :
ابشر فقد وفى الله نذرك واعلم أنه مسجون في مكان وأظنه يموت قريباً .
فقال له كان ما كان :
في أي بيت هو معتقل ?
فقال له :
في تلك القبة العالية .
فنظر كان ما كان إلى قبة عالية ورأى الناس في تلك القبة يدخلون وعلى سلسان يلطمون وهو يتجرع غصن المنون فقام كان ما كان ومشى حتى وصل إلى تلك القبة وعاين ما فيها ثم عاد إلى موضعه وقعد على الأكل وأكل ما تيسر ووضع ما بقي من اللحم في مزودة ثم جلس مكانه ولم يزل جالساً إلى أن أظلم الليل ونام الشاب الذي ضيفه ثم ذهب كان ما كان إلى القبة التي فيها سلسان وكان حولها كلاب يحرسونها فوثب عليه كلب من الكلاب فرمى له قطعة لحم من الذي في مزوده وما زال يرمي للكلاب لحماً حتى وصل إلى القبة وتوصل إلى أن صار عند الملك سلسان ووضع يده على رأسه ، فقال له بصوت عال :
من أنت ?
فقال :
أنا كان ما كان الذي سعيت في قتله فأوقعك الله في سوء تدبيرك أما يكفيك أخذ ملكي وملك أبي وجدي حتى تسعى في قتلي ?
فحلف له الملك سلسان الأيمان الباطلة أنه لم يسع في قتله وأن هذا الكلام غير صحيح فصفح عنه كان ما كان وقال له :
اتبعني .
فقال الملك سلسان :
لا أقدر أن أخطو خطوة واحدة لضعف قوتي .
فقال كان ما كان :
إذا كان الأمر كذلك نأخذ لنا فرسين ونركب أنا وأنت ونطلب البر .
ثم فعل كما قال وركب هو وسلسان وسارا حتى الصباح ثم صليا الصبح وسارا ولم يزالا كذلك حتى وصلا إلى بستان فجعلا يتحدثان فيه ثم قام كان ما كان إلى سلسان وقال له :
هل بقي في لقبك من أمر تكرهه ?
قال سلسان :
لا والله ثم اتفقوا على أنهم يرجعا إلى بغداد .
فقال صباح البدوي :
أنا أسبقكما لأبشر الناس .
فسبق يبشر النساء والرجال فخرجت إليه الناس بالدفوف والمزامير وبرزت قضي فكان وهي مثل البدر بهي الأنوار في دياجي الإعتكار فقابلها كان ما كان وحنت الأرواح للأرواح واشتاقت الأشباح للأشباح ولم يبق لأهل القصر حديث إلا في كان ما كان وشهد له الفرسان أنه أشجع أهل الزمان وقالوا :
لا يصلح أن يكون سلطاناً علينا إلا كان ما كان ويعود إلى ملك جده كما كان .
وأما سلسان فإنه دخل على نزهة الزمان فقالت له :
إني أرى الناس ليس لهم حديث إلا في كان ما كان ويصفونه بأوصاف يعجز عنها اللسان .
فقال لها :
ليس الخبر كالعيان ، فإني رأيته ولم أر فيه صفة من صفات الكمال وما كل ما يسمع يقال ولكن الناس يقلد بعضهم بعضاً في مدحه ومحبته وأجرى الله على ألسنة الناس مدحه حتى مالت إليه قلوب أهل بغداد والوزير دندان الغادر الخوان قد جمع له عساكر من سائر البلدان ومن الذي يكون صاحب الأقطار ويرضى أن يكون تحت يد حاكم يتيم ما له مقدار .
فقالت له نزهة الزمان :
وعلى ماذا عولت ?
قال الملك سلسان :
عولت على قتله ويرجع الوزير دندان خائباً في قصده ، ويدخل تحت أمري وطاعتي ولا يبقى له إلا خدمتي .
فقالت له نزهة الزمان :
الغدر قبيح بالأجانب فكيف بالأقارب والصواب أن تزوجه ابنتك قضي فكان وتسمع ما قيل فيما مضى من الزمان :
إذا رفع الزمان عليـك شخصـاً ........ وكنت أحق فمنه ولو تصاعـد
أنله حتـى رتـبـتـه تـجـده ........ ينيلك إن دنوت وإن تـبـاعـد
ولا تقـل الـذي تـدريه فـيه ........ تكن ممن عن الحسنى تقاعـد
فكم في الخدر أبهى من عروسه ........ ولكن للعروس الدهر سـاعـد
فلما سمع سلسان هذا الكلام وفهم الشعر والنظام قام مغضباً من عندها وقال :
لولا أني أعرف أنك تمزحين لعلوت رأسك بالسيف وأخمدت أنفاسك .
فقالت نزهة الزمان :
حيث غضبت مني فأنا أمزح معك .
ثم وثبت إليه وقبلت رأسه ويديه وقالت له :
الصواب ما تراه وسوف أتدبر أنا وأنت في حيلة نقتله بها .
فلما سمع منها هذا الكلام فرح وقال لها :
عجلي بالحيلة وفرجي كربتي فلقد ضاق علي باب الحيل .
فقالت له :
سوف أتحيل لك على إتلاف مهجته .
فقال لها :
بأي شيء ?
فقالت له :
بجاريتنا التي اسمها باكون فإنها بالمكر ذات فنون .
وكانت هذه الجارية من أنحس العجائز وعدم الخبث في مذهبها غير جائز وكانت ربت كان ما كان وقضي فكان غير أن كان ما كان يميل إليها كثيراً ومن فرط ميله كان ينام تحت رجليها .
فلما سمع الملك سلسان من زوجته هذا الكلام قال :
إن هذا الرأي هو الصواب .
ثم أحضر الجارية باكون وحدثها بما جرى وأمرها أن تسعى في قتله ووعدها بكل جميل ، فقالت له :
أمرك مطاع ولكن أريد يا مولاي أن تعطيني خنجراً قد سقي بماء الهلاك لأعجل لك بإتلافه .
فقال لها سلسان :
مرحباً بك .
ثم أحضر لها خنجراً يكاد أن يسبق القضاء وكانت هذه الجارية قد سمعت الحكايات والأشعار وتحفظ النوادر والأخبار فأخذت الخنجر وخرجت من الديار مفكرة فيما يكون به الدمار وأتت إلى كان ما كان وهو قاعد ينتظر وعد السيدة قضي فكان وكان في تلك الليلة قد تذكر بنت عمه قضي فكان فالتهبت من حبها في قلبه النيران .
فبينما هو كذلك وإذا بالجارية باكون داخلة عليه وهي تقول :
آن أوان الوصال ومضت أيام الإنفصال .
فلما سمع ذلك قال لها :
كيف حال قضي فكان ؟
فقالت له باكون :
اعلم أنها مشتغلة بحبك .
فعند ذلك قام كان ما كان إليها وخلع أثوابها عليها ووعدها بكل جميل فقالت له :
اعلم أنني أنام عندك الليلة وأحدثك بما سمعت من الكلام وأسليك بحديث كل متيم أمرضه الغرام .
فقال لها كان ما كان :
حدثيني بحديث يفرح به قلبي ويزول به كربي .
فقالت له باكون :
حباً وكرامةً .
ثم جلست إلى جانبه وذلك الخنجر من داخل أثوابها ، فقالت له :
اعلم أن أعذب ما سمعت أذني أن رجلاً كان يعشق الملاح وصرف عليهن ماله حتى افتقر وصار لا يملك شيئاً فضاقت عليه الدنيا فصار يمشي في الأسواق ويفتش على شيء يقتات به بينما هو ماش وإذا بقطعة مسمار شكته في إصبعه فسال دمه فقعد ومسح الدم وعصب إصبعه ثم قال وهو يصرخ ، حتى جاز على الحمام ودخلها ثم قلع ثيابه فلما صار داخل الحمام وجدها نظيفة فجلس على الفسقية وما زال ينزح الماء على رأسه إلى أن تعب .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه




الليلة الرابعة والسبعين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن العجوز الماكره باكون قالت لكان ما كان :
ثم خرج إلى الحوض البارد فلم يجد أحداً فاختلى بنفسه وأطلع قطعة حشيش وبلعها فساحت في مخه فانقلب على الرخام وخيل له الحشيش أن مهتاراً كبيراً يكبسه وعبدين واقفان على رأسه واحد معه الطاسة والآخر معه آلة الحمام وما يحتاج إليه البلان فلما رأى ذلك قال في نفسه :
كأن هؤلاء غلطوا في أو من طائفتنا الحشاشين .
ثم إنه مد رجليه فتخيل له أن البلان قال له :
يا سيدي قد أزف الوقت على طلوعك ، واليوم نوبتك .
فضحك وقال في نفسه :
ما شاء الله يا حشيش .
ثم قعد وهو ساكت ، فقام البلان وأخذ بيده وأدار على وسطه مئزراً من الحرير الأسود ومشى وراءه العبدان بالطاسات والحوائج ولم يزالا به حتى أدخلاه الخلوة ، وأطلقا فيها البخور فوجدها ملآنة من سائر الفواكه والمشموم ، وشقا له بطيخة وأجلساه على كرسي من الآبنوس ووقف البلان يغسله والعبدان يصبان الماء ثم دلكوا دلكاً جيداً وقالوا له :
يا مولانا الصاحب نعيم دائم .
ثم خرجوا وردوا عليه الباب .
فلما خيل له ذلك قام ورفع المئزر من وسطه وصار يضحك إلى أن غشي عليه واستمر ساعة يضحك ، ثم قال في نفسه :
ما لهم يخاطبونني خطاب الوزير ويقولون :
يا مولانا الصاحب فلعل الأمر التبس عليهم في هذه الساعة بعد ذلك يعرفونني ويقولون هذا زليط ويشبعون صكاً في رقبتي .
ثم إنه استحمى وفتح الباب ، فتخيل له أن مملوكاً صغيراً وطواشياً قد دخلا عليه فالمملوك معه بقجة ففتحها وأخرج منها ثلاث فوط من الحرير فرمى الأولى على رأسه والأخرى على أكتافه وحزمه بالثالثة ، وقدم له الطواشي قبقاباً فلبسه وأقبلت عليه مماليكه وطواشيه وصاروا يستندونه وكل ذلك حصل وهو يضحك إلى أن خرج وطلع الليوان فوجد فرشاً عظيماً ، لا يصلح إلا للملوك وتبادرت إليه الغلمان وأجلسوه على المرتبة وصاروا يكبسونه ، حتى غلب عليه النوم .
فلما نام رأى في حضنه صبية فباسها ووضعها بين فخذيه وجلس منها مجلس الرجل من المرأة وسحبها وعصرها تحت عنده وإذا بواحد يقول :
إنتنبه يا زليط قد جاء الظهر وأنت نائم .
ففتح عينيه فوجد نفسه على الحوض البارد وحوله جماعة يضحكون عليه والفوطة انحلت من وسطه وتبين له أن كل هذا أضغاث أحلام أو تخيلات حشيش فاغتم ونظر إلى الذي نبهه وقال :
كنت اصبر حتى أنتهي من الحلم .
فقال له الناس :
أما تستحي يا حشاش وأنت نائم هكذا .
وصكوه حتى احمر قفاه وهو جيعان وقد ذاق طعم السعادة في المنام .
فلما سمع كان ما كان من الجارية هذا الكلام ضحك حتى استلقى على قفاه وقال لباكون :
يا دادتي إن هذا حديث عجيب فإني ما سمعت مثل هذه الحكاية فهل عندك غيرها ?
فقالت العجوز الماكره باكون :
نعم .
ثم إنها لم تزل تحدث كان ما كان بمخاوف حكايات ونوادر مضحكات حتى غلبه النوم ولم تزل تلك الجارية جالسة عند رأسه حتى مضى غالب الليل فقالت في نفسها :
هذا وقت تجوز الفرصة ثم نهضت وسلت الخنجر ووثبت على كان ما كان وأرادت ذبحه وإذ بأم كان ما كان دخلت عليهما فلما رأتها باكون قامت لها واستقبلتها ، ثم لحقها الخوف فصارت تنتفض كأنها الحمى فلما رأتها أم كان ما كان تعجبت ونبهت ولدها من النوم .
فلما استيقظ وجد أمه جالسة فوق رأسه وكان السبب في حياته مجيئها وسبب مجيء أمه أن قضي فكان سمعت الحديث والإتفاق على قتله فقالت لأمه :
يا زوجة العم الحقي ولدك قبل أن تقتله العاهرة باكون .
وأخبرتها بما جرى من أوله إلى آخره فخرجت وهي لا تعقل شيئاً حتى دخلت في الساعة التي نام فيها وهمت باكون عليه تريد ذبحه فلما استيقظ قال لأمه :
لقد جئت يا أمي في وقت طيب ودادتي باكون حاضرة عندي في تلك الليلة .
ثم التفت إلى باكون وقال لها :
بحياتي عليك هل تعرفين حكاية أحسن من هذه الحكاية التي جدلتيني بها ?
فقالت له باكون :
وأين ما حدثتك به سابقاً مما أحدثك به الآن فإنه أعذب وأغرب ولكن أحكيه لك في غير هذا الوقت .
ثم قامت باكون وهي لا تصدق بالنجاة فقال لها :
مع السلامة .
ولمحت بمكرها أن أمه عندها خبر بما حصل فذهبت إلى حالها .
فعند ذلك قالت له والدته :
يا ولدي هذه ليلة مباركة حيث نجاك الله من الملعونة .
فقال لها :
وكيف ذلك ?
فأخبرته بالأمر من أوله إلى آخره فقال لها :
يا والدتي الحي ما له قاتل وإن قتل لا يموت ولكن الأحوط لنا أن نرحل عن هؤلاء الأعداء والله يفعل ما يريد .
فلما أصبح الصباح خرج كان ما كان من المدينة واجتمع بالوزير دندان ، وبعد خروجه حصلت أمور بين الملك سلسان ونزهة الزمان أوجبت خروج نزهة الزمان أيضاً من المدينة فاجتمعت بهم واجتمع عليهم جميع أرباب دولة الملك سلسان الذين يميلون إليهم فجلسوا يدبرون الحيلة ، فاجتمع رأيهم على غزو ملك الروم وأخذ الثأر فلما توجهوا إلى غزو ملك الروم وقعوا في أسر الملك رومزان بعد أمور يطول شرحها كما يظهر من السياق .
فلما أصبح الصباح أمر الملك رومزان أن يحضر كان ما كان والوزير دندان وجماعتهما فحضروا بين يديه وأجلسهم بجانبه وأمر بإحضار الموائد فأكلوا وشربوا واطمأنوا بعد أن أيقنوا بالموت لما أمر بإحضارهم ، وقالوا لبعضهم :
إنه ما أرسل إلينا إلا لأنه يريد قتلنا .
وبعد أن اطمأنوا قال لهم :
إني رأيت مناماً قصصته على الرهبان فقالوا :
ما يفسره لك إلا الوزير دندان .
فقال الوزير دندان :
خير ما رأيت يا ملك الزمان .
فقال له الملك :
أيها الوزير رأيت إني في حفرة على ضفة بئر أسود وكان قوماً يعذبونني فأردت القيام فلما نهضت وقفت على أقدامي وما قدرت على الخروج من تلك الحفرة ، ثم التفت فيها فرأيت فيها منطقة من ذهب فمددت يدي لآخذها فلما رفعتها من الأرض رأيتها منطقتين فشددت وسطي بهما فإذا هما قد صارتا منطقة وحدة وهذا أيها الوزير منامي والذي رأيته في لذيذ أحلامي .
فقال له الوزير دندان :
اعلم يا مولانا أن رؤياك تدل على أن لك أخاً أو ابن أخ أو ابن عم أو أحد يكون من أهلك من دمك ولحمك وعلى كل حال هو من العصب .
فلما سمع الملك هذا الكلام نظر إلى كان ما كان ونزهة الزمان وقضي فكان والوزير دندان ومن معهم من الأساري وقال في نفسه :
إذا رميت رقاب هؤلاء انقطعت قلوب عسكرهم بهلاك أصحابهم ورجعت إلى بلادي عن قريب لئلا يخرج الملك من يدي .
ولما صمم على ذلك استدعى بالسياف وأمره أن يضرب رقبة كان ما كان من وقته وساعته وإذا بداية الملك قد أقبلت في تلك الساعة فقالت له :
أيها الملك السعيد على ماذا عولت ?
فقال لها :
عولت على قتل هؤلاء الأساري الذين في قبضتي ، وبعد ذلك أرمي رؤوسهم إلى أصحابهم ، ثم أحمل أنا وأصحابي عليهم حملة واحدة فنقتل الذي نقتله ونهزم الباقي وتكون هذه وقعة الإنفصال وأرجع إلى بلادي عن قريب قبل أن يحدث بعد الأمور أمور في مملكتي .
فعندما سمعت منه دايته هذا الكلام أقبلت عليه وقالت له بلسان الإفرنج :
كيف يطيب عليك أن تقتل ابن أخيك وأختك وابنة أختك .
فلما سمع الملك من دايته هذا الكلام اغتاظ غيظاً شديداً ، وقال لها :
يا ملعونة ألم تعلمي أن أمي قد قتلت وأن أبي قد مات مسموماً وأعطيتيني خرزة وقلت لي إن هذه الخرزة كانت لأبيك فلم لا تصدقيني في الحديث ?
فقالت له :
كل ما أخبرتك به صدق ، ولكن شأني وشأنك عجيب وأمري وأمرك غريب فأنني أنا اسمي مرجانة واسم أمك ابريزة وكانت ذات حسن وجمال وشجاعتها تضرب بها الأمثال واشتهرت بالشجاعة بين الأبطال وأما أبوك فإنه الملك عمر النعمان صاحب بغداد وخراسان من غير شك ولا ريب ولا زحم بالغيب وكان قد أرسل ولده شركان إلى بعض غزواته صحبة هذا الوزير دندان وكان منهم الذي كان ، وكان أخوك الملك شركان تقدم على الجيوش وانفرد وحده عن عسكره فوقع عند أمك الملكة ابريزة في قصرها ونزلنا وإياها في خلوة للصراع فصادفناه ونحن في تلك الحالة فتصارع مع أمك فغلبته لباهر حسنها وشجاعتها ثم استضافته أمك مدة خمسة أيام في قصرها فبلغ أباها ذلك الخبر من العجوز شواهي الملقبة بذات الدواهي وكانت أمك قد أسلمت على يد شركان أخيك فأخذها وتوجه بها إلى مدينة بغداد سراً وكنت أنا وريحانة وعشرون جارية معها وكنا قد أسلمنا كلنا على يد الملك شركان ، فلما دخلنا على أبيك الملك عمر النعمان ورأى أمك الملكة ابريزة وقع في قلبه محبتها فدخل عليها ليلة واختلى بها فحملت بك وكان مع أمك ثلاث خرزات فاعطتها لأبيك فأعطى خرزة لابنته نزهة الزمان ، وأعطى الثانية لأخيك ضوء المكان وأعطى الثالثة لأخيك الملك شركان فأخذته منه الملكة ابريزة وحفظتها لك فلما قربت ولادتها اشتاقت أمك إلى أهلها واطلعتني على سرها فاجتمعت بعبد أسود يقال له الغضبان وأخبرته بالخبر سراً ورغبته في أن يسافر معنا فأخذنا العبد وطلع بنا من المدينة وهرب بنا وكانت أمك قربت ولادتها . فلما دخلنا على أوائل بلادنا في مكان منقطع أخذ أمك الطلق بولادتها ، فحدث العبد نفسه بالزنا فأتى أمك فلما قرب منها راودها على الفاحشة فصرخت عليه صرخة عظيمة وانزعجت منه فمن عظم انزعاجها ، وضعتك حالاً وكان في تلك الساعة قد طلع علينا في البر من ناحية بلادنا غبار قد علا وطار حتى سد الأقطار فخشي العبد على نفسه من الهلاك فضرب الملكة ابريزة بسيفه فقتلها من شدة غيظه وركب جواده وتوجه إلى حال سبيله وبعدما راح العبد انكشف الغبار عن جدك الملك حردوب ملك الروم فرأى أمك ابنته وهي في ذلك المكان قتيلة على الأرض جديلة فصعب ذلك عليه ، وكبر لديه وسألني عن سبب قتلها وعن سبب خروجها خفية عن بلاد أبيها فحكيت له جميع ذلك من الأول إلى الآخر وهذا هو سبب العداوة بين أهل الروم وبين أهل بغداد .
فعند ذلك حملنا أمك وهي قتيلة ودفناها في قصرها وقد احتملتك أنا وربيتك وعلقت لك الخرزة التي كانت مع أمك الملكة ابريزة ، ولما كبرت وبلغت مبلغ الرجال لم يمكنني أن أخبرك بحقيقة الأمر لأنني لو أخبرتك بذلك لثارت بينكم الحروب وقد أمرني جدك بالكتمان ولا قدرة لي على مخالفة أمر جدك حردوب ملك الروم فهذا سبب كتمان الخبر عنك وعدم إعلامك بأن أباك الملك عمر النعمان .
فلما استقللت بالمملكة أخبرتك وما أمكنني أن أعلمك إلا في هذا الوقت يا ملك الزمان وقد كشفت السر والبرهان وهذا ما عندي من الخبر وأنت برأيك أخبر .
وكان الأساري قد سمعوا من الجارية مرجانة داية الملك هذا الملك جميعه فصاحت نزهة الزمان من وقتها وساعتها صيحة عظيمة وقالت :
هذا الملك رومزان أخي من أبي عمر النعمان وأمه الملكة ابريزة بنت الملك حردوب ملك الروم وأنا أعرف هذه الجارية حق المعرفة .
فلما سمع الملك رومزان هذا الكلام أخذته الحدة وصار متحيراً في أمره وأحضر من وقته وساعته نزهة الزمان بين يديه ، فلما رآها حن الدم للدم واستخبرها عن قصته فحكت له فوافق كلامها كلام دايته فصح عند الملك أنه من غير شك ولا ارتياب وأن أباه الملك عمر النعمان فقام من تلك الساعة وحل كتاف أخته نزهة الزمان فتقدمت إليه وقبلت يديه ودمعت عيناها فبكى الملك لبكائها وأخذه حنو الأخوة ومال قلبه إلى ابن أخيه السلطان كان ما كان وقام ناهضاً على قدميه وأخذ السيف من السياف فأيقن الأسارى بالهلاك لما رأوا منه ذلك فأمر بإحضارهم بين يديه وفك وثاقهم وقال لدايته مرجانة :
اشرحي حديثك الذي شرحتيه إلى هؤلاء الجماعة .
فقالت دايته مرجانة :
اعلم أيها الملك أن هذا الشيخ هو الوزير دندان وهو لي أكبر شاهد لأنه يعرف حقيقة الأمر .
ثم إنها أقبلت عليهم من وقتها وساعتها وعلى من حضرهم من ملوك الروم وملوك الإفرنج وحدثتهم بذلك الحديث والملكة نزهة الزمان والوزير دندان ومن معها من الأسارى يصدقونها على ذلك ، وفي آخر الحديث لاحت من الجارية مرجانة التفاتة فرأت الخرزة الثالثة بعينها رفيقة الخرزتين اللتين كانتا مع الملكة ابريزة في رقبة السلطان كان ما كان فعرفتها فصاحت صيحة عظيمة دوى لها الفضاء وقالت للملك :
يا ولدي اعلم أنه قد زاد في ذلك صدق يقيني لأن هذه الخرزة التي في رقبة هذا الأسير نظير الخرزة التي وضعتها في عنقك وهذا الأسير هو ابن أخيك وهو كان ما كان .
ثم إن الجارية التفت إلى كان ما كان وقالت له :
أرني هذه الخرزة يا ملك الزمان .
فنزعها من عنقه وناولها لتلك الجارية داية الملك رومزان فاخذتها منه ثم سألت نزهة الزمان عن الخرزة الثالثة فأعطتها لها .
فلما صارت الخرزتان في يد الجارية ناولتهما للملك رومزان فظهر له الحق والبرهان وتحقق أنه عم السلطان كان ما كان وأن أباه الملك عمر النعمان ، فقام من وقته وساعته إلى الوزير دندان وعانقه ثم عانق الملك كان ما كان وعلا الصياح بكثرة الأفراح ، وفي تلك الساعة انتشرت البشائر ودقت الكاسات والطبول وزمرت الزمور وزادت الأفراح وسمع عساكر العراق والشام ضجيج الروم بالأفراح فركبوا عن آخرهم وركب الملك الزبلكان وقال في نفسه :
يا ترى ما سبب هذا الصياح والسرور الذي في عسكر الإفرنج والروم ?
وأما عساكر العراق فإنهم قد أقبلوا وعلى القتال عولوا وصاروا في الميدان ومقام الحرب والطعان .
فالتفت الملك رومزان فرأى العساكر مقبلين للحرب متهيئين فسأل عن سبب ذلك فأخبروه بالخبر فأمر قضي فكان ابنة أخيه شركان أن تسير من وقتها وساعتها إلى عسكر الشام والعراق وتعلمهم بحصول الاتفاق وأن الملك رومزان ظهر أنه عم السلطان كان ما كان فسارت قضي فكان بنفسها ونفت عنها الشرور والأحزان حتى ولت الملك الزبلكان وسلمت عليه وأعلمته بما جرى من الاتفاق وأن الملك رومزان ظهر أنه عمها وعم كان ما كان وحين أقبلت عليه وجدته باكي العين خائفاً على الأمراء والأعيان فشرحت له القصة من أولها إلى آخرها فزادت أفراحهم وزالت أتراحهم وركب الملك الزبلكان هو وجميع الأكابر والأعيان وسارت قدامهم الملكة قضي فكان حتى أوصلتهم إلى سرادق الملك رومزان ، فلما دخلوا عليه وجدوه جالساً مع ابن أخيه السلطان كان ما كان وقد استشاره هو والوزير دندان في أمر الملك الزبلكان فاتفقوا على أنهم يسلمون إليه مدينة دمشق الشام ويتركونه ملكاً عليها كما كان مثل العادة وهم يدخلون إلى العراق فجعلوا الملك الزبلكان عاملاً على دمشق الشام ، ثم أمروه بالتوجه إليها فتوجه بعساكره إليها ومشوا معه ساعة لأجل الوداع واجتمع العسكران مع بعضهم ، ثم إن الملوك قالوا لبعضهم :
ما بقيت قلوبنا تستريح ولا يشفي غيظنا إلا بأخذ الثأر وكشف العار بالإنتقام من العجوز شواهي الملقبة بذات الدواهي .
فعند ذلك سار الملك رومزان مع خواصه وأرباب دولته وفرح السلطان كان ما كان بعمه الملك رومزان ودعا للجارية مرجانة حيث عرفتهم ببعضهم ثم ساروا ولم يزالوا سائرين حتى وصلوا إلى أرضهم فسمع الحاجب الكبير سلسان فطلع وقبل يد الملك رومزان فخلع عليه ، ثم إن الملك رومزان جلس وأجلس ابن أخيه السلطان كان ما كان إلى جانبه ، فقال كان ما كان لعمه الملك رومزان :
يا عم ما يصلح هذا الملك إلا لك .
فقال له الملك رومزان :
معاذ الله أن أعارضك في ملكك .
فعند ذلك أشار إليهما الوزير دندان أن يكون الاثنان في الملك سواء وكل واحد يحكم يوماً فارتضيا بذلك .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





الليلة الخامسة والسبعين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أنهما اتفقا على أن كل واحد يحكم يوماً واحداً ، ثم أولموا الولائم وذبحوا الذبائح وزادت بهم الأفراح وأقاموا على ذلك مدة من الزمان كل ذلك والسلطان كان ما كان يقطع ليله مع بنت عمه قضي فكان ، وبعد تلك المدة بينما وهم قاعدون فرحون بهذا الأمر وانصلاح الشأن إذ ظهر لهم غبار قد علا وطار حتى سد الأقطار وقد أتى إليهم من التجار صارخ يستغيث وهو يصيح ويقول :
يا ملوك الزمان كيف أسلم في بلاد الكفار وأنهب في بلادكم وهي بلاد العدل والأمان ?
فأقبل عليه الملك رومزان وسأله عن حاله فقال له :
أنا تاجر من التجار ولي غائب عن الأوطان مدة مديدة من الزمان واستغرقت في البلاد نحو عشرين سنة من الأعوام وأن معي كتاباً من مدينة دمشق كان قد كتبه إلي المرحوم الملك شركان وسبب ذلك أنني أهديت له جارية ، فلما قربت من تلك البلاد وكان معي مائة حمل من تحف الهند وأتيت بها إلى بغداد التي هي حرمكم ومحل أمنكم وعدلكم خرجت علينا عربان ومعهم أكراد مجتمعة من جميع البلاد فقتلوا رجالي ونهبوا أموالي وهذا شرح حالي .
ثم إن التاجر بكى بين يد الملك رومزان وحوقل واشتكى فرحمه الملك ورق إليه وكذلك رحمه ابن أخيه الملك كان ما كان وحلفوا أنهم يخرجون إليه فخرجوا إليه في مائة فارس كل فارس يعد بين الرجال بألوف وذلك التاجر سار أمامهم يدلهم على الطريق ، ولم يزالوا سائرين ذلك النهار وطول الليل إلى السحر حتى أشرفوا على واد غزير الأنهار كثير الأشجار فوجد القوم قد تفرقوا في ذلك وقسموا بينهم أحمال ذلك التاجر وبقي البعض فأطبق عليهم المائة فارس وأحاطوا بهم من كل مكان وصاح عليهم الملك رومزان وابن أخيه كان ما كان ، فما كان غير ساعة حتى أسروا الجميع وكانوا ثلاثمائة فارس مجتمعين من أوباش العربان فلما أسروهم أخذوا ما معهم من مال التاجر وشدوا وثاقهم وطلعوا بهم إلى مدينة بغداد ، فعند ذلك جلس الملك رومزان هو وابن أخيه الملك كان ما كان على تخت واحد مع بعضهما ثم عرضوا الجميع بين أيديهما وسألاهم عن حالهم وعن كبارهم فقالوا :
ما لنا كبار سوى ثلاثة أشخاص وهم الذين جمعونا من سائر النواحي والأقطار .
فقالا لهم :
ميزونا بأعيانهم .
فميزوهم لهما فأمر بالقبض عليهم وإطلاق بقية أصحابهم بعد أخذ جميع ما معهم من الأموال وتسليمه للتاجر ، فتفقد التاجر قماشه وماله فوجده قد هلك ربعه فوعدوه أنهم يعوضون له جميع ما ضاع منه ، فعند ذلك أخرج التاجر كتابين أحدهما بخط شركان والآخر بخط نزهة الزمان وقد كان التاجر اشترى نزهة الزمان من البدوي وهي بكر وقدمها لأخيها شركان وجرى بينهما ما جرى ، ثم سمع أن الملك كان ما كان وقف على الكتابين وعرف خط عمه شركان وسمع حكاية عمته نزهة الزمان فدخل بذلك الكتاب الثاني الذي كانت كتبته للتاجر الذي ضاع منه المال وأخبرها كان ما كان بقصة التاجر من أولها إلى آخرها فعرفته نزهو الزمان وعرفت خطها ، وأخرجت للتاجر الضيافات وأوصت عليه أخاها الملك رومزان وابن أخيها الملك كان ما كان فأمر له بأموال وعبيد وغلمان من أجل خدمته وأرسلت إليه نزهة الزمان مائة ألف درهم من المال وخمسين حملاً من البضائع وقد أتحفته بهدايا وأرسلت إليه تطلبه .
فلما حضر طلعت وسلمت عليه وأعلمته أنها بنت الملك عمر النعمان وأن أخاها الملك رومزان وابن أخيها الملك كان ما كان ففرح التاجر بذلك فرحاً شديداً وهنأها بسلامتها واجتماعها بأخيها وابن أخيها وقبل يديها وشكرها على فعلها وقال لها :
والله ما ضاع الجميل معك .
ثم دخلت إلى خدرها وأقام التاجر عندهم ثلاثة أيام ، ثم ودعهم ورحل إلى الشام وبعد ذلك أحضر الملوك الثلاثة أشخاص اللصوص الذين كانوا رؤساء قطاع الطريق وسألوهم عن حالهم فتقدم واحد منهم وقال :
اعلموا أني رجل بدوي أقف في الطريق لأخطف الصغار والبنات البكار وأبيعهم للتجار ودمت على ذلك مدة من الزمان إلى هذه الأيام وأغراني الشيطان فاتفقت مع هذين الشقيين على جمع الأوباش من الأغراب والبلدان لأجل نهب الأموال وقطع طريق التجار .
فقلوا له :
احك لنا على أعجب ما رأيت في خطفك الصغار والبنات .
فقال لهم :
أعجب ما جرى لي يا ملوك الزمان أنني من مدة اثنتين وعشرين سنة خطفت بنتاً من بيت المقدس ، ذات يوم من الأيام وكانت تلك البنت ذات حسن وجمال غير أنها كانت خدامة وعليها أثواب خلقة وعلى رأسها قطعة عباءة فرأيتها قد خرجت من الخان فخطفتها بحيلة في تلك الساعة ، وحملتها على جمل وسقت بها ، وكان أملي في أنني أذهب بها إلى أهلي في البرية وأجعلها عندي ترعى الجمال وتجمع البعر من الوادي فبكت بكاءً شديداً فدنوت منها وضربتها ضرباً وجيعاً وأخذتها إلى مدينة دمشق فرآها معي تاجر فتحير عقله لما رآها وأعجبته فصاحتها وأراد اشتراءها مني ولم يزل يزيدني في ثمنها حتى بعتها له بألف درهم ، فعندما طلبتها له رأيت منها فصاحة عظيمة وبلغني أن التاجر كساها كسوة مليحة وقدمها إلى صاحب دمشق فأعطاه قدر المبلغ الذي دفعه إلي مرتين وهذا يا ملوك الزمان أعجب ما جرى ، ولعمري إن ذلك الثمن قليل في تلك البنت .
فلما سمع الملوك هذه الحكاية ولما سمعت نزهة الزمان من البدوي ما حكاه صار الضياء في وجهها ظلاماً وصاحت وقالت لأخيها رومزان :
إن هذا البدوي الذي خطفني من بيت المقدس بعينه من غير شك .
ثم إن نزهة الزمان حكت لهم جميع ما جرى لها معه في غربتها من الشدائد والضرب والجوع والذل والهوان ، ثم قالت لهم :
الآن حل لي قتله .
ثم جذبت السيف وقامت إلى البدوي لقتله وإذا هو صاح وقال :
يا ملوك الزمان لا تدعوها تقتلني حتى احكي لكم ما جرى لي من العجائب .
فقال لها ابن أخيها كان ما كان :
يا عمتي دعيه يحكي لنا حكاية وبعد ذلك افعلي ما تريدين .
فرجعت عنه فقال له الملوك :
الآن احك لنا حكاية .
فقال البدوي :
يا ملوك الزمان إن حكيت لكم حكاية عجيبة تعفوا عني .
قالوا له :
نعم .
فابتدأ البدوي يحدثهم بأعجب ما وقع له وقال :
اعلموا أني من مدة يسيرة أرقت ليلة أرقاً شديداً وما صدقت أن الصباح طلعت حتى قمت من وقتي وساعتي وتقلدت بسيفي وركبت جوادي واعتقلت رمحي وخرجت أريد الصيد والقنص ، فواجهني جماعة في الطريق فسألوني عن قصدي فأخبرتهم به فقالوا :
ونحن رفقاؤك فنزلنا كلنا مع بعضنا فبينما نحن سائرون وإذا بنعامة ظهرت لنا فقصدناها ففرت من بين أيدينا وهي فاتحة أجنحتها ولم تزل شاردة ونحن خلفها إلى الظهر حتى رمتنا في برية لا نبات فيها ولا ماء ولا نسمع فيها غير صفير الحيات وزعيق الجان وصريخ الغيلان .
فلما وصلنا إلى ذلك المكان غابت عنا فلم ندر أفي سماء طارت أم في الأرض غارت فرددنا رؤوس الخيل وأردنا الرواح ، ثم رأيت أن الرجوع في هذا الوقت الشديد الحر لا خير فيه ولا إصلاح وقد اشتد علينا الحر وعطشنا عطشاً شديداً ووقفت خيولنا فأيقنا بالموت .
فبينما نحن كذلك إذ نظرنا من بعيد مرجاً أفيح فيه غزلان تمرح وهناك خيمة مضروبة وفي جابن الخيمة حصان مربوط وسنان يلمع على رمح مركوز فانتعشت نفوسنا من بعد اليأس ورددنا رؤوس خيلنا نحو تلك الخيمة نطلب ذلك المرج والماء وتوجه إليه جميع أصحابي وأنا في أولهم ولم نزل سائرين حتى وصلنا إلى ذلك المرج فوقفنا على عين فشربنا وسقينا خيلنا فأخذتني حمية الجاهلية وقصدت باب ذلك الخباء فرأيت فيه شاباً لا نبات بعارضيه وهو كأنه هلال وعن يمينه جارية هيفاء كأنها قضيب بان ، فلما نظرت إليها وقعت محبتها في قلبي فسلمت على ذلك الشاب فرد علي السلام فقلت :
يا أخا العرب أخبرني من أنت وما تكون لك تلك الجارية التي عندك ?
فأطرق الشاب رأسه إلى الأرض برهة ثم رفع رأسه وقال :
أخبرني من أنت وما الخيل التي معك ?
فقلت له :
أنا حماد بن الفزاري الفارس الموصوف الذي أعد بين العرب بخمسمائة فارس ونحن خرجنا من محلنا نريد الصيد والقنص فأدركنا العطش فقصدت أنا باب تلك الخيمة لعلي أجد عندكم شربة ماء .
فلما سمع مني ذلك الكلام التفت إلى جارية مليحة وقال :
ائتي إلى هذا الرجل بالماء وما حصل من الطعام .
فقامت الجارية تسحب أذيالها والحجال الذهب تخشخش في رجليها وهي تتعثر في شعرها وغابت قليلاً ثم أقبلت وفي يدها اليمنى إناء من فضة مملوء ماء بارد وفي يدها اليسرى قدح ملآن تمراً ولبناً وما حضر من لحم الوحوش فما استطعت أن آخذ من الجارية طعاماً ولا شراباً من شدة محبتي لها فتمثلت بهذين البيتين وقلت :
كأن الخضاب علـى كـفـهـا ........ غراب على ثـلـجة واقـف
ترى الشمس والبدر من وجهها ........ قريبـين خـاف وذا خـائف
ثم قلت للشاب بعد أن أكلت وشربت :
يا وجيه العرب اعلم أني أوقفك على حقيقة خبري وأريد أن تخبرني بحالك وتوقفني على حقيقة خبرك .
فقال الشاب :
أما هذه الجارية فهي أختي .
فقلت له :
أريد أن تزوجني بها طوعاً وإلا أقتلك وآخذها غصباً .
فعند ذلك أطرق الشاب رأسه إلى الأرض ساعة ثم رفع بصره إلي وقال لي :
لقد صدقت في دعواك أنك فارس معروف وبطل موصوف وأنك أسد البيداء ولكن إن هجمتم علي غدراً وقتلتموني قهراً وأخذتم أختي فإن هذا يكون عاراً عليكم ، وإن كنتم على ما ذكرتم من أنكم فرسان تعدون من الأبطال ولا تبالون بالحرب والنزال فأمهلوني قليلاً حتى ألبس آلة حربي وأتقلد سيفي وأعتقل برمحي وأركب فرسي وأصير وإياكم في ميدان الحرب فإن ظفرتم بي وقتلتموني فهذه الجارية أختي لكم .
فلما سمعت منه هذا الكلام قلت له :
إن هذا هو الإنصاف وما عندنا خلاف .
ثم رددت رأس جوادي إلى خلفي وقد زاد بي الجنون في محبة تلك الجارية ورجعت إلى أصحابي ووصفت لهم حسنها وجمالها وحسن الشاب الذي عندها وشجاعته وقوة جنانه وكيف أنه يصادم ألف فارس ، ثم أعلمت أصحابي بجميع ما في الخباء من الأموال والتحف وقلت لهم :
اعلموا أن هذا الشاب ما هو منقطع في تلك الأرض إلا لكونه ذا شجاعة عظيمة وأنا أوصيكم أن كل من يقتل هذا الغلام يأخذ أخته .
فقالوا :
رضينا بذلك .
ثم إن أصحابي لبسوا آلة حربهم وركبوا خيولهم وقصدوا الغلام فوجدوه قد لبس آلة حربه وركب جواده ووثبت إليه أخته وتعلقت بركابه وبلت برقعها بدموعها وهي تنادي بالويل والثبور من خوفها على أخيها وتنشد هذه الأبيات :
إلى الله أشكـو مـحـنة وكـآبة ........ لعل إله العرش يرهقهم رعبـا
يريدون قتلاً يا أخـي تـعـمـدا ........ ولا شيء من قبل القتال ولا ذنبا
وقد عرف الأبطال أنـك فـارس ........ وأشجع من حل المشارق والغربا
تحامي من الأخت التي قل عزمها ........ فأنت أخوها وهي لك تدعو الربّا
فلا تترك الأعداء تملك مهجتـي ........ وتأخذني قهراً وتأسرني غصبـا
ولست وحق الله أبقـى بـبـلدة ........ وأسكن لحداً فيه أفترش التربـا
فلما سمع أخوها شعرها بكى بكاءً شديداً ورد جواده إلى أخته وأجابها على شعرها بقوله :
قفي وانظري مني وقوع عجائب ........ إذا ما التقينا حين أثخنهم ضربا
وإن برز الليث المقـدم فـيهـم ........ وأشجعهم قلباً وأثبتـهـم لـبـا
سأسقيه مني ضربة ثعـلـبـية ........ وأترك الرمح يستغرق الكعبـا
وإن لم أقاتل عنك أختـي فليتني ........ قتيل وليت الطير تنهبني نهبا
أقاتل عنك ما استطعت تكرمــا ........ هذا حديث بعدنا يملأ الكتبـا
فلما فرغ من شعره قال :
يا أختي اسمعي ما أقول لك وما أوصيك به .
فقالت له :
سمعاً وطاعة .
فقال لها :
إن هلكت فلا تمكني أحداً من نفسك .
فعند ذلك لطمت على وجهها وقالت :
معاذ الله أن أراك صريعاً وأمكن الأعداء مني .
فعند ذلك مد الغلام يده إليها وكشف برقعها عن وجهها فلاحت لنا صورتها كالشمس من تحت الغمام فقبلها بين عينيها وودعها وبعد ذلك التفت وقال لنا :
يا فرسان هل أنتم ضيفان أو تريدون الضرب والطعان ، فإن كنتم ضيفاناً فأبشروا بالقرى وإن كنتم تريدون القمر الزاهر فليبرز لي منكم فارس بعد فارس في هذا الميدان ومقام الحرب والطعان .
فعند ذلك برز إليه شجاع فقال له الشاب :
ما اسمك وما اسم أبيك فإني حالف أني ما أقتل من اسمه موافق لاسمي واسم أبيه موافق لاسم أبي ، فإن كنت بهذا الوصف فقد سلمت إليك الجارية .
فقال له الفارس :
اسمي بلال .
فأجابه الشاب بقوله :
كذبت في قولك مـن بـلال ........ وجئت بالزور وبالمـحـال
إن كنت شهماً فاستمع مقالي ........ مجندل الأبطال في المجـال
وصارمي ماض كما الهـلال ........ فاصبر لطعن مرجف الجبال
ثم حملا على بعضهما فطعنه الشاب في صدره فخرج السنان من ظهره ثم برز إليه واحد فقال الشاب :
يا أيها الكلب وخيم الرجـس ........ فأين عال سعره من بخـس
وإنما الليث الكريم الجنـس ........ من لم يبال في الوغى بنفس
ثم لم يمهله الشاب دون أن تركه غريقاً في دمه ، ثم نادى الشاب :
هل من مبارز ?
فبرز إليه واحد فانطلق على الشاب وجعل يقول :
إليك أقبلت وفي قلبي لـهـب ........ منه أنادي عند صحبي بالحرب
لما قتلت اليوم سادات العـرب ........ فاليوم لا تلقى فكاكاً من طلب
فلما سمع الشاب كلامه أجاب بقوله :
كذبت بئس أنت من الشيطان ........ قد جئت بالزور والبهتـان
اليوم تلقى فاتك الـسـنـان ........ في موقف الحرب والطعان
ثم طعنه في صدره فطلع السنان من ظهره ، ثم قال :
هل من مبارز ?
فخرج إليه الرابع وسأله الشاب عن اسمه فقال له الفارس :
اسمي هلال .
فأنشد يقول :
أخطأت إذا أردت خوض بحري ........ وجئت بالزور وكـل أمـري
أنا الذي تسمع مني شـعـري ........ أختلس النفس ولسـت تـدري
ثم حملا على بعضهما واختلف بينهما ضربتا فكانت ضربة الشاب هي السابقة إلى الفارس فقتله وصار كل من نزل إليه يقتله ، فلما نظرت أصحابي قد قتلوا قلت في نفسي :
إن نزلت إليه في الحرب لم أطقه وإن هربت أبقى معيرة بين العرب .
فلم يمهلني الشاب دون أن انقض علي وجذبني بيده فأطاحني من سرجي فوقعت مغشياً علي ورفع سيفه وأراد أن يضرب عنقي فتعلقت باذياله فحملني بكفه فصرت معه كالعصفور ، فلما رأت ذلك الجارية فرحت بفعل أخيها وأقبلت عليه وقبلته بين عينيه ، ثم إنه سلمني إلى أخته وقال لها :
دونك وإياه وأحسني مثواه لأنه دخل في زمامنا .
فقبضت الجارية على أطواق درعي وصارت تقودني كما تقود الكلب وفكت عن أخيها لامة الحرب وألبسته بدلة ونصبت له كرسياً من العاج فجلس عليها وقالت له :
بيض الله عرضك وجعلك عدة للنائبات فأجابها بهذه الأبيات :
تقول وقد رأت في الحرب أختي ........ لوامع غرتي مثل الـشـعـاع
ألا لـلـه درك مـن شـجـاع ........ تذل لحربـه أسـد الـبـقـاع
فقلت لها سلي الأبطال عـنـي ........ إذا ما فـر أربـاب الـقـراع
أنا المعروف في سعدي وجـدي ........ وعزمي قد علا أي ارتـفـاع
أيا حماد قد نـازلـت جـيشـاً ........ يريك الموت يسعى كالأفاعـي
فلما سمعت شعره حرت في أمري ونظرت إلى حالتي وما صرت إليه من الأسر وتصاغرت إلى نفسي ، ثم نظرت إلى الجارية أخت الشاب وإلى حسنها فقلت في نفسي :
هذه هي الفتنة .
وصرت أتعجب من جمالها ، وأجريت العبرات وأنشدت هذه الأبيات :
خليلي كف عن لومي وعذلـي ........ فإنني للـمـلامة غـير واع
كلفت بـغـادة لـم تـبـد إلا ........ أن دعتني في محبتها الدواعي
أخوها في الهوى أمسى رقيبي ........ وصاحب همة وطويل بـاع
ثم إن الجارية أحضرت لأخيها الطعام فدعاني إلى الأكل معه ففرحت وأمنت على نفسي من القتل ، ولما فرغ أخوها من الأكل أحضرت له آنية المدان ، ثم إن الشاب أقبل على المدام وشرب حتى شعشع المدام في رأسه واحمر وجهه ، فالتفت إلي وقال :
أنا عابد بد تميم بن ثعلبة ، إن الله وهب لك نفسك وأبقى عليك عرسك .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه
حمودي2009 غير متصل  
قديم 02-08-2009, 10:17 PM   #17 (permalink)
حمودي2009
رومانسي مجتهد
 
الصورة الرمزية حمودي2009
 



الليلة السادسة والسبعين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن البدوي حماد قال :
ثم أن عابد بن تميم بن ثعلبة قال لي :
إن الله وهب لك نفسك وأبقى عليك عرسك .
وحياني بقدح شربته وحياني بثان وثالث ورابع فشربت الجميع ونادمني وحلفني أني لا أخونه فحلفت له ألفاً وخمسمائة يمين أني لا أخونه قط بل أكون له معيناً .
فعند ذلك أمر أخته أن تأتيني بعشر خلع من الحرير وهذه بدلة منها على جسدي وأمرها أن تأتيني بناقة من أحسن النياق فاتتني بناقة محملة من التحف والزاد وأمرها أن تحضر لي الحصان الأشقر فأحضرته لي ثم وهب لي جميع ذلك وقمت عندهم ثلاثة أيام قال لي :
يا أخي حماد أريد أن أنام قليلاً لأريح نفسي وقد استأمنت على نفسي وإن رأيت خيلاً ثائرة فلا تفزع منها واعلم أنهم من ثعلبة يطلبون حربي ، ثم توسد رأسه ونام .
فلما استغرق في النوم وسوس لي إبليس بقتله فقمت بسرعة وجذبت سيفه من تحت رأسه وضربته ضربة أطحت برأسه عن جثته فعلمت بي أخته فوثبت من جانب الخباء ورمت بنفسها على أخيها وشقت عليها الثياب وأنشدت هذه الأبيات :
إلى الأهل بلغ ذا الشآم الـخـبـر ........ وما لامرئ مما الحكيم قضى مفر
وأنت صريع يا أخـي متـجـنـدل ........ ووجهك يحكي حسنه دورة القمر
لقد كان يوم الشؤم يوم لـقـبـته ........ ورمحك بعد اطراد قد انكـسـر
وبعدك لا يرتاح للـخـيل راكـب ........ ولا تلد الأنثى نظيرك مـن ذكـر
وأصبح حماد لـك الـيوم قـاتـلاً ........ وقد خان أيماناً وبالعهد قد غـدر
يريد بـهـذا أن ينـال مــراده ........ لقد كذب الشيطان في كل ما أمر
فلما فرغت من شعرها قالت :
يا ملعون الجدين لماذا قتلت أخي وخنته وكان مراده أن يردك إلى بلادك بالزاد والهدايا وكان مراده أن يزوجني لك في أول الشهر .
ثم جذبت سيفاً كان عندها وجعلت قائمه في الأرض وطرفه في صدرها وانحنت عليه حتى طلع من ظهرها فخرت على الأرض ميتة فحزنت عليها وندمت حيث لا ينفع الندم وبكيت ، ثم قمت مسرعاً إلى الخباء وأخذت ما خف حمله وغلا ثمنه وسرت إلى حال سبيلي ، ومن خوفي وعجلتي لم ألتفت إلى أحد من أصحابي ولا دفنت الصبية ولا الشاب ، وهذه الحكاية أعجب من حكايتي الأولى مع البنت الخادمة التي خطفتها من بيت المقدس .
فلما سمعت نزهة الزمان من البدوي هذا الكلام تبدل النور في عينيها بالظلام وقامت وجردت السيف وضربت به البدوي على عاتقه فأطلعته من علائقه فقال لها الحاضرون :
لأي شيء استعجلت على قتله ?
فقالت :
الحمد لله الذي فسح من أجلي حتى أخذت ثأري بيدي .
ثم أنها أمرت العبيد أن يجروه من رجليه ويرموه للكلاب وبعد ذلك أقبلوا على الاثنين الباقيين من الثلاثة وكان أحدهم عبداً أسود فقالوا له :
ما اسمك أنت فأصدقنا في حديثك .
قال العبد :
اسمي الغضبان .
وأخبرهم بما وقع له مع الملكة ابريزة بنت الملك حردوب ملك الروم وكيف قتلها وهرب ، فلم يتم العبد كلامه حتى رمى الملك رومزان رقبته بالحسام .
وقال :
الحمد لله الذي أحياني وأخذت ثأر أمي بيدي .
وأخبرهم أن دايته مرجانة حكت له عن هذا العبد الذي اسمه الغضبان ، وبعد ذلك أقبلوا على الثالث وكان هو الجمال الذي اكتراه بيت المقدس إلى حمل ضوء المكان وتوصيله إلى المارستان الذي في دمشق الشام فذهب به وألقاه في المستوقد وذهب في حال سبيله ، ثم قالوا له :
أخبرنا أنت بخبرك وأصدق في حديثك فحكى لهم جميع ما وقع له مع السلطان ضوء المكان وكيف حمله من بيت المقدس بالدراهم وهو ضعيف على أن يوصله إلى الشام ويرميه بالمارستان وكيف جاء له أهل المقدس بالدراهم فأخذها وهرب بعد أن رماه في مستوقد الحمام .
فلما أتم كلامه أخذ السلطان كان ما كان السيف وضربه فرمى عنقه وقال :
الحمد لله الذي أحياني حتى جازيت هذا الخائن بما فعل مع أبي ، فإني قد سمعت هذه الحكاية بعينها من والدي السلطان ضوء المكان .
فقال الملوك لبعضهم :
ما بقي علينا إلا العجوز شواهي الملقبة بذات الدواهي فإنها سبب هذه البلايا حيث أوقعنا في الرزايا ومن لنا بها حتى نأخذ منها الثأر ونكشف العار .
فقال لهم الملك رومزان عم كان ما كان :
لابد من حضورها .
ثم إن الملك رومزان كتب كتاباً من وقته وساعته وأرسله إلى جدته العجوز شواهي الملقبة بذات الدواهي وذكر لها فيه أنه غاب عن مملكته دمشق والموصل والعراق وكسر عسكر المسلمين وأسر ملوكهم وقال :
أريد أن تحضري عندي من كل بد أنت والملكة صفية بنت الملك أفريدون ملك القسطنطينية ومن شئتم من أكابر النصارى من غير عسكر ، فإن البلاد أمان لأنها صارت تحت أيدينا .
فلما وصل الكتاب إليها وقرأته وعرفت خط الملك رومزان فرحت فرحاً شديداً وتجهزت من وقتها وساعتها للسفر هي والملكة صفية أم نزهة الزمان ومن صحبتهم ولم يزالوا مسافرين حتى وصلوا إلى بغداد فتقدم الرسول وأخبرهم بحضورها فقال رومزان :
إن المصلحة تقتضي أن نلبس اللبس الإفرنجي ونقابل العجوز حتى نأمن من خداعها وحيلها .
فقالوا له :
سمعاً وطاعة .
ثم أنهم لبسوا لباس الإفرنج فلما رأت ذلك قضي فكان قالت :
وحق الرب المعبود لولا أني أعرفكم لقلت أنكم إفرنج .
ثم إن الملك رومزان تقدم أمامهم وخرجوا يقابلون العجوز في ألف فارس ، فلما وقعت العين على العين ترجل رومزان عن جواده وسعى إليها فلما رأته وعرفته ترجلت إليه وعانقته ففرط بيده على أضلاعها حتى كاد أن يقصفها فقالت :
ما هذا ? فلم تتم كلامها حتى نزل إليها كان ما كان والوزير دندان وزعقت الفرسان على من معها من الجواري والغلمان وأخذوهم جميعهم ورجعوا إلى بغداد وأمرهم رومزان أن يزينوا بغداد فزينوها ثلاثة أيام ، ثم أخرجوا شواهي الملقبة بذات الدواهي وعلى رأسها طرطور أحمر مكلل بروث الحمير وقدامها مناد ينادي :
هذا جزاء من يتجارى على الملوك وعلى أولاد الملوك ثم صلبوها على باب بغداد .
وأصحابها أسلموا كلهم جميعاً ثم إن كان ما كان وعمه رومزان ونزهة الزمان والوزير دندان تعجبوا لهذه السيرة العجيبة وأمروا الكتاب أن يؤرخوها في الكتب حتى تقرأ من بعدهم وأقاموا بقية الزمان في ألذ عيش وأهنأه إلى أن أتاهم هادم اللذات ومفرق الجماعات وهذا آخر ما انتهى إلينا من تصاريف الزمان بالملك عمر النعمان وولده شركان وولده ضوء المكان وولده كان ما كان ونزهة الزمان وقضي فكان .
ثم إن الملك شهريار قال لشهرزاد :
أشتهي أن تحكي لي شيئاً من حكاية الطيور .
فقالت شهرزاد :
حباً وكرامة .
فقالت لها أختها :
لم أر الملك في طول هذه المدة انشرح صدره غير هذه الليلة وأرجو أن تكون عاقبتك معه محمودة .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه




الليلة السابعة والسبعين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد ، أنه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان طاووس يأوي إلى جانب البحر مع زوجته وكان ذلك الموضع كثير السباع وفيه من الوحوش ، غير أنه كثير الأشجار والأنهار وذلك الطاووس هو وزوجته يأويان إلى شجرة من تلك الأشجار ليلاً من خوفهما من الوحوش ويغدوان في طلب الرزق نهاراً ولم يزالا كذلك حتى كثر خوفهما فسارا يبغيان موضعاً غير موضعهما يأويان إليه .
فبينما هما يفتشان على موضع فإذا بهم تظهر لهم جزيرة كثيرة الأشجار والأنهار فنزلا في تلك الجزيرة وأكلا من ثمارها وشربا من أنهارها فبينما هما كذلك وإذا ببطة أقبلت عليهما وهي في شدة الفزع ، ولم تزل تسعى حتى أتت إلى الشجرة التي عليها الطاووس هو وزوجته فاطمأنت فلم يشك الطاووس في أن تلك البطة لها حكاية عجيبة فسألها عن حالها وعن سبب خوفها فقالت :
إنني مريضة من الحزن وخوفي من ابن آدم فالحذر ، ثم الحذر من بني آدم .
فقال لها الطاووس :
لا تخافي حيث وصلت إلينا .
فقالت البطة :
الحمد لله الذي فرج عني همي وغمي بقربكما وقد أتيت راغبة في مودتكما .
فلما فرغت من كلامهما نزلت إليها زوجة الطاووس وقالت لها :
أهلاً وسهلاً ومرحباً لا بأس عليك ومن أين يصل إلينا ابن آدم ونحن في تلك الجزيرة التي في وسط البحر ? فمن البر لا يقدر أن يصل إلينا ، ومن البحر لا يمكن أن يطلع علينا فابشري وحدثينا بالذي نزل بك واعتراك من بني آدم .
فقالت البطة :
اعلمي أيتها الطاووسة أني في هذه الجزيرة طول عمري آمنة لا أرى مكروهاً فنمت ليلة من الليالي فرأيت في منامي صورة ابن آدم وهو يخاطبني وأخاطبه وسمعت قائلاً يقول :
أيتها البطة احذري من ابن آدم ولا تغتري بكلامه ولا بما يداخله عليك فإنه كثير الحيل والخداع فالحذر الحذر من مكره فإنه مخادع ماكر كما قال الشاعر :
يعطيك من طرف اللسان حلاوة ........ ويروغ منك كما يروغ الثعلب
واعلمي أن ابن آدم يحتال على الحيتان فيخرجها من البحار ويرمي الطير ببندقة من طين ويوقع الفيل بمكره وابن آدم لا يسلم أحد من شره ولا ينجو منه طير ولا وحش وقد بلغتك ما سمعته عن ابن آدم .
فاستيقظت من منامي خائفة مرعوبة وأنا إلى الآن ما انشرح صدري خوفاً على نفسي من ابن آدم لئلا يدهمني بحيلته ويصيدني بحبائله ولم يأت على آخر النهار إلا وقد ضعفت قوتي وبطلت همتي ثم إني اشتقت إلى الأكل والشرب فخرجت أتمشى وخاطري مكدر وقلبي مقبوض فلما وصلت إلى ذلك الجبل وجدت على باب المغارة شبلاً أصفر اللون ، فلما رآني ذلك الشبل فرح بي فرحاً شديداً وأعجبه لوني وكوني لطيفة الذات فصاح علي وقال لي :
اقتربي مني .
فلما قربت منه قال لي :
ما اسمك وما جنسك ?
فقلت له :
اسمي بطة وأنا من جنس الطيور .
ثم قلت له :
ما سبب قعودك إلى هذا الوقت في هذا المكان ?
فقال الشبل :
سبب ذلك أن والدي الأسد له أيام وهو يحذرني من ابن آدم فاتفق أنني رأيت في هذه الليلة في منامي صورة ابن آدم .
ثم إن الشبل حكى لي نظير ما حكيته لك فلما سمعت كلامه قلت له :
يا أسد لأني قد لجأت إليك في أن تقتل ابن آدم وتجزم رأيك في قتله فإني أخاف على نفسي منه خوفاً شديداً وازددت خوفاً على خوفي من خوفك من ابن آدم مع أنك سلطان الوحوش .
وما زلت يا أختي أحذر الشبل من ابن آدم وأوصيته بقتله حتى قام من وقته وساعته من المكان الذي كان فيه ، وتمشى وتمشيت وراءه ، ففرقع بذنبه على ظهره ولم يزل يمشي وأنا أمشي وراءه إلى مرق الطريق فوجدنا غبرة طارت وبعد ذلك انكشفت الغبرة فبان من تحتها حمار شارد عريان وهو تارة يقمص ويجري وتارة يتمرغ فلما رآه الأسد صاح عليه فأتى إليه خاضعاً .
فقال له :
أيها الحيوان الخريف العقل ما جنسك وما سبب قدومك إلى هذا المكان ?
فقال :
يا ابن السلطان أنا جنسي حمار وسبب قدومي إلى هذا المكان هروبي من ابن آدم .
فقال له الشبل :
وهل أنت خائف من ابن آدم أن يقتلك ?
فقال الحمار :
لا يا ابن السلطان وإنما خوفي أن يعمل حيلة علي ويركبني لأن عنده شيئاً يسميه البردعة فيجعلها على ظهري وشيئاً يسميه الحزام ، فيشده على بطني وشيئاً يسميه الطفر فيجعله تحت ذنبي وشيئاً يسميه اللجام فيجعله في فمي ويحمل منخاساً ينخسني به ويكلفني ما لا أطيق من الجري وإذا عثرت لعنني وإذا نهقت شتمني وبعد ذلك إذا كبرت ولم أقدر على الجري يجعل لي رجلاً من الخشب ويسلمني إلى السقائين فيحملون الماء على ظهري من البحر في القرب ونحوها كالجرار ولا أزال في ذل وهوان وتعب حتى أموت فيرموني فوق التلال للكلاب فأي شيء أكبر من هذا الهم ، وأي مصيبة أكبر من هذه المصائب ?
فلما سمعت أيتها الطاووسة كلام الحمار اقشعر جسدي من ابن آدم وقلت للشبل :
يا سيدي إن الحمار معذور وقد زادني كلامه رعباً على رعبي .
فقال الشبل للحمار :
إلى أين أنت سائر ?
فقال له الحمار :
إني نظرت ابن آدم قبل إشراق الشمس من بعيد ففررت هرباً منه ، وهاأنا أريد أنطلق ولم أزل أجري من مدة خوفي منه فعسى أن أجد لي موضعاً يأويني من ابن آدم الغدار .
فبينما ذلك الحمار يتحدث مع الشبل ذلك الكلام وهو يريد أن يودعنا ويروح إذ ظهرت لنا غبرة فنهق الحمار ونظر بعينيه إلى ناحية الغبرة وضرط ضراطاً عالية وبعد ساعة انكشفت الغبرة عن فرس أدهم بغرة كالدرهم وذلك الفرس ظريف الغرة مليح التحجيم حسن القوائم والصهيل ولم يزل يجري حتى وقف بين يدي الشبل ابن الأسد .
فلما رآه الشبل استعظمه وقال له :
ما جنسك أيها الوحش الجليل وما سبب شرودك في هذا البر العريض الطويل ?
فقال :
يا سيد الوحوش أنا فرس من جنس الخيل وسبب شرودي هروبي من ابن آدم .
فتعجب الشبل من كلام الفرس وقال :
لا تقل هذا الكلام فإنه عيب عليك وأنت طويل غليظ وكيف تخاف ابن آدم مع عظم جثتك وسرع جريك ? وأنا مع صغر جسمي قد عزمت على أن ألتقي مع ابن آدم فأبطش به ، وآكل لحمه وأسكن روع هذه البطة المسكينة وأقرها في وطنها وها أنت لما أتيت في هذه الساعة قطعت قلبي بكلامك وأرجعتني عما أردت أن أفعله فإذا كنت أنت مع عظمك قد قهرك ابن آدم ولم يخف من طولك وعرضك مع أنك لو رفسته برجلك لقتلته ولم يقدر عليك بل تسقيه كأس الردى .
فضحك الفرس لما سمع كلام الشبل وقال :
هيهات أن أغلبه يا ابن الملك فلا يغرك طولي ولا عرضي ولا ضخامتي مع ابن آدم ، لأنه من شدة حيله ومكره يصنع لي شيئاً يقال له الشكال ويضع في أربعة من قوائمي شكالين من حبال الليف الملفوفة باللباد ويصلبني من رأسي في وتد عال وأبقى واقفاً وأنا مصلوب لا أقدر أن أقعد ولا أنام وإذا أراد أن يركبني يعمل لي شيئاً في رجلي من الحديد اسمه الركاب ويضع على ظهري شيئاً اسمه السرج ، ويشده بحزامين من تحت إبطي ويضع في فمي شيئاً من الحديد يسميه اللجام ويضع فيه شيئاً من الجلد يسميه السرج فإذا ركب فوق ظهري على السرج يمسك السرج بيده ويقودني ويهمزني بالركاب في خواصري حتى يدميها ولا تسأل يا ابن السلطان فيما أقاسيه من ابن آدم ، فإذا كبرت وانتحل ظهري ولم أقدر على سرعة الجري يبيعني للطحان ليدورني في الطاحون فلا أزل دائراً فيها ليلاً ونهاراً إلى أن أهرم فيبيعني للجزار فيذبحني ويسلخ جلدي وينتف ذنبي ويبيعها للغرابلي والمناخلي ويسلي شحمي .
فلما سمع الشبل كلام الفرس ازداد غيظاً وغماً وقال له :
متى فارقت ابن آدم ?
قال :
فارقته نصف النهار وهو في أثري .
فبينما الشبل يتحدث مع الفرس في هذا الكلام وإذا بغبرة ثارت وبعد ذلك انكشفت الغبرة وبان من تحتها جمل هائج وهو يبعبع ويخبط برجليه في الأرض ولم يزل يفعل كذلك حتى وصل إلينا ، فلما رآه الشبل كبيراً غليظاً ظن أنه ابن آدم فأراد الوثوب عليه فقلت له :
يا ابن السلطان هذا ما هو ابن آدم وإنما هو جمل وكأنه هارب من ابن آدم .
فبينما أنا يا أختي مع الشبل في هذا الكلام وإذا بالجمل تقدم بين أيادي الشبل وسلم عليه فرد السلام وقال له :
ما سبب مجيئك إلى هذا المكان ?
قال الجمل :
جئت هارباً من ابن آدم .
فقال له الشبل :
وأنت مع عظم خلقتك وطولك وعرضك كيف تخاف من ابن آدم ولو رفسته برجلك رفسة لقتلته .
فقال له الجمل :
يا ابن السلطان اعلم أن ابن آدم له دواهي لا تطاق وما يغلبه إلا الموت لأنه يضع في رأسي مقوداً ويسلمني إلى أصغر أولاده فيجرني الولد الصغير بالخيط مع كبري وعظمي ويحملونني أثقل الأحمال ويسافرون بي الأسفار الطوال ويستعملونني في الأشغال الشاقة إناء الليل وأطراف النهار ، وإذا كبرت وشخت وانكسرت فلم يحفظ صحبتي بل يبيعني للجزار فيذبحني ويبيع جلدي للدباغين ولحمي للطباخين ولا تسأل عما أقاسي من ابن آدم .
فقال له الشبل :
أي وقت فارقت ابن آدم ?
فقال له الجمل :
فارقته وقت الغروب وأظنه يأتي عند انصرافي فلم يجدني فيسعى في طلبي فدعني يا ابن السلطان حتى أهيج في البراري والقفار .
فقال الشبل :
تمهل قليلاً يا جمل حتى تنظر كيف أفترسه وأطعمك من لحمه وأهشم عظمه وأشرب من دمه .
فقال له الجمل :
يا ابن السلطان أنا خائف عليك منه فإنه مخادع ماكر ، ثم انشد قول الشاعر :
إذا حل الثقيل بأرض قـوم ........ فما للساكنين سوى الرحيل
فبينما الجمل يتحدث مع الشبل في هذا الكلام وإذا بغبرة طلعت وبعد ساعة انكشفت عن شيخ قصير رقيق البشرة على كتفه مقطف فيه عدة نجار وعلى رأسه شعبة وثمانية ألواح وبيده أطفال صغار وهو يهرول في مشيه وما زال يمشي حتى قرب من الشبل فلما رأيته يا أختي وقعت من شدة الخوف وأما الشبل فإنه قام وتمشى إليه ولاقاه ، فلما وصل إليه ضحك النجار في وجهه وقال بلسان فصيح :
أيها الملك الجليل صاحب الباع الطويل أسعد الله مساءك ومسعاك وزاد في شجاعتك وقواك أجرني مما دهاني وبشره رماني لأني ما وجدت لي نصيراً غيرك .
ثم إن النجار وقف بين يدي الأسد وبكى وأنّ واشتكى .
فلما سمع الشبل بكاءه وشكواه قال له :
أجرتك مما تخشاه فمن الذي ظلمك وما تكون أيها الوحش الذي ما رأيت عمري مثلك ولا أحسن صورة وأفصح لساناً منك فما شانك ?
فقال له النجار :
يا سيد الوحوش أما أنا فنجار وأما الذي ظلمني فإنه ابن آدم وفي صباح هذه الليلة يكون عندك في هذا المكان .
فلما سمع الشبل من النجار هذا الكلام تبدل الضياء في وجهه بالظلام وشخر ونخر ورمت عيناه بالشرر وصاح وقال :
والله لأسهرن في هذه الليل إلى الصباح ولا أرجع إلى والدي حتى أبلغ مقصدي .
ثم إن الشبل التفت إلى النجار وقال له :
أرى خطواتك قصيرة ولا أقدر أن اكسر باطرك لأني ذو مروءة أظن أنك لا تقدر أن تماشي الوحوش فأخبرني إلى أين تذهب ؟
فقال له النجار :
اعلم أني رائح إلى وزير والدك الفهد لأنه لما بلغه أن ابن آدم داس هذه الأرض خاف على نفسه خوفاً عظيماً وأرسل إلي رسولاً من الوحوش لأصنع له بيتاً يسكن فيه ويأوي إليه يمنع عنه عدوه حتى لا يصل إليه أحد من بني آدم فلما جاءني الرسول أخذت هذه الألواح وتوجهت إليه .
فلما سمع الشبل كلام النجار أخذه الحسد للفهد فقال له :
بحياتي لابد أن تصنع لي هذه الألواح بيتاً قبل أن تصنع للفهد بيته وإذا فرغت من شغلي فامض إلى الفهد واصنع له ما يريد .
فلما سمع النجار من الشبل هذا الكلام قال له :
يا سيد الوحوش ما أقدر أن أصنع لك شيئاً إلا إذا صنعت للفهد ما يريد ثم أجئ إلى خدمتك وأصنع لك بيتاً يحصنك من عدوك .
فقال له الشبل :
والله ما أخليك تروح من هذا المكان حتى تصنع لي هذه الألواح بيتاً .
ثم أن الشبل هم على النجار ، ووثب وأراد أن يمزح معه فلطشه بيده فرمى المقطف من على كتفه ووقع النجار مغشياً عليه فضحك الشبل عليه وقال له : ويلك يا نجار إنك ضعيف وما لك قوة فأنت معذور إذا خفت من ابن آدم .
فلما وقع النجار على ظهره اغتاظ غيظاً شديداً ولكنه كتم ذلك عن الشبل من خوفه منه ثم قعد النجار في وجه الشبل وقال له :
هاأنا أصنع لك البيت .
ثم إن النجار تناول الألواح التي كانت معه وسمر البيت ، وجعله مثل القالب قياس الشبل وخلى بابه مفتوحاً لأنه جعله على صورة صندوق وفتح له طاقة كبيرة وجعل له غطاء وثقب ثقباً كثيراً وأخرج منها مسامير مطرفة وقال للشبل :
أدخل في هذا البيت من هذه الطاقة لأقبيه عليك .
ففرح الشبل بذلك واتى تلك الطاقة فرآها ضيقة فقال له النجار :
ادخل وابرك على يديك ورجليك .
ففعل الشبل ذلك ودخل الصندوق وبقي ذنبه خارجاً ، ثم أراد الشبل أن يتأخر إلى ورائه ويخرج ، فقال له النجار :
أمهل حتى أنظر هل يسع ذنبك معك أم لا .
فامتثل الشبل أمره ثم إن النجار لف ذنب الشبل وحشاه في الصندوق ورد اللوح على الطاقة سريعاً وسمره فصاح الشبل قائلاً :
يا نجار ما هذا البيت الضيق الذي صنعته لي دعني أخرج منه .
فقال له النجار :
هيهات لا ينفع الندم على ما فات إنك لا تخرج من هذا المكان .
ثم ضحك النجار وقال للشبل :
إنك وقعت في القفص وكنت أخبث الوحوش .
فقال له :
يا أخي ما هذا الخطاب الذي تخاطبني به ?
فقال له النجار :
اعلم يا كلب البر أنك وقعت فيما كنت تخاف منه وقد رماك القدر ولم ينفعك الحذر .
فلما سمع الشبل كلامه يا أختي علم أنه ابن آدم الذي حذره منه أبوه في اليقظة والهاتف في المنام وتحققت أنه هو بلا شك ولا ريب فخفت منه على نفسي خوفاً عظيماً وبعدت عنه قليلاً وصرت أنتظر ماذا يفعل بالشبل فرأيت يا أختي ابن آدم حفر حفرة في هذا المكان بالقرب من الصندوق الذي فيه الشبل ورماه في تلك الحفرة وألقى عليه الحطب وأحرقه بالنار فكبر يا أختي خوفي ولي يومان هاربة من ابن آدم وخائفة منه فلما سمعت الطاووسة من البطة هذا الكلام .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه








الليلة الثامنة والسبعين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الطاووسة لما سمعت من البطة هذا الكلام تعجبت منه غاية العجب وقالت :
يا أختي إنك أمنت من بني آدم لأننا في جزيرة من جزائر البحر وليس لابن آدم فيها مسلك فاختاري المقام عندنا إلى أن يسهل الله أمرك وأمرنا .
قالت البطة :
أخاف أن يطرقني طارق والقضاء لا ينفعك عنه آبق .
فقالت الطاووسة :
اقعدي عندنا وأنت مثلنا .
ولا زالت بها حتى قعدت وقالت :
يا أختي أنت تعلمين قلة صبري ولولا أني رأيتك هنا ما كنت قعدت .
فقالت الطاووسة :
إن كان جبيننا شيء نستوفاه وإن كان أجلنا فمن يخلصنا ولن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها .
فبينما هما في هذا الكلام إذ طلعت عليهما غبرة فعند ذلك صاحت البطة ونزلت البحر وقالت :
الحذر والحذر وإن لم يكن مفر من القدر .
وكانت الغبرة عظيمة فلما انكشفت الغبرة ظهر من تحتها ظبي فاطمأنت البطة والطاووسة ، ثم قالت البطة :
يا أختي إن الذي تفزعين منه ظبي وها هو قد أقبل نحونا فليس علينا منه بأس لأن الظبي إنما يأكل الحشائش من نبات الأرض وكما أنت من جنس الطير هو الآخر من جنس الوحوش فاطمئني ولا تهتمي فإن الهم ينحل البدن .
فلم تتم البطة كلامها حتى وصل الظبي إليها يستظل تحت الشجرة ، فلما رأى البطة والطاووسة سلم عليهما وقال لهما :
إني دخلت هذه الجزيرة اليوم فلم أر أكثر منها خصباً ولا أحسن منها مسكناً .
ثم دعاهما لمرافقته ومضافاته ، فلما رأت البطة والطاووسة تودده إليهما أقبلتا عليه ورغبتا في عشرته وتحالفوا على ذلك وصار مبيتهم واحد ومأكلهم سواء ولم يزالوا آمنين آكلين شاربين حتى مرت بهم سفينة كانت تائهة في البحر فأرست قريباً منهم فطلع الناس وتفرقوا في الجزيرة فرأوا الظبي والطاووسة والبطة مجتمعين فأقبلوا عليهم فشرد الظبي في البرية وطارت الطاووسة وبقيت البطة مخبلة ولم يزالوا بها حتى صادوها وصاحت قائلة :
لم ينفعني الحذر من القضاء والقدر .
وانصرفوا بها إلى سفينتهم .
فلما رأت الطاووسة ما جرى للبطة ارتحلت من الجزيرة وقالت :
لا أرى الآفاق الأمر أصدر لكل أحد ولولا هذه السفينة ما حصل بيني وبين هذه البطة افتراق ولقد كانت من خيار الأصدقاء .
ثم طارت الطاووسة واجتمعت بالظبي فسلم عليها وهنأها بالسلامة وسألها عن البطة فقالت له :
قد أخذها العدو وكرهت المقام في تلك الجزيرة بعدها .
ثم بكت على فراق البطة وأنشدت تقول :
إن يوم الفراق قطع قلبي ........ قطع الله قلب يوم الفراق
وأنشدت أيضاً :
تمنيت الوصال يعود يوماً ........ لأخبره بما صنع الفراق
فاغتم الظبي غماً شديداً ، ثم رد عزم الطاووسة عن الرحيل فأقام معها في تلك الجزيرة آمنين آكلين شاربين غير أنهما لم يزالا حزينين على فراق البطة فقال الظبي الطاووسة :
يا أختي قد علمت أن الناس الذين طلعوا لنا من المركب كانوا سبب فراقنا ولهلاك البطة فاحذريهم واحترسي منهم ومن مكر ابن آدم وخداعه .
قالت الطاووسة :
قد علمت يقيناً أن ما قتلها غير تركها التسبيح ، ولقد قلت لها :
إني أخاف عليك من تركك التسبيح لأن كل ما خلقه الله يسبحه فإن غفل عن التسبيح عوقب بهلاكه .
فلما سمع الظبي كلام الطاووسة قال :
أحسن الله صورتك .
وأقبل على التسبيح لا يفتر عنه ساعة وقد قيل أن الظبي يقول في تسبيحه :
سبحان الملك الديان ذي الجبروت والسلطان .
وورد أيضاً أن بعض العباد كان يتعبد في الجبال وكان يأوي إلى ذلك الجبل زوج من الحمام وكان ذلك العابد قسم قوته نصفين .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه




الليلة التاسعة والسبعين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن العابد قسم قوته إلى نصفين وجعل نصفه لنفسه ونصفه لذلك الزوج الحمام ودعا العابد لهما بكثرة النسل فكثر نسلهما ولم يكن الحمام يأوي إلى غير الجبل الذي فيه العابد وكان السبب في اجتماع الحمام بالعابد كثرة تسبيح الحمام وقيل أن الحمام يقول في تسبيحه :
سبحان خالق الخلق وقاسم الرزق وباني السماء وباسط الأرض .
ولم يزل ذلك الزوج الحمام في أرغد عيش هو ونسله حتى مات ذلك العابد فتشتت شمل الحمام وتفرق في المدن والقرى والجبال .
وقيل أيضاً أنه كان في بعض الجبال رجل من الرعاة صاحب دين وعقل وعفة وكان له غنم يرعاها وينتفع بألبانها وأصوافها وكان ذلك الجبل الذي يأوي إليه الراعي كثير الأشجار والمرعى والسباع ولم يكن لتلك الوحوش قدرة على الراعي ولا على غنمه ولم يزل مقيماً في الجبل مطمئناً لا يهمه شيء من أمر الدنيا لسعادته وإقباله على عبادته فاتفق أنه مرض مرضاً شديداً ، فدخل كهفاً في الجبل وصارت الغنم تخرج بالنهار إلى مرعاها وتأوي بالليل إلى الكهف فأراد الله أن يمتحن ذلك الراعي ويختبره في طاعته وصبره فبعث إليه ملكاً فدخل عليه في صورة امرأة حسناء وجلس بين يديه ، فلما رأى الراعي تلك المرأة جالسة عنده اقشعر بدنه منها فقال لها :
أيتها المرأة ما الذي دعاك إلى المجيء هنا وليس لك حاجة معي ، ولا بيني وبينك ما يوجب دخولك علي .
فقالت له المرأة :
أيها الرجل الإنسان أما ترى حسني وجمالي وطيب رائحتي ? أما تعلم حاجة الرجال إلى النساء فما الذي يمنعك مني ?
فقال الراعي :
إن الذي تقولينه كرهته وجميع ما تبدينه زهدته لأنك خداعة غدارة لا عهد لك ولا وفاء ، فكم من قبيح تحت حسنك أخفيته ? وكم صالح فتنته وكانت عاقبته إلى الندامة والحزن فارجعي عني أيتها المصلحة نفسها لفساد غيرها .
ثم ألقى عباءته على وجهه حتى لا يرى وجهها واشتغل بذكر ربه .
فلما رأى الملك حسن طاعته ، خرج وعرج إلى السماء وكان بالقرب من الراعي قرية فيها رجل من الصالحين لم يعلم بمكانه فرأى في منامه كأن قائلاً يقول له :
بالقرب منك في مكان كذا وكذا رجل صالح فاذهب إليه وكن تحت طاعة أمره .
فلما أصبح الصباح توجه نحوه سائراً فلما اشتد عليه الحر انتهى إلى شجرة عندها عين جارية فجلس في ظل الشجرة ليستريح ، فبينما هو جالس وإذا بوحوش وطيور أتوا إلى تلك العين ليشربوا منها ، فلما رأوا العابد جالساً نفروا ورجعوا شاردين فقال العابد في نفسه :
أنا ما استرحت هنا إلا لتعب هذه الوحوش والطيور .
ثم قام وقال معاتباً لنفسه :
لقد أضر بهذه الحيوانات في هذا اليوم جلوسي في هذا المكان فما عذري عند خالقي وخالق هذه الطيور والوحوش فإني كنت سبباً لشرودهم عن مائهم ومرعاهم فواخجلتي من ربي يوم يقتص للشاة الجماء من الشاة القرفاء .
ثم أفاض من جفنه العبرات وأنشد هذه الأبيات :
أما والله لو علـم الأنـام ........ لم خلقوا لا غفلوا وناموا
فموت ثم بعث ثم حشـر ........ وتوبيخ وأهوال عظـام
ونحن إذا نهينا أوامرنـا ........ كاهل الكهف أكثرنا نيام
ثم بكى على جلوسه تحت الشجرة عند العين ومنعه الطيور والوحوش من شربها وولى هائماً على وجهه حتى أتى الراعي فدخل عنده وسلم عليه فرد عليه السلام وعانقه ثم قال له الراعي :
ما الذي أقدمك إلى هذا المكان الذي لم يدخله أحد من الناس علي ?
فقال العابد :
إني رأيت في منامي من يصف لي مكانك ويأمرني بالسير إليك والسلام عليك وقد أتيتك ممتثلاً لما أمرت به .
فقبله الراعي وطابت نفسه بصحبته وجلس معه في الجبل يعبدان الله تعالى في ذلك الغار وحسنت عبادتهما ، ولم يزالا في ذلك المكان يعبدان ربهما ويتقوتان من لحوم الغنم وألبانها متجردين عن المال والبنين إلى أن أتاهما اليقين وهذا آخر حديثهما .
قال الملك شهريار :
لقد زهدتيني يا شهرزاد في ملكي وندمتيني على ما فرط مني في قتل النساء والبنات فهل عندك أخر شيء من حديث الطيور ?
قالت شهرزاد :
نعم يا ملك الزمان .
زعموا أيها الملك أن طيراً طار وعلا إلى الجو ثم انقض على صخرة في وسط الماء وكان الماء جارياً ، فبينما الطائر واقف على الصخرة وإذا برمة إنسان جرها الماء حتى أسندها إلى الصخرة ووقفت تلك الجيفة في جانب الصخرة وارتفعت لانتفاخها فدنا الطير وتأملها فرآها رمة ابن آدم وظهر له فيها ضرب السيف وطعن الرماح فقال في نفسه :
إن هذا المقتول كان شريراً فاجتمع عليه جماعة وقتلوه واستراحوا منه ومن شره ، ولم يزل طير الماء يكثر التعجب من تلك الرمة حتى رأى نسوراً وعقباناً أحاطوا بتلك الجيفة من جميع جوانبها ، فلما رأى طير الماء هذا جزع جزعاً شديداً وقال :
لا صبر لي على الإقامة في هذا المكان .
ثم طار منه يفتش على موضع يأويه إلى حين نفاذ تلك الجيفة وزوال سباع الطير عنها ولم يزل طائراً حتى وجد نهراً في وسطه شجرة ، فنزل عليها كئيباً حزيناً على بعده عن وطنه وقال في نفسه :
لم تزل الأحزان تتبعني وكنت قد استرحت لما رأيت تلك الجيفة وفرحت بها فرحاً شديداً وقلت :
هذا رزق ساقه الله إلي فصار فرحي غماً وسروري حزناً وهماً وافترستها سباع الطير مني وحالت بينها وبيني فكيف أرجو أن أكون سالماً في هذه الدنيا وأطمئن إليها ، وقد قيل في المثل :
الدنيا دار من لا دار له يغتر بها من لا عقل له ويطمئن بماله وولده وقومه وعشيرته ولم يزل المغتر بها راكناً إليها يختال فوق الأرض حتى يصير تحتها ويجثوا عليه التراب أعز الناس عليه وأقربهم إليه وما للفتى خير من الصبر على مكارهها وقد فارقت مكاني ووطني وكنت كارهاً لفرقة أخواني وأصحابي .
فبينما هو في فكرته وإذا بذكر من السلاحف أقبل منحدر في الماء ودنا من طير الماء وسلم عليه وقال :
يا سيدي ما الذي أبعدك عن موضعك ?
قال الطائر :
حلول الأعداء فيه ولا صبر للعاقل على مجاورة عدوه ، وما أحسن قول بعض الشعراء :
إذا حل الثقيل بأرض قـوم ........ فما للساكنين سوى الرحيل
فقال له السلحف :
إذا كان الأمر كما وصفته والحال مثل ما ذكرته فأنا لا أزال بين يديك ولا أفارقك لأقضي حاجتك وأوفي بخدمتك ، فإنه يقال لا وحشة أشد من وحشة الغريب المنقطع عن أهله ووطنه ، وقد قيل إن فرقة الصالحين لا يعد لها شيء من المصائب ومما يسمى العاقل نفسه الإستئناس في الغربة والصبر على الزرية والكربة وأرجو أن تحمد صحبتي لك وأكون لك خادماً ومعيناً .
فلما سمع طير الماء مقالة السلحف قال له :
لقد صدقت في قولك ولعمري إني وجدت للفراق ألماً وهماً وهما مدة بعدي عن مكاني وفراقي لأخواني وخلاني لأن فيه الفراق عبرة لمن اعتبر وفكرة لمن تفكر وإذا لم يجد الفتى من يسليه من الأصحاب ينقطع عنه الخير ويثبت له الشر سرمداً ، وليس للعاقل إلا التسلي بالإخوان عن الهموم في جميع الأحوال وملازمة الصبر والتجلد فإنهما خصلتان محمودتان يعينان نوائب الدهر ويدفعان الفزع والجزع من كل أمر .
فقال له السلحف :
إياك والجزع فإنه يفسد عليك عيشك ويذهب مروءتك .
ومازالا يتحدثان مع بعضهما إلى أن قال طير الماء للسلحف :
أنا لم أزل أخشى نوائب الزمان وطوارق الحدثان .
فلما سمع السلحف مقالة طير الماء أقبل عليه وقبله بين عينيه وقال له :
لم تزل جماعة الطير تعرف مشورتك الخير فكيف تحمل الهم والضير .
ولم يسكن روع طير الماء حتى اطمأن ، ثم إن طير الماء طار إلى مكان الجيفة فلما وصل إليه لم ير من سباع الطير شيئاً ولا من تلك الجيفة إلا عظماً فرجع يخبر السلحف بزوال العدو من مكانه فلما وصل إلى السلحف أخبره بما رأى وقال :
إني أحب الرجوع إلى مكاني وأتملى بخلاني لأنه لا صبر للعاقل عن وطنه .
فذهب معه إلى ذلك المكان فلم يجد شيئاً مما يخاف منه فصار طير الماء قرير العين وأنشد هذين البيتين :
ولرب نازلة يضيق لها الفتى ........ ذرعاً وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها ........ فرجت وكنت أظنها لا تفرج
ثم سكنا الجزيرة ، فبينما طير الماء في أمن وسرور وفرح وحبور إذ ساق إليه بازاً جائعاً فضربه بمخلبه ضربة فقتله ولم يغن عنه الحذر عند فراغ الأجل وسبب قتله غفلته عن التسبيح .
قيل انه كان يقول في تسبيحه :
سبحان ربنا فيما قدر ودبر ، سبحان ربنا فيما أغنى وأفقر .
هذا ما كان من حديث الطير .
فقال الملك شهريار :
لقد زدتيني بحكايتك مواعظ واعتبار فهل عند شيء من حكايات الوحوش ?
فقالت شهرزاد :
نعم يا ملك الزمان .
قال الملك شهريار :
أخبريني بما عندك .
قالت شهرزاد :
بلغني ايها الملك السعيد أن ثعلباً وذئباً ألفا وكراً فكانا يأويان إليه مع بعضهما فلبثا على ذلك مدة من الزمان وكان الذئب للثعلب قاهر ، فاتفق أن الثعلب أشار على الذئب بالرفق وترك الفساد وقال له :
إن دمت على عتوك ربما سلط الله عليك ابن آدم فإنه ذو حيل ومكر وخداع يصيد الطير من الجو والحوت من البحر ويقطع الجبال وينقلها وكل ذلك من حيله ، فعليك بالإنصاف وترك الشر والإعتساف فإنه أهنأ لطعامك .
فلم يقبل الذئب قوله وأغلظ له الرد وقال له :
لا علاقة لك بالكلام في عظيم الأمور وجسيمها .
ثم لطم الثعلب لطمة فخر منها مغشياً عليه .
فلما أفاق تبسم في وجه الذئب واعتذر إليه من الكلام الشين وأنشد هذين البيتين :
إذا كنت قد أذنبت ذنباً سالـفـاً ........ في حبكم وأتيت شيئاً منكـرا
أنا تائب عما جنيـت وعفوكـم ........ يسع المسيء إذا أتى مستغفرا
فقبل الذئب اعتذاره كف عنه أشراره وقال له :
لا تتكلم فيما لا يعنيك تسمع ما لا يرضيك .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





الليلة الثمانين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الذئب قال للثعلب :
لا تتكلم فيما لا يعنيك حتى لا تسمع ما لا يرضيك .
فقال له الثعلب :
سمعاً وطاعة فأنا بمعزل عما يحدث فقد قال الحكيم :
لا تخبر عما لا تسأل عنه أو لا تجب إلى ما لا تدعى إليه وذر الذي لا يعنيك إلى ما لا يعنيك ولا تبذل النصيحة للأشرار فإنهم يجزونك عليها شراً .
فلما سمع الذئب كلام الثعلب تبسم في وجهه ولكنه أضمر له مكراً وقال :
لا بد أن أسعى في هلاك هذا الثعلب .
وأما الثعلب فإنه صبر على أذى الذئب وقال في نفسه :
إن البطر والافتراء يجلبان الهلاك ويوقعان في الارتباك ، فقد قيل :
من بطر خسر ، ومن جهل ندم ، ومن خاف سلم ، والإنصاف من شيم الأشراف والآداب أشرف الاكتساب ومن الرأي مداراة هذا الباغي ولابد له من مصرع .
ثم أن الثعلب قال للذئب :
إن الرب يعفو ويتوب على عبده إن اقترف الذنوب وأنا عبد ضعيف وقد ارتكبت في نصحك التعسيف ولو علمت بما حصل لي من لطمتك لعلمت أن الفيل لا يقوم به ولا يقدر عليه ولكني لا أشتكي من ألم هذه اللطمة بسبب ما حصل لي بها من السرور ، وقد قال الحكيم :
ضرب المؤدب أوله صعب شديد وآخره أحلى من العسل المصفى .
فقال الذئب :
غفرت ذنبك وأقلت عثرتك فكن من قوتي على حذر واعترف لي بالعبودية فقد علمت قهري لمن عاداني .
فسجد له الثعلب وقال له :
أطال الله عمرك ولا زلت قاهراً لمن عاداك .
ولم يزل الثعلب خائفاً من الذئب مصانعاً له ، ثم إن الثعلب ذهب إلى كرم يوماً فرأى في حائطه ثلمة فأنكرها وقال في نفسه :
إن هذه الثلمة لابد لها من سبب ، وقد قيل :
من رأى خرقاً في الأرض فلم يجتنبه ويتوق عن الإقدام عليه كان بنفسه مغروراً وللهلاك متعرضاً .
وقد اشتهر أن بعض الناس يعمل صورة الثعلب في الكرم ويقدم إليه العنب في الأطباق لأجل أن يرى ثعلباً آخر فيقدم إليه فيقع في الهلاك ، وإني أرى هذه الثلمة مكيدة ، وقد قيل :
إن الحذر نصف الشطارة ومن الحذر أن أبحث على هذه الثلمة وانظر لعلي أجد عندها أمر يؤدي إلى التلف ولا يحملني الطمع على أن ألقي نفسي في التهلكة .
ثم دنا منها وطاف بها وهو محاذر فرآها فإذا هي حفرة عظيمة قد حفرها صاحب الكرم ليصيد فيها الوحش الذي يفسد الكرم ورأى عليها غطاء رقيقاً فتأخر عنها وقال :
الحمد لله حيث حذرتها وأرجو أن يقع فيها عدوي الذئب الذي نغص عيشي ، فأستقل بالكرم وحدي وأعيش فيه آمناً .
ثم هز رأسه وضحك ضحكاً عالياً واطرب بالنغمات وأنشد هذه الأبيات :
ليتني أبصرت هـذا الوقت ........ في ذي الـبـئر ذئبـا
وسقاني المر غصباً ليتني ........ من بـعـد ذا أبـقـى
طالما قـد ساء قـلـبـي ........ ويقضي الذئب نحـبـا
ثـم يخـلو الكـرم منـه ........ وأرى لـي فيـه نهـبا
فلما فرغ من شعره انطلق مسرعاً حتى وصل إلى الذئب وقال :
إن الله سهل لك الأمور إلى الكرم بلا تعب وهذا من سعادتك فهنيئاً لك بما فتح الله عليك وسهل لك من تلك الغنيمة والرزق الواسع بلا مشقة .
فقال الذئب للثعلب :
وما الدليل على ما وصفت ?
قال الثعلب :
إني انتهيت إلى الكرم فوجدت صاحبه قد مات ودخلت البستان فرأيت الأثمار زاهية على الأشجار .
فلم يشك الذئب في قول الثعلب وأدركه الشر فقام حتى انتهى إلى الندامة وقد غره الطمع ووقف الثعلب متهافتاً كالميت وتمثل بهذا البيت :
أتطمع من ليلى بوصلي وإنما ........ تضر بأعناق الرجال المطامع
فلما انتهى الذئب إلى الثلمة قال له الثعلب :
ادخل إلى الكرم فقد كفيت مؤونة هدم حائط البستان وعلى الله تمام الإحسان .
فأقبل الذئب ماشياً يريد الدخول إلى الكرم فلما توسط غطاء الثلمة وقع فيها فاضطرب الثعلب اضطراباً شديداً من السرور والفرح وزوال الهم والترح ، ثم إنه تطلع في الحفرة فرأى الذئب يبكي ندماً وحزناً على نفسه فبكى الثعلب معه فرفع الذئب رأسه إلى الثعلب وقال له :
أمن رحمتك لي بكيت يا أبا الحصين ?
قال الثعلب :
لا والذي قذفك في هذه الحفرة إنما بكيت لطول عمرك الماضي وأسفاً على كونك لم تقع في هذه الثلمة قبل اليوم ولو وقعت قبل اجتماعي بك لكنت أرحت واسترحت ، ولكن أبقيت إلى أجلك المحتوم ووقتك المعلوم .
فقال له الذئب :
أيها الثعلب رح أيها المسيء في فعله لوالدتي وأخبرها بما حصل لي لعلها تحتال على خلاصي .
فقال له الثعلب :
لقد أوقعك في الهلاك شدة طمعك وكثرة حرصك حيث سقطت في حفرة لست منها بسالم ألم تعلم أيها الذئب الجاهل أن صاحب المثل يقول :
من لم يفكر في العواقب لم يأمن المعاطب ?
فقال الذئب للثعلب :
يا أبن الحصين إنما كنت تظهر محبتي وترغب في مودتي وتخاف من شدة قوتي فلا تحقد علي بما فعلته معك فمن قدر وعفا كان أجره على الله وقد قال الشاعر :
ازرع جميلاً ولو في غير موضعه ........ ما خاب قط جميل أينـمـا زرع
إن الجميل وإن طـال الزمـان به ........ فليس يحـصـده إلا الـذي زرع
فقال له الثعلب :
يا أجهل السباع وأحمق الوحوش في البقاع هل نسيت تجبرك وعتوك وتكبرك وأنت لم ترع حق المعاشرة ولم تنتصح بقول الشاعر :
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً ........ إن الظلوم على حد من النقم
تنام عيناك والمظلوم منتبـه ........ يدعو عليك وعين الله لم تنم
فقال الذئب :
يا أبا الحصين لا تؤاخذني بسابق الذنوب فالعفو من الكرام مطلوب وصنع المعروف من حسن الذخائر وما أحسن قول الشاعر :
بادر بالخير إذا كنت مقتـدراً ........ فليس في كل حين أنت مقتدر
وما زال الذئب يتذلل للثعلب ويقول له :
لعلك تقدر على شيء تخلصني به من الهلاك .
فقال له الثعلب :
أيها الفظ الغليظ إني أشبهك في حسن علانيتك وقبح نيتك بالباز مع الحجل .
قال الذئب :
وما حديث الباز والحجل ?
قال الثعلب :
دخلت يوماً كرماً لآكل عنبه فبينما أنا فيه إذ رأيت بازاً انقض على حجل فلما اقتنصه انفلت منه الحجل ودخل وكره واختفى فيه فتبعه الباز وناداه :
أيها الجاهل إني رأيتك في البرية جائعاً فرحمتك ، والتقطت لك حباً وأمسكتك لتأكل فهربت مني ولم أعرف لهروبك وجهاً إلا الحرمان ، فاظهر وخذ ما أتيتك من الحب فكله هنيئاً مريئاً .
فلما سمع الحجل قول الباز صدقه وخرج إليه فانشب مخالبه فيه ومكنها منه فقال له الحجل :
أهذا الذي ذكرت انك أتيتني به من البرية وقلت لي هنيئاً مريئاً فكذبت علي جعل الله ما تأكله من لحمي في جوفك سماً قاتلاً .
فلما أكله وقع ريشه وسقطت قوته ومات لوقته ثم قال له الثعلب :
اعلم أيها الذئب أن من حفر حفرة لأخيه قليباً وقع فيها قريباً وأنت غدرت بي أولاً .
فقال الذئب للثعلب :
دعني من هذا المقال وضرب الأمثال ولا تذكر لي ما سلف مني من قبيح الفعال يكفيني ما أنا فيه من سوء الحال حيث وقعت في ورطة يرثي لي منها العدو فضلاً عن الصديق وانظر لي حيلة أتخلص بها وكن فيها غياثي وإن كان عليك ذلك مشقة فقد يتحمل الصديق لصديقه أشد النصب ويقاسي فيما فيه نجاته العطب وقد قيل :
إن الصديق الشفيق خير من الأخ الشقيق وإن تسببت في نجاتي لأجمعن لك من الآلة ما يكون لك عدة ، ثم لأعلمنك من الحيل الغريبة ما تفتح به الكروم الخصيبة وتجني الأشجار المثمرة فطب نفساً وقر عيناً .
فقال له الثعلب وهو يضحك :
ما أحسن ما قالته العلماء في كثير من الجهل مثلك .
قال الذئب :
وما قالت العلماء ?
قال الثعلب :
ذكر العلماء أن غليظ الجثة غليظ الطبع يكون بعيداً من العقل قريباً من الجهل لأن قولك أيها الماكر الأحمق قد يحتمل الصديق المشقة في تخليص صديقه صحيح كما ذكرت ولكن عرفتني بجهلك وقلة عقلك كيف أصادقك مع خيانتك أتحسبني لك صديقاً وأنا لك عدو شامت وهذا الكلام أشد من رشق السهام إن كنت تعقل وأما قولك أنك تعطيني من الآلات ما يكون عدة لي وتعلمني من الحيل وما أصل به إلى الكروم المخصبة وأجتني به الأشجار المثمرة فمالك أيها المخادع الغادر لا تعرف لك حيلة تتخلص بها من الهلاك فما أبعدك من المنفعة لنفسك وما أبعدني من القبول لنصيحتك فإن كان عندك حيل فتحيل لنفسك في الخلاص من هذا الأمر الذي أسأل الله أن يبعد خلاصك منه فانظر أيها الجاهل إن كان عندك حيلة فخلص نفسك بها من القتل قبل أن تبذل التعليم لغيرك ولكنك مثل إنسان حصل له مرض فاتاه رجل مريض بمثل مرضه ليداويه فقال له :
هل لك أن أداويك من مرضك ?
فقال له الرجل :
هلا بدأت بنفسك في المداواة .
فتركه وانصرف .
وأنت أيها الذئب كذلك فألزم مكانك واصبر على ما أصابك .
فلما سمع الذئب كلام الثعلب علم أن لا خير له عنده فبكى على نفسه وقال :
كنت في غفلة من أمري فإن خلصني الله من هذا الكرب لأتوبن عن تجبري على من هو أضعف مني ولألبس الصوف ولأصعدن الجبل ذاكراً الله تعالى خائفاً من عقابه واعتزل سائر الوحوش ولأطعمن المجاهدين والفقراء .
ثم بكى وانتحب فرق له قلب الثعلب وكان لما سمع تضرعه والكلام الذي يدل على توبته من العتو والتكبر أخذته الشفقة عليه فوثب من فرحته ، ووقف على شفير الحفرة ثم جلس على رجليه وأدلى ذنبه في الحفرة فعند ذلك قام الذئب ومد يده إلى ذنب الثعلب وجذبه إليه فصار في الحفرة معه ، ثم قال له الذئب :
أيها الثعلب القليل الرحمة كيف تشمت بي وقد كنت صاحبي وتحت قهري ووقعت معي في الحفرة وتعجلت لك العقوبة ، وقد قال الشاعر :
إذا ما الدهر جار على الناس ........ كلاكله أنـاخ بـآخـرينـا
فقل للشامتين بنـا أفـيقـوا ........ سيلقى الشامتون كما لقينـا
ثم قال الذئب للثعلب :
فلابد أن أعجل قتلك فبل أن ترى قتلي .
فقال الثعلب في نفسه :
إني وقعت مع هذا الجبار وهذا الحال يحتاج إلى المكر والخداع ، وقد قيل :
إن المرأة تصوغ حليها ليوم الزينة وفي المثل ما ادخرتك يا دمعتي إلا لشدتي وإن لم أتحيل في أمر هذا الوحش الظالم هلكت لا محالة ، وما أحسن قول الشاعر :
عش بالخداع فأنت في ........ زمن بنوه كأسد بـيشة
وأدر قناة المكر حتـى ........ تستدير رحى المعيشة
واجن الثمار فإن تفتك ........ فرض نفسك بالحشيشة
ثم إن الثعلب قال للذئب :
لا تعجل علي بالقتل فتندم أيها الوحش الصنديد صاحب القوة والبأس الشديد وإن تمهلت وأمعنت النظر فيما أحكيه لك ، عرفت قصدي الذي قصدته وإن عجلت بقتلي فلا فائدة لك فيه ، ونموت جميعنا هاهنا .
فقال له الذئب :
أيها المخادع الماكر وما الذي ترجوه من سلامتي وسلامتك حتى تسألني التمهل عليك فاخبرني بقصدك الذي قصدته ?
فقال له الثعلب :
أما قصدي الذي قصدته فما ينبغي أن تحسن عليه مجازاتي لأني سمعت ما وعدت من نفسك واعترافك بما سلف منك وتلهفك على ما فاتك من التوبة وفعل الخير وسمعت ما نذرته على نفسك من كف الأذى عن الأصحاب وغيرهم وتركك أكل العنب وسائر الفواكه ، ولزمك الخشوع وتقليم أظافرك وتكسير أنيابك وان تلبس الصوف وتقرب القربان لله تعالى إن نجاك مما أنت فيه فأخذتني الشفقة عليك مع إنني كنت على حق هلاكك حرصاً ، فلما سمعت منك توبتك وما نذرت على نفسك إن نجاك الله لزمني خلاصك مما أنت فيه فأدليت إليك ذنبي لكي تتعلق به وتنجو فلم تترك الحالة التي أنت عليها من العنف والشدة ولم تلتمس النجاة والسلامة لنفسك بالرفق بل جذبتني جذبة ظننت منها أن روحي قد خرجت فصرت أنا وأنت في منزلة الهلاك والموت وما ينجيني أنا وأنت إلا شيء إن قبلته مني خلصت أنا وأنت وبعد ذلك يجب عليك أن تفي بما نذرته وأكون رفيقك .
فقال له الذئب :
وما الذي أقبله منك ؟
قال له الثعلب :
تنهض قائماً وأعلو أنا فوق رأسك حتى أكون قريباً من ظاهر الأرض فإني حين أصير فوقها أخرج وآتيك بما تتعلق به وتخلص أنت بعد ذلك .
فقال له الذئب :
لست بقولك واثقاً لأن الحكماء قالوا :
من استعمل الثقة في موضع الحقد كان مخطئاً ، وقيل من وثق بغير ثقة كان مغوراً ، ومن جرب المجرب حلت به الندامة ، ومن لم يفرق بين الحالات فيعطي كل حالة حظها بل حمل الأشياء كلها على حالة واحدة قل حظه وكثرت مصائبه ، وما أحسن قول الشاعر :
لا يكـن ظـنـك لا سـيئاً إن ........ سوء الظن من أقوى الفطـن
ما رمى الإنسان فـي مهلـكة ........ مثل فعل الخير والظن الحسن
فقال الثعلب :
إن سوء الظن ليس محموداً في كل حال وحسن الظن من شيم الكرام وعاقبته النجاة من الأهوال وينبغي لك أيها الذئب أن تتحيل على النجاة مما أنت فيه ونسلم جميعاً خير من موتنا فارجع عن سوء الظن والحقد لأنك إن أحسنت الظن بي لا أخلو من أحد أمرين :
إما أن آتيك بما تتعلق به وتنجو مما أنت فيه ، وإما أن أغدر بك فأخلص وأودعك وهذا مما لا يمكن فإني لا آمن أن أبتلي بشيء مما ابتليت به فيكون ذلك عقوبة الغدر وقد قيل في الأمثال :
الوفاء مليح والغدر قبيح ، فينبغي أن تثق بي فإني لم أكن جاهلاً بحوادث الدهر فلا تؤخر حيلة خلاصنا فالأمر أضيق من أن نطيل فيه الكلام .
فقال الذئب :
إني مع قلة ثقتي بوفائك قد عرفت ما في خاطرك من انك أردت خلاصي لما عرفت توبتي فقلت في نفسي :
إن كان حقاً فيما زعم فإنه يستدرك ما أفسد وإن كان مبطلاً فجزاؤه على ربه ، وهاأنا أقبل منك ما أشرت به علي فإن غدرت بي كان الغدر سبباً لهلاكك .
ثم إن الذئب انتصب واقفاً وأخذ الثعلب على أكتافه حتى ساوى به ظاهر الأرض فوثب الثعلب عن أكتاف الذئب حتى صار على وجه الأرض ووقع مغشياً عليه .
فقال له الذئب :
يا خليلي لا تغفل عن أمري ولا تؤخر خلاصي .
فضحك الثعلب وقهقه وقال للذئب :
أيها المغرور لم يوقعني في يدك إلا المزح معك والسخرية بك وذلك أني لما سمعت توبتك استخفني الفرح فطربت ورقصت فتدلى ذنبي في الحفرة فجذبتني فوقعت عندك ثم أنقذني الله تعالى من يدك فما لي لا أكون عوناً على هلاكك وأنت من حزب الشيطان ، واعلم أنني رأيت البارحة في منامي أني أرقص في عرس فقصصت الرؤيا على معبر ، فقال لي :
إنك تقع في ورطة وتنجو منها فعلمت وقوعي في يدك ونجاتي هو تأويل رؤياي وأنت تعلم أيها المغرور الجاهل أني عدوك فكيف تطمع بقلة عقلك وجهلك في إنقاذي إياك مع ما سمعت من غلظ كلامك ? وكيف أسعى في نجاتك وقد قالت العلماء:
إن في موت الفاجر راحة الناس وتطهير للأرض ولولا مخافة أن أحتمل من الألم في الوفاء لك ما هو أعظم من ألم الغدر لتدبرت في خلاصك .
فلما سمع الذئب كلام الثعلب عض على كتفه ندماً .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





الليلة الحادية والثمانين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الذئب لما سمع كلام الثعلب عض على كتفه ندماً ثم لين له في الكلام ولم يجد بداً من ذلك وقال له بلسان خافت :
إنكم معشر الثعالب من أحلى القوم لساناً وألطفها مزاحاً وهذا منك مزاح ولكن ما كل وقت يحسن اللعب والمزاح .
فقال الثعلب :
أيها الجاهل إن للمزاح حد لا يجاوزه صاحبه فلا تحسب أن الله يمكنك مني بعد أن أنقذني من يديك .
فقال له الذئب :
إنك لجدير أن ترغب في خلاصي لما بيننا من سابق المؤاخاة والصحبة وإن خلصتني لا بد أن أحسن مكافاتك .
فقال الثعلب :
قد قال الحكماء :
لا تؤاخ الجاهل الفاجر فإنه يشينك ولا يزينك ، ولا تؤاخ الكذاب فإنه إن بدا منك خير خفاه وإن بدا منك شر فشاه .
وقال الحكماء :
لكل شيء حيلة إلا الموت وقد يصلح كل شيء إلا فساد الجوهر وقد يدفع كل شيء إلا القدر وأما من جهة المكافأة التي زعمت أني أستحقها منك فإني أشبهك بالحية الهاربة من الحاوي إذ رآها رجل وهي مرعوبة فقال لها :
ما شأنك أيتها الحية ?
قالت :
هربت من الحاوي فإنه يطلبني فإن نجيتني منه وأخفيتني عندك لأحبسن مكافأتك وأصنع معك كل جميل .
فأخذها اغتناماً للأجر وطمعاً في المكافأة وأدخلها في جيبه فلما فات الحاوي ومضى إلى حال سبيله وزال عنها ما كانت تخافه قال لها الرجل :
أين المكافأة فقد أنقذتك مما تخافين وتحذرين ?
فقالت له الحية :
أخبرني في أي عضو أنهشك ?
وقد علمت أننا لا نتجاوز هذه المكافأة ثم نهشته نهشة مات منها وأنت أيها الأحمق شبهتك بتلك الحية مع ذلك الرجل أما سمعت قول الشاعر :
لا تأمنن فتى أسكنت مهجـتـه ........ غيظاً وتحسب أن الغيظ قد زالا
إن الأفاعي وإن لانت ملامسها ........ تبدي انعطافاً وتخفي السم قتالا
فقال له الذئب الفصيح صاحب الوجه المليح :
لا تجهل حالي وخوف الناس مني وقد علمت أني أهجم على الحصون وأقلع الكروم فافعل ما أمرتك به وقم بي قيام العبد بسيده .
فقال له الثعلب :
أيها الأحمق الجاهل المحال بالباطل إني تعجبت من حماقتك وصلابة وجهك فيما تأمرني به من خدمتك والقيام بين يديك حتى كأنني عبدك ولكن سوف ترى ما يحل بك من شرخ رأسك بالحجارة وكسر أنيابك بالغدارة .
ثم وقف الثعلب على تل مشرف على الكروم ولم يزل يصيح لأهل الكرم حتى بصروا به وأقبلوا عليه مسرعين فثبت لهم الثعلب حتى قربوا منه ومن الحفرة التي فيها الذئب ثم ولى الثعلب هارباً فنظر أصحاب الكرم في الحفرة فلما رأوا فيها الذئب وقعوا عليه بالحجارة الثقال ولم يزاوا يضربونه بالحجارة والخشب ويطعنونه بأسنة الرماح حتى قتلوه وانصرفوا فرجع الثعلب إلى تلك الحفرة ووقف على مقتل الذئب ، فرآه ميتاً فحرك رأسه من شدة الفرحات وأنشد هذه الأبيات :
أودى الزمان بنفس الذئب فاختطفت ........ بعداً وسحقاً لها من مهجة تلفـت
فكم سعيت أبا سرحان في تلـفـي ........ فاليوم حلت بك الآفات والتهبـت
وقعت في حفرة ما حلـهـا أحـد ........ إلا وفيها رياح الموت قد عصفت
ثم إن الثعلب أقام بالكرم وحده مطمئناً لا يخاف ضرراً وهذا ما كان من حديث الثعلب .
ومما يحكى أن فأرة وبنت عرس كانتا ينزلان منزلاً لبعض الناس وكان ذلك الرجل فقيراً ، وقد مرض بعد أصدقائه فوصف له الطبيب السمسم المقشور ، فأعطاه لزوجته وأمرها بإصلاحه فقشرته تلك المرأة وأصلحته ، فلما عاينت بنت عرس السمسم أتت إليه ولم تزل تنقل من ذلك السمسم إلى حجرها طول يومه حتى نقلت أكثره وجاءت المرأة فرأت نقصان السمسم واضحاً فجلست ترصد من تأتي إليه حتى تعل سبب نقصانه فنزلت بنت عرس لتنقل منها على عادتها فرأت المرأة جالسة فعلمت أنها ترصدها فقالت في نفسها :
إن لهذا الفعل عواقب ذميمة وإني أخشى من تلك المرأة أن تكون لي بالمرصاد ومن لم ينظر في العواقب ما الدهر له بصاحب ، ولابد لي أن أعمل حسناً أظهر به براءتي من جميع ما عملته من القبيح .
فجعلت تنقل من ذلك السمسم الذي في حجرها فرأتها المرأة وهي تفعل ذلك ، فقالت في نفسها :
ما هذا سبب نقصه لأنها تأتي به من حجر الذي اختلسه وتضعه على بعضه وقد أحسنت إلينا في رد السمسم وما جزاء من أحسن إلا أن يحسن إليه وليست هذه آفة في السمسم ولكن لا أزال أرصدها حتى يقع واعلم من هو .
ففهمت بنت عرس ما خطر ببال تلك المرأة فانطلق إلى الفأرة فقالت لها :
يا أختي إنه لا خير فيمن لا يرعى المجاورة ولا يثبت على المودة .
فقالت الفأرة :
نعم يا خليلتي وأنعم بك وبجوارك فما سبب هذا الكلام ?
فقالت بنت عرس :
إن رب البيت أتى بسمسم فأكل منه هو وعياله وشبعوا واستغنوا عنه وتركوه وقد أخذ منه كل ذي روح ، فلو أخذت أنت الأخرى كنت أحق به ممن يأخذ منه .
فأعجب الفأرة ذلك ورقصت ولعبت ذنبها وغرها الطمع في السمسم فقامت من وقتها وخرجت من بيتها فرأت السمسم مقشوراً يلمع من البياض والمرأة جالسة ترصده فلم تفكر الفأرة في عاقبة الأمر وكانت المرأة قد استعدت بهراوة فلم تتمالك الفأرة حتى دخلت في السمسم وعانت فيه وصارت تأكل منه فضربتها المرأة بتلك الهراوة فشجت رأسها وكان الطمع سبب هلاكها وغفلتها عن عواقب الأمور .
فقال الملك شهريار :
يا شهرزاد والله إن هذه حكاية مليحة فهل عندك حديث في حسن الصداقة والمحافظة عليها عند الشدة والتخلص من الهلكة ؟
قالت شهرزاد :
نعم يا ملك الزمان .
بلغني أن غراباً وسنوراً كانا متآخين فبينما هما تحت الشجرة على تلك الحالة إذ رأيا نمراً مقبلاً على تلك الشجرة التي كانا تحتها ولم يعلما به حتى صار قريباً من الشجرة فطار الغراب إلى أعلى الشجرة وبقي السنور متحيراً فقال للغراب :
يا خليلي هل عندك حيلة في خلاصي كما هو الرجاء فيك ?
فقال الغراب :
إنما تلتمس الأخوان عند الحاجة إليهم في الحيلة عند نزول المكروه بهم ، وما أحسن قول الشاعر :
إن صديق الحق من كان معك ........ ومن يضر نفسه لا ينفعـك
ومن إذا ريب الزمان صدعك ........ شتت فيه شمله ليجمـعـك
وكان قريباً من الشجرة رعاة معهم كلاب فذهب الغراب حتى ضرب بجناحه وجه الأرض ونعق وصاح ، ثم تقدم إليهم وضرب بجناحه وجه بعض الكلاب وارتفع قليلاَ فتبعته الكلاب وسارت في أثره ورفع الراعي رأسه فرأى طائراً يطير قريباً من الأرض ويقع فتبعه وصار الغراب لا يطير إلا بقدر التخلص من الكلاب ويطمعها في أن تفترسه ، ثم ارتفع قليلاً وتبعته الكلاب حتى انتهى إلى الشجرة التي تحتها النمر ، فلما رأت الكلاب النمر وثبت عليه فولى هارباً وكان يظن أنه يأكل السنور فنجا منه ذلك السنور بحيلة الغراب صاحبه وقد أخبرتك بهذا أيها الملك لتعلم أن مودة أخوان الصفا تنجي من الهلكات .
وحكي أن ثعلباً سكن في بيت في الجبل وكان كلما ولد ولداً واشتد ولده أكله من الجوع وإن لم يأكل ولده يضربه الجوع ، وكان يأوي إلى ذروة ذلك الجبل غراب فقال الثعلب في نفسه :
أريد أن أعقد بيني وبين هذا الغراب مودة واجعله لي مؤنساً على الوحدة معاوناً على طلب الرزق لأنه يقدر من ذلك على ما لا أقدر عليه .
فدنا الثعلب من الغراب حتى صار قريباً منه بحيث يسمع كلامه فسلم عليه ثم قال له :
يا جاري إن للجار على الجار حقين :
حق الجيرة وحق الدين واعلم بأنك جاري ولك علي حق يجب قضاؤه وخصوصاً مع طول المجاورة ، على أن في صدري وديعة من محبتك دعتني إلى ملاطفتك وبعثتني على التماس أخوتك فما عندك من الجواب ?
فقال الغراب :
اعلم إن خير القول أصدقه وربما تتحدث بلسانك بما ليس في قلبك وأخشى أن تكون أخوتك باللسان ظاهراً وعداوتك في القلب لأنك آكل وأنا مأكول فوجب علينا التباين في المحبة ولا يمكن مواصلتنا ، فما الذي دعاك إلى طلب ما لا تدرك وإرادة ما لا يكون وأنت من جنس الوحوش وأنا من جنس الطيور وهذه الأخوة لا تصح .
فقال له الثعلب :
إن من موضع الإخلاء فأحسن الاختيار فيما يختاره منهم ربما يصل إلى بعض منافع الأخوان وقد اخترت قربك واخترت الأنس بك ليكون بعضنا عوناً لبعض على أغراضنا وتعقب مودتنا ، وعندي حكايات في حسن الصداقة فإن أردت أن أحكيها حكيتها لك .
فقال الغراب :
أذنت لك أن تبثها فحدثني بها حتى أعرف فالمراد منها .
فقال له الثعلب :
اسمع يا خليلي يحكى عن برغوت وفأرة وما يستدل به على ما ذكرته لك .
فقال الغراب :
وكيف كان ذلك ؟
فقال الثعلب :
زعموا أن فارة في بيت رجل من التجار كثير المال فآوى البرغوت ليلة إلى فراش ذلك التاجر فرأى بدناً ناعماً وكان البرغوت عطشاناً فشرب من دمه ، ووجد التاجر من البرغوت ألماً فاستيقظ من النوم واستوى قاعداً ونادى أتباعه فأسرعوا إليه وشمروا عن أيديهم يطوفون على البرغوت ، فلما أحس البرغوت بالطلب ولى هارباً فصادف حجر الفأرة فدخله ، فلما رأته الفأرة قالت له :
ما الذي أدخلك علي ولست من جوهري ولا من جنسي ولست بآمن من الغلظة عليك ولا مضاررتك ؟
فقال لها البرغوت :
إني هربت إلى منزلك وفزت بنفسي من القتل وأتيت مستجيراً بك ولا طمع لي في بيتك ولا يلحقك مني شر يدعوك إلى الخروج من منزلك وإني أرجو أن أكافئك على إحسانك بكل جميل وسوف تحمدين عاقبة ما أقول لك .
فلما سمعت الفأرة كلام البرغوت .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





الليلة الثانية والثمانين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الفأرة لما سمعت كلام البرغوت قالت :
إذا كان الكلام على ما أخبرت فاطمئن هنا وما عليك بأس ولا تجد إلا ما يسرك ولا يصيبك إلا ما يصيبني وقد بذلت لك مودتي ولا تندم على ما فاتك من دم التاجر ولا تأسف على قوتك منه وارض بما تيسر لك من العيش فإن ذلك أسلم لك وقد سمعت أيها البرغوت بعض الوعاظ ينشد هذه الأبيات :
سلكت طريق القناعة والإنفراد ........ قضيت دهري بماذا اتـفـق
بكسرة خبـز وشـربة مـاء ........ وملح جريش وثوب خـلـق
فإن يسر الله لي عـيشـتـي ........ وإلا قنعت بـمـا قـد رزق
فلما سمع البرغوت كلام الفأرة ، قال :
يا أختي قد سمعت وصيتك وانقدت إلى طاعتك ولا قوة لي على مخالفتك إلى أن ينقضي العمر بتلك النية .
فقالت له الفأرة :
كفى بصدق المودة في صلاح النية .
ثم انعقد الود بينهما وكان البرغوت بعد ذلك يأوي إلى فراش التاجر ولا يتحاور بلغته ويأوي بالليل مع الفأرة في مسكنها فاتفق أن التاجر جاء ليلة إلى منزله بدنانير كثيرة فجعل يقلبها ، فلما سمعت الفأرة صوت الدنانير أطلعت رأسها من جحرها وجعلت تنظر إليها حتى وضعها التاجر تحت الوسادة ونام فقالت الفأرة للبرغوت :
أما ترى الفرصة والحظ العظيم ، فهل عندك حيلة إلى بلوغ الغرض من تلك الدنانير ؟
فقال لها البرغوت :
قد التزمت لك بإخراجه من البيت .
ثم انطلق البرغوت إلى فراش التاجر ولدغه لدغة قوية لم يكن جرى للتاجر مثلها ، ثم تنحى البرغوت إلى موضع يأمن فيه على نفسه من التاجر فانتبه التاجر يفتش على البرغوت فلم يجد شيئاً فرقد على جنبه الآخر فلدغه البرغوت لدغة أشد من الأولى فقلق التاجر وفارق وخرج إلى مصطبة داره فنام هناك ولم ينتبه إلى الصباح ثم إن الفأرة أقبلت على الدنانير حتى لم تترك منها شيئاً .
فلما أصبح الصباح صار التاجر يتهم الناس ويظن الظنون .
ثم قال الثعلب للغراب :
واعلم أني لم أقل لك هذا الكلام أيها الغراب البصير العاقل الخبير إلا ليصل إليك جزاء إحسانك إلي كما وصل للفأرة جزاء إحسانها إلى البرغوت فانظر كيف جازاها أحسن المجازاة وكافأها أحسن المكافأة .
فقال الغراب :
إن شاء المحسن يحسن أو لا يحسن وليس الإحسان واجباً لمن التمس صلة بقطيعة وإن أحسنت إليك مع كونك عدوي أكون أتسبب في قطيعة نفسي ، وأنت أيها الثعلب ذو مكر وخداع ومن شيمتك المكر والخديعة لا تؤمن على عهد ولا أمان لك ، وقد بلغني عن قريب أنك غدرت بصاحبك الذئب ومكرت به حتى أهلكته بغدرك وحيلتك وفعلت به هذه الأمور مع أنه من جنسك وقد صحبته مدة مديدة فما أبقيت عليه فكيف أثق منك بنصيحة وإذا كان هذا فعلك مع صاحبك الذي من جنسك فكيف فعلك مع عدوك الذي من غير جنسك ؟ وما مثالك معي إلا مثال الصقر مع ضواري الطير .
فقال الثعلب :
وما حكاية الصقر مع ضواري الطير ؟
فقال الغراب :
زعموا أن صقراً كان جباراً عنيداً .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





الليلة الثالثة والثمانين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الغراب قال :
زعموا أن صقراً كان جباراً عنيداً أيام شبيبته وكان سباع البر وسباع الطير تفزع منه ولا يسلم من شره أحد وله حكايات كثيرة في ظلمه وتجبره وكان دأب هذا الصقر الأذى لسائر الطيور فلما مرت عليه السنون ضعف وجاع واشتد جهده بعد فقد قوته فأجمع رأيه على أن يأتي مجمع الطير فيأكل ما يفضل منها ، فعند ذلك صار قوته بالحيلة بعد القوة والشدة .
وأنت كذلك أيها الثعلب إن عدمت قوتك ما عدمت خداعك ولست أشك في أن ما تطلبه من صحبتي حيلة على قوتك فلا كنت ممن يضع يده في يدك لأن الله أعطاني قوة في جناحي وحذراً في نفسي وبصراً في عيني وأعلم أن من تشبه بأقوى منه تعب وربما هلك .
هذا ما عندي الكلام واذهب عش بسلام .
فلما يئس الثعلب من مصادقة الغراب رجع من حزنه يئن وقرع للندامة سناً على سن .
فلما سمع الغراب بكاءه وأنينه ورأى كآبته وحزنه قال :
أيها الثعلب ما نابك حتى قرعت نابك ؟
قال له الثعلب :
إنما قرعت سني لأني رأيتك أخدع مني .
ثم ولى هارباً ورجع إلى جحره طالباً .
وهذا ما كان من حديثهما أيها الملك .
فقال الملك شهريار :
يا شهرزاد ما أحسن هذه الحكايات هل عندك شيء مثلها من الخرافات ؟
قالت شهرزاد :
يحكى أن قنفذاً مسكناً بجانب نخلة وكان الورشان هو وزوجته فلما اتخذا عشاً في النخلة وعاشا فوقها عيشاً رغيداً فقال القنفذ في نفسه :
إن الورشان يأكل من ثمر النخل وأنا أجد إلى ذلك سبيلاً ولكن لابد من استعمال الحيلة .
ثم حفر في أسفل النخلة بيتاً واتخذه سكناً له ولزوجته وإلى جانبه مسجداً وانفرد فيه وأظهر النسك والعبادة ، وترك الدنيا وكان الورشان متعبداً مصلياً فرق له من شدة زهده وقال :
كم سنة وأنت هكذا ؟
قال القنفذ :
مدة ثلاثين سنة .
قال الورشان :
ما طعامك ؟
قال القنفذ :
ما يسقط من النخلة .
قال الورشان :
ما لباسك ؟
قال القنفذ :
شوك أنتفع بخشونته .
قال الورشان :
وكيف اخترت مكانك هذا على غيره ؟
قال القنفذ :
اخترته على غير طريق لأجل أن أرشد الضال وأعلم الجاهل .
فقال له الورشان :
كنت أظهر على انك على غير هذه الحالة ولكنني رغبت فيما عندك .
فقال القنفذ :
إني أخشى أن يكون قولك ضد فعلك فتكون كالزراع الذي جاء وقت الزرع قصر في بذره وقال :
إني أخشى أن يكون أوان الزرع قد فات فأكون قد أضعت المال بسرعة البذر .
فلما جاء وقت الحصاد ورأى الناس يحصدون ندم على ما فاته من تقصيره ومن تخلفه ومات أسفاً .
فقال الورشان للقنفذ :
وماذا أصنع حتى أتخلص من علائق الدنيا وأنقطع إلى عبادة ربي ؟
قال له القنفذ :
خذ في الإستعداد للميعاد والقناعة بالكفاية في الزاد .
فقال الورشان :
كيف لي بذلك وأنا طائر لا أستطيع أن أتجاوز النخلة التي فيها قوتي ؟ ولو استطعت ذلك ما عرفت موضعاً أستقر فيه .
فقال القنفذ :
يمكنك أن تنثر من ثمر النخلة ما يكفيك مؤونة عام أنت وزوجتك وتسكن قي وكر تحت النخلة لالتماس حسن إرشادك ، ثم مل إلى ما نثرته من الثمر فانقله جميعاً وادخره قوتاً للعدم وإذا فرغت الثمار وطال عليك المطال سر إلى كفاف العيش .
فقال الورشان :
جزاك الله خيراً حيث ذكرتني بالميعاد وهديتني إلى الرشاد .
ثم تعب الورشان هو وزوجته في طرح الثمر حتى لم يبق في النخلة شيء فوجد القنفذ ما يأكل وفرح به وملأ مسكنه من الثمر وادخره لقوته وقال في نفسه :
إن الورشان هو وزوجته إذا احتاجا إلى مؤونتهما طلباها مني وطمعا فيما عندي وركنا إلى تزهدي وورعي .
فلما رأى الورشان منه الخديعة لائحة قال له :
أين الليلة من البارحة فما تعلم أن للمظلومين ناصراً فإياك والمكر والخديعة ، لئلا يصيبك ما أصاب الخداعين الذين مكروا بالتاجر .
فقال القنفذ :
وكيف ذلك ؟
قال الورشان :
بلغني أن تاجراً من مدينة يقال لها سنده كان ذا مال واسع فشد جمالاً وجهز متاعاً وخرج به إلى بعض المدن ليبيعه فيها فتبعه رجلان من المكرة وحملا شيئاً من مال ومتاع وأظهرا للتاجر أنهما من التجار وساروا معه فلما نزلا أول منزل اتفقا على المكر به وأخذ ما معه .
ثم إن كل واحد منهما أضمر المكر لصاحبه وقال في نفسه :
لو مكرت بصاحبي بعد مكرنا بالتاجر لصفا لي الوقت وأخذت جميع المال .
ثم أضمرا لبعضهما نية فاسدة وأخذ كل منهما طعاماً وجعل فيه سماً وقربه لصاحبه فقتلا بعضهما وكانا يجلسان مع التاجر ويحدثانه فلما أبطأوا عليه فتش عليهما ليعرف خبرهما فوجدهما ميتين فعلم أنهم كانا محتالين وأرادا المكر به فعاد عليهما مكرهما وسلم التاجر والمال معه .
فقال الملك شهريار :
نبهتيني يا شهرزاد على شيء كنت غافلاً عنه أفلا تزيديني من هذه الأمور ؟
قالت شهرزاد :
بلغني أيها الملك السعيد أن رجلاً كان عنده قرد وكان ذلك الرجل سارقاً لا يدخل سوقاً من أسواق المدينة التي هو فيها إلا ويرجع بكسب عظيم فاتفق أن رجلاً حمل أثواباً ليبيعها فذهب بها إلى السوق وصار ينادي عليها فلا يسومها أحد وكان لا يعرضها على أحد إلا امتنع من شرائها فاتفق أن السارق الذي معه القرد رأى الشخص الذي معه الثياب المقطعة وكان وضعها في بقجة وجلس يستريح من التعب فلعب القرد أمامه حتى أشغله بالفرجة عليه واختلس منه تلك البقجة ، ثم أخذ القرد وذهب إلى السوق مكان خال وفتح البقجة فرأى تلك الثياب المقطعة فوضعها في بقجة نفيسة وذهب بها إلى سوق آخر وعرض البقجة للبيع بما فيها واشترط أن لا تفتح ورغب الناس فيها لقلة الثمن فرآها رجل وأعجبه نفاستها فاشتراها وذهب بها إلى زوجته ، فلما رأت ذلك امرأته قالت :
ما هذا ؟
قال الرجل :
متاع نفيس اشتريته بدون القيمة لأبيعه واخذ فائدته .
فقالت له زوجته :
أيها المغبون هذا المتاع بأقل من قيمته إلا إذا كان مسروقاً ? أما تعلم أن من اشترى شيئاً ولم يعاينه كان مخطئاً وكان مثله مثل الحائك .
فقال لها :
وكيف كان ذلك ؟
فقالت له :
بلغني أن حائكاً كان في بعض القرى وكان يعمل فلا ينال القوت إلا بجهد ، فاتفق أن رجلاً من الأغنياء كان ساكناً قريباً منه قد أولم وليمة ودعا الناس إليها فحضر الحائك فرأى الناس الذين عليهم الثياب الناعمة يقدم لهم الأطعمة الفاخرة وصاحب المنزل يعظمهم لما يرى من حسن زيهم ، فقال في نفسه :
لو بدلت تلك الصنعة بصنعة أخف مؤونة منها وأكثر أجرة لجمعت مالاً كثيراً واشتريت ثياباً فاخرة وارتفع شأني وعظمت في أعين الناس .
ثم نظر إلى بعض ملاعب الحاضرين في الوليمة وقد صعد سوراً شاهقاً ثم رمى بنفسه إلى الأرض ونهض قائماً فقال في نفسه :
لابد أن أعمل مثل عمل هذا ولا أعجز عنه .
ثم صعد إلى السور ورمى نفسه ، فلما وصل إلى الأرض اندقت رقبته فمات وإنما أخبرتك بذلك لئلا يتمكن منك الشر ، فترغب فيما ليس من شانك .
فقال لها زوجها :
ما كل عالم يسلم بعلمه ولا كل جاهل يعطب بجهله وقد رأيت الحاوي الخبير بالأفاعي العالم بها وربما نهشته الحية فقتلته وقد يظهر بها الذي لا معرفة له بها ولا علم عنده بأحواله .
ثم خالف زوجته واشترى المتاع وأخذ في تلك العادة فصار يشتري من السارقين بدون القيمة إلى أن وقع في تهمة فهلك فيها .
وكان في زمنه عصفور يأتي كل يوم إلى ملك من ملوك الطير ولم يزل غادياً ورائحاً عنده بحيث كان أول داخل عليه وآخر خارج من عنده فاتفق أن جماعة من الطير اجتمعوا في جبل عال من الجبال فقال بعضهم لبعض :
إنا قد كثرنا وكثر الاختلاف بيننا ، ولابد لنا من ملك ينظر في أمورنا فتجتمع كلمتنا ويزول الاختلاف عنا .
فمر بهم ذلك العصفور فأشار عليهم بتمليك الطاووس وهو الملك الذي يتردد إليه فاختاروا الطاووس وجعلوه عليهم ملكاً فأحسن إليهم وجعل ذلك العصفور كاتبه ووزيره فكان تارة يترك الملازمة وينظر في الأمور ، ثم إن العصفور غاب يوماً عن الطاووس فقلق قلقاً عظيماً فبينما هو كذلك إذ دخل عليه العصفور فقال له :
ما الذي أخرك وأنت أقرب أتباعي إلي ؟
فقال العصفور :
رأيت أمراً واشتبه علي فتخوفت منه .
فقال له الطاووس :
ما الذي رأيت ؟
قال العصفور :
رأيت رجلاً معه شبكة قد نصبها عند وكري وثبت أوتادها وبذر في وسطها حباً وقعد بعيداً عنها فجلست انظر ما يفعل فبينما أنا كذلك إذا بكركي هو وزوجته قد ساقهما القضاء والقدر حتى سقطا في وسط الشبكة ، فصارا يصرخان فقام الصياد وأخذهما فأزعجني ذلك وهذا سبب غيابي عنك يا ملك الزمان وما بقيت أسكن هذا الوكر حذراً من الشبكة .
فقال له الطاووس :
لا ترحل من مكانك لأنه لا ينفع الحذر من القدر .
فامتثل لأمره ، وقال :
سأصبر ولا أرحل طاعة للملك .
ولم يزل العصفور محاذراً على نفسه وأخذ الطعام إلى الطاووس فأكل حتى اكتفى وتناول على الطعام ماء ثم ذهب العصفور .
فبينما هو في بعض الأيام شاخصاً إذا بعصفورين يقتتلان في الأرض فقال في نفسه :
كيف أكون وزير الملك وأرى العصافير تقتتل في جواري والله لأصلحن بينهما .
ثم ذهب إليهما ليصلح بينهما فقلب الصياد الشبكة على الجميع فوقع العصفور في وسطها فقام إليه الصياد وأخذه ودفعه إلى صاحبه وقال :
استوثق به فإنه سمين لم أر أحسن منه .
فقال العصفور في نفسه :
قد وقعت فيما كنت أخاف وما كان آمناً إلا الطاووس ولم ينفعني الحذر من القدر فلا مفر من القضاء للمحاذر وما أحسن قول الشاعر :
ما لا يكون فلا يكون بحيلـة ........ أبداً وما هو كائن سيكـون
سيكون ما هو كائن في وقته ........ وأخو الجهالة دائماً مغبون
فقال الملك شهريار :
يا شهرزاد زيديني من هذا الحديث .
فقالت شهرزاد :
الليلة القابلة أن أبقاني الملك أعزه الله .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه




الليلة الرابعة والثمانين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أنه كان في قديم الزمان في خلافة هارون الرشيد رجل تاجر له ولد يسمى أبا الحسن علي بن طاهر وكان كثير المال والنوال حسن الصورة محبوباً عند كل من يراه وكان يدخل دار الخلافة من غير إذن ويحبه جميع سراري الخليفة وجواريه وكان ينادمه وينشد عنده الأشعار ويحدثه بنوادر الأخبار إلا أنه كان يبيع ويشتري في سوق التجار وكان يجلس على دكانه شاب من أولاد ملوك العجم يقال له علي بن بكار وكان ذلك الشاب مليح القامة ظريف الشكل كامل الصورة مورد الخدين مقرون الحاجبين عذب الكلام ضاحك السن يحب البسط والإنشراح فاتفق لهما كانا جالسين يتحدثان ويضحكان وإذا بعشر جوار كأنهن الأقمار وكل منهن ذات حسن وجمال وقد واعتدال وبينهن صبية راكبة على بغلة بسرج مزركش ، له ركاب من الذهب كما قال فيها الشاعر :
لها بشر مثل الحـرير ومنـطـق ........ رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر
وعينان قال الله كونا فـكـانـتـا ........ فعولان بالألباب ما تفعل الخمـر
فيا حبها زدني جوى كـل لـيلـة ........ ويا سلوة الأحباب موعدك الحشر
فلما وصلوا إلى دكان أبي الحسن نزلت عن البغلة وجلست على دكانه فسلمت عليه وسلم عليها فلما رآها علي بن كار سلبت عقله وأراد القيام فقالت له :
اجلس مكانك كيف تذهب إذا حضرنا هذا ما هو إنصاف ؟
فقال علي بن بكار :
والله يا سيدتي إني هارب مما رأيت وما أحسن قول الشاعر :
هي الشمس مسكنها في السماء ........ فعز الفؤاد عـزاء جـمـيلا
فلن تستطيع إليهـا صـعـوداً ........ ولن تستطـيع إلـيك نـزولا
فلما سمعت ذلك الكلام تبسمت وقالت لأبي الحسن :
ما اسم هذا الفتى ومن أين هو ؟
فقال لها أبي الحسن :
هذا غريب اسمه علي بن بكار بن ملك العجم والغريب يجب إكرامه .
فقالت له :
إذا جاءتك جاريتي فارسله لعندي .
فقال أبو الحسن :
على الرأس .
ثم قامت وتوجهت إلى حال سبيلها .
هذا ما كان من أمرها .
وأما ما كان من أمر علي بن بكار فإنه صار لا يعرف ما يقول وبعد ساعة جاءت الجارية إلى أبي الحسن وقالت :
إن سيدتي تطلبك أنت ورفيقك .
فنهض أبو الحسن وأخذ معه علي بن بكار وتوجها إلى دار هارون الرشيد فأدخلتهما في مقصورة وأجلستهما وإذا بالموائد وضعت قدامهما فأكلا وغسلا أيديهما ، ثم أحضرت لهما الشراب فشربا ، ثم أمرتهما بالقيام فقاما معها وأدخلتهما مقصورة أخرى مركبة على أربعة أعمدة وهي مفروشة بأنواع الفرش مزينة بأحسن الزينة ، كأنها من قصور الجنان اندهشا مما عاينا من التحف .
فبينما هما يتفرجان على هذه الغرائب وإذا بعشر جوار أقبلن وبينهن جارية اسمها شمس النهار كأنها القمر بين النجوم وهي متوحشة تفاضل شعرها وعليها لباس أزرق أزرار من الحرير بطراز من الذهب وفي وسطها حياصة مرصعة بأنواع الجواهر ولم تزل تتبختر حتى جلست على السرير فلما رآها علي بن بكار أنشد هذه الأشعار :
إن هذي هي ابتداء سقـامـي ........ وتمادي وجدي وطول غرامي
عندها قد رأيت نفسـي ذابـت ........ من ولوعي بها وبري عظامي
فلما فرغ من شعره قال لأبي الحسن :
لو عملت معي خيراً كنت أخبرتني بهذه الأمور قبل الدخول هنا لأجل أن أوطن نفسي وأصبرها على ما أصابها .
ثم بكى وأن واشتكى فقال له أبو الحسن :
يا أخي أنا ما أردت لك إلا الخير ولكن خشيت أن أعلمك بذلك فيلحقك من الوجد ما يصدك عن لقائها ويحيل بينك وبين وصالها فطب نفساً وقر عيناً فهي بسعدك مقبلة وللقائك متوصلة .
فقال علي بن بكار :
ما اسم هذه الصبية ؟
فقال أبو الحسن :
تسمى شمس النهار وهي من محاظي أمير المؤمنين هارون الرشيد وهذا المكان قصر الخلافة .
ثم إن شمس النهار جلست وتأملت محاسن علي بن بكار وتأمل هو حسنها واشتغلا بحب بعضهما وقد أمرت الجواري أن تجلس كل واحدة منهن في مكانها على سرير ، فجلست كل واحدة قبال طاقة وأمرتهن بالغناء فتسلمت واحدة منهن العود وأنشدت تقول :
أعد الرسالة ثـانـية ........ وخذ الجواب علانية
وإليك يا ملك الملاح ........ وقفت أشكو حالـيه
مولاي يا قلبي العزيز ........ ويا حياتي الغـالـية
أنعم علي بـقـبـلة ........ هبة وإلا عــارية
وأردها لك لا عدمت ........ بعينها وكمـا هـي
وإذا أردت زيــادة ........ خذها ونفسي راضية
يا ملبسي ثوب الرضا ........ يهنيك ثوب العافـية
فطرب علي بن بكار وقال :
زيديني من مثل هذا الشعر .
فحركت الأوتار وأنشدت هذه الأشعار :
من كثرة البعد يا حبيبـي ........ علمت طول البكا جفوني
يا حظ عيني ومـنـاهـا ........ ومنتهى غايتـي ودينـي
ارث لمن طرفه غـريـق ........ في عبرة الواله الحزين
فلما فرغت من شعرها قالت شمس النهار لجارية غيرها :
أنشدي .
فأطربت بالنغمات وأنشدت هذه الأبيات :
سكرت من لحظه لا من مدامته ........ ومال بالنوم عن عيني تمايلـه
فما السلاف سلتني بل سوالفـه ........ والشمول شلتني بل شمـائلـه
لوى بعزمي أصداغاً لوين لـه ........ وغالى عقلي بما تهوى غلائله
فلما سمعت شمس النهار إنشاد الجاري تنهدت وأعجبها الشعر ثم أمرت جارية أخرى أن تغني فأنشدت هذه الأبيات :
وجه لمصباح السمـاء مباهـي ........ يبدو الشباب عليه رشح مـياه
رقم العدار غلاليتـه بـأحـرف ........ معنى الهوى في طيبها متناهي


نادى عليه الحسن حين لقـيتـه ........ هذا المنمنم في طراز الـلـه
فلما فرغت من شعرها قال علي بن بكار لجارية قريب منه :
أنشدي أنت أيتها الجارية .
فأخذت العود وأنشدت هذه الأبيات :
زمن الوصل يضيق عن ........ هذا التمادي والـدلال
كم من صدود متـلـف ........ ما هكذا أهل الجمـال
فاستغنموا وقت السعود ........ بطيب ساعات الوصال
فلما فرغت من شعرها تنهد علي بن بكار وأرسل دموعه الغزار ، فلما رأته شمس النهار قد بكى وأن واشتكى أحرقها الوجد والغرام وأتلفها الوله والهيام فقامت من فوق السرير وجاءت إلى باب القبة فقام علي بن بكار وتلقاها ووقعا مغشياً عليهما في باب القبة فقمن الجواري إليهما وحملنهما وأدخلنهما القبة ورششن عليهما ماء الورد فلما أفاقا لم يجدا أبا الحسن وكان قد اختفى في جانب سرير فقالت الصبية :
أين أبو الحسن ؟
فنظر لها من جانب السرير فسلمت عليه وقالت له :
أسأل الله أن يقدرني على مكافأتك يا صاحب المعروف .
ثم أقبلت على علي بن بكار وقالت له :
يا سيدي ما بلغ بك الهوى إلى غاية إلا وعندي أمثالها وليس لنا إلا الصبر على ما أصابنا .
فقال علي بن بكار :
والله يا سيدتي جمع شملي بك يطيب ولا ينطفئ إليك ما عندي من اللهيب ولا يذهب ما تمكن من حبك في قلبي إلا بذهاب روحي .
ثم بكى فنزلت دموعه على خده كأنها المطر ، فلما رأته شمس النهار يبكي بكت لبكائه فقال أبو الحسن :
والله إني عجبت من أمركما واحترت من شأنكما فإن حالكما عجيب وأمركما غريب في هذا البكاء وأنتما مجتمعان فكيف يكون الحال بعد انفصالكما ؟
ثم قال لهما :
هذا ليس وقت حزن وبكاء بل هذا وقت سرور وفرح .
فأشارت شمس النهار إلى جارية فقامت وعادت ومعها وصائف حاملات مائدة صحافها من الفضة وفيها أنواع الطعام ، ثم وضعت المائدة قدامها وصارت شمس النهار تأكل وتلقم علي بن بكار حتى اكتفوا ، ثم رفعت المائدة وغسلوا أيديهم وجاءتهم المباخر بأنواع العود وجاءت القماقم بماء الورد فتبخروا وتطيبوا وقدمت لهم أطباق من الذهب المنقوش فيها من أنواع الشراب والفواكه والنقل وما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ، ثم جاءت لهم بطشت من العقيق ملآن من المدام ، فاختارت شمس النهار عشر وصائف أوقفتهن عندها وعشر جوار من المغنيات وصرفت باقي الجواري إلى أماكنهن وأمرت بعض الحاضرات من الجواري أن يضربن العود ففعلن ما أمرت به ، وأنشدت واحدة منهن :
بنفسي من رد التحـية ضاحـكـاً ........ فجدد بعد اليأس في الوصل مطعمي
لقد أبرزت سر الغـرام سرائـري ........ وأظهرت للعذال ما بين أضلـعـي
وحالت دموع العين بينـي وبـينه ........ كأن دموع العين تعشقـه مـعـي
فلما فرغت من شعرها قامت شمس النهار وملأت الكأس وشربته ثم ملأته وأعطته لعلي بن بكار .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه












الليلة الخامسة والثمانين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن شمس النهار ملأت الكأس لعلي بن بكار ، ثم أمرت جارية أن تغني فأنشدت هذين البيتين :
تشابه دمعي إذ جرى ومدامـتـي ........ فمن مثل الكأس عيني تسـكـب
فوالله لا أدري أبالخمر أسلـبـت ........ جفوني أم من أدمعي كنت أشرب
فلما فرغت من شعرها شرب علي بن بكار كأسه ورده إلى شمس النهار فملأته وناولته لأبي الحسن فشربه ثم أخذت العود وقالت :
لا يغني على قدحي غيري .
ثم شدت الأوتار وأنشدت هذه الأشعار :
غرائب الدمع في خديه تضـطرب ........ وجداً ونار الهوى في صدره تتقد
يبكي من القرب خوفاً من تباعدهم ........ فالدمع إن قربوا جار وإن بعدوا
فلما سمع علي بن بكار وأبو الحسن والحاضرون شعر شمس النهار كادوا يطيروا من الطرب ولعبوا وضحكوا ، فبينما هم على هذا الحال إذا بجارية أقبلت وهي ترتعد من الخوف وقالت :
يا سيدتي وصل أمير المؤمنين وهاهو بالباب ومعه عفيف ومسرور وغيرهما .
فلما سمعوا كلام الجارية كادوا أن يهلكوا من الخوف فضحكت شمس النهار وقالت :
لا تخافوا .
ثم قالت للجارية :
ردي عليهم الجواب بقدر ما نتحول من هذا المكان .
ثم إنها أمرت بغلق باب القبة ثم خرجت إلى البستان وجلست على سريرها وأمرت جارية أن تكبس رجليها وأمرت بقية الجواري أن يمضين إلى أماكنهن وأمرت الجارية أن تدع الباب مفتوحاً ليدخل الخليفة فدخل مسرور ومن معه وكانوا عشرون وبأيديهم السيوف فسلموا على شمس النهار ، فقالت لهم :
لأي شيء جئتم ؟
فقالوا :
إن أمير المؤمنين يسلم عليك وقد استوحش لرؤيتك ويخبرك أنه كان عنده اليوم سرور وحظ زائد وأحب أن يكون ختام السرور بوجودك في هذه الساعة ، فهل تأتين عنده أو يأتي عندك ؟
فقامت وقبلت الأرض وقالت :
سمعاً وطاعة لأمير المؤمنين .
ثم أمرت بإحضار القهرمانات والجواري فحضرن وأظهرت لهن أنها مقبلة على ما أمر به الخليفة وكان المكان كاملاً في جميع أموره ثم قالت للخدم :
امضوا إلى أمير المؤمنين واخبروه أنني في انتظاره بعد قليل إلى أن أهيئ له مكاناً بالفرش والأمتعة .
فمضى الخدم مسرعين إلى أمير المؤمنين .
ثم إن شمس النهار قامت ودخلت إلى معشوقها علي بن بكار وضمته إلى صدرها وودعته فبكى بكاءً شديداً وقال :
يا سيدتي هذا الوداع فمتعيني به لعله يكون على تلف نفسي وهلاك روحي في هواك ولكن أسأل الله أن يرزقني الصبر على ما بلاني به من محبتي .
فقالت له شمس النهار :
والله ما يصير في التلف إلا أنا فإنك قد تخرج إلى السوق وتجتمع بمن يسليك فتكون مصوناً وغرامك مكنوناً وأما أنا فسوف أقع في البلاء خصوصاً وقد وعدت الخليفة بميعاد فربما يلحقني من ذلك عظيم الخطر بسبب شوقي إليك وحبي لك وتعشقي فيك وتأسفي على مفارقتك ، فبأي لسان أغني ؟ وبأي قلب أحضر عند الخليفة ؟ وبأي نظر أنظر إلى مكان ما أنت فيه ؟ وكيف أكون في حضرة لم تكن بها ؟ وبأي ذوق أشرب مداماً ما أنت حاضره ؟
فقال لها أبو الحسن :
لا تتحيري واصبري ولا تغفلي عن منادمة أمير المؤمنين هذه الليلة ولا تريه تهاوناً .
فبينما هما في الكلام إذا بجارية قدمت وقالت :
يا سيدتي جاء غلمان أمير المؤمنين .
فنهضت قائمة وقالت للجارية :
خذي أبا الحسن ورفيقه واقصدي بهما أعلى الروشن المطل على البستان ودعيهما هناك إلى الظلام ثم تحيلي في خروجهما .
فأخذتهما وأطلعتهما في الروشن وأغلقت الباب عليهما ومضت إلى حال سبيلها وصارا ينظران إلى البستان ، وإذا بالخليفة قدم وقدامه نحو المائة خادم بأيديهم السيوف وحواليه عشرون جارية كأنهن الأقمار عليهن أفخر ما يكون من الملبوس وعلى رأس كل واحدة تاج مكلل بالجواهر واليواقيت وفي يد كل واحدة شمعة موقودة والخليفة يمشي بينهن وهن محيطات به من كل ناحية ومسرور وعفيف ووصيف قدامه وهو يتمايل بينهم ، فقامت شمس النهار وجميع من عندها من الجواري ولاقينه من البستان وقبلن الأرض بين يديه ولم يزلن سائرات أمامه إلى أن جلس على السرير والذين في البستان من الجواري والخدم وقفوا حوله والشموع موقودة والآلات تضرب إلى أن أمرهم بالإنصراف والجلوس على الأسرة فجلست شمس النهار على السرير بجانب سرير الخليفة وصارت تحدثه ، كل ذلك وأبو الحسن وعلي بن بكار ينظران ويسمعان والخليفة لم يرهما .
ثم إن الخليفة صار يلعب مع شمس النهار ، وأمر بفتح القبة ففتحت وشرعوا طيقانها وأوقدوا الشموع حتى صار المكان وقت الظلام كالنهار ، ثم إن الخدم صاروا ينقلون آلت المشروب فقال أبو الحسن :
إن هذه الآلات والمشروب والتحف ما رأيت مثله وهذا شيء من أصناف الجواهر ما سمعت بمثله وقد خيل لي في المنام وقد اندهش عقلي وخفق قلبي .
وأما علي بن بكار فإنه لما فارقته شمس النهار لم يزل مطروحاً على الأرض من شدة العشق فلما أفاق صار ينظر إلى هذه الفعال التي لا يوجد مثلها فقال لأبي الحسن :
يا أخي أخشى أن ينظرنا الخليفة أو يعلم حالنا وأكثر خوفي عليك وأما أنا فإني أعلم نفسي من الهالكين وما سبب موتي إلا العشق والغرام وفرط الوجد والهيام ونرجو من الله الخلاص مما بلينا .
ولم يزل علي بن بكار وأبو الحسن ينظران من الروشين إلى الخليفة وما هو فيه حتى تكاملت الحضرة بين يدي الخليفة ، ثم إن الخليفة التفت إلى جارية من الجواري وقال :
هات ما عندك يا غرام من السماع المطرب .
فأطربت بالنغمات وأنشدت هذه الأبيات :
وما وجد إعرابية بـان أهلهـا ........ فحنت إلى بان الحجاز ورنده
إذا آنست ركباً تكـفل شوقهـا ........ بنار قراه والدمـوع بـورده
بأعظم من وجدي بحبي وغنما ........ يرى أنني أذنبت ذنبـاً بـوده
فلما سمعت شمس النهار هذا الشعر وقعت مغشياً عليها من فوق الكرسي الذي كانت عليه وغابت عن الوجود فقام الجواري واحتملنها ، فلما نظر علي بن بكار من الروشن وقع مغشياً عليه ، فقال أبو الحسن :
إن القضاء قسم الغرام بينكما بالتسوية .
فبينما هما يتحدثان إذا بالجارية التي أطلعتها الروشن جاءتهما وقالت :
يا أبا الحسن انهض أنت ورفيقك وانزلا فقد ضاقت علينا الدنيا وأنا خائفة أن يظهر أمرنا فقوما في هذه الساعة وإلا متنا .
فقال أبو الحسن :
فكيف ينهض معي هذا الغلام ولا قدرة له على النهوض ؟
فصارت الجارية ترش ماء الورد على وجهه حتى أفاق فحمله أبو الحسن هو والجارية ونزلا به من الروشن ومشيا قليلاً ، ثم فتحت الجارية بيدها فجاء زورق فيه إنسان يقذف فأطلعتهما الجارية في الزورق وقالت للذي في الزورق :
أطلعهما في ذلك البر .
فلما نزلا في الزورق وفارق البستان نظر علي بن بكار إلى القبة والبستان وودعهما بهذين البيتين :
مددت إلى التوديع كفـاً ضـعـيفة ........ وأخرى على الرمضاء تحت فؤادي
فلا كان هذا آخر الـعـهـد بـين ........ ولا كان هـذا الـزاد آخـر زادي
ثم إن الجارية قالت للملاح :
أسرع بهما .
فصار يقذف لأجل السرعة والجارية معهم .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه



الليلة السادسة والثمانين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الملاح صار يقذف والجارية معهم إلى أن قطعوا ذلك الجانب وعدوا إلى البر الثاني ، ثم انصرفت الجارية وودعتهما وطلعا في البر وقالت لهما :
كان قصدي أن لا أفارقكما لكنني لا أقدر أن أسير إلى مكان غير هذا الموضع .
ثم إن الجارية عادت وصار علي بن بكار مطروحاً بين يدي أبي الحسن لا يستطيع النهوض فقال له أبو الحسن :
إن هذا المكان غير أمين ونخشى على أنفسنا من التلف في هذا المكان بسبب اللصوص وأولاد الحرام .
فقام علي بن بكار يتمشى قليلاً وهو لا يستطيع المشي ، وكان أبو الحسن له في ذلك الجانب أصدقاء فقصد من يثق به ويركن إليه منهم فدق بابه فخرج إليه مسرعاً .
فلما رآهما رحب بهما ودخل بهم إلى منزله وأجلسهما وتحدث معهما وسألهما أين كانا فقال أبو الحسن :
قد خرجنا في هذا الوقت وقد أحوجنا إلى هذا الأمر إنسان عاملته في دراهم وبلغني أنه يريد السفر بمالي فخرجت في هذه الليلة وقصدته واستأنست برفيقي هذا علي بن بكار ، وجئنا لعلنا ننظره فتوارى منا ولم نره وعدنا بلا شيء وشق علينا العودة في هذا الليل ولم نر لنا محلاً غير محلك فجئنا إليك على عوائدك الجميلة .
فرحب بهما واجتهد في إكرامهما وأقاما عنده بقية ليلتهما .
فلما أصبح الصباح خرجا من عنده وما زالا يمشيان حتى وصلا إلى المدينة ودخلا وجازا على بيت أبي الحسن فحلف على صاحبه علي بن بكار وأدخله بيته فاضجعا على الفراش قليلاً ، ثم أفاقا فأمر أبو الحسن غلمانه أن يفرشوا البيت فرشاً فاخراً ففعلوا ، ثم إن أبا الحسن قال في نفسه :
لابد أن أؤانس هذا الغلام وأسليه عما هو فيه فإني أدرى بأمره .
ثم إن علي بن بكار لما أفاق استدعى بماء فحضروا له الماء فقام وتوضأ وصلى ما فاته من الفروض في يومه وليلته وصار يسلي نفسه بالكلام .
فلما رأى منه ذلك أبو الحسن تقدم إليه وقال :
على الأليق بما أنت فيه أن تقيم عندي هذه الليلة لينشرح صدرك وينفرج ما بك من كرب الشوق وتتلاهى معنا .
فقال علي بن بكار :
أفعل يا أخي ما بدا لك فإني على كل حال غير ناج مما أصابني فاصنع ما أنت صانع .
فقام أبو الحسن واستدعى غلمانه وأحضر أصحابه وأرسل إلى أرباب المغاني والآلات فحضروا وأقاموا على أكل وشرب وانشراح باقي اليوم إلى المساء ثم أوقدوا الشموع ودارت بينهم كؤوس المنادمة وطاب لهم الوقت فأخذت المغنية العود وجعلت تقول :
رميت من الزمان بسهم لحظ ........ فأضناني وفارقت الحبـائب
وعاندني الزمان وقل صبري ........ وإني قبل هذا كنت حاسب
فلما سمع علي بن بكار كلام المغنية خر مغشياً عليه ولم يزل في غشيته إلى أن طلع الفجر ويئس منه أبو الحسن ولما طلع النهار أفاق وطلب الذهاب إلى بيته فلم يمنعه أبو الحسن خوفاً من عاقبة أمره فاتاه غلمانه ببغلة وأركبوه وصار معه أبو الحسن إلى أن أدخله منزله فلما اطمأن في بيته حمد الله أبو الحسن على خلاصه من هذه الورطة وصار يسليه وهو لا يتمالك نفسه من شدة الغرام ثم إن أبا الحسن ودعه .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





الليلة السابعة والثمانين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن أبا الحسن ودعه ، فقال له علي بن بكار :
يا أخي لا تقطع عني الأخبار .
فقال أبي الحسن :
سمعاً وطاعة .
ثم إن أبا الحسن قام من عنده وأتى إلى دكانه وفتحها فما جلس غير قليل حتى أقبلت إليه الجارية وسلمت فرد عليها السلام ونظر إليها فوجدها خافقة القلب يظهر عليها أثر الكآبة ، فقال لها :
أهلاً وسهلاً كيف حال شمس النهار ؟
فقالت الجارية :
سوف أخبرك بحالها ، كيف حال علي بن بكار ؟
فأخبرها أبو الحسن بجميع ما كان من أمره فتأسفت وتأوهت وتعجبت من ذلك الأمر ثم قالت :
إن حال سيدتي أعجب من ذلك ، لما توجهتم رجعت وقلبي يخفق عليكم وما صدقت بنجاتكم فلما رجعت وجدت سيتي مطروحة في القبة ، لا تتكلم ولا ترد على احد وأمير المؤمنين جالس عند رأسها لا يجد من يخبره بخبرها ولم يعلم ما بها ولم تزل في غشيتها إلى نصف الليل ثم أفاقت ، فقال لها أمير المؤمنين :
ما الذي أصابك يا شمس النهار ؟ وما الذي اعتراك في هذه الليلة ؟
فلما سمعت شمس النهار كلام الخليفة قبلت أقدامه وقالت له :
يا أمير المؤمنين جعلني الله فداءك إنه خامرني خلط ، فأضرم النار في جسدي فوقعت مغشياً علي من شدة ما بي ولا اعلم كيف كان حالي .
فقال لها الخليفة :
ما الذي استعملتيه في نهارك ؟
قالت شمس النهار :
أفطرت على شيء لم آكله قط ثم أظهرت القوة واستدعيت بشيء من الشراب فشربته .
وسألت أمير المؤمنين أن يعود إلى انشراحه فعاد إلى الجلوس في القبة فلما جئت إليها سألتني بما فعلت معكما وأخبرتها بما أنشده علي بن بكار فسكتت ، ثم إن أمير المؤمنين جلس وأمر الجارية بالغناء فأنشدت هذين البيتين :
ولم يصف لي شيء من العيش بعدكم ........ فياليت شعري كيف حالكم بعدي
يحق لدمعي أن يكون مـن الـدمـا ........ إذا كنتم تبكون دمعاً على بعدي
فلما سمعت هذا الشعر وقعت مغشياً عليها .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه






الليلة الثامنة والثمانين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية قالت لأبي الحسن :
إن سيدتي لما سمعت هذا الشعر وقعت مغشياً عليها فأمسكت يدها ورششت ماء الورد على وجهها فأفاقت ، فقلت لها :
يا سيدتي لا تهتكي نفسك ومن يحويه قصرك بحياة محبوبك أن تصبري .
فقالت لي :
هل في الأمر أكثر من الموت ؟ فأنا أطلبه لأن فيه راحتي .
فبينما نحن في هذا القول إذ غنت جارية بقول الشاعر :
وقالوا لعل الصبر يعقب راحـة ........ فقلت وأين الصبر بعد فراقه
وقد أكيد الميثاق بيني وبـينـه ........ نقطع حبال الصبر عند عناقه
فلما فرغت من الشعر وقعت مغشياً عليها فنظرها الخليفة فأتى مسرعاً إليها وأمر برفع الشراب وأن تعود كل جارية إلى مقصورتها وأقام عندها باقي ليلته إلى أن أصبح الصباح فاستدعى الأطباء وأمرهم بمعالجتها ولم يعلم بما هي فيه من العشق والغرام وأقمت عندها حتى ظننت أنها قد انصلح حالها وهذا الذي عاقبي عن المجيء إليكما وقد خلفت عندها جماعة من خواصها لما أمرتني بالمسير إليكما لآخذ خبر علي بن بكار وأعود إليها .
فلما سمع أبو الحسن كلامها تعجب وقال لها :
والله أخبرتك بجميع ما كان من أمره فعودي إلى سيدتك وسلمي عليها وحثيها على الصبر وقولي لها اكتمي السر وأخبريها أني عرفت أمرها وهو أمر صعب يحتاج إلى التدبير .
فشكرته الجارية ثم ودعته وانصرفت إلى سيدتها .
هذا ما كان من أمرها .
وأما ما كان من أمر أبي الحسن فإنه لم يزل في دكانه إلى آخر النهار فلما مضى النهار قام وقفل دكانه وأتى إلى دار علي بن بكار فدق الباب فخرج له بعض غلمانه وأدخله فلما دخل عليه تبسم واستبشر بقدومه وقال له :
يا أبا الحسن أوحشتني لتخلفك عني في هذا اليوم وروحي متعلقة بك باقي عمري .
فقال له أبو الحسن :
دع هذا الكلام فلو أمكن فداءك كنت أفديك بروحي وفي هذا اليوم جاءت جارية شمس النهار وأخبرتني أنه ما أعاقها عن المجيء إلا جلوس الخليفة عند سيدتها وأخبرتني بما كان من أمر سيدتها .
وحكى له جميع ما سمعه من الجارية فتأسف علي بن بكار غاية الأسف وبكى ثم التفت إلى أبي الحسن وقال له :
بالله أن تساعدني على ما بليت به وأخبرني ماذا تكون الحيلة ؟ وإني أسألك من فضلك المبيت عندي في هذه الليلة لأستانس بك .
فامتثل أبو الحسن لأمره وأجابه إلى المبيت عنده ، وباتا يتحدثان في تلك الليلة ، ثم إن علي بن بكار بكى وأرسل العبرات وأنشد هذه الأبيات :
غفرت بسيف اللحظ ذمة مغفري ........ وفرت برمح القد درع تصبري
وجعلت لنا من تحت مسكة خالها ........ كافور فجر شق ليل العنبـري
فزعت فضرست العقيق بلؤلـؤ ........ سكنت فرائده غدير الـسـكـر
وتنهدت جزعاً فأثـر كـفـهـا ........ في صدرها فنظرت ما لم أنظر
أقلام مرجان كتبين تـعـتـبـر ........ بصحيفة البلور خمسة أسطـر
يا حامل السيف الصقيل إذا رنت ........ إياك ضربة جفنها المتكـسـر
وتوق يا رب القناة الطـعـن إن ........ حملت عليك من القوم بأسمـر
فلما فرغ علي بن بكار من شعره صرخ صرخة عظيمة ووقع مغشياً عليه فظن أبو الحسن أن روحه خرجت من جسده ولم يزل في غشيته حتى طلع النهار فأفاق وتحدث مع أبي الحسن ولم يزل أبو الحسن جالساً عند علي بن بكار إلى صحوة النهار ، ثم انصرف من عنده وجاء إلى دكانه وفتحها وإذا بالجارية جاءته ووقفت عنده ، فلما نظر إليها أومأت إليه بالسلام فرد عليها السلام وبلغته سلام سيدتها وقالت له :
كيف حال علي بن بكار ؟
فقال لها أبي الحسن :
يا جارية لا تسألي عن حاله وما هو فيه من شدة الغرام فإنه لا ينام الليل ولا يستريح النهار وقد أنحله السهر وغلب عليه الضجر وصار في حال لا يسر حبيب .
فقالت له الجارية :
إن سيدتي تسلم عليك وقد كتبت له ورقة وهي في حال أعظم من حاله وقد سلمتني الورقة ، وقالت :
لا تأتيني إلا بجوابها وافعلي ما أمرتك به وها هي الورقة معي فهل لك أن تسير معي إلى علي بن بكار ، وتأخذ منه الجواب ؟
فقال لها أبو الحسن :
سمعاً وطاعة .
ثم قفل الدكان وأخذ معه الجارية وذهب بها إلى مكان غير الذي جاء منه ولم يزالا سائرين حتى وصلا إلى دار علي بن بكار ، ثم أوقف الجارية على الباب ودخل .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه









الليلة التاسعة والثمانين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن أبا الحسن ذهب بالجارية ودخل البيت فلما رآه علي بن بكار فرح به فقال له أبو الحسن :
سبب مجيئي أن فلاناً أرسل إليك جاريته برقعة تتضمن سلامه وذكر فيها أن سبب تأخره عنك عذر حصل له ، والجارية واقفة بالباب فهل تأذن لها بالدخول ؟
فقال علي بن بكار :
أدخلوها .
وأشار له أبو الحسن إنها جارية شمس النهار ففهم الإشارة ، فلما رآها تحرك وفرح وقال لها بالإشارة :
كيف حال السيدة شفاها الله وعافاها ؟
فقالت الجارية :
بخير .
ثم أخرجت الورقة ودفعتها له فأخذها وقبلها وناولها لأبي الحسن فوجد مكتوباً فيها هذه الأبيات :
ينبئك هذا الرسول عن خبـري ........ فاستغن في ذكره عن النظـر
خلقت صباً بحـبـكـم دنـفـاً ........ وطرفه لا يزال بالـسـهـر
أكابد الصبر في البلاء فـمـا ........ قلبي حلق مواقـع الـقـدر
فقر عيناً فلست تبـعـد عـن ........ قلبي ولا يوم غبت عن بصري
وانظر إلى جسمك النحيل وما ........ قد حله واسـتـدل بـالأثـر
وبعد فقد كتبت لك كتاباً بغير بيان وأطلقت لك بغير لسان وجملت شرح حالي أن لي عيناً لا يفارقها السهر وقلباً لا تبرح عنه الفكر فكأنني قط ما عرفت صحة ولا فرحة ولا رأيت منظراً باهياً ولا قطعت عيشاً هنياً ، وكأنني خلقت من الصبابة ولم ألم الوجد والكآبة فعلى السقام مترادف والغرام متضاعف والشوق متكاسر وصوت كما قال الشاعر :
القلب منقبض والفكر منبسـط ........ والعين ساهرة والجسم متعوب
والصبر منفصل والهجر متصل ........ والعقل مختبل والقلب مسلوب
واعلم أن الشكوى لا تطفئ نار البلوى لكنها تتعلل من أعله الإشتياق وأتفله الفراق وغني اتسلى بذكر نفط الوصال وما أحسن قول من قال :
إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضا ........ فأين حلاوات الرسائل والكـتـب
قال أبو الحسن :
فلما قرأناها هيجت ألفاظي بلابلي وأصابت معانيها مقاتلي ثم دفعتها إلى الجارية فلما اخذتها قال لها علي بن بكار :
أبلغي سيدتك سلامي وعرفيها بوجدي وغرامي وامتزاج المحبة بلحمي وعظامي واخبريها أنني محتاج إلى من ينقذني من بحر الهلاك وينجيني من هذا الارتباك .
ثم بكى فبكت الجارية لبكائه وودعته وخرجت من عنده وخرج أبو الحسن معها ، ثم ودعها ومضى إلى دكانه .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





الليلة التسعين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن أبا الحسن ودع الجارية ورجع إلى دكانه فلما جلس فيه وجد قلبه انقبض وضاق صدره وتحير في أمره ولم يزل في فكر بقية يومه وليلته وفي اليوم الثاني ذهب إلى علي بن بكار وجلس عنده حتى ذهبت الناس وسأله عن حاله فأخذ في شكوى الغرام وما به من الوجد والهيام وأنشد يقول :
شكا ألم الغرام الناس قبلـي ........ وروع بالنوى حي ومـيت
واما مثل ما ضمت ضلوعي ........ فإني لا سمعـت ولا رأيت
فقال أبو الحسن :
أنا ما رأيت ولا سمعت بمثلك في محبتك كيف يكون هذا الوجد وضعف الحركة ، وقد تعلقت بحبيب موافق فكيف إذا تعلقت بحبيب مخالف مخادع فكان أمرك ينكشف ؟
فركن علي بن بكار إلى كلامه وشكره على ذلك .
وكان أبو الحسن له صاحب يطلع على أمره وأمر علي بن بكار ويعلم أنهم متوافقان ولم يعلم أحد ما بينهم غيره وكان يأتيه فيسأله عن حال علي بن بكار وبعد قليل يسأله عن الجارية فقال أبو الحسن له :
قد دعته إليها ، وكان بينه وبينها ما لا مزيد عليه وهذا آخر ما انتهى من أمرهما ولكن دبرت لنفسي أمر أريد عرضه عليك .
فقال له صاحبه :
ما هو ؟
قال أبو الحسن :
اعلم أني رجل معروف بكثرة المعاملات بين الرجال والنساء وأخشى أن ينكشف أمرهما فيكون سبباً لهلاكي وأخذ مالي وهتك عيالي وقد اقتضى رأيي أن أجمع مالي وأجهز حالي وأتوجه إلى مدينة البصرة وأقيم بها حتى أنظر ما يكون من أحوالهما بحيث لا يشعر بي أحد فإن المحبة قد تمكنت منهما ودارت المراسلة بينهما ، والحال أن الرسول بينهما جارية وهي كاتمة لأسرارهما وأخشى أن يغلب عليها الضجر فتبوح بسرهما لأحد فيشيع خبرهما ويؤدي ذلك إلى هلاكي ويكون سبباً لتلفي وليس لي عذر عند الناس .
فقال له صاحبه :
قد أخبرتني بخبر خطير يخاف من مثله العاقل الخبير كفاك الله شر ما تخافه وتخشاه ونجاك مما عقباه وهذا الرأي هو الصواب .
فانصرف أبو الحسن إلى منزله وصار يقضي مصالحه ويتجهز للسفر إلى البصرة ، وقد قضى مصالحه وسافر إلى البصرة فجاء صاحبه بعد ثلاثة أيام ليزوره فلم يجده فسأل عنه جيرانه فقالوا له :
إنه توجه من مدة ثلاثة أيام إلى البصرة لأن له معاملة عند تجارها فذهب ليطالب أرباب الديون وعن قريب يأتي .
فاحتار الرجل في أمره وصار لا يدري أين يذهب وقال :
يا ليتني لم أفارق أبا الحسن .
ثم دبر حيلة يتوصل بها إلى علي بن بكار فقصد داره وقال لبعض غلمانه :
استأذن لي سيدك لأدخل أسلم عليه .
فدخل الغلام واخبر سيده به ثم عاد إليه وأذن له بالدخول فدخل عليه فوجده ملقى على الوسادة فسلم عليه فرد عليه السلام ورحب .
ثم إن الرجل اعتذر إليه في تخلفه عنه تلك المدة ، ثم قال له :
يا سيدي إن بيني وبينك وبين أبي الحسن صداقة وإني كنت أودعه أسراري ولا أنقطع عنه ساعة فغبت في بعض المصالح مع جماعة من أصحابي مدة ثلاثة أيام ثم جئت إليه فوجدت دكانه مقفلة فسألت عنه الجيران فقالوا :
إنه توجه إلى البصرة ولم أعلم له صديقاً أوفى منك، فبالله أن تخبرني بخبره .
فلما سمع علي بن بكار بكلامه تغير لونه واضطرب وقال :
لم أسمع قبل هذا اليوم خبر سفره وإن كان الأمر كما ذكرت فقد حصل لي التعب .
ثم أفاض دمع العين وأنشد هذين البيتين :
قد كنت أبكي على ما فات مني من فرح ........ وأهل ودي جميعاً غـير أشتات
واليوم فـرق مـا بـيني وبـينـهم ........ دهري فأبكي على أهل المودات
ثم إن علي بن بكار أطرق رأسه إلى الأرض يتفكر وبعد ساعة رفع رأسه إلى خادم له وقال له :
امض إلى دار أبي الحسن واسأل عنه هل هو مقيم أم مسافر ؟ فإن قالوا :
سافر فاسأل إلى أي ناحية توجه ؟
فمضى الغلام وغاب ساعة ثم أقبل إلى سيده وقال :
إني لما سألت عن أبي الحسن أخبرني أتباعه أنه مسافر إلى البصرة ولكن وجدت جارية واقفة على الباب فلما رأتني عرفتني ولم أعرفها وقالت لي :
هل أنت غلام علي بن بكار ؟
فقلت لها :
نعم .
فقالت :
إني معي رسالة إليه من عند أعز الناس عليه فجاءت معي وهي واقفة على الباب .
فقال علي بن بكار :
أدخلها .
فطلع الغلام إليها وأدخلها فنظر الرجل الذي عند علي بن بكار إلى الجارية فوجدها ظريفة ثم إن الجارية تقدمت إلى علي بن بكار وسلمت عليه .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه
حمودي2009 غير متصل  
قديم 02-08-2009, 10:19 PM   #18 (permalink)
حمودي2009
رومانسي مجتهد
 
الصورة الرمزية حمودي2009
 
الليلة الحادية والتسعين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية لما دخلت على علي بن بكار تقدمت إليه وسلمت عليه وتحدثت معه سراً وصار يقسم في أثناء الكلام ويحلف أنه لم يتكلم بذلك ، ثم ودعته وانصرفت وكان الرجل صاحب أبي الحسن جواهرجياً فلما انصرفت الجارية وجد للكلام محلاً فقال لعلي بن بكار :
لا شك ولا ريب لدار الخلافة عليك مطالبة أو بينك وبينها معاملة .
فقال علي بن بكار :
ومن أعلمك بذلك ؟
فقال صاحب أبو الحسن :
معرفتي بهذه الجارية لأنها جارية شمس النهار وكانت جاءتني من مدة برقعة مكتوب فيها أنها تشتهي عقد جواهر فأرسلت لها عقداً ثميناً .
فلما سمع علي بن بكار كلامه اضطرب حتى غشي عليه ثم عاد إلى نفسه وقال :
يا أخي سألتك بالله من أين تعرفها ؟
فقال له الجواهرجي :
دع الإلحاح في السؤال .
فقال له علي بن بكار :
لا أرجع عنك إلا إذا أخبرتني بالصحيح .
فقال له الجواهرجي :
أنا أخبرك بحيث لا يدخلك مني وهم ولا يعتريك من كلامي انقباض ولا أخفي عنك سراً وأبين لك حقيقة الأمر ولكن بشرط أن تخبرني بحقيقة حالك وسبب مرضك .
فأخبره بخبره ثم قال :
والله يا أخي ما حملني على كتمان أمري من غيرك إلا مخافة أن الناس تكشف أستار بعضها .
فقال الجواهرجي لعلي بن بكار :
وأنا ما أردت اجتماعي بك إلا لشدة محبتي لك وغيرتي عليك وشفقتي على قلبك من ألم الفراق عسى أن أكون لك مؤنساً نيابة عن صديقي أبو الحسن مدة غيبته فطب نفساً وقر عيناً .
فشكره علي بن بكار على ذلك وأنشد هذين البيتين :
ولو قلت أني صابر بعـد بـعـده ........ لكذبني دموعي وفرط نـحـيبـي
وكـيف أداري مدمعـاً جـريانـه ........ على صحن خدي من فراق حبيبي
ثم إن علي بن بكار سكت ساعة من الزمان وبعد ذلك قال للجواهرجي :
أتدري ما أمرتني به الجارية ؟
فقال الجواهرجي :
لا والله يا سيدي .
فقال علي بن بكار :
إنها زعمت أني أشرت على أبي الحسن بالمسير إلى مدينة البصرة وإنني دبرت بذلك حيلة لأجل عدم المراسلة والمواصلة فحلفت لها أن ذلك لم يكن فلم تصدقني ومضت إلى سيدتها وهي على ما هي عليه من سوء الظن لأنها كانت تصغي إلى أبي الحسن .
فقال الجواهرجي : يا أخي إني فهمت من حال هذه الجارية هذا الأمر ولكن إن شاء الله تعالى أكون عوناً لك على مرادك .
فقال له علي بن بكار :
وكيف تعمل معها وهي تنفر كوحش الفلاة ؟
فقال له الجواهرجي :
لابد أن أبذل جهدي في مساعدتك واحتيالي في التوصل إليها من غير كشف ستر ولا مضرة .
ثم استأذن في الإنصراف فقال له علي بن بكار :
يا أخي عليك بكتمان السر .
ثم نظر إليه وبكى فودعه وانصرف .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه








الليلة الثانية والتسعين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الجواهرجي ودعه وانصرف وهو لا يدري كيف يعمل في إسعاف علي بن بكار ومازال ماشياً وهو متفكر في أمره إذ رأى ورقة مطروحة في الطريق فأخذها ونظر عنوانها وقرأها فإذا هي من المحب الأصغر إلى الحبيب الأكبر ففتح الورقة فرأى مكتوباً فيها هذين البيتين :
جاء الرسول بوصل منك يطمعني ........ وكـان أكثر ظني أنـه وهـمـا
فما فرحت ولكن زادني حـزنـاً ........ علمي بأن رسولي لم يمن فهمـا
وبعد فاعلم يا سيدي أنني لم أدر ما سبب قطع المراسلة بيني وبينك فإن يكن صدر منك الجفاء فأنا أقابله بالوفاء وإن يكن ذهب منك الوداد فانا أحفظ الود على البعاد كما يقول الشاعر :
به أحتمل وأستطل أصبر وعزاهن ........ وول أقبل وقل اسمع ومر اطلع
فلما قرآها إذا بالجارية أقبلت تتلفت يميناً وشمالاً فرأت الورقة في يده فقالت :
إن هذه الورقة وقعت مني .
فلم يرد عليها جواباً ومشى ومشت الجارية خلفه إلى أن أقبل على داره ودخل والجارية خلفه فقالت له :
يا سيدي رد لي هذه الورقة فإنها سقطت مني .
فالتفت إليها وقال :
يا جارية لا تخافي ولا تحزني ولكن أخبريني الصدق فإني كتوم للأسرار وأحلفك يميناً أنك لا تخفي عني شيئاً من أمر سيدتك فعسى الله أن يعينني على قضاء أغراضك ويسهل الأمور الصعاب على يدي .
فلما سمعت الجارية كلامه قالت :
يا سيدي ما ضاع سر أنت حافظه ولا خاب أمر أنت تسعى في قضائه ، اعلم أن قلبي مال إليك فانا أخبرك بحقيقة الأمر لتعطيني الورقة .
ثم أخبرته بالخبر كله وقالت :
والله على ما أقول شهيد .
فقال لها الجواهرجي :
صدقت فإن عندي علم بأصل الخبر .
ثم حدثها بحديث علي بن بكار وكيف أخذ ضميره وأخبرها بالخبر من أوله إلى آخره .
فلما سمعت ذلك فرحت واتفقا على أنها تأخذ الورقة وتعطيها لعلي بن بكار وجميع ما يحصل ترجع إليه وتخبره به فأعطاها الورقة فأخذتها وختمتها كما كانت وقالت :
إن سيدتي شمس النهار أعطتها إلي مختومة فإذا قرأها ورد جوابها أتيتك به .
ثم إن الجارية ودعته وتوجهت إلى علي بن بكار فوجدته في انتظار فأعطته الورقة وقرأها ثم كتب لها ورقة رد للجواب وأعطاها لها فأخذتها ورجعت بها إلى الجواهرجي حسب الإتفاق ففض ختمها وقرأها فرأى مكتوباً فيها :
إن الرسول الذي كانت رسائلـنـا ........ مكتومة عنده ضاقت وقد غضبـا
فاستخلصوا لي رسولاً منكم ثـقة ........ يستحسن الصدق لا يستحسن الكذبا
وبعد فإني لم يصدر مني جفاء ولا تركت وفاء ولا نقضت عهداً ولا قطعت وداً ولا فارقت أسفاً ولا لقيت بعد الفراق إلا تلفاً ولا علمت أصلاً بما ذكرتم ولا أحب غير ما أحببتم وحق عالم السر والنجوى وما قصدي غير الإجتماع بمن أهوى وشأني كتمان الغرام وإن أمرضني السقام وهذا شرح حالي والسلام .
فلما قرأ الجواهرجي هذه الورقة وعرف ما فيها بكى بكاءً شديداً ثم إن الجارية قالت له :
لا تخرج من هذا المكان حتى أعود إليك لأنه قد اتهمني بأمر من الأمور وهو معذور وأنا أريد أن أجمع بينك وبين سيدتي شمس النهار بأي حيلة فإني تركتها مطروحة وهي تنتظر مني رد الجواب .
ثم إن الجارية مضت إلى سيدتها ولم تغب إلا قليلاً وعادت إلى الجواهرجي وقالت له :
احذر أن يكون عندك جارية أو غلام ؟
فقال الجواهرجي :
ما عندي غير جارية سوداء كبيرة السن تخدمني .
فقامت الجارية وأغلقت الأبواب بين جارية الجواهرجي وبينه وصرفت غلمانه إلى خارج الدار ثم خرجت الجارية وعادت ومعها جارية خلفها ودخلت دار الجواهرجي فعبقت الدار من الطيب فلما رآها الجواهرجي نهض قائماً ووضع لها مخدة وجلس بين يديها فمكثت ساعة لا تتكلم حتى استراحت ثم كشفت وجهها فخيل للجواهرجي أن الشمس أشرقت في منزله ثم قالت لجارتها :
هذا الرجل الذي قلت لي عليه ؟
فقالت الجارية :
نعم .
فالتفتت إلى الجواهرجي وقالت له :
كيف حالك ؟
قال الجواهرجي :
بخير .
ودعا لها ، فقالت :
إنك حملتنا المسير إليك وإن نطلعك على ما يكون من سرنا .
ثم سألته عن أهله وعياله فأخبرها بجميع أحواله وقال لها :
إن لي داراً غير هذه الدار جعلتها للإجتماع بالأصحاب والأخوان ليس لي فيها إلا ما ذكرته لجاريتك .
ثم سألته عن كيفية اطلاعه على أصل القصة فاخبرها بما سألته عنه من أول الأمر إلى آخره فتأوهت على فراق أبو الحسن وقالت :
يا فلان اعلم أن أرواح الناس متلائمة في الشهوات والناس بالناس ولا يتم عمل إلا بقول ، ولا يتم غرض إلا بمعين ، ولا تحصل راحة إلا بعد تعب .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





الليلة الثالثة والتسعين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن شمس النهار قالت للجواهرجي :
لا تحصل راحة إلا من بعد تعب ولا يظهر نجاح إلا من ذوي مروءة ، وقد أطلعتك الآن على أمرنا وصار بيدك هتكناً ولا زيادة لما أنت عليه من المروءة ، فأنت قد علمت إن جاريتي هذه كاتمة لسري وبسبب ذلك لها رتبة عظيمة عندي وقد اختصصتها بمهمات أموري فلا يكن عندك أعز منها وأطلعها على أمرك وطب نفساً فأنت آمن مما تخافه من جهتنا ومما يسد عليك موضع إلا وتفتحه لك وهي تأتيك من عندي بأخبار علي بن بكار وتكون أنت الواسطة في التبليغ بيني وبينه .
ثم إن شمس النهار قامت وهي لا تستطيع القيام ومشت فتمشى بين يديها الجواهرجي حتى وصلت إلى باب الدار ، ثم رجع وقعد في موضعه بعد أن نظر من حسنها ما بهره وسمع من كلامها ما حير عقله وشاهد من ظرفها وأدبها ما أدهشه ، ثم استمر يتفكر في شمائلها حتى سكنت نفسه وطلب الطعام فأكل ما يمسك رمقه ، ثم غير ثيابه وخرج من داره وتوجه إلى علي بن بكار غلمانه ومشوا بين يديه إلى أن وصلوا إلى سيدهم فوجدوه ملقى على فراشه .
فلما رأى الجواهرجي قال له :
أبطأت علي فزدتني هماً على همي .
ثم صرف غلمانه وأمر بغلق أبوابه وقال له :
والله ما غمضت عيني من يوم ما فارقتني فإن الجارية جاءتني بالأمس ومعها رقعة مختومة من عند سيدتها شمس النهار .
وحكى له علي بن بكار على جميع ما وقع له معها وقال :
لقد تحيرت في أمري وقل صبري وكان لي أبو الحسن أنيساً لأنه يعرف الجارية .
فلما سمع الجواهرجي كلام ابن بكار ضحك فقال له :
تضحك من كلامي وقد استبشرت بك واتخذتك عدة للنائبات ؟
ثم بكى وأنشد هذه الأبيات :
وضاح من بكائي حين أبصرنـي ........ لو كان قاسى الذي قاسيت أبكاه
لم يرث للمبتلي ممـا يكـابـده ........ إلا شبح منه قد طـال بـلـواه
وجدي حنيني أنيني فكرتي ولهي ........ إلى حبيب زوايا القلب مـأواه
حل الفؤاد مقيمـاً لا يفـارقـه ........ وقتاً ولكنه ضعيف قد عز لقياه
ما لي سواه خليل أرتضي بـدلاً ........ وما اصطفيت حبيباً قط إلا هو
فلما سمع الجواهرجي منه هذا الكلام وفهم الشعر والنظام بكى لبكائه وأخبره بما جرى مع الجارية من حين فارقه فصار ابن بكار يصغي إلى كلامه وكلما سمع منه كلمة يتغير لون وجهه من صفرة إلى احمرار ويقوى جسمه مرة ويضعف أخرى ، فلما انتهى إلى آخر الكلام بكى ابن بكار وقال له :
يا أخي أنا على كل حال هالك فليت أجلي قريب وأسألك من فضلك أن تكون ملاطفي في جميع أموري إلى أن يقضي الله ما يريد وأنا لا أخالف لك قولاً .
فقال الجواهرجي : لا يطفئ عنك هذه النار إلا الإجتماع بمن شغفت بها ولكن في غير هذا المكان وإنما يكون ذلك عندي في بيت جنب بيتي الذي جاءتني فيه الجارية هي وسيدتها وهو الموضع الذي اختارته لنفسها والمقصود اجتماعكما ببعضكما وفيه تشكوان لبعضكما ما قاسيتما .
فقال علي بن بكار :
افعل ما تريد والذي تراه هو الصواب .
فأقام الجواهرجي عنده تلك الليلة يسامره إلى أن أصبح الصباح ، ثم صلى الصبح وخرج من عنده وذهب إلى منزله فما استقر إلا قليلاً وجاءت الجارية وسلمت عليه فرد عليها السلام وحدثها بما كان بينه وبين علي بن بكار ، فقالت الجارية :
اعلم أن الخليفة توجه من عندنا وإن مجلسنا لا أحد فيه وهو أستر لنا وأحسن .
فقال لها الجواهرجي :
كلامك صحيح ولكنه ليس كمنزلي هذا .
فقالت الجارية :
إن الرأي ما تراه أنت ، وأنا ذاهبة إلى سيدتي لأخبرها بما ذكرت وأعرض عليها ما قلت .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه




الليلة الرابعة والتسعين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية قالت للجواهرجي :
إن الرأي ما تراه أنت ، وأنا ذاهبة إلى سيدتي لأخبرها بما ذكرت وأعرض عليها ما قلت .
ثم إن الجارية توجهت إلى سيدتها وعرضت عليها الكلام وعادت إلى منزل الجواهرجي وقالت له :
إن سيدتي رضيت بما قلته .
ثم إن الجارية أخرجت من جيبها كيساً فيه دنانير وقالت له :
إن سيدتي تسلم عليك وتقول لك : خذ هذا واقض لنا ما نحتاج إليه .
فأقسم الجواهرجي أنه لا يصرف شيئاً منه فأخذته الجارية وعادت إلى سيدتها وقالت لها :
إنه ما قبل الدنانير بل دفعها إلي .
وبعد رواح الجارية ذهب الجواهرجي إلى داره الثانية وحول إليها من الآلات والفرش ما يحتاج إليه الحال ونقل إليها أواني الفضة والصيني وهيأ جميع ما يحتاجوا إليه من المآكل والمشرب .
فلما حضرت الجارية ونظرت ما فعله أعجبها وأمرته بإحضار علي بن بكار فقال لها :
ما يحضر به إلا أنت .
فذهبت إليه وأحضرته على أتم حال وقد راقت محاسنه فلما جاء قابله الجواهرجي ورحب به وأجلسه على مرتبة تصلح له ووضع بين يديه شيئاً من المشموم في بعض الأواني الصيني والبلور وصار يتحدث معه ساعة من الزمان ، ثم إن الجارية مضت وغابت إلى بعد صلاة المغرب ثم عادت ومعها شمس النهار ووصيفتان لا غير فلما رأت علي بن بكار ورآها سقطا على الأرض مغشياً عليهما واستمرا ساعة زمنية فلما أفاقا أقبلا على بعضهما ثم جلسا يتحدثان بكلام رقيق وبعد استعملا شيئاً من الطيب ثم إنهما صارا يشكران الجواهرجي على صنيعه معهما ، فقال لهما :
هل لكما في شيء من الطعام ؟
فقالا :
نعم .
فأحضر شيئاً من الطعام فأكلا حتى اكتفيا ثم غسلا أيديهما ثم نقلهما إلى مجلس آخر وأحضر لهما الشراب فشربا وسكرا ومالا على بعضهما ، ثم إن شمس النهار قالت له :
يا سيدي كمل جميلك واحضر لنا عوداً أو شيئاً من آلات الملاهي حتى أننا نكمل حظنا في هذه الساعة .
فقال الجواهرجي :
على رأسي وعيني .
ثم إنه قام وأحضر عوداً فأخذته وأصلحته ثم إنها وضعته في حجرها وضربت عليه جميلاً ثم أنشدت هذين البيتين :
أرقت حتى كأني أعشق الأرقـا ........ وذبت حتى تراءى السقم لي خلقا
وفاض دمعي على خدي فأحرقه ........ يا ليت شعري هل بعد الفراق لقا
ثم إنها أخذت في غناء الأشعار حتى حيرت الأفكار بأصوات مختلفات وإشارات رائقات وكاد المجلس أن يصح من شدة الطرب لما أتت فيه من مغانيها بالعجب ،
ولما استقر بهم الجلوس ودارت بينهم الكؤوس أطربت الجارية بالنغمات وأنشدت هذه الأبيات :
وعد الحبيب بوصله ووفى لـي ........ في ليلة ساعدها بـلـيالـي
يا ليلة سمح الزمان لنا بـهـا ........ في غفلة الواشين والعـذال
بات الحبيب يضمـني بيمينـه ........ فضممته من فرحي بشمالي
عانقته ورشفت خـمرة ريقـه ........ وحظيت بالمعسول والعسال
ثم إن الجواهرجي تركهما في تلك الدار وانصرف إلى دار سكناه وبات فيها إلى الصباح ، ولما أصبح الصبح صلى فرضه وشرب القهوة وجلس يفكر في المسير إليهما في داره الثانية ، فبينما هو جالس إذ دخل عليه جاره وهو مرعوب وقال :
يا أخي ما هان علي الذي جرى لك الليلة في دارك الثانية .
فقال الجواهرجي :
يا أخي وأي شيء جرى في داري ؟
فقال له :
إن اللصوص قد رأوك بالأمس وأنت تنقل حوائجك إلى دارك الثانية فجاؤا إليها ليلاً وأخذوا ما عندك .
وقد حضر الجواهرجي لداره تلك فوجدها خالية من الأثاث ، ولا أثر لعلي بن بكار وشمس النهار ولا لوصيفتيها ، فدهش لذلك وبعد فترة وجيزة جاءه شخص لا يعرفه فقال له :
إذا كنت تريد إعادة أغراضك إليك فسر معي ولا تتكلم بشيء .
فسار معه فأخذه لعند رفاقه الذين قالوا له :
أطلعنا على خبرك ولا تكذب في شيء .
فقال لهم :
اعلموا إن حالي عجيب وأمري غريب فهل عندكم شيء من خبري ؟
فقالوا :
نعم نحن الذين أخذنا أمتعتك في الليلة الماضية وأخذنا صديقك والتي كانت تغني .
فقال لهم :
أسبل الله عليكم ستره ، أين صديقي هو والتي كانت تغني ؟
فأشاروا إليه بأيديهم إلى ناحية وقالوا :
هاهنا ولكن يا أخي ما ظهر على سرهما أحد منا ومن حين أتينا بهما لم نجتمع عليهما ولم نسألهما عن حالهما لما رأينا عليهما من الهيبة والوقار وهذا هو الذي منعنا عن قتلهما فأخبرنا عن حقيقة أمرهما وأنت في أمان على نفسك وعليهما .
فلما سمع الجواهرجي هذا الكلام .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه






الليلة الخامسة والتسعين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الجواهرجي لما سمع هذا الكلام كاد يهلك من الخوف والفزع وقال لهم :
اعلموا أن المروءة إذا ضاعت لا توجد إلا عندكم وإذا كان عندي سر أخاف إفشاءه فلا يخفيه إلا صدوركم .
وصار يبالغ في هذا المعنى ، ثم إنه وجد المبادرة لهم بالحديث أنفع من كتمانه ، فأخبرهم بجميع ما وقع له حتى انتهى آخر الحديث ، فلما سمعوا حكايته قالوا :
وهل هذا الفتى علي بن بكار وهذه شمس النهار ؟
فقال لهم :
نعم .
فذهبوا إليهما واعتذروا لهما ثم قالوا :
إن الذي أخذناه من دارك ذهب بعضه وهذا ما بقي منه .
ثم ردوا إليه أكثر الأمتعة والتزموا أنهم يعيدوها إلى محلها في داره ويردون إليه الباقي .
هذا ما كان من أمره .
وأما ما كان من أمر علي بن بكار وشمس النهار فإنهما قد أشرفا على الهلاك من الخوف ، ثم تقدم الجواهرجي إلى علي بن بكار وشمس النهار وسلم عليهما وقال لهما :
يا ترى ما جرى للجارية والوصيفتين وأين ذهبتا ؟
فقالا :
لا علم لنا بهن .
ولم يزالوا سائرين إلى أن انتهوا إلى المكان الذي فيه الزورق فطلعوا فيه وإذا هو الزورق الذي عدا بهم بالأمس فقذف بهم الملاح حتى أوصلهم إلى البر الثاني فأنزلوهم فما استقر بهم الجلوس على جانب البر حتى جاءت خيالة وأحاطوا بهم من كل جانب فوثب الذين معهم عاجلاً كالعقبان فرجع لهم الزورق فنزلوا فيه وسار بهم في البحر وبقي الجواهرجي وعلي بن بكار وشمس النهار على شاطيء البحر لا يستطيعوا حركة ولا سكوناً فقال لهم الخيالة :
من أين انتم ؟
فتحيروا في الجواب .
فقال الجواهرجي لهم :
إن الذين رأيتموهم لا نعرفهم وإنما رأيناهم هنا وأما نحن فمغنون .
فأرادوا أخذهم ليغنوا لهم فما تخلوا منهم إلا بالحيلة ولين الكلام فأفرجوا عنهم في هذه الساعة وقد كان منهم ما رأيتم من أمرهم فنظر الخيالة إلى شمس النهار وإلى علي بن بكار ثم قالوا للجواهرجي :
لست صادقاً فأخبرنا من أنتم ومن أين أتيتم وما موضعكم وفي أي الحارات انتم ساكنون ؟
فلم يدر الجواهرجي ماذا يقول ، فوثبت شمس النهار وتقدمت إلى مقدم الخيالة وتحدثت معه سراً فنزل من فوق جواده واركبها عليه وأخذ بزمامها وصار يقودها وكذلك فعل بعلي بن بكار وبالجواهرجي أيضاً .
ثم إن مقدم الخيالة لم يزل سائراً بهم إلى موضع على جانب البحر وصاح بالرطانة فأقبل له جماعة من البرية فأطلعهم المقدم في زورق وأطلع أصحابه في زورق آخر فقذفوا بهم إلى أن انتهوا إلى دار الخلافة وهم يكابدوا الموت من شدة الخوف فدخلت شمس النهار وأما الجواهرجي وعلى بن بكار فرجعوا ولم يزالوا سائرين إلى أن انتهوا إلى المحل الذي يتوصلوا منه إلى موضعهم فنزلوا على البر ومشوا ومعهم جماعة من خيالة يؤانسونهم إلى أن دخلوا الدار ، وحين دخلوها ودعوا من كان معهم من الخيالة ومضوا في حال سبيلهم ، وأما على بن بكار والجواهرجي فقد دخلوا مكانهم وهم لا يقدروا أن يتحركوا من مكانهم ولا يدروا الصباح من المساء ، ولم يزالوا على هذه الحالة إلى أن أصبح الصباح .
فلما جاء آخر النهار سقط علي بن بكار مغشياً عليه وبكت عليه النساء والرجال وهو مطروح لم يتحرك فجاء للجواهرجي بعض أهله وقالوا :
حدثنا بما جرى لولدنا وأخبرنا بسبب الحال الذي هو فيه ؟
فقال الجواهرجي :
يا قوم اسمعوا كلامي .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





الليلة السادسة والتسعين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الجواهرجي قال :
لا تفعلوا به مكروهاً واصبروا وهو يفيق ويخبركم بقصته بنفسه .
ثم شدد عليهم وخوفهم من الفضيحة بينه وبينهم ، فبينما هم كذلك وإذا بعلي بن بكار تحرك من فراشه ففرح أهله وانصرف الناس عنه ومنع أهله الجواهرجي من الخروج من عنده ثم رشوا ماء الورد على وجهه ، فلما أفاق وشم الهواء صاروا يسألونه عن حاله فصار يخبرهم ولسانه لا يرد جواباً بسرعة ، ثم أشار إليهم أن يطلقوا الجواهرجي ليذهب إلى منزله فأطلقوه فخرج ، فلما أراد المسير رأى امرأة واقفة فتأملتها وإذا هي جارية شمس النهار فلما عرفها سار وهرول في سيره فتبعته فداخله منها الفزع وصار كلما ينظرها يأخذه الرعب منها وهي تقول له :
قف حتى أحدثك بشيء .
وهو لم يلتفت إليها ولم يزل سائراً إلى مسجد في موضع خال من الناس فقالت له :
ادخل المسجد لأقول لك كلمة ولا تخف من شيء .
فدخل المسجد ودخلت خلفه فصلى ركعتين ثم تقدم إليها وهو يتأوه وقال لها :
ما بالك ؟
فسألته عن حاله فحدثها بما وقع له وأخبرها بما جرى لعلي بن بكار وقال لها :
ما خبرك ؟
فقالت الجارية :
اعلم أني لما رأيت الرجال كسروا باب دارك ودخلوا خفت منهم وخشيت أن يكونوا من عند الخليفة فيأخذوني أنا وسيدتي فنهلك من وقتنا فهربت من السطوح أنا والوصيفتان ورمينا أنفسنا من مكان عال ودخلنا على قوم فهربنا عندهم حتى وصلنا إلى قصر الخلافة ونحن على أقبح صفة ثم أخفينا أمرنا وصرنا نتقلب على الجمر إلى أن جن الليل ففتحت باب البحر واستدعيت الملاح الذي أخرجنا تلك الليلة وقلت له :
إن سيدتي لم نعلم لها خبراً احملني في الزورق حتى أفتش عليها في البحر لعلي أقع على خبرها فحملني في الزورق وسار بي ولم أزل سائرة في البحر حتى انتصف الليل فرأيت زورقاً أقبل لإلى جهة الباب وفيه رجلاً يقذف ومعه رجل آخر وامرأة مطروحة بينهما وما زال يقذف حتى وصل إلى البر فلما نزلت المرأة تأملتها فإذا هي شمس النهار فنزلت إليها وقد اندهشت من الفرحة لما رأيتها بعدما قطعت الرجاء منها .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه








الليلة السابعة والتسعين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية قالت للجواهرجي :
فنزلت إليهما وقد اندهشت من الفرح فلما تقدمت بين يديها أمرتني أن أدفع إلى الرجل الذي جاء بها ألف دينار ، ثم حملتها أنا والوصيفتان إلى أن ألقيناها على فراشها فأقامت تلك الليلة على حالة مكدرة ، فلما أصبح الصباح منعت الجواري والخدم من الدخول عليها والوصول إليها ذلك اليوم وفي ثاني يوم أفاقت مما كان بها ، فوجدتها كأنها خرجت من مقبرة فرششت على وجهها ماء الورد وغيرت ثيابها وغسلت يديها ورجليها ولم أزل ألاطفها حتى أطعمتها شيئاً من الطعام وأسقيتها شيئاً من الأشربة وهي ليس لها قابلية في شيء من ذلك فلما شمت الهواء وتوجهت إليها العافية قلت لها :
يا سيدتي أرفقي بنفسك فقد حصل لك من المشقة ما فيه الكفاية فإنك قد أشرفت على الهلاك .
فقالت لي :
والله يا جارية الخير إن الموت عندي أهون مما جرى لي فإني كنت مقتولة لا محالة لأن اللصوص لما خرجوا بنا من دار الجواهرجي سألوني وقالوا :
من أنت وما شأنك ؟
فقلت :
أنا جارية من المغنيات .
فصدقوني ثم سألوا علي بن بكار عن نفسه وقالوا :
من أنت وما شأنك ؟
فقال علي بن بكار لهم :
أنا من عوام الناس .
فأخذونا وسرنا معهم إلى أن انتهوا بنا إلى موضعهم ، ونحن نسرع في السير معهم من شدة الخوف .
فلما استقروا بنا في أماكنهم تأملوني ونظروا ما علي من الملبوس والعقود والجواهر فأنكروا أمري وقالوا :
إن هذه العقود لا تكن لواحدة من المغنيات .
ثم قالوا :
صدقينا وقولي لنا الحق وما قضيتك ؟
فلم أرد عليهم جواباً بشيء وقلت في نفسي :
الآن يقتلونني لأجل ما علي من الحلي والحلل .
فلم أنطق بكلمة ثم التفتوا إلى علي بن بكار وقالوا له :
من أين أنت فإن رؤيتك غير رؤية العوام .
فسكت وصرنا نكتم أمرنا ونبكي فحنن الله علينا قلوب اللصوص ، فقالوا لنا :
من صاحب الدار التي كنتما فيها ؟
فقلنا لهم :
صاحبها فلان الجواهرجي .
فقال واحد منهم :
أنا أعرفه حق المعرفة وأعرف أنه ساكن في داره الثانية وعلي أن آتيكم به في هذه الساعة .
واتفقوا على أن يجعلني في موضع وحدي وعلي بن بكار في موضع وحده وقالوا لنا :
استريحا ولا تخافا أن ينكشف خبركما وأنتما في أمان منا .
ثم إن صاحبهما مضى إلى الجواهرجي وأتى به وكشف أمرنا لهم وأجمعنا عليه ، ثم إن رجلاً منهم أحضر لنا زورقاً وأطلعونا فيه وعدوا بنا إلى الجانب الثاني ورمونا إلى البر وذهبوا فأتت خيالة من أصحاب العسس وقالوا :
من تكونون ؟
فتكلمت مع مقدم العسس وقلت له :
أنا شمس النهار محظية الخليفة وقد سكرت وخرجت لبعض معارفي من نساء الوزراء فجاءني اللصوص وأخذوني وأوصلوني إلى هذا المكان ، فما رأوكم فروا هاربين وأنا قادرة على مكفأتك .
فلما سمع كلامي مقدم الخيالة عرفني ونزل عن مركوبه وأركبني وفعل كذلك مع علي بن بكار والجواهرجي وفي كبدي الآن من أجلهما لهيب النار لاسيما الجواهرجي رفيق علي ابن بكار فامض إليه وسلمي عليه واستفسري منه عن حال علي بن بكار .
فلمتها على ما وقع منها وحذرتها وقلت لها :
يا سيدتي خافي على نفسك .
فصاحت علي وغضبت من كلامي .


ثم قمت من عندها وجئت فلم أجدك وخشيت من الرواح إلى ابن بكار فصرت واقفة أترقبك حتى أسألك عنه وأعلم ما هو فيه فأسألك من فضلك أن تأخذ مني شيئاً من المال فإنك ربما استعرت أمتعة من أصحابك وضاعت عليك فتحتاج أن تعوض على الناس ما ذهب لهم من الأمتعة .
قال الجواهرجي :
سمعاً وطاعة .
ثم مشى معها إلى أن أتيا إلى قرب محله فقالت له :
قف هنا حتى أعود إليك .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه







الليلة الثامنة والتسعين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية مضت ثم عادت وهي حاملة المال فأعطته للجواهرجي وقالت له :
يا سيدي أنجتمع بك في أي محل ?
قال الجواهرجي لها :
أتوجه إلى داري في هذه الساعة وأتحمل الصعوبة لأجل خاطرك وأتدبر فيما يوصلك إليه فإنه يتعذر إليه في مثل هذا الوقت .
ثم ودعته ومضت فحمل المال وأتى به إلى منزله وعد المال فوجده خمسة آلف دينار فأعطى أهله منه شيئاً ومن كان له عنده شيء أعطاه عوضاً منه ، ثم إنه أخذ غلمانه وذهب إلى الدار التي ضاعت منها الأمتعة وجاء بالنجارين والبنائين فأعادوها إلى ما كانت عليه ، وجعل جاريته فيها ونسي ما جرى له ثم تمشى إلى دار علي بن بكار ، فلما وصل إليها أقبل غلمانه عليه وقال له واحد منهم :
إن غلمان سيدي في طلبك ليلاً ونهاراً وقد وعدهم أن كل من أتاه بك يعتقه فهم يفتشون عليك ولم يعرفوا لك موضعاً وقد رجعت إلى سيدي عافيته وهو تارة يفيق وتارة يستغرق ، فلما يفيق يذكرك ويقول :
لابد أن تحضروه لحظة لي ، ويعود إلى حال سبيله .
فمضى الجواهرجي مع الغلام إلى سيده فوجده لا يستطيع الكلام فلما أبصره جلس عند رأسه ففتح علي بن بكار عينيه فلما رأى الجواهرجي قال له :
اعلم أن لكل شيء نهاية ، ونهاية الهوى الموت أو الوصال وأنا إلى الموت أقرب فيا ليتني مت من قبل الذي جرى ولولا أن الله لطف بنا لافتضحنا ولا أدري ما الذي يوصلني إلى الخلاص مما أنا فيه ولولا خوفي من الله تعالى لعجلت على نفسي بالهلاك واعلم يا أخي أنني كالطير في القفص وإن نفسي هالكة من الغصص ولكن لها وقت معلوم وأجل محتوم ثم أفاض دمع العين وأنشد هذين البيتين :
شكا ألم الفراق الناس قبلـي ........ وروع بالنوى حي ومـيت
واما مثل ما ضمت ضلوعـي ........ فإني ما سمعـت ولا رأيت
فلما فرغ من شعره قال له الجواهرجي :
يا سيدي اعلم أني عزمت على الذهاب إلى داري فلعل الجارية ترجع إلي بخبر .
فقال علي بن بكار :
لا بأس بذلك ولكن أسرع بالعودة عندنا لأجل أن تخبرني .
فودعه الجواهرجي وانصرف إلى داره فلم يستقر به الجلوس حتى رأى الجارية أقبلت وهي في بكاء ونحيب فقلت لها :
ما سبب ذلك ?
فقالت الجارية :
يا سيدي اعلم أنه حل بنا ما حل من أمر نخافه فإني مضيت من عندك بالأمس ، وجدت سيدتي مغتاظة على وصيفة من الوصيفتين اللتين كانتا معنا تلك الليلة وأمرت بضربها فخافت من سيدتها وهربت فلاقاها بعض الموكلين بالباب ، وأراد ردها إلى سيدتها فلوحت له بالكلام فلاطفها واستنطقها عن حالها فأخبرته بما كنا فيه فبلغ الخبر إلى الخليفة فأمر بنقل سيدتي شمس النهار وجميع ما لها إلى درجة الخلافة ووكل بها عشرين خادماً ولم أجتمع بها إلى الآن ولم أعلمها بالسبب وتوهمت أن بسبب ذلك فخشيت على نفسي واحترت يا سيدي ولم أدر كيف أحتال في أمري وأمرها ولم يكن عندها حفظ لكتمان السر مني .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





الليلة التاسعة والتسعين بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية قالت للجواهرجي :
توجه يا سيدي إلى علي بن بكار سريعاً وأخبره بذلك لأجل أن يكون على أهبة فإذا انكشف الأمر نتدبر في شيء نفعله لنجاة أنفسنا .
فأخذ بالجواهرجي من ذلك هم عظيم وصار الكون في وجهه ظلاماً من كلام الجارية وهمت الجارية بالإنصراف فقال لها :
وما الرأي ?
فقالت له :
الرأي أن تبادر إلى علي بن بكار إن كان صديقك وتريد له النجاة وأنت عليك تبليغ هذا الخبر بسرعة وأنا علي أن أتقيد باستنشاق الأخبار .
ثم ودعته وخرجت .
فلما خرجت الجارية قام الجواهرجي وخرج في أثرها وتوجه إلى علي بن بكار فوجده يحدث نفسه بالوصل ويعللها بالمجال فلما رآه راجع إليه عاجلاً قال :
إني أراك رجعت إلي في الحال .
قال الجواهرجي له :
أقصر من التعلق البطال ودع ما أنت فيه من الإشتعال فقد حدث حادث يقضي إلى تلف نفسك ومالك .
فلما سمع علي بن بكار هذا الكلام تغير حاله وانزعج وقال للجواهرجي :
يا أخي أخبرني بما وقع ?
فقال له الجواهرجي :
يا سيدي اعلم أنه قد جرى ما هو كذا وكذا وانك إن أقمت في دارك هذه إلى آخر النهار فأنت تالف لا محالة .
فبهت علي بن بكار وكادت روحه أن تفارق جسده ، ثم استرجع بعد ذلك وقال له :
ماذا نفعل يا أخي وما عندك من الرأي ?
قال الجواهرجي له :
الرأي أن تأخذ معك من مالك ما تقدر عليه ومن غلمانك ما تثق به وان تمضي بنا إلى ديار هذه قبل أن ينقضي هذا النهار .
فقال علي بن بكار :
سمعاً وطاعة .
ثم وثب وهو متحير في أمره فتارة يمشي وتارة يقع وأخذ ما قدر عليه واعتذر إلى أهله وأوصاهم بمقصوده وأخذ معه ثلاثة جمال محملة وركب دابة وقد فعل الجواهرجي كما فعل ، ثم خرجوا خفية وساروا ولم يزالوا سائرين باقي يومهم وليلتهم فلما كان آخر النهار حطوا حمولتهم وعقالهم وجمالهم وناموا فحل عليهم التعب وغفلوا عن أنفسهم وإذا باللصوص أحاطوا بهم وأخذوا جميع ما كان معهم وقتلوا الغلمان ثم تركوهم بأماكنهم وهم في أقبح حال بعد أن أخذوا المال وساروا ، فلما قاموا مشوا إلى أن أصبح الصباح فوصلوا إلى بلد فدخلوها وقصدوا مسجده وهم عرايا وجلسوا في جنب المسجد باقي يومهم فلما جاء الليل باتوا في المسجد تلك الليلة وهم من غير أكل ولا شرب فلما أصبح الصباح وجلسوا وإذا برجل داخل فسلم عليهم وصلى ركعتين ، ثم التفت إليهم وقال :
يا جماعة هل انتم غرباء ?
قالوا :
نعم وقطع اللصوص علينا الطريق وغزونا ودخلنا هذه البلدة ولا نعرف فيها أحداً نأوي عنده .
فقال لهم الرجل :
هل لكم أن تقوموا معي إلى دياري ?
قال الجواهرجي لعلي بن بكار :
قم بنا معه فننجو من أمرين :
الأول أننا نخشى أن يدخل علينا احد يعرفنا في هذا المسجد فنفتضح .
والثاني أننا أناس غرباء وليس لنا مكان نأوي إليه .
فقال علي بن بكار :
افعل ما تريد .
ثم إن الرجل قال لهم ثاني مرة :
يا فقراء أطيعوني وسيروا معي إلى مكاني .
فقالوا له :
سمعاً وطاعة .
ثم إن الرجل خلع لهم شيئاً من ثيابه وألبسهم ولاطفهم فقاموا معه إلى داره فطرق الباب فخرج إلينا خادم صغير وفتح الباب ، فدخل الرجل صاحب المنزل ودخلوا خلفه ثم إن الرجل أمر بإحضار بقجة فيها أثواب وشاشات فألبسهم حلتين وأعطاهم شاشين فتعمموا وجلسوا وإذا بجارية أقبلت عليهم بمائدة ووضعتها بين أيديهم فأكلوا وشربوا شيئاً يسيراً ورفعت المائدة ، ثم أقاموا عنده إلى أن حل الليل .
فتأوه علي بن بكار وقال للجواهرجي :
يا أخي اعلم أنني هالك لا محالة وأريد أن أوصيك وصية وهو انك إذا رأيتني مت تذهب إلى أمي لأجل أن تأخذ عزائي ، وتحضر غسلي وأوصيها أن تكون صابرة على فراقي .
ثم وقع مغشياً عليه فلما أفاق سمع جارية تغني من بعيد وتنشد الأشعار فصار يصغي إليها ويسمع صوتها وهو تارة يضحك وتارة يبكي شجناً وحزناً مما أصابه فسمع الجارية تطرب بالنغمات وتنشد هذه الأبيات :
عجل البين بيننـا بـالـفـراق ........ بعد ألف وجـيرة واتـفـاق
فرقت بيننا صـروف اللـيالـي ........ ليت شعري متى يكون التلاقي
ما أمر الفراق بـعد اجتـمـاع ........ ليته ما أضر بـالـعـشـاق
غصة الموت ساعـة ثم تنقضي ........ وفراق الحبيب في القلب باق
لو وجدنا إلى الفراق سـبـيلاً ........ لأذقنا الفراق طعم الـفـراق
فلما سمع ابن بكار إنشاد الجارية شهق شهقة ففارقت روحه جسده .
فلما رأى الجواهرجي أنه مات أوصى عليه صاحب الدار وقال له :
اعلم أنني متوجه إلى بغداد لأخبر والدته وأقاربه حتى يأتوا ليجهزوه .
ثم إن الجواهرجي توجه إلى بغداد ودخل داره وغير ثيابه وبعد ذلك ذهب إلى دار علي بن بكار فلما رآه غلمانه أتوا إليه وسألوه عنه وسألهم أن يستأذنوا له والدته في الدخول عليها فأذنت له بالدخول وسلم عليها وقال لها :
إن الله إذا قضى أمراً لا مفر من قضائه وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً .
فتفهمت أم علي بن بكار من هذا الكلام أن ابنها قد مات فبكت بكاءً شديداً ، ثم قالت :
بالله عليك أن تخبرني هل توفي ولدي ?
فلم يقدر أن يرد عليها جواباً من كثرة الجزع ، فلما رأته على تلك الحالة اختنقت بالبكاء ثم وقعت على الأرض مغشياً عليها فلما أفاقت من غشيتها قالت :
ما كان من أمر ولدي ?
فقلت لها الجواهرجي :
عظم الله أجرك فيه .
ثم إنه حدثتها بما كان من أمره من المبتدأ إلى المنتهى فقالت :
أوصاك بشيء ?
فقال لها :
نعم .
وأخبرها بما أوصاه به وقال لها :
أسرعي في تجهيزه .
فلما سمعت أم علي بن بكار كلامي سقطت مغشياً عليها فلما أفاقت عزمت على ما أوصاها به ، ثم إني رجع إلى داره وسار في الطريق يتفكر في حسن شبابه فبينما هو كذلك وإذا بامرأة قبضت على يده .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه



الليلة المائتين

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الجواهرجي وهو يسير ليعود إلى منزله وإذا بامرأة قد قبضت على يده فتأملها فرأى أنها الجارية التي كانت تمشي من عند شمس النهار وقد علاها الإنكسار فلما تعارفوا بكوا جميعاً وساروا حتى أتوا إلى تلك الدار فقال لها :
هل علمت بخبر علي بن بكار ?
فقالت الجارية :
لا والله ، ماذا حدث له ؟
فأخبرها بخبره وما كان من أمره ثم إنه قال لها :
كيف حال سيدتك ?
فقالت الجارية :
لم يقبل فيها أمير المؤمنين قول أحد لشدة محبته لها وقد حمل جميع أمورها على المحامل الحسنة وقال لها :
يا شمس النهار أنت عندي عزيزة وأنا أتحملك على رغم أعدائك .
ثم أمر لها بفرش مقصورة مذهبة وحجرة مليحة وصارت عنده من ذلك في قبول عظيم ، فاتفق أنه جلس يوماً من الأيام على جري عادته للشراب ، وحضرت المحاذي بين يديه فأجلسهن في مراتبهن وأجلسها بجانبه وقد عدمت صبرها وزاد أمرها فعند ذلك أمر جارية من الجواري أن تغني فأخذت العود وضربت به وجعلت تقول :
وداع دعاني للهـوى فـأجـبته ........ ودمعي بحط الوجد حطا على خدي
كأن دموع العين تخبـر حالـنا ........ فتبدي الذي أخفى وتخفي الذي أبدي
فكيف أروم السر أو أكتم الهوى ........ وفرط غرامي فيك يظهر ما عندي
وقد طاب موتي عند فقد أحبتي ........ فيا ليت شعري ما يطيب لهم بعدي
فلما سمعت شمس النهار إنشاد الجارية لم تستطع الجلوس ثم سقطت مغشياً عليها فرمى الخليفة القدح وجذبها عنده وصاح وصاحت الجواري وقلبها أمير المؤمنين فوجدها ميتة فحزن أمير المؤمنين لموتها وأمر أن يكسر جميع ما كان في الحضرة من الآلات والقوانين وحملها في حجرة بعد موتها ومكث عندها باقي ليلته فلما طلع النهار جهزها وأمر بغسلها ودفنها وحزن عليها حزناً كثيراً ولم يسأل عن حالها ولا عن الأمر الذي كانت فيه .
ثم قالت الجارية للجواهرجي :
سألتك بالله أن تعلمني بوقت خروج جنازة علي بن بكار وأن تحضرني دفنه .
فقال لها الجواهرجي :
أما أنا ففي أي محل شئت تجدني وأما أنت فمن يستطيع الوصول إليك في المحل الذي أنت فيه .
فقالت له الجواهرجي :
إن أمير المؤمنين لما ماتت شمس النهار أعتق جواريها من يوم مماتها وأنا من جملتهن ونحن مقيمات على تربتها في المحل الفلاني .
فقام معها الجواهرجي وأتوا المقبرة وزار شمس النهار ثم مضى إلى حاله ولم يزل ينتظر جنازة علي بن بكار إلى أن جاءت فخرج له أهل بغداد وخرج معهم الجواهرجي فوجد الجارية بين النساء وهي أشدهن حزناً ولم ير جنازة أعظم من هذه الجنازة وما زلوا في ازدحام عظيم إلى أن أتوا إلى قبره ودفنوه وصار الجواهرجي لا ينقطع عن زيارته ولا عن زيارة شمس النهار .
هذا ما كان من حديثهما وهو ليس بأعجب من حديث الملك شهرمان .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه









حمودي2009 غير متصل  
قديم 02-08-2009, 10:26 PM   #19 (permalink)
حمودي2009
رومانسي مجتهد
 
الصورة الرمزية حمودي2009
 
حكاية الملك قمر الزمان ابن الملك شهرمان

الليلة الأولى بعد المئتين

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أنه كان في قديم الزمان ملك يسمى شهرمان صاحب عسكر وخدم وأعوان إلا أنه كبر سنه ورق عظمه لم يرزق بولد فتفكر في نفسه وحزن وقلق وشكا ذلك لبعض وزرائه وقال :
إني أخاف إذا مت أن يضيع الملك لأنه ليس لي ولد يتولاه بعدي .
فقال له الوزير :
لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً فتوكل على الله أيها الملك وتوضأ وصل ركعتين ثم جامع زوجتك لعلك تبلغ مطلوبك .
فجامع زوجته فحملت في تلك الساعة فعلقت منه ولما كملت أشهرها وضعت ولداً ذكراً كأنه البدر السافر في الليل العاكر فسماه قمر الزمان وفرح غاية الفرح وزينوا المدينة سبعة أيام ودقت الطبول وأقبلت العشائر وحملته المراضع والدايات وتربى في العز والدلال حتى صار له من العمر خمس عشر سنة وكان فائقاً في الحسن والجمال والقد والإعتدال وكان أبوه يحبه ولا يقدر أن يفارقه ليلاً ولا نهاراً فشكا الملك شهرمان لأحد وزرائه فرط محبته لولده وقال :
أيها الوزير لأني خائف على ولدي قمر الزمان من طوارق الدهر والحدثان وأريد أن أزوجه في حياتي .
فقال له الوزير :
اعلم أيها الملك إن الزواج من مكارم الأخلاق ولا بأس إن تزوج ولدك في حياتك .
فعند ذلك قال الملك شهرمان :
علي بولدي قمر الزمان .
فحضر وأطرق رأسه إلى الأرض حياء من أبيه فقال له أبوه :
يا قمر الزمان اعلم أني أريد أن أزوجك وأفرح بك في حياتي .
فقال له :
اعلم يا أبي أنني ليس لي في الزواج وليست نفسي تميل إلى النساء لأني وجدت في مكرهن كتباً بالروايات وبكيدهن وردت الآيات وقال الشاعر :
فإن تسألوني بالنساء فإنـنـي ........ خبير بأحوال النسـاء طـيب
إذا شاب رأس المرء وقل ماله ........ فليس له في ودهن نصـيب
و لما فرغ من شعره قال :
يا أبي إن الزواج شيء لا أفعله أبداً .
فلما سمع السلطان شهرمان من ولده هذا الكلام اغتم غماً شديداً إلى عدم مطاوعة ولده قمر الزمان له .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه








تكملة حكاية الملك قمر الزمان ابن الملك شهرمان

الليلة الثانية بعد المئتين

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الملك شهرمان لما سمع من ولده هذا الكلام صار الضياء في وجهه ظلاماً واغتم على عدم مطاوعة ولده قمر الزمان له ومن محبته له لم يكرر عليه الكلام في ذلك ولم يغضبه بل أقبل عليه وأكرمه ولاطفه بكل ما يجلب المحبة إلى القلب .
كل ذلك وقمر الزمان يزداد في كل يوم حسناً وجمالاً وظرفاً ودلالاً فصبر الملك شهرمان على ولده سنة كاملة حتى صار كامل الفصاحة والملاحة وتهتكت في حسنه الوري وصار فتنة للعشاق وروضة للمشتاق عذب الكلام يخجل في وجهه بدر التمام صاحب قد واعتدال وظرف ودلال كأنه غصن بان أو قضيب خيزران ينوب خده عن شقائق النعمان وقده عن غصن البان ظريف الشمائل كما قال فيه القائل :
بدا فقالوا تـبـارك الـلـه ........ جل الذي صاغـه وسـواه
مليك كل الملاح قـاطـبة ........ فكلهم أصبحـوا رعـاياه
في ريقه شـهـدة مـذوبة ........ وانعقد الدار فـي ثـنـاياه
مكملاً بالجمال مـنـفـرداً ........ كل الورى في جماله تاهوا
قد كتب الحسن فوق وجنته ........ أشهد أن لا ملـيح إلا هـو
فلما تكاملت سنة أخرى لقمر الزمان ابن الملك شهرمان دعاه والده إليه وقال له :
يا ولدي أما تسمع مني ?
فوقع قمر الزمان على الأرض بين يدي أبيه هيبة واستحى منه وقال له :
يا أبي كيف لا أسمع منك وقد أمرني الله بطاعتك وعدم مخالفتك .
فقال له الملك شهرمان :
اعلم يا ولدي إني أريد أن أزوجك وأفرح بك في حياتي وأسلطنك في مملكتي قبل مماتي .
فلما سمع قمر الزمان من أبيه هذا الكلام أطرق رأسه وقال :
يا أبي هذا شيء لا أفعله أبداً ولو سقيت كأس الردى وأنا أعلم أن الله فرض علي طاعتك فبحق الله عليك لا تكلفني أمر الزواج ولا تظن أني أتزوج طول عمري لأنني قرأت في كتب المتقدمين والمتأخرين وعرفت ما جرى لهم من المصائب والآفات بسبب فتن النساء ومكرهن غير المتناهي وما يحدث عنهن من الدواهي وما أحسن قول الشاعر :
إن النساء وإن ادعين العـفة ........ رمم تقلبها النسور الـحـوم
في الليل عندك سرها وحديثها ........ وغداً لغيرك ساقها والمعصم
كالخان تسكنه وتصبح راحلاً ........ فيحل بعدك فيه من لا تعلـم
فلما سمع شهرمان من ولده قمر الزمان هذا الكلام وفهم الشعر والنظام لم يرد عليه جواباً من فرط محبته وزاد في إنعامه وإكرامه وانفض ذلك المجلس من تلك الساعة ، وبعد انفضاض المجلس طلب شهرمان وزيره واختلى به وقال له :
أيها الوزير .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه







تكملة حكاية الملك قمر الزمان ابن الملك شهرمان

الليلة الثالثة بعد المئتين

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الملك شهرمان قال لوزيره :
قل لي ما الذي أفعله في قضية ولدي قمر الزمان ? فإني استشرتك في زواجه قبل أن أسلطنه فأشرت علي بذلك وأشرت علي أيضاً أن أذكر له أمر الزواج فذكرته له فخالفني فأشر علي الآن بما تراه حسناً ?
فقال الوزير :
الذي أشير به عليك الآن أيها الملك أن تصبر عليه سنة أخرى فإذا أردت أن تكلمه بعدها في أمر الزواج فلا تكلمه سراً ولكن حدثه في يوم حكومة يكون جميع الأمراء والوزراء حاضرين وجميع العساكر واقفين فإذا اجتمع هؤلاء فأرسل إلى ولدك قمر الزمان في تلك الساعة وأحضره فإذا حضر فخاطبه في أمر الزواج بحضرة جميع الأمراء والوزراء والحجاب والنواب وأرباب الدولة والعساكر وأصحاب الصولة فإنه يستحي منهم وما يقدر أن يخالفك بحضرتهم .
فلما سمع الملك شهرمان من وزيره هذا الكلام فرح فرحاً شديداً واستصوب رأي الوزير في ذلك وخلع عليه خلعة سنية فصبر الملك شهرمان على ولده قمر الزمان سنة كاملة وكلما مضى عليه يوماً من الأيام يزداد حسناً وجمالاً وبهجةً وكمالاً حتى بلغ من العمر قريباً عشرين عاماً وألبسه الله حلل الجمال وتوجه بتاج الكمال وأشرقت خدوده بالإحمرار وبياض غرته حاكى القمر الزاهر وسواد شعره كأنه الليل العاكر وخصره أرق من خيط هميان وردفه أثقل من الكثبان تهيج البلابل على أعطافه ويشتكي خصره من ثقل أردافه ومحاسنه حبرت الورى كما قال فيه بعض الشعراء :
قسماً بوجنته وبـاسـم ثـغـره ........ وبأسهم قد راشها من سـحـره


وبلين عطفه ومرهف لحـظـه ........ وبياض غرته وأسود شـعـره
وبحاجب حجب الـكـرى عـن ........ صبه وسطا عليه بنهيه وبأمـره
وعقارب قد أرسلت من صدغـه ........ وسمعت لقتل العاشقين بهجـره
وبـورد خـديه وآس عــذاره ........ وعقيق مبسمه ولؤلـؤ ثـغـره
وبطيب نكهتـه وسـال جـرى ........ في فيه يزري بالرحيق وعصره
وبردفه المرتج في حـركـاتـه ........ وسكونه وبرقة في خـصـره
وبجود راحته وصدق لـسـانـه ........ وبطيب عنصره وعالي قـدره
ما المسك إلا من فضالة خـالـه ........ والطيب يروي ريحه عن شعره
وكذلك الشمس المـنـيرة دونـه ........ ورأى الهلال قلامة من ظفـره
إن الملك شهرمان سمع كلام الوزير وصبر سنة أخرى حتى حصل يوم موسم .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه




تكملة حكاية الملك قمر الزمان ابن الملك شهرمان

الليلة الرابعة بعد المئتين

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الملك شهرمان دعى الأمراء والوزراء والحجاب وأرباب الدولة والعساكر وأصحاب الصولة ، ثم أرسل خلف ولده قمر الزمان فلما حضر قبل الأرض بين يديه ثلاث مرات ووقف مكتفاً يديه وراء ظهره قدام أبيه فقال له أبوه :
يا ولدي إنني ما أحضرتك هذه المرة قدام هذا المجلس وجميع العساكر حاضرون بين أيدينا إلا لأجل أن أمرتك بأمر فلا تخالفني فيه وذلك أن تتزوج لأنني أشتهي أن أزوجك بنت ملك الملوك وأفرح بك قبل موتي .
فلما سمع قمر الزمان من أبيه هذا الكلام أطرق برأسه إلى الأرض ساعة ثم رفع رأسه إلى أبيه ولحقه في تلك الساعة جنون الصبا وجهل الشبيبة فقال له :
أما أنا فلا أتزوج أبداً ولو سقيت كأس الردى وأما أنت فرجل كبير السن صغير العقل ، إنك سألتني قبل هذا اليوم مرتين غير هذه المرة في شأن الزواج وأنا لا أجيبك إلى ذلك .
ثم إن قمر الزمان فك كتاف يديه وشمر عن زراعيه قدام أبيه وهو في غيظه فخجل أبوه واستحى حيث حصل ذلك قدام أرباب دولته والعساكر الحاضرين في الموسم .
ثم إن الملك شهرمان لحقته شهامة الملك فصرخ على ولده فأرعبه وصرخ على المماليك وأمرهم بإمساكه فأمسكوه وأمرهم أن يكتفوه فكتفوه وقدموه بين يدي الملك وهو مطرق في رأسه من الخوف والوجل وتكلل وجهه وجبينه بالعرق واشتد به الحياء والخجل ، فعند ذلك شتمه أبوه وسبه وقال له :
ويلك يا ولد الزنا وتربية الخنا كيف يكون هذا جوابك لي بين عساكري وجيوشي ? ولكن إلى الآن ما أدبك أحد .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه








تكملة حكاية الملك قمر الزمان ابن الملك شهرمان

الليلة الخامسة بعد المئتين

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الملك شهرمان قال لولده قمر الزمان :
أما تعلم أن هذا الأمر الذي صدر منك لو صدر عن عامي من العوام لكان ذلك قبيحاً منه .
ثم إن الملك أمر المماليك أن يحلوا أكتافه ويحبسوه في برج من أبراج القلعة ، فعند ذلك دخل الفراشون القاعة التي فيها البرج فكنسوها ومسحوا بلاطها ونصبوا فيها سرير قمر الزمان وفرشوا له على السرير طراحة ونطعاً ووضعوا له مخدة وفانوساً كبيراً وشمعة لأن ذلك المكان كان مظلماً في النهار ، ثم إن المماليك أدخلوا قمر الزمان في تلك القاعة وجعلوا على باب القاعة خادماً ، فعند ذلك طلع قمر الزمان فوق ذلك السرير وهو منكسر الخاطر حزين الفؤاد وقد عاتب نفسه وندم على ما جرى منه في حق أبيه حيث لا ينفعه الندم وقال :
خيب الله الزواج والبنات والنساء الخائنات ، فيا ليتني سمعت من والدي وتزوجت فلو فعلت ذلك كان أحسن لي من هذا السجن .
هذا ما كان من أمر قمر الزمان .
وأما ما كان من أمر أبيه فإنه أقام على كرسي مملكته بقية اليوم إلى وقت الغروب ، ثم خلا بالوزير وقال له :
اعلم أيها الوزير أنك كنت السبب في الذي جرى بيني وبين ولدي كله حيث أشرت علي بما أشرت فما الذي تشير به علي الآن ?
فقال له الوزير :
أيها الملك دع ولدك في السجن مدة خمسة عشر يوماً ثم احضره بين يديك وأمره بالزواج فإنه لا يخالفك أبداً .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





تكملة حكاية الملك قمر الزمان ابن الملك شهرمان

الليلة السادسة بعد المئتين

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الملك شهرمان قبل رأي الوزير في ذلك اليوم ونام تلك الليلة وهو مشتغل القلب على ولده لأنه كان يحبه محبة عظيمة حيث لم يكن له سواه ، وكان الملك شهرمان كل ليلة لا يأتيه نوم حتى يجعل ذراعه تحت رقبة قمر الزمان وينام ، فبات الملك الليلة وهو متشوش الخاطر من أجله وصار يتقلب من جنب إلى جنب كأنه نائم على جمر اللظى ولحقه الوسواس ولم يأخذه نوم في تلك الليلة بطولها وذرغت عيناه بالدموع وأنشد قول الشاعر :
لقد طال ليلي والوشاة هجـوع ........ وناهيك قلباً بالفـراق مـروع
أقول وليلي زاد بالهم طـولـه ........ أما لك يا ضوء الصباح رجوع
وقال آخر :
لما رأيت النجم سـاه طـرفـه ........ والقلب قد ألقى عليه سباتـا
وبنات نعش في الحداد سوافرا ........ أيقنت أن صباحه قد مـاتـا
هذا ما كان من أمر الملك شهرمان .
وأما ما كان من أمر قمر الزمان فإنه لما قدم عليه الليل قدم له الخادم الفانوس وأوقدوا له شمعة وجعلها في شمعدان وقدم له شيئاً من المأكل فأكل قليلاً وصار يعاتب نفسه حيث أساء الأدب في حق أبيه الملك شهرمان وقال في نفسه :
ألم تعلم أن ابن آدم رهين لسانه وأن لسان الآدمي هو الذي يوقعه في المهالك ?
ولم يزل يعاتب نفسه ويلومها حتى غلبت عليه الدموع واحترق قلبه المصدوع وندم على ما خرج من لسانه في حق الملك غاية الندم وأنشد هذين البيتين :
يموت الفتى من عثرة في لسانه ........ وليس يموت المرء من عثرة الرجل
فعثرته من فيه تقضي بحتـفـه ........ وعثرته بالرجل تبرأ على مـهـل
ثم إن قمر الزمان لما فرغ من الأكل والشرب طلب أن يغسل يديه فغسل من الطعام وتوضأ وصلى المغرب والعشاء وجلس .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





تكملة حكاية الملك قمر الزمان ابن الملك شهرمان

الليلة السابعة بعد المئتين

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن قمر الزمان ابن الملك شهرمان جلس على السرير يقرأ القرآن فقرأ سورة البقرة وآل عمران ويس والرحمن وتبارك والملك والمعوذتين وختم الدعاء واستعان بالله ونام على السرير فوق طراحة من الأطلس المعدن لها وجهان وهي محشوة بريش النعام ، وحين أراد النوم تجرد من ثيابه وخلع سرواله ونام في قميص شمع رفيع وكان على رأسه مقنع مروزي أزرق فصار قمر الزمان في تلك الليلة كأنه البدر في ليلة أربعة عشر ، ثم تغطى بملاءة من حرير ونام والفانوس موقد تحت رجليه والشمعة موقدة تحت رأسه ولم يزل نائماً إلى ثلث الليل ولم يعلم ما خبئ له في الغيب وما قدر عليه علام الغيوب ، واتفق أن القاعة والبرج كانا عتيقين مهجورين مدة سنين كثيرة ، وكان في تلك القاعة بئر روماني معمور بجنية ساكنة فيه وهي من ذرية إبليس اللعين واسم تلك الجنية ميمونة ابنة الدمرياط احد ملوك الجان المشهورين .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه






تكملة حكاية الملك قمر الزمان ابن الملك شهرمان

الليلة الثامنة بعد المئتين

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن اسم تلك الجنية ميمونة ابنة الدمرياط أحد ملوك الجان المشهورين فلما استمر قمر الزمان نائماً إلى ثلث الليل طلعت له تلك العفريتة من البئر الروماني وقصدت السماء لاستراق السمع فلما صارت في أعلى البئر رأت نوراً مضيئاً في البرج على خلاف العادة وكانت العفريتة مقيمة في ذلك المكان مدة مديدة من السنين فقالت في نفسها :
أنا ما عهدت هنا شيئاً من ذلك .
وتعجبت من هذا الأمر غاية العجب وخطر ببالها أنه لا بد لذلك من سبب ثم قصدت ناحية ذلك النور فوجدته خارجاً من القاعة فدخلتها ووجدت الخادم نائماً على بابها ، ولما دخلت القاعة وجدت سريراً منصوباً وعليه هيئة إنسان نائم وشمعة مضيئة عند رأسه وفانوس مضيء عند رجليه فتعجبت العفريتة ميمونة من ذلك النور وتقدمت إليه قليلاً قليلاً وأرخت أجنحتها ووقفت على السرير وكشفت الملاءة عن وجهه ونظرت إليه واستمرت باهتة في حسنه وجماله ساعة رومانية وقد وجدت ضوء وجهه غالباً على نور الشمعة وصار وجهه يتلألأ نوراً وقد غارت عيناه واسودت مقلتاه واحمر خداه وفتر جفناه وتقوس حاجباه وفاح مسكه العاطر كما قال فيه الشاعر :
قبلته فاسودت المقـل الـتـي ........ هي فتنتني واحمرت الوجنات
يا قلب إن زعم العـواذل أنـه ........ في الحسن يوجد مثله قل هاتوا
فلما رأته العفريتة ميمونة بنت الدمرياط سبحت الله وقالت :
تبارك الله أحسن الخالقين .
وكانت تلك العفريتة من الجن المؤمنين فاستمرت ساعة وهي تنظر إلى وجه قمر الزمان وتوحد الله وتغبطه على حسنه وجماله وقالت في نفسها :
والله إني لا أضره ولا أترك أحداً يؤذيه ومن كل سوء سوف افديه فإن هذا الوجه المليح لا يستحق إلا النظر إليه والتسبيح ولكن كيف هان على أهله حتى نسوه في هذا المكان الخرب فلو طلع له أحد من مردتنا في هذه الساعة لأعطبه .
ثم إن تلك العفريتة مالت عليه وقبلته بين عينيه وبعد ذلك أرخت الملاءة على وجهه وغطته بها وفتحت أجنحتها وطارت ناحية السماء وطلعت من دور تلك القاعة وصعدت ولم تزل صاعدة في الجو إلى أن قربت من سماء الدنيا وإذا بها سمعت خفق أجنحة طائرة في الهواء فقصدت ناحية تلك الجنحة ، فلما قربت من صاحبها وجدته عفريتاً يقال له دهنش فانقضت عليه انقضاض الباشق فلما أحس بها دهنش وعرف أنها ميمونة بنت ملك الجن خاف منها وارتعدت فرائصه واستجار بها وقال لها :
أقسم عليك بالاسم الأعظم والطلسم الأكرم المنقوش على خاتم سليمان أن ترفقي بي ولا تؤذيني .
فلما سمعت ميمونة من دهنش هذا الكلام حن قلبها عليه وقالت له :
إنك أقسمت علي بقسم عظيم ولكن لا أعتقد حتى تخبرني من أين مجيئك في هذه الساعة ?
فقال لها دهنش :
أيتها السيدة اعلمي أن مجيئي من آخر بلاد الصين ومن داخل الجزائر وأخبرك بأعجوبة رأيتها في هذه الليلة فإن وجدت كلامي .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





تكملة حكاية الملك قمر الزمان ابن الملك شهرمان

الليلة التاسعة بعد المئتين

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الجن قال للجنية :
فإن وجدت كلامي صحيحاً فاتركيني أروح إلى حال سبيلي بخطك في هذه الساعة أني عشيقك في هذه الساعة حتى لا يعارضني أحد من رهط الجن الطيارة العلوية والسفلية والغواصة .
قالت له ميمونة :
فما الذي رأيته في هذه الليلة يا دهنش فاخبرني ولا تكذب علي وتريد بكذبك أن تنفلت من يدي وأنا أقسم لك بحق النقش المكتوب على فص خاتم سليمان بن داود عليه السلام إن لم يكن كلامك صحيحاً أنتفت ريشك بيدي ومزقت جلدك وكسرت عظمك .
فقال لها العفريت دهنش بن شمهورش الطيار :
إن لم يكن كلامي صحيحاً فافعلي بي ما شئت يا سيدتي .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





تكملة حكاية الملك قمر الزمان ابن الملك شهرمان

الليلة العاشرة بعد المئتين

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن دهنشاً قال :
خرجت في هذه الليلة من الجزائر الداخلة في بلاد الصين وهي بلاد الغيور صاحب الجزائر والبحور السبعة قصور فرأيت لذلك الملك بنتاً لم يخلق الله في زمانها أحسن منها ولا اعرف كيف أصفها لك ويعجز لساني عن وصفها كما ينبغي ولكن أذكر لك شيئاً من صفاتها على سبيل التقريب أما شعرها فكليالي الهجر وأما وجهها فكأيام الوصال وقد أحسن في وصفها من قال :
نشرت ثلاث ذوائب من شعرها ........ في ليلة فأرت ليالي أربـعـا
واستقبلت قمر السماء وجههـا ........ فأرتني القمرين في وقت معا
ولها أنف كحد السيف المصقول ولها وجنتان كرحيق الأرجوان ولها خد كشقائق النعمان وشفتاها كالمرجان والعقيق وريقها أشهى من الرحيق يطفئ مذاقه الحريق ولسانها يحركه عقل وافر وجواب حاضر ولها صدر فتنة لمن يراه فسبحان من خلقه وسواه ومتصل بذلك الصدر وعضدا من مرجان كما قال فيهما الشاعر الولهان :
وزندان لولا أمسكا بـأسـاور ........ لسالا من الأكمام سيل الجداول
ولها نهدان كأنهما من العاج يستمد من إشراقهما القمران ولها بطن مطوية كطي القباطي المصرية وينتهي ذلك إلى خصر مختصر من وهم الخيال فوق ردف ككثيب من الرمال يقعدها إذا قامت ويوقظها إذا نامت كما قال فيه بعض واصفيه :
لها كفل تعـلق في ضعـيف ........ وذاك الردف لي ولها ظلوم
فيوقـفني إذا فـكـرت فـيه ........ ويقعدها إذا همت تـقـوم
يحمل ذلك الكفل فخذان كأنهما من الدر عمودان وأما غير ذلك من الأوصاف فلا يحصيه ناعت ولا وصاف ويحمل ذلك كله قدمان لطيفتان صنعة المهيمن الديان فعجبت منهما وكيف كانا يحملان ما فوقهما .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه






تكملة حكاية الملك قمر الزمان ابن الملك شهرمان

الليلة الحادية عشر بعد المئتين

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن العفريت دهنش ابن شمهورش قال للعفريتة ميمونة :
وأما وراء ذلك فإني تركته لأنه تقصر عنه العبارة ولا تفي به الإشارة وأبو تلك الصبية ملك جبار فارس كرار يخوض بحار الأقطار في الليل والنهار لا يهاب الموت ولا يخاف القوت لأنه جائر ظلوم وقاهر غشوم وهو صاحب جيوش وعساكر وأقاليم وجزائر ومدن ودور واسمه الملك الغيور صاحب الجزائر والبحور والسبعة قصور وكان يحب ابنته هذه التي وصفتها لك حباً شديداً ومن محبته لها جلب أموال سائر الملوك وبنى لها بذلك سبعة قصور كل قصر من جنس مخصوص ، القصر الأول من البلور والقصر الثاني من الرخام والقصر الثالث من الحديد الصيني ، والقصر الرابع من الجزع والفصوص والقصر الخامس من الفضة والقصر السادس من الذهب ، والقصر السابع من الجواهر وملأ السبعة قصور من أنواع الفرش الفاخرة وأواني الذهب والفضة وجمع الآلات من كل ما تحتاج إليه الملوك وأمر ابنته أن تسكن في كل قصر مدة السنة ثم تنقل منه إلى قصر غيره واسمها الملكة بدور .
فلما اشتهر حسنها وشاع في البلاد ذكرها أرسل سائر الملوك إلى أبيها يخطبونها منه فزاودها في أمر الزواج فكرهت ذلك وقالت لأبيها :
يا والدي ليس لي غرض في الزواج أبداً فإني سيدة وملكة أحكم على الناس ولا أريد رجلاً يحكم علي .
وكلما امتنعت من الزواج زادت رغبة الخطاب فيها ، ثم إن جميع ملوك جزائر الصين الجوانية أرسلوا إلى أبيها الهدايا والتحف وكاتبوه في أمر زواجها فكرر عليها أبوها المشاورة في أمر الزواج مراراً عديدة ، فخالفته وغضبت منه وقالت له :
يا أبي إن ذكرت لي الزواج مرة أخرى أخذت السيف ووضعت قائمه في الأرض ودبابه في بطني واتكأت عله حتى يطلع من ظهري وقتلت نفسي .
فلما سمع أبوها منها هذا الكلام صار الضياء في وجهه ظلام واحترق قلبه عليها غاية الإحتراق وخشي أن تقتل نفسها وتحير في أمرها وفي أمر الملوك الذين خطبوها منه ، فقال لها :
إن كان ولا بد من عدم زواجك فامتنعي من الدخول والخروج .
ثم إن أباها أدخلها البيت وحجبها فيه ، واستحفظ عليها عشر عجائز قهرمانات ومنعها من أن تذهب إلى السبع قصور وأظهر لها أنه غضبان عليها وأرسل يكاتب الملوك جميعهم وأعلمهم أنها أصيبت بجنون في عقلها ولها الآن سنة وهي محجوبة .
ثم قال العفريت دهنش للعفريتة :
وأنا يا سيدتي في كل ليلة فأنظرها وأتملى بوجهها وأقبلها بين عينيها ومن محبتي لها لا أضرها ولا أركبها لأن جمالها بارع وكل من رآها يغار عليها من نفسه ، وأقسمت عليك يا سيدتي أن ترجعي معي وتنظري حسنها وجمالها وقدها واعتدالها وبعد هذا إن شئت أن تعاقبيني أو تأسريني فافعلي فإن الأمر أمرك والنهي نهيك .
ثم إن العفريت دهنشاً أطرق رأسه إلى الأرض وخفض أجنحته إلى الأرض فقالت له العفريتة ميمونة بعد أن ضحكت من كلامه وبصقت في وجهه :
أي شيء هذه البنت التي تقول عنها فما هي إلا قوارة بول فكيف لو رأيت معشوقي والله إن حسبت أن معك أمراً عجيباً أو خبراً غريباً ، يا ملعون إني رأيت إنساناً في هذه الليلة لو رأيته ولو في المنام لنفلجت عليه وسالت ريالتك .
فقال لها دهنش :
وما حكاية هذا الغلام ?
فقالت له العفريتة ميمونة :
اعلم يا دهنش أن هذا الغلام قد جرى له مثل ما جرى لمعشوقتك التي ذكرتها وأمره أبوه بالزواج مراراً عديدة فأبى ، فلما خالف أباه غضب عليه وسجنه في البرج الذي أنا ساكنة فيه فطلعت في هذه الليلة فرأيته .
فقال لها دهنش :
يا سيدتي أريني هذا الغلام لأنظر هل هو أحسن من معشوقتي الملكة بدور أم لا ، لأني ما أظن أن يوجد في هذا الزمان مثل معشوقتي .
فقالت له العفريتة ميمونة :
تكذب يا ملعون يا أنحس المردة وأحقر الشياطين فأنا أتحقق أنه لا يوجد لمعشوقي مثيل في هذه الديار .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه






تكملة حكاية الملك قمر الزمان ابن الملك شهرمان

الليلة الثانية عشر بعد المئتين

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن العفريتة ميمونة قالت للعفريت دهنش :
أنا أتحقق أنه لا يوجد لمعشوقي مثيل في هذه الديار فهل أنت مجنون حتى تقيس معشوقتك بمعشوقي ?
قال لها دهنش :
بالله عليك يا سيدتي أن تذهبي معي وتنظري معشوقتي وأرجع معك وانظر معشوقك .
فقالت له ميمونة :
لابد من ذلك يا ملعون لأنك شيطان مكار ولكن لا أجيء معك ولا تجيء معي إلا برهن فإن طلعتك معشوقتك التي أنت تحبها وتتغالى فيها أحسن من معشوقي الذي أحبه وأتغالى فيه فإن ذلك الرهان يكون لك وإن طلع معشوقي أحسن فإن ذلك الرهان يكون لي عليك .
فقال لها العفريت دهنش :
يا سيدتي قبلت منك هذا الشرط ورضيت به ، تعالي معي إلى الجزائر .
فقالت له ميمونة :
إن موضع معشوقي أقرب من موضع معشوقتك وها هو تحتنا فانزل معي لتنظر معشوقي ونروح بعد ذلك إلى معشوقتك .
فقال لها دهنش :
سمعاً وطاعة .
ثم انحدرا إلى أسفل ونزلا في دور القاعة التي في البرج وأوقفت ميمونة دهنشاً بجانب السرير ومدت يدها ورفعت الملاءة عن وجه قمر الزمان ابن الملك شهرمان فسطع وجهه وأشرق ولمع وزرها فنظرته ميمونة والتفتت من وقتها إلى دهنش وقالت له :
أنظر يا ملعون ولا تكن أقبح مجنون فنحن بنات وبه مفتونات .
فعند ذلك التفت إليها دهنش واستمر يتأمل فيه ساعة ، ثم حرك رأسه وقال لميمونة :
والله يا سيدتي إنك لمعذورة ولكن بقي شيء آخر وهو أن حال الأنثى غير حال الذكر وحق الله إن معشوقك هذا أشبه الناس بمعشوقتي في الحسن والجمال والبهجة والكمال وهما الاثنان كأنهما أفرغا في قالب الحسن سواء .
فلما سمعت ميمونة من دهنش هذا الكلام صار الضياء في وجهها ظلاماً ولطمته بجناحها على رأسه لطمة قوية كادت أن تقضي عليه من شدتها وقالت له :
قسماً بنور وجهه وجلاله أن تروح يا ملعون في هذه الساعة وتحمل معشوقتك التي تحبها وتجيء بها إلى هذا المكان حتى نجمع بين الاثنين وننظرهما وهما نائمان بالقرب من بعضهما فيظهر لنا أيهما أحسن ، وإن لم تفعل ما أمرتك به في هذه الساعة يا ملعون لأحرقتك بناري ورميتك بشرار أسراري ومزقتك قطعاً في البراري وجعلتك عبرة للمقيم والساري .
فقال لها دهنش :
يا سيدتي لك علي ذلك وأنا أعرف أن محبوبتي أحسن وأحلى .
ثم إن العفريت دهنشاً طار من وقته وساعته وطارت ميمونة معه من أجل المحافظة عليه فغابا ساعة زمانية ثم أقبل الاثنان وهما حاملان تلك الصبية وعليها قميص بندقي رفيع بطرازين من الذهب وهو مزركش ببدائع التطريزات ومكتوب على رأس كميه هذه الأبيات :
ثلاثة منعـتهـا من زيارتـنا ........ خوف الرقيب وخوف الحاسد الحنق
ضوء الجبين ووسواس الحلي ........ وما حوت معاطفها من عنبر عبـق
هب الجبين بفضل الكم تستره ........ والحلي تنزعه ما حـيلة الـعـرق
ثم إنهما نزلا بتلك الصبية ومدداها بجانب الغلام .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه




تكملة حكاية الملك قمر الزمان ابن الملك شهرمان

الليلة الثالثة عشر بعد المئتين

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن العفريت والعفريتة كشفا عن وجوه الاثنين فكانا أشبه الناس ببعضهما فكأنهما توأمان أخوان منفردان وهما فتنة للمتقين كما قال لهما التاجر المبين :
أتحب لا تعشق مليحاً واحداً ........ تحتار فيه تدللاً وتـذلـلا
تحب الملاح جميعهم تلقاهم ........ إن صد هذا كان هذا مقبلا
وكان دهنش وميمونة ينظران إليهما فقال دهنش :
إن معشوقتي أحسن .
قالت له ميمونة :
بل إنه أحسن ، ويلك يا دهنش هل أنت أعمى أما تنظر إلى حسنه وجماله وقده واعتداله ? فاسمع ما أقول ، وإن كنت محباً صادقاً لمن تعشقها فقل فيها مثل ما أقول في محبوبي .
ثم إن ميمونة قبلت قمر الزمان قبلات عديدة وأنشدت هذه القصيدة :
مالي وللاحـى عـلـيك يعـنـف ........ كيف السلو وأنت غصـن أهـيف
لك مقلة كحلاء تنـفـث سـحـره ........ ما للهوى العذري عنها مـصرف
تركية الألحاظ تفعـل بـالـحـشـا ........ ما ليس يفعله الصقيل المـرهف
حملتني ثـقـل الـغـرام وإنـنـي ........ بالعجز عن حمل القميص لا ضعف
وجدي عليك كما علمت ولوعـتـي ........ طبع وعشقي في هواك تـكـلف
لو أن قلبي مثل قلـبـك لـم أبـت ........ والجسم مني مثل خصرك منحـف
ويلاه من قـمـر بـكـل مـلاحة ........ بين الأنام وكل حـسـن يوصـف
قال العواذل في الهوى من ذا الـذي ........ أنت الكثيب به فقلت لهم صـفـوا
يا قلبه القاسي تعـلـم عـطـفـه ........ من قده فعسى ترق وتـعـطـف
لك يا أمير في الـمـلاحة نـاظـر ........ يسطو علي وحاجب لا ينـصف
كذب الذي ظن المـلاحة كـلـهـا ........ في يوسف كم في جمالك يوسـف
الجن تخشـانـي إذا قـابـلـتـها ........ وأنا إذا ألقـاك قـلـبـي يرجـف
أتكلف الإعراض عـنـك مـهـابة ........ وإليك أصبو جهد مـا أتـكـلـف
والشعر أسود والجبين مشـعـشـع ........ والطرف أحور والقوام مهفـهـف
فلما سمع دهنش شعر ميمونة في معشوقها طرب غاية الطرب وتعجب كل العجب .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





تكملة حكاية الملك قمر الزمان ابن الملك شهرمان

الليلة الرابعة عشر بعد المئتين

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن دهنشاً قال :
أنشدتيني فيمن تعشقينه هذا الشعر الرقيق مع أن بالك مشغول به ولكن أنا أبذل الجهد في إنشاد الشعر على قدر فكرتي .
ثم إن دهنشاً قام إلى معشوقته بدور وقبلها بين عينيها ونظر إلى العفريتة ميمونة وإلى معشوقته بدور وجعل ينشد هذه القصيدة وهو بلا شعور :
أفوت معاهدهم بـشـط الـوادي ........ فبقيت مقتولاً بـوسـط الـوادي
وسكرت من خمر الغرام ورقصت ........ عيني الدموع على غناء الحـادي
أسعى لأسعد بالوصال وحـق لي ........ إن السعادة في بدور سـعـاد
لم أدر أي مـن الثـلاثة أشتكـي ........ ولقد عددت فأصغ لـلأعـداد
من لحظها السـياف أم من قـدها ........ الرماح أم صدغهـا الـزراد
قالت وقد فتـشت عنها كل مـن ........ لاقيته من حـاضـر وبـادي
أنا في فؤادك فارم طرفك نـحوه ........ ترني فقلت لها وأين فـؤادي
فلما فرغ من شعره قالت العفريتة :
أحسنت يا دهنش ولكن أي هذين الاثنين أحسن ?
فقال لها دهنش :
محبوبتي بدور أحسن من محبوبك .
فقالت له ميمونة :
كذبت يا ملعون بل معشوقي أحسن من معشوقتك .
ثم إنهما لم يزالا يعارضان بعضهما في الكلام حتى صرخت ميمونة على دهنش وأرادت أن تبطش به فذل لها ورفق في كلامه وقال لها :
لا يصعب عليك الحق فابطلي قولك وقولي فإن كلانا يشهد لمعشوقه أنه أحسن فنعرض عن كلام كل واحد منا ونطلب من يفصل الحكم بيننا بالإنصاف ونعتمد على قوله .
فقالت له ميمونة :
وهو كذلك .
ثم ضربت الأرض برجلها فطلع لها من الأرض عفريت أعور أجرب وعيناه مشقوقتان في وجهه بالطول وفي رأسه سبعة قرون وله أربع ذوائب من الشعر مسترسلة إلى الأرض ويداه مثل يدي القطرب له أظفار كأظفار الأسد ورجلان كرجلي الفيل وحوافر كحوافر الحمار فلما طلع ذلك العفريت ورأى ميمونة قبل الأرض بين يديها وتكتف وقال لها :
ما حاجتك يا سيدتي يا بنت الملك ?
فقالت له ميمونة :
يا قشقش إني أريد أن تحكم بيني وبين هذا الملعون دهنش .
ثم إنها أخبرته بالقصة من أولها إلى آخرها فعندها نظر العفريت قشقش إلى وجه ذلك الصبي ووجه تلك الصبية فرآهما متعانقين وهما نائمان ومعصم كل منهما تحت عنق الأخر وهما في الحسن والجمال متشابهان وفي الملاحة متساويان فنظر وتعجب المارد قشقش من حسنهما وجمالهما والتفت إلى ميمونة ودهنش بعد أن أطال إلى الصبي والصبية الإلتفات وأنشد هذه الأبيات :
زر من تحب ودع مقالة حـاسـد ........ ليس الحسود على الهوى بمساعد
لم يخلق الرحمن أحسن منـظـراً ........ من عاشقين على فـراش واحـد
متعانقين عليهما حلـل الـرضـا ........ متوسدين بمعصـم وبـسـاعـد
وإذا صفا لك من زمانـك واحـد ........ فهو المراد وعش بذاك الواحـد
وإذا تألفت القلوب على الـهـوى ........ فالناس تضرب في حـديد بـارد
يا من يلوم على الهوى أهل الهوى ........ هل يستطاع صلاح قلب فاسـد
يا رب يا رحمن تحسن ختمـنـا ........ قبل الممات ولـو بـيوم واحـد
ثم إن العفريت قشقش التفت إلى ميمونة وإلى دهنش وقال لهما :
والله ما فيهما أحد أحسن من الآخر ولا دون الآخر بل هما أشبه الناس ببعضهما في الحسن والجمال والبهجة والكمال ، ولا يفرق بينهما إلا بالتذكير والتأنيث وعندي حكم أخر وهو أن ننبه كل واحد منهما من غير علم الأخر ، وكل من التهب على رفيقه فهو دونه في الحسن والجمال .
فقالت ميمونة :
نعم هذا الرأي الذي قلته فأنا رضيته وقال دهنش وأنا رضيته .
فعند ذلك انقلب دهنش في صورة برغوث ولدغ قمر الزمان .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





تكملة حكاية الملك قمر الزمان ابن الملك شهرمان

الليلة الخامسة عشر بعد المئتين

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن دهنشاً لدغ قمر الزمان في رقبته في موضع ناعم فمد قمر الزمان يده على رقبته وهرش موضع اللدغة من شدة ما أحرقته فتحرك بجنبه فوجد شيئاً قائماً بجنبه ونفسه أذكى من المسك وجسمه ألين من من الزبد فتعجب قمر الزمان من ذلك غاية العجب ثم قام من وقته قاعداً ونظر إلى ذلك الشخص الراقد بجانبه فوجده صبية كالدرة السنية أو القبة المبنية بقامة ألفية خماسية القدر بارزة النهد موردة الخد كما قال فيها بعض واصفيها :
بدت قمراً وعادت غصن بان ........ وفاحت عنبراً ورنت غزالا
كأن الحزن مشغوف بقلبـي ........ فساعة هجرها يجد الوصالا
فلما رأى قمر الزمان الملكة بدور بنت الملك الغيور ، وشاهد حسنها وجمالها وهي نائمة طوله ووجد فوق بدنها قميصاً بندقياً وهي بلا سروال وعليها كوفية من ذهب مرصعة بالجواهر وفي عنقها قلادة من الفصوص المثمنة لا يقدر عليها أحد من الملوك فصار مدهوش العقل من ذلك ، ثم إنه حين شاهد حسنها تحركت فيه الحرارة الغريزية وألقى الله عليه شهوة الجماع وقال في نفسه :
ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن .
ثم قلبها بيده ثاني مرة وفتح طوق قميصها فبان له بطنها ونظر إلى نهودها فازداد فيها محبة ورغبة فصار ينبهها وهي لا تنتبه ، لأن دهنشاً ثقل نومها فصار قمر الزمان يهزها ويحركها ويقول :
يا حبيبتي استيقظي وانظري من أنا فأنا قمر الزمان .
فلم تستيقظ ولم تحرك رأسها ، فعند ذلك تفكر في أمرها ساعة زمانية ، وقال في نفسه :
إن صدق حذري فهذه الصبية هي التي يريد والدي زواجي بها ، ومضى لي ثلاث سنين وأنا أمتنع من ذلك فإن شاء الله إذا جاء الصبح أقول لأبي :
زوجني بها .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه



لاتحرموني من ردودكم عشان اكمل حتى النهايه
حمودي2009 غير متصل  
قديم 02-09-2009, 01:53 AM   #20 (permalink)
حمودي2009
رومانسي مجتهد
 
الصورة الرمزية حمودي2009
 

تكملة حكاية الملك قمر الزمان ابن الملك شهرمان

الليلة السادسة عشر بعد المئتين

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن قمر الزمان قال في نفسه :
إن شاء الله إذا جاء الصبح أقول لأبي :
زوجني بها ولا أترك نصف النهار يفوت حتى أفوز بوصلها وأتملى بحسنها وجمالها .
ثم إن قمر الزمان مال إلى بدور ليقبلها فارتعدت ميمونة الجنية وخجلت ، ثم إن قمر الزمان لما أراد أن يقبله في فمها استحى من الله ، ولفت وجهه وقال في نفسه :
أنا أصبر لئلا يكون والدي لما غضب علي وحبسني في هذا الموضع جاء لي بهذه العروسة وأمرها بالنوم جنبي ليمتحني بها ، وأوصاها أني إذا نبهتها لا تستيقظ وقال لها أي شيء فعل بك قمر الزمان فاعلميني به وربما يكون والدي مستخفياً في مكان ما بحيث يطلع علي وأنا لا أنظره فينظر جميع ما أفعله بهذه الصبية وإذا أصبح يوبخني ويقول لي :
كيف تقول لي مالي أرغب في الزواج وأنت قبلت تلك الصبية وعانقتها .
فأنا أكف نفسي عنها الليلة لئلا ينكشف أمري مع والدي فأنا لا ألمس الصبية من تلك الساعة ولا ألتفت لها غير أني آخذ لي منها شيئاً يكون أمارة عندي وتذكرة لها حتى يبقى بيني وبينها إشارة .
ثم إن قمر الزمان رفع كف الصبية وأخذ خاتمها من خنصرها وهو يساوي جملة من المال لأن فصه من نفيس الجواهر ونقوش دائرته هذه الأبيات :
لا تحسبوا أني نسيت عهـودكم ........ مهما أطلتم في الزمان صدودكم
يا سادتي جودوا علي تعطـفـاً ........ فعسى أقبل ثغركم وخـدودكـم
والله إني لست أبرح عـنـكـم ........ ولو أعديتم في الغرام حدودكـم
ثم إن قمر الزمان نزع ذلك الخاتم من خنصر الملكة بدور ولبسه في خنصره وأدار ظهره إليها وقام ففرحت ميمونة الجنية لما رأت ذلك وقالت لدهنش وقشقش :
هل رأيتما محبوبي قمر الزمان وما فعله من العفة عن هذه الصبية ? فهذا من كمال محاسنه فانظروا كيف رأى هذه الصبية وحسنها وجمالها ولم يعانقها ولم يلمس بيده عليها بل أدار ظهره إليها ونام .
فقالا لها :
قد رأينا ما صنع من الكمال .
فعند ذلك انقلبت ميمونة وجعلت نفسها برغوثاً ودخلت ثياب بدور محبوبة دهنش ومشت على ساقها وطلعت على فخذها ومشت تحت سرتها مقدار أربعة قراريط ولدغتها ففتحت عينيها واستوت قاعدة فرأت شاباً نائماً بجانبها وهو يغط في نومه وله خدود كشقائق النعمان ولواحظ تخجل الحور الحسان وفم كأنه خاتم سليمان وريقه حلو المذاق وأنفع من الترياق كما قال فيه بعض واصفيه :
سلا خاطري عـن زينب ونـوار ........ بوردة خـد فوق آس عـــذار
وأصبحت بالظبى المقرمط مغرماً ........ ولا أرى لي في عشق ذات سوار
أنيسي في النادي وفي خلوتي معاً ........ خلاف أنيسي فـي قـرارة داري
فيا لائمي في هجر هند وزينـب ........ وقد لاح عذري كالمصباح المساري
أتـرضـى بـأن أمسـي أسيرة ........ محصـنة أو مـن وراء جـداري
ثم إن الملكة بدور لما رأت قمر الزمان أخذها الهيام والوجد والغرام .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه






تكملة حكاية الملك قمر الزمان ابن الملك شهرمان

الليلة السابعة عشر بعد المئتين

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الملكة بدور قالت في نفسها :
وافضيحتاه إن هذا شاب غريب لا أعرفه ما باله راقد بجانبي في فراش واحد ?
ثم نظرت إليه بعينيها وحققت النظر فيه وفي ظرفه ودلاله وحسنه وجماله ثم قالت :
وحق الله أنه شاب مليح مثل القمر إلا أن كبدي تكاد أن تتمزق وجداً عليه وشغفاً بحسنه وجماله ، فيا لفضيحتي منه والله لو علمت إن هذا الشاب هو الذي خطبني من أبي ما رددته بل كنت أتزوجه وأتملى بجماله .
ثم إن الملكة بدور تطلعت من وقتها وساعتها في وجه قمر الزمان وقالت له :
يا سيدي وحبيب قلبي ونور عيني انتبه من منامك وتمتع بحسني وجمالي .
ثم حركته بيدها فأرخت عليه ميمونة الجنية النوم وثقلت رأسه بجناحها فلم يستيقظ قمر الزمان فهزته الملكة بدور بيديها وقالت له :
بحياتي عليك أن تطيعني وانتبه من منامك وانظر النرجس والخضرة وتمتع ببطني والسرة وهارشني وناغشني من هذا الوقت إلى بكرة ، قم يا سيدي واتكئ على المخدة ولا تنم .
فلم يجبها قمر الزمان بجواب ولم يرد عليها خطاباً بل غط في النوم .
فقالت الملكة بدور :
ما لك تائهاً بحسنك وجمالك وظرفك ودلالك فكما أنت مليح أنا الأخرى مليحة فما هذا الذي تفعله ? هل هم علموك الصد عني أو أبي الشيخ النحس منعك من أن تكلمني في هذه الليلة ?
ففتح قمر الزمان عينيه فازدادت فيه محبة وألقى الله محبته في قلبها ونظرته نظرة أعقبتها ألف حسرة فخفق فؤادها وتقلقلت أحشاؤها واضطربت جوارحها وقالت لقمر الزمان :
يا سيدي كلمني يا حبيبي يا معشوقي رد علي الجواب وقل لي ما اسمك فإنك سلبت عقلي .
كل ذلك وقمر الزمان مستغرق في النوم ولم يرد عليها بكلمة .
فتأوهت الملكة بدور وقالت :
ما لك معجباً بنفسك ?
ثم هزته وقبلت يده فرأت خاتمها في إصبعه الخنصر فشهقت وأتبعتها بغنجة وقالت :
أوه .. أوه والله أنت حبيبي وتحبني ولكن كأنك تعرض عني دلالاً مع أنك جئتني وأنا نائمة وما أعرف كيف عملت أنت معي ولكني ما أنا قالعة خاتمي من خنصرك .
ثم فتحت جيب قميصه ومالته عليه وقبلت رقبته وفتشت على شيء تأخذه منه فلم تجد معه شيئاً ورأته بغير سروال فمدت يدها من تحت ذيل قميصه وجست سيقانه فزلقت يدها من نعومة جسمه فانصدع قلبها وارتجف فؤادها إلا أن شهوة النساء أقوى من شهوة الرجال وخجلت ثم نزعت خاتمه من إصبعه ووضعته في إصبعها موضعاً عن خاتمها وقبلته في ثغره وقبلت كفه ولم تترك فيه موضعاً إلا قبلته وبعد ذلك أخذته في حضنها وعانقته ووضعت إحدى يديها تحت رقبته والأخرى من تحت إبطه ونامت بجانبه .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





تكملة حكاية الملك قمر الزمان ابن الملك شهرمان

الليلة الثامنة عشر بعد المئتين

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد إن الملكة بدور نامت بجانب قمر الزمان وجرى ما جرى فلما رأت ذلك ميمونة فرحت غاية الفرح وقالت لدهنش :
هل رأيت يا ملعون كيف فعلت معشوقتك من الوله بمعشوقي ? وكيف فعل معشوقي من التيه والدلال فلا شك أن معشوقي أحسن من معشوقتك ولكن عفوت عنك .
ثم كتبت له ورقة والتفتت إلى قشقش وقالت له :
ادخل معه واحمل معشوقته وساعده على وصالها إلى مكانها لأن الليل مضى وفاتني مطلوبي .
فتقدم دهنش وقشقش إلى الملكة بدور وخلا تحتها وحملاها وطارا بها وأوصلاها إلى مكانها وأعاداها إلى فراشها واختلت ميمونة النظر إلى قمر الزمان وهو نائم حتى لم يبق من الليل إلا القليل ثم توجهت إلى حال سبيلها .
فلما انشق الفجر انتبه قمر الزمان من منامه والتفت يميناً وشمالاً فلم يجد الصبية عنده فقال في نفسه :
ما هذا الأمر كأن أبي يرغبني في الزواج بالصبية التي كانت عندي ثم أخذها سراً لأجل أن تزداد رغبتي في الزواج .
ثم صرخ على الخادم الذي هو نائم على الباب وقال له :
ويلك يا مأمون قم .
فقام الخادم وهو طائش العقل من النوم ثم قدم له الطشت والإبريق فقام قمر الزمان ودخل المستراح وقضى حاجته وخرج وتوضأ وصلى الصبح وجلس يسبح الله ثم نظر إلى الخادم فوجده واقفاً في خدمته بين يديه فقال له :
ويلك يا صواب ، من جاء هنا وأخذ الصبية من جنبي وأنا نائم ?
فقال الخادم :
يا سيدي أي صبية ?
فقال قمر الزمان :
الصبية التي كانت نائمة عندي في هذه الليلة .
فانزعج الخادم من كلام قمر الزمان وقال له :
لم يكن عندك صبية ولا غيرها ومن أين دخلت الصبية وأنا نائم وراء الباب وهو مقفول ? والله يا سيدي ما دخل عليك لا ذكر ولا أنثى .
فقال له قمر الزمان :
تكذب يا عبد النحس وهل وصل من قدرك أنت الأخر أنك تخادعني ، ولا تخبرني أين راحت هذه الصبية التي كانت نائمة عندي في هذه الليلة ولم تخبرني بالذي أخذها من عندي ?
فقال الطواشي وقد انزعج منه :
والله يا سيدي ما رأيت صبية ولا صبياً .
فغضب قمر الزمان من كلام الخادم وقال له :
إنهم علموك الخداع يا ملعون فتعالى عندي .
فتقدم الخادم إلى قمر الزمان فأخذ بأطواقه وضرب به الأرض فضرط ثم برك عليه قمر الزمان ورفسه برجله وخنقه حتى غشي عليه ثم بعد ذلك ربطه في سلبة البئر وأدلاه فيه إلى أن وصل إلى الماء وأرخاه وكانت تلك الأيام برد وشتاء قاطع فغطس الخادم في الماء ثم نشله قمر الزمان وأرخاه ، وما زال يغطس ذلك الخادم في الماء وينشله منه والخادم يستغيث ويصرخ ويصيح وقمر الزمان يقول له :
والله يا ملعون ما أطلعك من هذه البئر حتى تخبرني بخبر هذه الجارية وقضيتها ومن الذي أخذها وأنا نائم ?



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه






تكملة حكاية الملك قمر الزمان ابن الملك شهرمان

الليلة التاسعة عشر بعد المئتين

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الخادم قال لقمر الزمان :
أنقذني من البئر يا سيدي وأنا أخبرك بالصحيح .
فجذبه من البئر وأطلعه وهو غائب عن الوجود من شدة ما قاساه من الغرق والبرد والضرب والعذاب وصار يرتعد مثل القصبة في الريح العاصف واشتبكت أسنانه في بعضها وابتلت ثيابه بالماء فلما رأى الخادم نفسه على وجه الأرض قال له :
دعني يا سيدي أروح وأقلع ثيابي وأعصرها وأنشرها في الشمس وألبس غيرها ، ثم أحضر إليك سريعاً وأخبرك بأمر تلك الصبية وأحكي لك حكايتها .
فقال قمر الزمان :
والله يا عبد النحس لولا أنك عاينت الموت ما أقررت بالحق ، فاخرج لقضاء أغراضك وعد إلي بسرعة واحك لي حكاية الصبية وقصتها .
فعند ذلك خرج الخادم وهو لا يصدق بالنجاة ولم يزل يجري إلى أن دخل على الملك شهرمان أبي قمر الزمان فوجد الوزير بجانبه وهما يتحدثان في أمر قمر الزمان فسمع الملك يقول للوزير :
لأني ما نمت في هذه الليلة من اشتغال قلبي بولدي قمر الزمان وأخشى أن يجري له شيء في هذا البرج العتيق وما كان في سجنه شيء من المصلحة .
فقال له الوزير :
لا تخف عليه والله لا يصيبه شيء ودعه مسجوناً شهراً كاملاً حتى تلين عريكته .
فبينما هما في الكلام وإذا بالخادم دخل عليهما وهو في تلك الحالة وقال له :
يا مولانا السلطان إن ولدك حصل له جنون وقد فعل بي هذه الفعال .
وقال لي :
إن صبية باتت عنده في هذه الليلة وذهبت خفية فأخبرني بخبرها وأنا لا أعرف ما شأن هذه الصبية .
فلما سمع السلطان شهرمان هذا الكلام عن ولده قمر الزمان صرخ قائلاً :
وا ولداه .
وغضب على الوزير الذي كان سبباً في هذه الأمور غضباً شديداً وقال له :
قم اكشف لي خبر ولدي قمر الزمان .
فخرج الوزير وهو يتعثر في أذياله من خوفه من الملك وراح مع الخادم إلى البرج وكانت الشمس قد طلعت فدخل الوزير على قمر الزمان فوجده جالساً على السرير يقرأ القرآن فسلم عليه الوزير وجلس إلى جانبه وقال له :
يا سيدي إن هذا العبد النحس أخبرنا بخبر شوش علينا وأزعجنا فاغتاظ الملك من ذلك .
فقال له قمر الزمان :
أيها الوزير ، وما الذي قاله لكم عني حتى شوش على أبي وفي الحقيقة هو ما شوش إلا علي .
فقال له الوزير :
إنه جاءنا بحالة منكرة وقال لنا قولاً حاشاك منه وكذب علينا بما لا ينبغي أن يذكر في شأنك فسلامة شبابك وعقلك الرجيح ولسانك الفصيح وحاشى أن يصدر منك شيء قبيح .
فقال له قمر الزمان :
فأي شيء قال هذا العبد النحس .
فقال له الوزير :
إنه أخبرنا أنك جننت وقلت له كان عندي صبية في الليلة الماضية ، فهل قلت للخادم هذا الكلام ?
فلما سمع قمر الزمان هذا الكلام اغتاظ غيظاً شديداً وقال للوزير :
تبين لي أنكم علمتم الخادم الفعل الذي صدر منه .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه




تكملة حكاية الملك قمر الزمان ابن الملك شهرمان

الليلة العشرين بعد المئتين

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن قمر الزمان ابن الملك شهرمان ، قال للوزير :
تبين لي أنكم منعتموه من أن يخبرني بأمر الصبية التي كانت نائمة عندي في هذه الليلة وأنت أيها الوزير أعقل من الخادم فأخبرني في هذه الساعة أين ذهبت الصبية المليحة التي كانت نائمة في حضني في تلك الليلة فأنتم الذين أرسلتموها وأمرتموها أن تبيت في حضني ونمت معها إلى الصباح فلما انتبهت ما وجدتها ، فأين هي الآن ?
فقال الوزير :
يا سيدي قمر الزمان اسم الله حواليك وإنا ما أرسلنا لك في هذه الليلة أحداً وقد نمت وحدك والباب مقفل عليك والخادم نائم من خلف الباب وما أتى إليك صبية ولا غيرها فارجع إلى عقلك يا سيدي ولا تشغل خاطرك .
فقال له قمر الزمان وقد اغتاظ من كلامه :
أيها الوزير إن تلك الصبية معشوقتي وهي المليحة صاحبة العيون السود والخدود الحمر التي عانقتها في هذه الليلة .
فتعجب الوزير من كلام قمر الزمان وقال له :
هل رأيت الصبية في هذه الليلة بعينك في اليقظة أو في المنام .
فقال له قمر الزمان :
يا أيها الشيخ النحس أتظن أني رأيتها بأذني إنما رأيتها بعيوني في اليقظة وقلبتها بيدي وسهرت معها نصف ليلة كاملة وأنا أتفرج على حسنها وجمالها وظرفها ودلالها وإنما انتم أوصيتموها أنها لا تكلمني فجعلت نفسها نائمة فنمت بجنبها إلى الصباح ثم استيقظت من منامي فلم أجدها .
فقال له الوزير :
يا سيدي قمر الزمان ربما تكون رأيت هذا الأمر في المنام فيكون أضغاث أحلام أو تخيلات من أكل مختلف الطعام أو وسوسة الشياطين اللئام .
فقال له قمر الزمان :
يا أيها الشيخ النحس كيف تهزأ بي أنت الأخر وتقول لي لعل هذا أضغاث أحلام مع أن الخادم قد أقر بتلك الصبية وقال لي في هذه الساعة أعود إليك وأخبرك بقصتها ?
ثم إن قمر الزمان قام من وقته وتقدم إلى الوزير وقبض على لحيته في يده وكانت لحيته طويلة فأخذها قمر الزمان ولفها على يده وجذبه منها فرماه من فوق السرير وألقاه على الأرض فأحس الوزير أن روحه طلعت من شدة نتف لحيته وما زال قمر الزمان يرفس الوزير برجليه ويصفعه على قفاه بيديه حتى كاد أن يهلكه .
فقال الوزير في نفسه :
إذا كان العبد الخادم خلص نفسه من هذا الصبي المجنون بكذبة فأنا أولى بذلك منه وأخلص نفسي أنا الآخر بكذبة وإلا يهلكني ، فها أنا أكذب وأخلص روحي منه فإنه مجنون ولا شك في جنونه ، ثم إن الوزير التفت إلى قمر الزمان وقال له :
يا سيدي لا تؤاخذني فإن والدك أوصاني أن أكتم عنك خبر هذه الصبية وأنا الآن عجزت وكليت من الضرب لأني بقيت رجلاً كبيراً وليس لي قوة تحمل الضرب فتمهل علي قليلاً حتى أحدثك بقصة الصبية .
فعند ذلك منع عنه الضرب وقال له :
لأي شيء لم تخبرني بخبر تلك الصبية إلا بعد الضرب والإهانة فقم أيها الشيخ النحس واحك لي خبرها .
فقال له الوزير :
هل أنت تسأل عن تلك الصبية صاحبة الوجه المليح والقد الرجيح ?
فقال له قمر الزمان :
نعم أخبرني أيها الوزير من الذي جاء بها إلي وأنامها عندي وأين هي في هذه الساعة حتى أروح إليها بنفسي ? فإن كان أبي الملك شهرمان فعل معي هذه الفعال وامتحني بتلك الصبية المليحة من أجل زواجها فأنا رضيت أن أتزوج بها فإنه ما فعل معي هذا الأمر كله وولع خاطري بتلك الصبية ، بعد ذلك حجبها عني إلا من أجل امتناعي من الزواج فها أنا رضيت بالزواج ، فأعلم والدي بذلك أيها الوزير وأشر إليه أن يزوجني بتلك الصبية فإني لا أريد سواها وقلبي لم يعشق إلا إياها ، فقم وأسرع إلى أبي وأشر إليه بتعجيل زواجي ثم عد إلي قريباً في هذه الساعة .
فما صدق الوزير بالخلاص من قمر الزمان حتى خرج من البرج وهو يجري إلى أن دخل على الملك شهرمان .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





تكملة حكاية الملك قمر الزمان ابن الملك شهرمان

الليلة الحادية والعشرين بعد المئتين

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير خرج يجري من البرج إلى أن دخل على الملك شهرمان فلما دخل عليه قال له الملك :
أيها الوزير ما لي أراك في ارتباك ومن الذي بشره رماك حتى جئت مرعوباً ?
فقال الوزير للملك :
إني قد جئتك ببشارة .
فقال الملك :
وما تلك البشارة ?
قال له :
اعلم أن ولدك قمر الزمان قد حصل له جنون .
فلما سمع الملك كلام الوزير صار الضياء في وجهه ظلاماً وقال له :
أيها الوزير أوضح لي صف جنون ولدي ?
قال له الوزير :
سمعاً وطاعة .
ثم أخبره بما صدر من ولده .
فقال الملك :
أبشر أيها الوزير إني أعطيك في نظير بشارتك إياي بجنون ولدي ضرب رقبتك وزوال النعم عنك يا أنحس الوزراء وأخبث الأمراء لأني اعلم أنك سبب جنون ولدي بمشورتك ورأيك التعس الذي أشرت به علي في الأول والآخر والله إن كان يأتي على ولدي شيء من الضرر أو الجنون لأسمرنك على القبة وأذيقنك النكبة .
ثم إن الملك نهض قائماً على قدميه وأخذ الوزير معه ودخل به البرج الذي نزل فيه قمر الزمان فلما وصلا إليه قام قمر الزمان على قدميه لوالده ونزل سريعاً من فوق السرير الذي هو جالس عليه وقبل يديه ثم تأخر وراءه وأطرق رأسه إلى الأرض وهو مكتف اليدين قدام أبيه ولم يزل كذلك ساعة زمانية وبعد ذلك رفع رأسه إلى والده وفرت الدموع من عينيه وسالت على خديه وأنشد قول الشاعر :
إن كنت قد أذنبت سالـفـاً ........ في حقكم وأتيت شيئاً منكرا
أنا تائب عما جنيت وعفوكم ........ يسع المسئ إذا أتى مستغفرا
فعند ذلك قام الملك شهرمان وعانق ولده قمر الزمان وقبله بين عينيه وأجلسه إلى جانبه فوق السرير ، ثم التفت إلى الوزير بعين الغضب وقال له :
يا كلب الوزراء كيف تقول على ولدي قمر الزمان ما هو كذا وكذا وترعب قلبي عليه ?
ثم التفت إلى ولده وقال له :
يا ولدي ما اسم هذا اليوم ?
فقال له قمر الزمان :
يا والدي هذا اليوم السبت وغداً يوم الأحد وبعده الاثنين وبعده الثلاثاء وبعده الأربعاء وبعده الخميس وبعده الجمعة .
فقال له الملك :
يا ولدي قمر الزمان الحمد لله على سلامتك ، ما اسم هذا الشهر الذي علينا بالعربي ?
فقال قمر الزمان :
اسمه ذو القعدة ويليه ذو الحجة وبعده المحرم وبعده صفر وبعده ربيع الأول وبعده ربيع الثاني وبعده جمادى الأولى وبعده جمادى الثانية وبعده رجب وبعده شعبان وبعده رمضان وبعده شوال .
ففرح بذلك الملك فرحاً شديداً وبصق في وجه الوزير وقال له :
يا شيخ السوء كيف تزعم أن ولدي قمر الزمان قد جن والحال أنه ما جن إلا أنت .
فعند ذك حرك الوزير رأسه وأراد أن يتكلم ثم خطر بباله أن يتمهل قليلاً لينظر ماذا يكون ثم إن الملك قال لولده :
يا ولدي أي شيء هذا الكلام الذي تكلمت به للخادم والوزير حيث قلت لهما : إني كنت نائماً أنا وصبية مليحة في هذه الليلة ، فما شأن هذه الصبية التي ذكرتها ?
فضحك قمر الزمان من كلام أبيه وقال له :
يا والدي اعلم أنه ما بقي لي قوة تتحمل السخرية فلا تزيدوا علي شيئاً ولا كلمة واحدة ، فقد ضاق خلقي مما تفعلونه معي واعلم يا والدي أني رضيت بالزواج ولكن بشرط أن تزوجني تلك الصبية التي كانت نائمة عندي في هذه الليلة فإني أتحقق أنك أنت الذي أرسلتها إلي وشوقتني إليها وبعد ذلك أرسلت إليها قبل الصبح وأخذتها من عندي .
فقال الملك :
اسم الله حواليك يا ولدي سلامة عقلك من الجنون .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه




تكملة حكاية الملك قمر الزمان ابن الملك شهرمان

الليلة الثانية والعشرين بعد المئتين

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الملك شهرمان قال لولده قمر الزمان :
أي شيء هذه الصبية التي تزعم أني أرسلتها في هذه الليلة ثم أرسلت أخذتها من عندك قبل الصباح والله يا ولدي ليس لي علم بهذا الأمر ، فبالله عليك أن تخبرني هل ذلك أضغاث أحلام أو تخيلات طعام فإنك بت في هذه الليلة وأنت مشغول الخاطر بالزواج وموسوس بذكره ، قبح الله الزواج وساعته وقبح من أشار به ، أنك متكدر المزاج من جهة الزواج فرأيت في المنام أن صبية مليحة تعانقك وأنت تعتقد في بالك انك رأيتها في اليقظة وهذا كله يا ولدي أضغاث أحلام .
فقال قمر الزمان :
دع عنك هذا الكلام ، واحلف بالله الخالق العلام قاصم الجبابرة ومبيد الأكاسرة أنه لم يكن عندك خبر بالصبية ومحلها ?
فقال الملك :
وحق إله موسى وإبراهيم أنه لم يكن لي علم بذلك ، ولعله أضغاث أحلام رأيته في المنام .
فقال قمر الزمان لوالده :
أنا أضرب لك مثلاً يبين لك أن هذا كان في اليقظة .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





تكملة حكاية الملك قمر الزمان ابن الملك شهرمان

الليلة الثالثة والعشرين بعد المئتين

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن قمر الزمان قال لوالده :
هذا المثل هو أني أسألك هل اتفق لأحد أنه رأى نفسه في المنام يقاتل وقد قاتل قتالاً شديداً وبعد ذلك استيقظ من منامه فوجد في يده سيفاً ملوثاً بالدم ?
فقال له والده :
لا والله يا ولدي لم يتفق هذا .
فقال له قمر الزمان :
أخبرك بما حصل لي وهو أني رأيت في هذه الليلة كأني استيقظت من منامي نصف الليل فوجدت بنتاً نائمة بجانبي وقدها كقدي وشكلها كشكلي فعانقتها ومسكتها بيدي وأخذت خاتمها ووضعته في إصبعي وامتنعت عنها حياء منك وظننت أنك أرسلتها واستخفيت في موضع لتنظر ما أفعل ، واستحييت من أجل ذلك أن أقبلها في فمها حياء منك ، وخطر ببالي أنك تمتحني بها حتى ترغبني في الزواج .
وبعد ذلك انتبهت من منامي في وجه الصبح فلم أجد للصبية من أثر ولا وقفت لها على أثر على خبر وجرى لي مع الخادم والوزير ما جرى فكيف يكون هذا الأمر كذباً وأمر الخاتم صحيحاً ? ولولا الخاتم كنت أظن أنه منام وهذا خاتمها في خنصري في هذه الساعة فانظر أيها الملك إلى الخاتم كم يساوي .
ثم إن قمر الزمان ناول الخاتم لأبيه فأخذه وقلبه ثم التفت إلى ولده وقال له :
إن لهذا الخاتم نبأً عظيماً وخبراً جسيماً وإن الذي اتفق لك في هذه الليلة مع تلك الصبية أمر مشكل ولا أعلم من أين دخل علينا هذا الدخيل وما تسبب في هذا كله إلا الوزير فبالله عليك يا ولدي أن تصبر لعل الله يفرج عنك هذه الكربة ويأتيك بالفرج العظيم كما قال الشاعر :
عسى ولعل الدهر يلوي عنانه ........ ويأتي بخير فالزمان غـيور
وتسعد آمالي وتقضي حوائجي ........ وتحدث من بعد الأمور أمور
فيا ولدي قد تحققت في هذه الساعة أنه ليس بك جنون ولكن قضيتك ما يجليها إلا الله .
فقال قمر الزمان لوالده :
بالله يا والدي أنك تبحث لي عن هذه الصبية وتعجل بقدومها وإلا مت كمداً .
ثم إن قمر الزمان أظهر الوجد والتفت بالوصل إلى أبيه وأنشد هذين البيتين :
إن كان في وعدكم بالوصل تزوير ...... ففي الكرى واصلوا المشتاق أو زورا
قالوا وكيف يزور الطيف جفن فتى ...... منامه عند ممنوع ومـحـجـورا
ثم إن قمر الزمان بعد إنشاد هذه الأشعار التفت إليه أبيه بخضوع وانكسار وأفاض العبرات وأنشد هذه الأبيات .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه






تكملة حكاية الملك قمر الزمان ابن الملك شهرمان

الليلة الرابعة والعشرين بعد المئتين

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن قمر الزمان أفاض العبرات وأنشد هذه الأبيات :
خذوا حذركم من طرفها فهو ساحر ........ وليس بناج من رمته المـحـاجـر
ولا تخدعوا من رقة في كلامـهـا ........ فإن الحميا للعـقـول تـخـامـر
منعمه لولا مـس الـورد خـدهـا ........ بكت وبدت من مقلتيها الـبـواتـر
فلو في الكرى مر النسيم بأرضهـا ........ سرى وبدا من أرضها وهو عواطر
فلما فرغ قمر الزمان من شعره قال الوزير للملك :
يا ملك الزمان إلى متى أنت محجوب عن العسكر عند ولدك قمر الزمان فربما يفسد عليك نظام المملكة بسبب بعدك عن أرباب دولتك ، والعاقل إذا ألمت بجسمه أمراض مختلفة يجب أن يبدأ بمداواة أعظمها ، والرأي عندي أن تنقل ولدك فيه وتجعل للموكب والديوان في كل جمعة يومين الخميس والاثنين فيدخل عليك الأمراء والحجاب والنواب وأرباب الدولة وأصحاب الصولة وبقية العساكر والرعية ويعرضون عليك أحوالهم فاقض حوائجهم واحكم بينهم وخذ مطلبهم وأمر وانهي بينهم ، وبقية الجمعة تكون عند ولدك قمر الزمان ولا تزال على تلك الحالة حتى يفرج الله عنك وعنه ، ولا تأمن أيها الملك من نوائب الزمان وطوارق الحدثان فإنه العاقل دائماً محاذر وما أحسن قول الشاعر :
حسنت ظنك بالأيام إذ حـسـنـت ........ ولم نخف سوء ما يأتي به القـدر
وسالمتك الليالي فاغتررت بها وعند ........ وعند صفو الليالي يحدث الكـدر
يا معشر الناس من كان الزمان له ........ مساعد فليكن من رأيه الـحـذر
فلما سمع السلطان من الوزير هذا الكلام رآه صواباً ونصيحة في مصلحته فأثر عنده وخاف أن ينفسد عليه نظام الملك فنهض من وقته وساعته وأمر بتحويل ولده من ذلك المكان إلى القصر الذي في السرايا المطل على البحر ويمشون إليه على ممشاة في وسط البحر عرضها عشرون ذراعاً وبدائر القصر شبابيك مطلة على البحر وأرض ذلك القصر مفروشة بالرخام الملون وسقفه مدهون بأفخر الدهان من سائر الألوان ومنقوش بالذهب واللازورد ففرشوا لقمر الزمان فيه البسط الحرير وألبسوا حيطانه الديباج وأرخوا عليه الستائر المكللة بالجواهر ودخل فيه قمر الزمان وصار من شدة العشق كثير السهر ، فاشتغل خاطره واصفر لونه وانتحل جسمه ، وجلس والده عند رأسه وحزن عليه .
وصار الملك كل يوم اثنين وخميس يأذن في أن يدخل عليه من شاء الدخول الأمراء والوزراء والحجاب والنواب وأرباب الدولة وسائر العساكر والرعية في ذلك القصر فيدخلون عليه ويؤدون وظائف الخدمة ويقيمون عنده إلى آخر النهار ثم ينصرفون بعد ذلك إلى حال سبيلهم وبعد ذلك يدخل الملك عند ولده قمر الزمان في ذلك المكان ولا يفارقه ليلاً ولا نهاراً ، ولم يزل على تلك الحالة مدة أيام وليال من الزمان .
هذا ما كان من أمر قمر الزمان ابن الملك شهرمان .
وأما ما كان من أمر الملكة بدور بنت الملك الغيور صاحب الجزائر والسبعة قصور فإن الجن لما حملوها وأناموها في فراشها لم يبق من الليل إلا ثلاث ساعات ، ثم طلع الفجر فاستيقظت من منامها .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه






تكملة حكاية الملك قمر الزمان ابن الملك شهرمان

الليلة الخامسة والعشرين بعد المئتين

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الملكة بدور لما استيقظت من منامها جلست والتفتت يميناً وشمالاً فلم تر معشوقها الذي كان في حضنها فارتجف فؤادها وزال عقلها وصرخت صرخة عظيمة فاستيقظ جميع جواريها والدايات والقهرمانات ودخلن عليها فتقدمت إليها كبيرتهن وقالت لها :
يا سيدتي ما الذي أصابك ?
فقالت لها الملكة بدور :
أيتها العجوز النحس أين معشوقي الشاب الذي كان نائماً هذه الليلة في حضني فأخبريني أين راح ?
فلما سمعت منها القهرمانة هذا الكلام صار الضياء في وجهها ظلاماً وخافت من بأسها خوفاً عظيماً وقالت :
يا سيدتي بدور أي شيء هذا الكلام القبيح ?
فقالت الملكة بدور :
ويلك يا عجوز النحس أين معشوقي الشاب المليح صاحب الوجه المليح والعيون السود والحواجب المقرونة الذي كان بائتاً عندي من العشاء إلى قرب طلوع الفجر ?
فقالت القهرمانة :
والله ما رأيت شاباً ولا غيره ، فبالله يا سيدتي لا تمزحي هذا المزاح الخارج عن الحد فتروح أرواحنا وربما بلغ أباك هذا المزاح فمن يخلصنا من يده ?
فقالت الملكة بدور :
إنه كان غلاماً بائتاً عندي في هذه الليلة وهو من أحسن الناس وجهاً .
فقالت لها القهرمانة :
سلامة عقلك ما كان أحد بائتاً عندك في هذه الليلة .
فعند ذلك نظرت الملكة بدور إلى يدها فوجدت خاتم قمر الزمان في إصبعها ولم تجد خاتمها فقالت للقهرمانة :
ويلك يا خائنة تكذبين علي وتقولين ما كان أحد بائتاً عندك وتحلفين بالله باطلاً . فقالت القهرمانة :
والله ما كذبت عليك ولا حلفت باطلاً .
فاغتاظت الملكة بدور وسحبت سيفاً كان عندها وضربت القهرمانة فقتلتها ، فعند ذلك صاح الخدم والجواري والسراري عليها وراحوا إلى أبيها وأعلموه بحالها فأتى الملك إلى ابنته الملكة بدور من وقته وساعته وقال لها :


يا بنتي ما خبرك ?
فقالت الملكة بدور :
يا أبي أين الشاب الذي كان نائماً بجانبي في هذه الليلة ?
وطار عقلها من رأسها وصارت تلتفت بعينيها يميناً وشمالاً ثم شقت ثوبها إلى ذيلها ، فلما رأى أبوها تلك الفعال أمر الجواري والخدم أن يمسكوها فقبضوا عليها وقيدوها وجعلوا في رقبتها سلسلة من حديد وربطوها في الشباك الذي في القصر .
هذا ما كان من أمر الملكة بدور .
وأما ما كان من أمر أبيها الملك الغيور فإنه لما رأى ما جرى من ابنته الملكة بدور ضاقت عليه الدنيا لأنه كان يحبها فلم يهن عليه أمرها ، فعند ذلك أحضر المنجمين والحكماء وأصحاب الأقلام وقال لهم :
من أبراً بنتي مما هي فيه زوجته بها وأعطيته نصف مملكتي ومن لم يبرئها ضربت عنقه ويعلق رأسه على باب القصر .
ولم يزل يفعل ذلك إلى أن قطع من أجلها أربعين رأساً ، فطلب سائر الحكماء فتوقفت جميع الناس عنها وعجز جميع الحكماء عن دوائها واشتكت قضيتها على أهل العلوم وأرباب الأقلام ، ثم إن الملكة بدور لما زاد بها الوجد والغرام وأرباب الهيام أجرت العبرات وأنشدت هذه الأبيات :
غرامي فيك يا قمري غريمي ........ ذكرك في دجى ليلي نديمي
أتيت وأضلعي فيها لـهـيب ........ يحاكي حره نار الجـحـيم
بليت بفرط وجد واحـتـراق ........ عذابي منهما أضحى أليمـي
فلما فرغت السيدة بدور من إنشاد هذه الأشعار بكت حتى مرضت جفونها وتذبلت وجناته ثم إنها استمرت على هذا الحال ثلاث سنين وكان لها أخ من الرضاع يسمى مرزوان وكان سافر إلى أقصى البلاد وغاب عنها تلك المدة بطولها وكان يحبها محبة زائدة على محبة الأخوة فلما حضر دخل على والدته وسألها عن أخته الملكة بدور فقالت له :
يا ولدي أختك حصل لها الجنون ومضى لها ثلاث سنين وفي رقبتها سلسلة من حديد وعجزت الأطباء عن دوائها .
فلما سمع مرزوان هذا الكلام قال لها :
لا بد من دخولي عليها لعلي أعرف ما بها وأقدر على دوائها .
فلما سمعت كلامه قالت :
لابد من دخولك عليها ولكن اصبر إلى غد حتى أتحيل في أمرك .
ثم إن أمه ذهبت إلى قصر الملكة بدور واجتمعت بالخادم الموكل بالباب وأهدت له هدية وقالت له :
إن لي بنتاً قد تربت مع الملكة بدور وقد زوجتها ولما جرى لسيدتك ما جرى صار قلبها متعلقاً بها وأرجو من فضلك أن بنتي تأتي عندها ساعة لتنظرها ثم ترجع من حيث جاءت ولا يعلم بها أحد .
فقال الخادم :
لا يمكن ذلك إلا في الليل فبعد أن يأتي السلطان ينظر ابنته ويخرج ادخلي أنت وابنتك .
فقبلت العجوز يد الخادم وخرجت إلى بيتها .
فلما جاء وقت العشاء من الليلة القابلة قامت من وقتها وساعتها وأخذت ولدها مرزوان وألبسته بدلة من ثياب النساء وجعلت يده في يدها وأدخلته القصر ، وما زالت تمشي حتى أوصلته إلى الخادم بعد انصراف السلطان من عند ابنته فلما رآها الخادم قام واقفاً وقال لها :
ادخلي ولا تطيلي القعود .
فلما دخلت العجوز بولدها مرزوان رأى الملكة بدور في تلك الحالة فسلموا عليها بعد أن كشفت عنه أمه ثياب النساء فأخرج مرزوان الكتب التي معه وأوقد شمعة فنظرت إليه الملكة بدور فعرفته وقالت له :
يا أخي أنت سافرت وانقطعت أخبارك عنا .
فقال لها مرزوان :
صحيح ولكن ردني الله بالسلامة وأردت السفر ثانية فما ردني عنه إلا هذا الخبر الذي سمعته عنك فاحترق فؤادي عليك وجئت إليك لعلي أعرف داءك وأقدر على دوائك .
فقالت له الملكة بدور :
يا أخي هل تحسب أن الذي اعتراني جنون .
ثم أشارت إليه وأنشدت هذين البيتين :
قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم ........ ما لذة العيش إلا للمـجـانـين
ثم جننت فهاتوا من جننـت بـه ........ إن كان يشفي جنوني لا تلوموني
فعلم مرزوان أنها عاشقة فقال لها :
أخبريني بقصتك وما اتفق لك لعل الله يطلعني على ما فيه خلاصك .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه






تكملة حكاية الملك قمر الزمان ابن الملك شهرمان

الليلة السادسة والعشرين بعد المئتين

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن بدور قالت :
يا أخي اسمع قصتي وذلك أنني تيقظت من منامي ليلة في الثلث الأخير من الليل وجلست فرأيت بجانبي شاباً أحسن ما يكون من الشبان يكل عن وصفه اللسان كأنه غصن بان أو قضيب خيزران فظننت أن أبي هو الذي أمره بهذا الأمر ليمتحنني به لأنه راودني عن الزواج لما خطبني منه الملوك فأبيت فهذا الظن هو الذي منعني من أن أنبهه وخشيت إني إذا عانقته ربما يخبر أبي بذلك فلما أصبحت رأيت بيدي خاتمه عوضاً عن خاتمي .
فهذه حكايتي وأنا يا أخي قد تعلق قلبي به من حين رؤيته ومن كثرة عشقي والغرام لم أذق طعم المنام وما لي شغل غير بكائي بالدموع وإنشاد الأشعار بالليل والنهار .
ثم أفضت العبرات وأنشدت هذه الأبيات :
أبعد الحب لـذاتـي تـطـيب ........ وذاك الظبي مرتعه القـلـوب
دم العشاق أهون مـا عـلـيه ........ وفيه مهجة الظـنـى تـذوب
أغار عليه من نظري وفكـري ........ فمن بعضي على بعضي رقيب
راجفان له ترمـي سـهـامـاً ........ فواتك في القلوب لنا تصـيب
فهل لي أن أراه قبل مـوتـي ........ إذا ما كان في الدنيا نـصـيب
وأكتم السـر فـينـيم دمـعي ........ بما عندي ويعلمـه الـرقـيب
قريب وصلـه مـنـي بعـيد ........ بعـيد ذكـره مـنـي قـريب
ثم إن الملكة بدور قالت لمرزوان :
انظر يا أخي ما الذي تعمل معي في الذي اعتراني .
فأطرق مرزوان رأسه إلى الأرض ساعة وهو يتعجب وما يدري ما يفعل ثم رفع رأسه وقال لها :
جميع ما جرى لك صحيح وإن حكاية هذا الشاب أعيت فكري ولكن أدور جميع البلاد وأفتش على دوائك لعل الله يجعله على يدي فاصبري ولا تقلقي .
ثم إن مرزوان ودعها ودعا لها بالثبات وخرج من عندها ثم إن مرزوان تمشى إلى بيت والدته فنام تلك الليلة ولما أصبح الصباح تجهز للسفر فسافر ولم يزل مسافراً من مدينة إلى مدينة ومن جزيرة إلى جزيرة مدة شهر كامل ثم دخل مدينة يقال لها الطيرب واستنشق الأخبار من الناس لعله يجد دواء للملكة بدور وكان كلما يدخل في مدينة أو يمر بها يسمع أن الملكة بدور بنت الملك الغيور قد حصل لها جنون ولم يزل يستنشق الأخبار حتى وصل إلى مدينة الطيرب فسمع إن قمر الزمان ابن الملك شهرمان مريض وأنه اعتراه وسواس وجنون .
فلما سمع مرزوان بخبره سأل بعض أهالي تلك المدينة عن بلاده ومحل تخته فقالوا له جزائر خالدات وبيننا وبينها مسيرة شهر كامل في البحر وأما في البر فستة أشهر ، فنزل مرزوان في مركب إلى جزائر خالدات وكانت مركب مجهزة للسفر وطاب لها الريح مدة شهر فبانت لهم المدينة ولما أشرفوا عليها ولم يبق لهم إلا الوصول إلى الساحل خرجت عليهم ريح عاصف فرمى الراية ووقعت القلوع في البحر وانقلب المركب بجميع ما فيه .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه




تكملة حكاية الملك قمر الزمان ابن الملك شهرمان

الليلة السابعة والعشرين بعد المئتين

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن مرزوان جذبته قوة التيار جذبة حتى أوصلته تحت قصر الملك الذي فيه قمر الزمان وكان بالأمر المقدر قد اجتمع الأمراء والوزراء عنده للخدمة والملك شهرمان جالس ورأس ولده في حجره وخادم يهش عليه . وكان قمر الزمان مضى عليه يومان وهو لم يأكل ولم يشرب ولم يتكلم وصار الوزير واقفاً عند رجليه قريب من الشباك المطل على البحر فرفع الوزير بصره فرأى مرزوان قد أشرف على الهلاك من التيار وبقي على آخر نفس فرق قلب الوزير إليه فتقرب من السلطان ومد رأسه إليه وقال له :
أستأذنك في أن أنزل إلى ساحة القصر وأفتح بابها لأنقذ إنساناً قد أشرف على الغرق وأطلعه من الضيق إلى الفرج لعل الله بسبب ذلك يخلص ولدك مما هو عليه .
فقال الملك شهرمان :
كل ما جرى على ولدي بسببك وربما أنك إذا طلعت هذا الغريب يطلع على أحوالنا وينظر إلى ولدي وخرج يتحدث مع أحد بأسرارنا لأضربن رقبتك قبله لأنك أيها الوزير سبب ما جرى لنا أولاً وآخراً فافعل ما بدا لك .
فنهض الوزير وفتح باب الساحة ونزل في الممشاة عشرين خطوة ، ثم خرج إلى البحر فرأى مرزوان مشرفاً على الموت فمد الوزير يده إليه وأمسكه من شعر رأسه وجذبه منه عليه حتى ردت روحه إليه ثم نزع عنه ثيابه وألبسه غيرها وعممه بعمامة من عمائم غلمانه .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه






تكملة حكاية الملك قمر الزمان ابن الملك شهرمان

الليلة الثامنة والعشرين بعد المئتين

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير لما فعل مع مرزوان ما فعل ، وقال له :
إني كنت سبباً لنجاتك فلا تكن سبباً لموتي وموتك .
فقال مرزوان :
وكيف ذلك ?
قال الوزير :
لأنك في هذه الساعة تطلع وتشق بين أمراء ووزراء والكل ساكتون لا يتكلمون من أجل قمر الزمان ابن السلطان .
فلما سمع مرزوان ذكر قمر الزمان عرفه لأنه كان يسمع بحديثه في البلاد ، فقال مرزوان :
ومن قمر الزمان ?
فقال الوزير :
هو ابن السلطان شهرمان وهو ضعيف ملقى على الفراش لا يقر له قرار ولا يعرف ليلاً ولا نهار وكاد أن يفارق الحياة من نحول جسمه ويصير من الأموات فنهاره لهيب وليله في تعذيب وقد يئسنا من حياته وأيقنا بوفاته وإياك أن تطيل النظر إلى غير الموضع الذي تحط فيه رجلك وإلا تروح روحك وروحي .
فقال مرزوان :
بالله أخبرني عن هذا الشاب الذي وصفته لي وما سبب هذا الأمر الذي هو فيه ?
فقال له الوزير :
لا أعلم له سبباً إلا أن والده من مدة ثلاث سنين كان يراوده عن أمر الزواج وهو يأبى فأصبح يزعم أنه كان نائماً فرأى بجنبه صبية بارعة الجمال وجمالها يحير العقول ويعجز عنه الوصف وذكر لنا أنه نزع خاتمها من إصبعها ولبسه وألبسها خاتمه ونحن لا نعرف باطن هذه القضية ، فبالله يا ولدي اطلع معي القصر ولا تنظر إلى ابن الملك ثم بعد ذلك روح إلى حال سبيل فإن السلطان قلبه ملآن عليه غيظاً .
فقال مرزوان في نفسه :
والله إن هذا هو المطلوب .
ثم طلع خلف الوزير إلى أن وصل إلى القصر ، ثم جلس الوزير تحت رجلي قمر الزمان وأما مرزوان فإنه لم يكن له دأب إلا أنه مشى حتى وقف قدام قمر الزمان ونظر إليه فمات الوزير في جلده وصار ينظر إلى مرزوان ويغمزه ليروح إلى حال سبيله ومرزوان يتغافل وينظر لإلى قمر الزمان وعلم أنه هو المطلوب .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه






تكملة حكاية الملك قمر الزمان ابن الملك شهرمان

الليلة التاسعة والعشرين بعد المئتين

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن مرزوان قال :
سبحان الله الذي جعل قده مثل قدها ولونه مثل لونها وخده مثل خدها .
ففتح قمر الزمان عينيه وصغى بأذنيه فلما رآه مرزوان صاغياً إلى ما يلقيه من الكلمات أنشد هذه الأبيات :
أراك طروباً ذا شـجـى وتـرنـم ........ تميل إلى ذكر المحاسن بـالـفـم
أصابك عشق أم رميت بـسـهـم ........ فما هـذه الأسـيجة مـن رمـي
ألا فاسقني كاسات خمر وإن لـي ........ بذكر سليمى والرباب وتـنـعـم
أغار على أعطافها من ثـيابـهـا ........ إذا لبستها فوق جسـم مـنـعـم
وأحسد كاسات تقبـل ثـغـرهـا ........ إذا وضعت اللـثـم فـي الـفـم
فلا تحسبوا أني قتلـت بـصـارم ........ ولكن لحاظ قد رمتني بـأسـهـم
ولما تلاقينـا وجـدت بـنـانـها ........ مخضبة تحكي عصـارة عـنـدم
فقالت وألقت في الحـشـا لاعـج ........ الهوى مقالة من للحب لم يتكـلـم
رويدك ما هذا خضاب خضبـتـه ........ فلاتك بالبهتان والزور متهـمـي
ولكننـي لـمـا رأيتـك نـائمـاً ........ وقد كشفت كفي وزندي ومعصمي
بكيت دماً يوم النوى فمسـحـتـه ........ بكفي فابتلت بنانـي مـن دمـي
فلو قبل مبكاه بـكـيت صـبـابة ........ لكنت شفيت النفس قبل الـتـنـدم
ولكن بكت قبلي فهيج لي البـكـا ........ بكاها فقلت الفضل للـمـتـقـدم
فلا تعذلوني في هواهـا لأنـنـي ........ وحق الهوى فيها كثير الـتـألـم
بكيت على زين الحسن وجهـهـا ........ ليس لها مثـل يعـرب وأعـجـم
لها علم لقمـان وصـورة يوسف ........ ونـغـمة داود وعـفة مــريم
ولي حزن يعقوب وحسرة يونـس ........ وبـلــوة أيوب وقـــصة آدم
فلا تقتلوها إن قلت بـهـا حـوى ........ بلى فاسألوها كيف حل لها دمـي
فلما أنشد مرزوان هذا الشعر نزل عل قمر الزمان برداً وسلاماً .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه





تكملة حكاية الملك قمر الزمان ابن الملك شهرمان

الليلة الثلاثين بعد المئتين

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن قمر الزمان أشار إلى أبيه الملك شهرمان بيده :
دع هذا الشاب يجلس في جانبي .
فلما سمع الملك من ولده قمر الزمان هذا الكلام هذا الكلام فرح فرحاً شديداً ، بعد أن غضب على الشاب وأضمر في نفسه أنه يرمي رقبته ، ثم قام الملك وأجلس مرزوان إلى جانب ولده وأقبل عليه وقال له :
من أي البلاد أنت ?
قال مرزوان : من الجزائر الجوانية من بلاد الملك الغيور صاحب الجزائر والبحور ، والسبعة قصور .
فقال له الملك شهرمان :
عسى أن يكون الفرج على يديك لولدي قمر الزمان .
ثم إن مرزوان أقبل على قمر الزمان وقال له في أذنه :
ثبت قلبك وطب نفساً وقر عيناً فإن التي صرت من أجلها هكذا لا تسأل عما هي فيه من أجلك ولكنك كتمت أمرك فضعفت ، وأما هي فإنها أظهرت ما بها فجئت وهي الآن مسجونة بأسوأ حال وفي رقبتها غل من حديد وإن شاء الله تعالى يكون دوائكما على يدي .
فلما سمع قمر الزمان هذا الكلام ردت روحه إليه واستفاق وأشار إلى الملك والده أن يجلس ففرح فرحاً زائداً وأجلس ولده ، ثم أخرج جميع الوزراء والأمراء واتكأ قمر الزمان بين مخدتين وأمر الملك أن يطيبوا القصر بالزعفران ثم أمر بزينة المدينة وقال لمرزوان :
والله يا ولدي إن هذه طلعة مباركة .
ثم أكرمه غاية الإكرام وطلب لمرزوان الطعام فقدموا له فأكل وأكل معه قمر الزمان .



وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

إلى اللقاء مع الليله القادمه
حمودي2009 غير متصل  
موضوع مغلق

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الف ليله وليله في دبي لاند ...الأساطير العربيه كلها في خيال دبي لاند سهـر الليالي سياحة اسيا و فنادق اسيا و عروض سفر اسيا 17 03-26-2009 05:36 PM
طلب قصص ألف ليله وليله حمودي2009 قصص وحكايات عربية وشعبية وعالمية 0 01-18-2009 05:53 PM
مازالت شهينازمشغله مجلس نميمه علي بنت بلدها sondosa رفوف المحفوظات 115 03-13-2008 09:55 PM
يوسف الجراح بشحمة ولحمه يطير في الهواء أهداب ناعسة فضائح الفنانين والمشاهير 4 11-16-2006 02:22 AM
شاب كويتي يتحول بين يوم وليله الى بنت أخر الصفحات صور 2014 - 2015 4 05-12-2004 10:47 AM


الساعة الآن 12:37 AM


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd diamond

Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0